Ibn 'Adil · Tafsir · in Arabic
الحديد
Al-Hadid
The Iron · Medinan · 29 ayahs
57:1–8Page 537
سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ١
Whatever is in the heavens and earth exalts Allāh,1 and He is the Exalted in Might, the Wise.
لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ يُحۡيِۦ وَيُمِيتُۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ ٢
His is the dominion of the heavens and earth. He gives life and causes death, and He is over all things competent.
هُوَ ٱلۡأَوَّلُ وَٱلۡأٓخِرُ وَٱلظَّٰهِرُ وَٱلۡبَاطِنُۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٌ ٣
He is the First1 and the Last,2 the Ascendant3 and the Intimate,4 and He is, of all things, Knowing.
هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ يَعۡلَمُ مَا يَلِجُ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا يَخۡرُجُ مِنۡهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ وَمَا يَعۡرُجُ فِيهَاۖ وَهُوَ مَعَكُمۡ أَيۡنَ مَا كُنتُمۡۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ ٤
It is He who created the heavens and earth in six days and then established Himself above the Throne.1 He knows what penetrates into the earth and what emerges from it and what descends from the heaven and what ascends therein; and He is with you2 wherever you are. And Allāh, of what you do, is Seeing.
لَّهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرۡجَعُ ٱلۡأُمُورُ ٥
His is the dominion of the heavens and earth. And to Allāh are returned [all] matters.
يُولِجُ ٱلَّيۡلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلَّيۡلِۚ وَهُوَ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ٦
He causes the night to enter the day and causes the day to enter the night, and He is Knowing of that within the breasts.
ءَامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسۡتَخۡلَفِينَ فِيهِۖ فَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَأَنفَقُواْ لَهُمۡ أَجۡرٞ كَبِيرٞ ٧
Believe in Allāh and His Messenger and spend out of that in which He has made you successive inheritors. For those who have believed among you and spent,1 there will be a great reward.
وَمَا لَكُمۡ لَا تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلرَّسُولُ يَدۡعُوكُمۡ لِتُؤۡمِنُواْ بِرَبِّكُمۡ وَقَدۡ أَخَذَ مِيثَٰقَكُمۡ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ٨
And why do you not believe in Allāh while the Messenger invites you to believe in your Lord and He has taken your covenant, if you should [truly] be believers?
يعني ب " المسبحات ": الحديد والحشر والصف والجمعة والتغابن. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السماوات والأرض﴾ .
أي: مجّد الله ونزّهه عن السوء.
وقال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: صلى لله ما في السموات من خلق من الملائكة والأرض من شيء فيه روح، أو لا روح فيه.
وقيل: هو تسبيح الدلالة.
وأنكر الزجَّاج هذا وقال: لو كان هذا تسبيح الدلالة، وظهور آثار الصنعة لكانت مفهومة، فلم قال: ﴿ولكن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: 44] .
وإنما التسبيح مقال، واستدل بقوله تعالى: ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الجبال يُسَبِّحْنَ﴾ [الأنبياء: 79] ، ولو كان هذا التسبيح تسبيح دلالة، فأي تخصيص لداود؟ .
وقال القرطبي: هذا هو الصحيح.
فصل في الكلام على الفعل سبح
هذا الفعل عدي باللام تارة كهذه السورة، وأخرى بنفسه كقوله تعالى: ﴿وَسَبِّحُوهُ﴾ [الأحزاب: 42] ، وأصله التعدي بنفسه، لأن معنى «سبحته» : بعدته عن السوء، فاللام إما أن تكون مزيدة كهي في نصحت لزيد، ونصحته، وشكرته، وشكرت له؛ إذ يقال: سبحت الله تعالى، قال: ﴿وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف: 206] . وإما أن تكون للتعليل، أي: أحدث التسبيح لأجل الله تعالى.
وجاء في بعض الفواتح «سبَّح» بلفظ الماضي، وفي [بعضها] بلفظ المضارع، وذلك إشارة إلى أن هذه الأشياء مسبحة في كل الأوقات، لا يختص بوقت دون وقت، بل هي مسبحة أبداً في الماضي، وستكون مسبحة أبداً في المستقبل.
قوله: ﴿وَهُوَ العزيز الحكيم﴾ .
«العزيز» : الغالب القادر الذي لا ينازعه شيء، وذلك إشارة إلى كمال القدرة.
«الحكيم» : الذي يفعل أفعاله على وفق الحكمة والصواب.
قوله تعالى: ﴿لَهُ مُلْكُ السماوات والأرض﴾ .
جملة مستأنفة لا محل لها من الإعراب.
وحقيقة «المُلْك» عبارة عن نفوذ الأمر، فهو سبحانه وتعالى المالك القادر القاهر.
وقيل: أراد خزائن المطر والنبات والرِّزق.
قوله: ﴿يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ .
يجوز في هذه الجملة ثلاثة أوجه:
أحدها: أنها لا محل [لها] كالتي قبلها.
والثاني: أنها خبر مبتدأ مضمر، أي: هو له ملك.
الثالث: أنه الحال من الضمير في «له» فالعامل فيها الاستقرار.
ولم يذكر مفعول الإحياء والإماتة؛ إذ الغرض ذكر الفعلين [فقط، والمعنى ليميت] الأحياء في الدنيا، ويحيي الأموات للبعث.
وقيل: هو يحيي النُّطف، وهي أموات، ويميت الأحياء.
قال ابن الخطيب: «وعندي فيه وجه ثالث، وهو أنه ليس المراد منه تخصيص الإحياء والإماتة بزمان معين، وبأشخاص معينين، بل معناه: أنَّه القادر على خلق الحياة والموت، كقوله تعالى: ﴿الذي خَلَقَ الموت والحياة﴾ [الملك: 2] ، [والمقصود منه] كونه - تعالى - هو المنفرد بإيجاد هاتين الماهيتين على الإطلاق لا يمنعه عنهما مانع.
قوله: ﴿وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ لا يعجزه شيء.
قوله تعالى: ﴿هُوَ الأول والآخر﴾ الآية.
قال الزمخشري: فإن قلت: [فما معنى» الواو» ؟] .
قلت: «الواو» الأولى معناها الدلالة على [أنه الجامع بين الصفتين الأولية] ، والآخرية.
والثالثة على الجامع بين الظُّهور والخفاء.
وأما الوسطى فعلى أنه الجامع بين مجموع الصفتين الأوليين، ومجموع الصفتين الأخريين.
فصل في تفسير الآية
قال القرطبي رَحِمَهُ اللَّهُ: اختلف في معاني هذه الأسماء وقد شرحها رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ شرحاً يغني عن قول كل قائل.
روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «اللَّهُمَّ أنْتَ الأوَّلُ فليسَ قَبلكَ شيءٌ، وأنْتَ الآخرُ فليْسَ بعدكَ شيءٌ، وأنْتَ الظَّاهرُ فليس فوقكَ شيءٌ، وأنْتَ الباطنُ فليْسَ دُونَك شيءٌ، اقْضِ عنَّا الدَّينَ، وأغْنِنَا من الفَقْرِ» ، عنى بالظاهر الغالب، وبالباطن العالم، والله أعلم.
قوله: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ .
مما كان أو يكون لا يخفى عليه شيء، وهذا معنى قول ابن عباس.
قال ابن الخطيب: الظَّاهر بحسب الدلائل، والباطن بحسب الحواس.
والقول بأن الباطن هو العالم ضعيف؛ لأنه يلزم منه التكرار في قوله: «وهو بكل شيء عليم بما كان أو يكون» .
فصل في إثبات وحدانية الله
قال ابن الخطيب: احتج كثير من العلماء في إثبات أنَّ الإله واحد بقوله: «هو الأول» ، قالوا: الأول هو الفرد السَّابق، ولهذا لو قال: أول مملوك اشتريته فهو حر، ثم اشترى عبدين لم يعتقا؛ لأن شرط كونه أولاً حصول الفردية، وهنا لم تحصل، فلو اشترى بعد ذلك عبداً واحداً لم يعتق؛ لأن شرط الأولية كونه سابقاً، وهاهنا لم يحصل، فثبت أن الشَّرط في كونه أولاً أن يكون فرداً، فكانت الآية دالة على أنَّ صانع العالم فرد.
قوله تعالى: ﴿هُوَ الذي خَلَقَ السماوات والأرض فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ استوى عَلَى العرش﴾ .
تقدم [في «الأعراف» ] ، والمقصود منه دلائل القدرة.
﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأرض﴾ أي: يدخل فيها من مطر وغيره.
﴿وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾ من نباتٍ وغيره.
﴿وَمَا يَنزِلُ مِنَ السمآء﴾ من رزق ومطر وملك.
﴿وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ يصعد فيها من الملائكة، وأعمال العباد ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ يعني: بقدرته وسلطانه وعلمه.
﴿أَيْنَ مَا كُنتُمْ والله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ينظر أعمالكم ويراها، ولا يخفى عليه شيء منها.
فصل في الكلام على الآية
قال القرطبي: وقد جمع في هذه الآية بين ﴿استوى على العرش﴾ وبين «وهُوَ معكُم» ، والأخذ بالظَّاهر تناقض فدل على أنه لا بد من التأويل، والإعراض عن التأويل اعتراف بالتناقض.
وقد قال أبو المعالي: إن محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ليلة الإسراء لم يكن بأقرب إلى الله - عَزَّ وَجَلَّ - من يونس بن متَّى حين كان في بطن الحوت. وقد تقدم.
فصل في تفسير المعية
ذكر ابن الخطيب عن المتكلمين أنهم قالوا: هذه المعية إما بالعلم، وإما بالحفظ والحراسة، وعلى التقديرين فالإجماع منعقد على أنَّه - سبحانه وتعالى - ليس معنا بالمكانِ والحيز والجهةِ، فإذن قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ لا بد فيه من التأويل، فإذا جوَّزنا التأويل في موضع وجب تأويله في سَائر المواضع.
قوله تعالى: ﴿لَّهُ مُلْكُ السماوات والأرض﴾ .
هذا التكرير للتأكيد، أي: هو المعبود على الحقيقة.
﴿وَإِلَى الله تُرْجَعُ الأمور﴾ أي: أمور الخلائق في الآخرة.
وقد تقدم في البقرة» : أن الأخوين وابن عامر يقرءون: «تَرْجِعُ» بفتح التاء وكسر الجيم مبنيًّا للفاعل، والباقون: مبنيًّا للمفعول في جميع القرآن.
وقال أبو حيان هنا: وقرأ الجمهور: «تُرْجَعُ» مبنيًّا للمفعول، والحسن وابن أبي إسحاق والأعرج مبنيًّا للفاعل.
وهذا عجيب منه وقد وقع له مثل ذلك كما تقدم.
قوله: ﴿يُولِجُ الليل فِي النهار وَيُولِجُ النهار فِي الليل﴾ .
أي: ما ينتقص من النهار فيزيد في الليل، وما ينتقص من الليل فيزيد في النهار.
﴿وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور﴾ . أي: لا تخفى عليه الضمائر، ومن كان بهذه الصفة، فلا يجوز أن يعبد سواه.
قوله تعالى: ﴿آمِنُواْ بالله وَرَسُولِهِ﴾ .
أي: صدقوا أن الله واحد، وأن محمداً عبده ورسوله.
«وأنفِقُوا» : تصدقوا وقيل: أنفقوا في سبيل الله.
وقيل: المراد: الزكاة المفروضة.
وقيل: غيرها من وجوه الطاعات، وما يتقرب به.
وقوله تعالى: ﴿مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ دليل على أن أصل الملك لله سبحانه وتعالى، وأن العبد ليس له فيه إلاَّ التصرف الذي يرضي الله تعالى، فيثيبه على ذلك بالجنة، فمن أنفق منها في حقوق الله، وهان عليه الإنفاق منها كما يهون على الرجل النفقة من مال غيره، إذا أذن له فيه، كان له الثواب الجزيل.
وقال الحسن: «مُستخْلفِين فيه» بوراثتكم إياه عمن كان قبلكم، وهذا يدل على أنها ليست بأموالكم في الحقيقة، وما أنتم فيها إلا بمنزلة النُّواب والوكلاء، فاغتنموا الفوز، فإنها بإقامة الحق قبل أن تزال عنكم إلى من بعدكم.
﴿فالذين آمنوا وعملوا الصالحات منكم، وأنفقوا في سبيل الله لهم أجر كبير﴾ وهو الجنة.
فصل في الكلام على الآية
قال القاضي: هذه الآية تدل على أن هذا الأجر لا يحصل بالمال وحده حتى يضاف إليه هذا الإنفاق، فمن أخل بالواجب من زكاة وغيرها فلا أجر له.
قال ابن الخطيب: وهذا استدلال ضعيف؛ لأنه لا يلزم من نفي الأجر الكبير نفي أصل الأجر، فلم قلتم: إنها [تدل على أنه] لا أجر له أصلاً؟ .
فإن قيل: قوله» آمنوا بالله «خطاب مع من عرف الله أو مع من لم يعرف الله، فإن كان الأول كان ذلك أمراً بأن يعرف من عرفه، وذلك أمر بتحصيل الحاصل، وهو محال.
وإن كان الثاني كذلك كان ذلك الخطاب متوجِّهاً على من لم يكن عارفاً به، ومن لم يكن عارفاً يستحيل أن يكون عارفاً بأمره، فيكون الأمر متوجِّهاً على من يستحيل أن يعرف كونه مأموراً بذلك الأمر، وهو تكليف ما لا يُطاق.
قال ابن الخطيب: والجواب من النَّاس من قال: معرفة وجود الصَّانع حاصلة للكل، وإنما المقصود من هذا الأمر معرفة الصفات.
قوله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لاَ تُؤْمِنُونَ﴾ .
مبتدأ وخبر وحال: أي: أي شيء استقر لكم غير مؤمنين.
قال القرطبي: «هذا استفهام يراد به التوبيخ، أي: أي عذر لكم في ألا تؤمنوا وقد أزيحت العلل» . ﴿والرسول يَدْعُوكُمْ﴾ .
فقوله: ﴿والرسول يَدْعُوكُمْ﴾ جملة حالية من ضمير «تؤمنون» .
قال الزمخشري: «فهما حالان متداخلان» .
و «لتؤمنوا» متعلق ب «يدعو» أي: يدعوكم للإيمان، كقولك: «دعوته لكذا» .
ويجوز أن تكون «اللام» للعلة، أي: يدعوكم إلى الجنة وغفران الله لأجل الإيمان.
وفيه بعد.
وهذه الآية تدل على أنه لا حكم قبل ورود الشرع.
قوله: ﴿وَقَدْ أَخَذَ﴾ . حال أيضاً.
وقرأ العامة: «أخَذ» مبنيًّا للفاعل، وهو الله - تعالى - لتقدّم ذكره.
وقرأ أبو عمرو «أُخِذَ» مبنيًّا للمفعول، حذف الفاعل للعلم به.
و «ميثاقكم» منصوب في قراءة العامة، ومرفوع في قراءة أبي عمرو.
و «إن كنتم» جوابه محذوف، تقديره: فما يمنعكم من الإيمان.
وقيل: تقديره: إن كنتم مؤمنين لموجب ما رتبه، فهذا هو الموجب.
وقدره ابن عطية: إن كنتم مؤمنين فأنتم في رتبة شريفة.
فصل في المراد بهذا الميثاق
قال مجاهد: المراد بالميثاق هو المأخوذ عليهم حين أخرجهم من ظهر آدم، وقال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بلى﴾ [الأعراف: 172] .
قال ابن الخطيب: وهذا ضعيف؛ لأنه - تعالى - إنما ذكر أخذ الميثاق ليكون ذلك سبباً في أنه لم يبق لهم عُذْر في ترك الإيمان بعد ذلك، وأخذ الميثاق وقت إخراجهم من ظهر آدم غير معلوم للقوم إلاَّ بقول الرسول.
فقبل معرفة تصديق الرسول لا يكون ذلك سبباً في وجوب تصديق الرسول بل المراد بأخذ الميثاق نصب الدلائل والبينات، بأن ركب فيهم العقول، وأقام عليهم الحُجج والدلائل التي تدعو إلى متابعة الرَّسُول، وهذا معلوم لكل أحد، فيكون سبباً لوجوب الإيمان بالرسول.
فصل في حصول الإيمان بالعبد.
قال القاضي: قوله: ﴿وَمَا لَكُمْ لاَ تُؤْمِنُونَ﴾ يدل على قدرتهم على الإيمان، إذ لا يجوز أن يقال ذلك لمن لا يتمكن من الفعل كما لا يقال: ما لك لا تطول ولا تبيض، فيدل هذا على أن الاستطاعة قبل الفعل، وعلى أن القدرة صالحة للضدين، وعلى أن الإيمان حصل بالعبد لا بخلق الله.
قوله: ﴿إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ أي: إذْ كنتم مؤمنين.
وقيل: إن كنتم مؤمنين بالحجج والدليل.
وقيل: إن كنتم مؤمنين بحق يوماً من الأيام، فالآن فقد صحت براهينه.
وقيل: إن كنتم مؤمنين بأن الله خلقكم كانوا يعترفون بهذا.
وقيل: هذا خطاب لقوم آمنوا، وأخذ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ميثاقهم فارتدوا.
وقوله: ﴿إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ أي: كنتم تقرُّون بشرائط الإيمان.
57:9–10Page 538
هُوَ ٱلَّذِي يُنَزِّلُ عَلَىٰ عَبۡدِهِۦٓ ءَايَٰتِۭ بَيِّنَٰتٖ لِّيُخۡرِجَكُم مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ بِكُمۡ لَرَءُوفٞ رَّحِيمٞ ٩
It is He who sends down upon His Servant [Muḥammad (ﷺ)] verses of clear evidence that He may bring you out from darknesses into the light. And indeed, Allāh is to you Kind and Merciful.
وَمَا لَكُمۡ أَلَّا تُنفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَٰثُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ لَا يَسۡتَوِي مِنكُم مَّنۡ أَنفَقَ مِن قَبۡلِ ٱلۡفَتۡحِ وَقَٰتَلَۚ أُوْلَٰٓئِكَ أَعۡظَمُ دَرَجَةٗ مِّنَ ٱلَّذِينَ أَنفَقُواْ مِنۢ بَعۡدُ وَقَٰتَلُواْۚ وَكُلّٗا وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ ١٠
And why do you not spend in the cause of Allāh while to Allāh belongs the heritage of the heavens and the earth? Not equal among you are those who spent before the conquest [of Makkah] and fought [and those who did so after it]. Those are greater in degree than they who spent afterwards and fought. But to all Allāh has promised the best [reward]. And Allāh, of what you do, is Aware.
قوله تعالى: ﴿هُوَ الذي يُنَزِّلُ على عَبْدِهِ﴾ .
تقدمت قراءتا «يُنْزِلُ» تخفيفاً وتشديداً في «البقرة» .
وزيد بن علي: «أنْزَلَ» ماضياً.
وقوله: ﴿آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ يعني القرآن.
وقيل: المعجزات، أي: لزمكم الإيمان بمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لما معه من المعجزات والقرآن أكبرها وأعظمها.
﴿لِّيُخْرِجَكُم﴾ أي: بالقرآن.
وقيل: بالرسول.
وقيل: بالدعوة، ﴿مِّنَ الظلمات﴾ ، وهو الشرك والكفر.
﴿إِلَى النور﴾ وهو الإيمان ﴿وَإِنَّ الله بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ .
فصل في إرادة الله للإيمان
قال القاضي: هذه الآية تدل على إرادته للإيمان، أكد ذلك بقوله: ﴿وَإِنَّ الله بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ .
فإن قيل: أليس يدل ظاهرها على أنه يخرج من الظلمات إلى النور، فيجب أن يكون الإيمان من فعله؟ .
قلنا: إذا كان الإيمان بخلقه لا يبقى لقوله: ﴿هُوَ الذي يُنَزِّلُ على عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِّيُخْرِجَكُم﴾ [الحديد: 9] معنى؛ لأن ما يخلقه لا يتغير، بل المراد أنه يلطف بهم.
قال ابن الخطيب: وهذا على حسنه معارض بالعلم؛ لأنه علم أن إيمانهم لا يوجد فقد كلفهم بما لا يوجد، فكيف يعقل مع هذا أنه أراد منهم الخير والإحسان، وحمل بعضهم قوله: ﴿وَإِنَّ الله بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ على بعثة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ولا وجه لهذا التخصيص.
قوله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تُنفِقُواْ﴾ .
الكلام فيه كالكلام في قوله: ﴿وَمَا لَنَآ أَلاَّ نُقَاتِلَ﴾ [البقرة: 246] ، فالأصل: «في ألا تنفقُوا» .
فلما حذف حرف الجر جرى الخلاف المشهور، وأبو الحسن يرى زيادتها كما تقدم تقريره في البقرة.
قوله: ﴿وَلِلَّهِ مِيرَاثُ﴾ جملة حالية من فاعل الاستقرار أو مفعوله، أي: وأي شيء يمنعكم من الإنفاق في سبيل الله، والحال أن ميراث السموات والأرض له، فهذه حال منافية.
فصل في الكلام على الإنفاق
لما أمر أولاً بالإيمان وبالإنفاق، ثم أكَّده في الآية المتقدمة بإيجاب الإيمان بالله أتبعه في هذه الآية بتأكيد إيجاد الإنفاق، والمعنى: أنكم ستموتون فتورثون، فهلا قدّمتموه في الإنفاق على طاعة الله؟ .
وتحقيقه: أن المال لا بد وأن يخرج من اليد، إما بالموت وإما بالإنفاق في سبيل الله، فإن خرج بالموت كان أثره اللَّعنُ والمقتُ والطرد والعقاب، وإن خرج بالإنفاق في سبيل الله كان أثره المدح والثواب وإذا كان لا بد من خروجه من اليد، فكل عاقل يعلم أن خروجه عن اليد بحيث يستعقب المدح والثواب أولى منه مما يستعقب اللعن والعقاب، ثم لما بين تعالى أن الإنفاق في سبيل الله فضيلة بيَّن أن المسابقة في الإنفاق تمام الفضيلة، فقال: ﴿لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الفتح وَقَاتَلَ﴾ .
قوله: ﴿لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ﴾ .
في فاعل «يستوي» وجهان:
أظهرهما: أنه «مَنْ أنفق» وعلى هذا فلا بد من حذف معطوف يتم به الكلام، فقدره الزمخشري: لا يستوي منكم من أنفق قبل فتح «مكة» وقوة الإسلام، ومن أنفق من بعد الفتح، [فحذف لوضوح الدلالة] .
[وقدره أبو البقاء: «ومن لم ينفق» .
قال: ودلّ على المحذوف قوله: ﴿مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الفتح﴾ ] .
والأول أحسن؛ لأن السِّياق إنما جيء بالآية ليفرق بين النَّفقتين في زمانين.
والثاني: أن فاعله ضمير يعود على الإنفاق، أي: لا يستوي جنس الإنفاق إذ منه ما وقع قبل الفتح، ومنه ما وقع بعده.
فهذان النَّوعان متفاوتان، وعلى هذا فيكون «من» مبتدأ، و «أولئك» مبتدأ ثاني، و «أعظم» خبره، والجملة خبر «من» . وهذا ينبغي ألاَّ يجوز ألبتة.
وكأن هذا المعرب غفل عن قوله: «منكم» ، فلو أعرب هذا القائل «منكم» خبراً مقدماً، و «من» مبتدأ مؤخراً، والتقدير: منكم من أنفق من قبل الفتح، ومنكم من لم ينفق قبله ولم يقاتل، وحذف هذا لدلالة الكلام عليه لكان سديداً، ولكنه سَهَا عن لفظة «منكم» .
فصل في المراد بالفتح
أكثر المفسرين على أن المراد بالفتح فتح «مكة» .
وقال الشعبي والزهري: فتح «الحديبية» .
قال قتادة: كان قتالان، أحدهما أفضل من الآخر، ونفقتان إحداهما أفضل من الأخرى؛ لأن القتال والنفقة قبل فتح «مكة» أفضل من القتال والنفقة بعد ذلك، وإنما كانت النفقة قبل الفتح أعظم، لأن حاجة النَّاس كانت أكثر لضعف الإسلام، وفعل ذلك كان على المنفقين حينئذ أشق، والأجر على قدر النَّصب.
قال مالك رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: ينبغي أن يقدم أهل الفضل والعزم لقوله تعالى: ﴿لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الفتح وَقَاتَلَ﴾ .
قال الكلبي: نزلت في أبي بكر وفيها دليل واضح على تفضيل أبي بكر وتقديمه؛ لأنه أوَّل من أسلم، وأول من أنفق في سبيل الله.
وقال عبد الله بن مسعود رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: أوَّل من أظهر الإسلام بسيفه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وأبو بكر.
وعن ابن عمر قال: «كنت عند النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وعنده أبو بكر، وعليه عباءة قد خلَّلها في صدره بخلالٍ، فنزل جبريل عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ فقال: يا نبي الله، ما لي أرى أبا بكر عليه عباءة قد خللها في صدره بخلال؟ قال:» أنْفَقَ مالهُ عليَّ قَبْلَ الفَتحِ «، قال: فإن الله تعالى يقول لك: اقرأ على أبي بكر السلام، وقل له: أنت راضٍ في فقرك أم ساخط؟ فقال أبو بكر: إني عن ربي لَراضٍ، قال: فإن الله - تعالى - يقول لك قد رضيت عنك كما أنت عني راضٍ، فبكى أبو بكر، فقال جبريل: والذي بعثك يا محمد بالحق لقد تخلَّلت حملةُ العرش بالعبى منذ تخلَّل صاحبك هذا بالعباءة» .
ولهذا قدمه الصحابة على أنفسهم وأقرُّوا له بالتقدم والسبق.
وقال علي بن أبي طالب رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: سبق النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وثنى أبو بكر وثلث عمر، فلا أوتى برجل فضلني على أبي بكر إلا جلدته حد [المفتري] ثمانين جلدة وطرح الشهادة.
فصل في التقدم والتأخر في أحكام الدين
فإن قلت: التقدم والتأخر قد يكون في أحكام الدنيا، فأما في أحكام الدين فقالت عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: أمرنا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أن ننزل النَّاس منازلهم. وأعظم المنازل مرتبة الصلاة.
وقد قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في مرضه: «مُرُوا أبَا بَكْر فليُصَلِّ بالنَّاسِ» .
وقال: «يَؤم القَوْمَ أقرؤهُم لِكتابِ اللَّه» .
وقال: «وليؤمكما أكبركما» .
وفهم منه العلماء أنه أراد كبر المنزلة، كما قال عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «الوَلاَء للْكِبَرِ» ولم يَعْنِ كبر السن.
وقد قال مالك وغيره: إن للسن حقًّا، وراعاهُ الشَّافعي وأبو حنيفة، وهو أحق بالمراعاة.
وأما أحكام الدنيا فهي مرتبة على أحكام الدين، فمن قدم في الدين قدم في الدنيا.
وفي الحديث: «ليْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يُوقِّر كبِيْرنَا ويرْحَمْ صَغِيْرَنا ويَعرفْ لِعَالِمنَا حقَّهُ» .
وفي الحديث أيضاً: «مَا أكْرَمَ شابٌّ شَيْخاً لسنِّهِ إلاَّ قيَّضَ اللَّهُ لهُ عِندَ سنِّهِ مَنْ يُكرمهُ» .
قوله: ﴿وَكُلاًّ وَعَدَ الله الحسنى﴾ .
قراءة العامة: بالنَّصب على أنَّه مفعول مقدم، وهي مرسومة في مصاحفهم «وكلاًّ» بألف.
وابن عامر: برفعه.
وفيه وجهان:
أظهرهما: أنه ارتفع على الابتداء، والجملة بعده خبره، والعائد محذوف أي: وعده الله.
ومثله: [الرجز]
4716 - قَدْ أصْبَحَتْ أمُّ الخِيَارِ تَدَّعِي ... عَلَيَّ ذَنْباً كُلُّهُ لَمْ أصْنَعِ
برفع «كلُّه» أي: لم أصنعه.
والبصريون [رحمة الله عليهم] لا يجيزون هذا إلاَّ في شعر، كقوله: [السريع]
4717 - وخَالِدٌ يَحْمَدُ سَادَاتِنَا ... بالحَقِّ لا يَحْمَدُ بالبَاطِلِ
ونقل ابن مالك الإجماع من البصريين والكوفيين على جواز ذلك إن كان المبتدأ «كُلاًّ» وما أشبهها في الافتقار والعموم.
قال شهاب الدين لم أره لغيره وقد تقدم نحو من ذلك في سورة «المائدة» ، عند قوله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الجاهلية يَبْغُونَ﴾ [المائدة: 50] ولم يرو قوله: «كله لم أصنع» إلا بالرفع مع إمكان أن تنصبه، فتقول: «كله لم أصنع» مفعولاً مقدماً.
قال أهل البيان: لأنه قصد عموم السَّلب لا سلب العموم، فإن الأول أبلغ، وجعلوا من ذلك قوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ «كُلُّ ذلِكَ لَمْ يَكُنْ» .
ولو قال: لم يكن كل ذلك، لكان سلباً للعموم، والمقصود عموم السَّلب.
قال الشيخ عبد القاهر: المعنى يتفاوت بالرفع والنصب، فمع الرفع يفيد أنه لم يفعل شيئاً من الأشياء، ومع النَّصْب يفيد أنه يفعل المجموع، ولا يلزم أنه لم يفعل البعض، بل إن قلنا بدليل الخطاب دل على أنه فعل البعض.
والثاني: أن يكون «كلّ» خبر مبتدأ محذوف، و ﴿وعد الله الحسنى﴾ صفة لما قبله، والعائد محذوف، أي: «وأولئك كل وعد الله الحسنى» .
فإن قيل: الحذف موجود أيضاً فقد عدتم لما فررتم منه؟ .
فالجواب: أن حذف العائد من الصفة كثير بخلاف حذفه من الخبر.
ومن حذفه من الصفة قوله: [الوافر] 4718 - ومَا أدْرِي أغَيَّرَهُمْ تَنَاءٍ ... وطُولُ العَهْدِ أمْ مَالٌ أصَابُوا
أي: أصابوه، ومثله كثير، وهي في مصاحف «الشام» مرسومة: «وكلّ» دون ألف فقد وافق كل مصحفه، و «الحسنى» مفعول ثان، والأول محذوف على قراءة الرفع.
وأمَّا النصب فالأول مقدّم على عامله.
ومعنى الآية: أن المتقدمين السَّابقين والمتأخرين اللاَّحقين وعدهم الله جميعاً الجنة مع تفاوت الدرجات.
﴿والله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ أي: أنه لما وعد السَّابقين والمحسنين بالثواب فلا بد وأن يكون عالماً بالخيرات، وبجميع المعلُومات حتى يمكنه إيصال الثَّواب إلى المستحقين، إذ لو لم يكن عالماً بهم، وبأفعالهم على سبيل التفصيل لما أمكن الخروج من عهدة الوعد بالتَّمام، فلهذا السَّبب أتبع هذا الوعد بقوله: ﴿والله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ .
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences