Ibn 'AdilGhafir · 40:1–9

Ibn 'Adil · Tafsir · in Arabic

غافر

Ghafir

The Forgiver · Meccan · 85 ayahs

40:1–6Page 467

حمٓ ١

Ḥā, Meem.1

تَنزِيلُ ٱلۡكِتَٰبِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡعَلِيمِ ٢

The revelation of the Book [i.e., the Qur’ān] is from Allāh, the Exalted in Might, the Knowing,

غَافِرِ ٱلذَّنۢبِ وَقَابِلِ ٱلتَّوۡبِ شَدِيدِ ٱلۡعِقَابِ ذِي ٱلطَّوۡلِۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ إِلَيۡهِ ٱلۡمَصِيرُ ٣

The forgiver of sin, acceptor of repentance, severe in punishment, owner of abundance. There is no deity except Him; to Him is the destination.

مَا يُجَٰدِلُ فِيٓ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَا يَغۡرُرۡكَ تَقَلُّبُهُمۡ فِي ٱلۡبِلَٰدِ ٤

No one disputes concerning the signs of Allāh except those who disbelieve, so be not deceived by their [uninhibited] movement throughout the land.

كَذَّبَتۡ قَبۡلَهُمۡ قَوۡمُ نُوحٖ وَٱلۡأَحۡزَابُ مِنۢ بَعۡدِهِمۡۖ وَهَمَّتۡ كُلُّ أُمَّةِۭ بِرَسُولِهِمۡ لِيَأۡخُذُوهُۖ وَجَٰدَلُواْ بِٱلۡبَٰطِلِ لِيُدۡحِضُواْ بِهِ ٱلۡحَقَّ فَأَخَذۡتُهُمۡۖ فَكَيۡفَ كَانَ عِقَابِ ٥

The people of Noah denied before them and the [disbelieving] factions after them, and every nation intended [a plot] for their messenger to seize him, and they disputed by [using] falsehood to [attempt to] invalidate thereby the truth. So I seized them, and how [terrible] was My penalty.

وَكَذَٰلِكَ حَقَّتۡ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَنَّهُمۡ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِ ٦

And thus has the word [i.e., decree] of your Lord come into effect upon those who disbelieved that they are companions of the Fire.

مكية وتسمى سورة الطول، وسورة المؤمن، وهي خمس وثمانون آية، وألف ومائة وتسع وتسعون كلمة وأربعة آلاف وتسعمائة وستون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿حم﴾ كقوله الَمَ وبابه، وقرأ الأخوان وأبو بكر وابن ذكوان بإمالة (حا) في السور السبع إمالة محضة، وورش، وأبو عمرو بالإمالة بين بين، والباقون بالفتح، والعامة على سكون الميم كسائر الحروف المقطعة. وقرأ الزهري برفع الميم على أنه خبر مبتدأ مضمر، أو مبتدأ والخبر ما بعدها، وابن إسحاق وعيسى بفتحها وهي تحتمل وجهين:

أحدهما: أنها منصوبة بفعل مقدر أي اقرأ حم، وإنما منع من الصرف للعملية والتأنيث، أو العلمية وشبه العجمة وذلك أنه لس في الأوزان العربية وزن «فاعيل» بخلاف الأعجمية نحو قابيل وهابيل.

والثاني: أنها حركة بناء تخفيفاً كَأَيْنَ وكَيْفَ. وفي احتمال هذه الوجهين ولن الكميت:

4314 - وَجَدْنَا لَكُمْ في آلِ حَامِيم آيَةً ... تَأَوَّلَهَا مِنَّا تَقِيٌّ ومُعْرِبُ

وقول شُرَيح بن أوفى:

4315 - يُذَكِّرُنِي حَامِيم والرُّمْحُ شَاجِرٌ ... فَهَلاَّ تَلاَ حَامِيمَ قَبْلَ التَّقَدُّمِ

وقرأ أبو السَّمَّالِ بكسرها، وهل يجوز أن يجمع (حم) على «حواميم» ونقل ابن الجوزي عن شيخه الجواليقي أنه خطأ وليس بصواب بل الصواب أن تقول قرأت أل حم، وفي الحديث عن ابن مسعود رَضِيَ اللَّهُ عَنْه، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «إذَا وَقَعْتُ فِي آلِ حمَ وَقَعْتُ في رَوْضَاتٍ أَتأَنَّقُ فيهن» وقال سعيد بن إبراهيم: كلّ آل حم يسمين العرائس، قال الكُمَيْتُ:

4316 - وحدنا لكم في آل حاميم ... ... ... ... ....... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... .

ومنهم من جوزه، وروي في ذلك أحاديث منها قوله عليه (الصلاة و) السلام: «الحَوَامِيمُ دِيبَاجُ القرآن» ، وقوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «الحواميمُ سبعُ وأبوابٌ جهنَّمَ سبعُ: جهنمُ والحُطَمَةٌ ولَظَى والسعيرُ وسَقَرُ والهاويةُ والجحيمُ فتجيء كل جسم منهم يوم القيامة على باب من هذه الأبواب فتقول لا يدخل النار من كان يؤمن بي ويقرأني» وقوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «لكل شيء ثمرةٌ وثمرةُ القرآن ذواتُ حم هن روضات حسان مخصبات متجاورات فمن أجب أن يَرْتَعَ في رِيَاضِ الجنة فليقرأ الحواميم» ، وقوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «الحواميم في القرآن كمثل الحِبَرَاتِ في الثياب» وقال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما لكل شيء لُباب ولُباب القرآن الحواميمُ.

فإن صحت هذه الأحاديث فهي الفصل في ذلك.

قوله «تَنْزِيلُ» إما خبرٌ ل «حمَ» إن كانت مبتدأ، وإما خبر لمبتدأ مضمر، أو مبتدأ وخبره الجار بعده. قال ابن الخطيب: قال «تنزيل» والمراد منه المنزل.

فصل

روي السُّدي عن ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما قال: حم اسم الله الأعظم، وروى عكرمة عنه قال: الم وحم ون حروف الرحمن مقطعة، وقاله سعيد بن جبير: (وقال) عطاء الخراساني: الحاء افتتاح أسمائه حكيم حميد حي حليم حنان، والميم افتتاح اسمائه ملك مجيد.

قال الضحاك والكسائيّ معناه قضى ما هو كائن كأنهما أشارا إلى أن معناه: حُمَّ، بضم الحاء وتشديد الميم.

قوله «مِنَ اللهِ» لما ذكر أن حم تنزيل الكتاب وجب بيان أن المنزل من هو؟ فقال: من الله، ثم بين أن الله تعالى موصوف بصفات الجلالة فقال «العَزِيزِ العَلِيمِ» .

فبين أنه بقدرته وعلمه نزل القرآن الذي يتضمن المصالح والإعجاز، ولولا كونه عزيزاً عالماً لما صح ذَلك.

قوله تعالى: ﴿غَافِرِ الذنب وَقَابِلِ التوب شَدِيدِ العقاب﴾ في هذه الأوصاف ثلاثة أوجه: أحدها: أنها كلها صفات الجلالة ك العزيز، والعليم. وإنما جاز وصف المعرفة بهذه وإن كانت إضافتها لفظية لأنه يجوز أن تجعل إضافتها (معنوية) فيتعرَّف بالإضافة نص سيبويه على أن كل ما إضافته غير محضة جاز أن يجعل محضة وتوصف به المعارف إلا الصفة المشبهة، ولم يستثن غيره شيئاً وهم الكوفيون يقولون في مثل «حَسَن الوَجْهِ» بأنه يجوز أن تصير إضافته محضة. وعلى هذا فقوله: «شَدِيدِ العِقَابِ» من باب الصفة المشبهة فكيف أجزت جعله صفة للمعرفة وهو لا يتعرف إلا بالإضافة؟

والجواب: إمّا بالتزام مذهب الكوفيين وهو أن الصفة المشبهة يجوز أن تتمخض إضافتها أيضاً فتكون معرفة وإما بأن «شديد» بمعنى مشدد كأَذِين بمعنى «مؤذن» فتتمحض إضافته.

والثاني: أن يكون الكلِ أبْدالاً لأن إضافتها غير محضة قاله الزمخشري، إلا أن هذا الإبدال بالمشتق قليل جداً إلا أن يهجر فيها جانب الوصفية.

الثالث: أن يكون «غَافِرِ» و «قَابِلِ» نعتَيْنِ و «شَدِيدِ» بدلاً لِمَا تقدم من أن الصفة المشبهة لا تتعرف بالإضافة قاله الزجاج إلا أن الزمخشري قال: جعل الزجاج «شديد العقاب» وحده بدلاً للصفات فيه نُبُوٌّ ظاهر. والوجه أن يقال: لما صُودِفَ بين هذه المعارف هذه النكرة الواحدة فقد آذنت بأنها كلها أبدال غير أوصاف، ومثال ذلك قصيدة جاءت تفاعيلها كلها على «مُسْتَفْعِلُن» فهي محكوم عليها بأنها من الرجز، فإن وقع فيها جزءٌ واحد على «مُتَفَاعِلُن» كانت من الكامل. وناقشه أبو حيان فقال: ولا نُبُوَّ في ذلك؛ لأن الجري على القواعد التي قد استقرت وصحت وهو الأصل. وقوله «فقد آذنت بأن كلها أبدال» تركيب غير عربي لأنه جعل فقد آذنت جواب لما، وليس من كلامهم: لَمَّا قَامَ زَيْدٌ فَقَدْ قَام عَمْرو. وقوله بأنّ كلها أبدال فيه تكرير للأبدال إمّا بدل البَدَاء عند من أثبته فقد تكررت فيه الأبدال، وإما بدل كل من كل وبدل بعض من كل وبدل اشتمال، فلا نص على أحد من النحويين أعرفه في جواز التكرار فيها أو منعه إلا أن في كلام بعض أصحابنا ما يدل على أن البدل لا يكرر وذلك في قول الشاعر:

4317 - فَإلَى ابْنِ أُمِّ أُنَاسَ أَرْحَلُ نَاقَتِي ... عَمْرٍو فَتُبْلِغُ حَاجَتِي أو تُزْحِفُ

مَلِكٍ إذَا نَزَلَ الوُفُودُ ببَابِهِ ... عَرَفُوا مَوَارِدَ مُزْبِدٍ لاَ يُنْزِفُ

قال: «فملك» بدل من «عمرو» بدل نكرة من معرفة، قال: فإن قلتَ: ألا يكون بدلاً من «أبن أم أناس» قلتُ: لأنه قد أبدل منه «عمراً» فلا يجوز أن يبدل منه مرة أخرى لأنه قد طرح انتهى.

قال أبو حيان: فدل هذا على أن البدل لا يتكرر ويتحد المبدل منه، ودل على أن البدل من البدل جَائز. قال شهاب الدين: وهذا البحث قد تقدم في قوله ﴿غَيْرِ المغضوب عَلَيْهِم﴾ [الفاتحة: 7] فلْيُلْتَفَتْ إليه.

قال: وقوله تفاعيلها هو جمع تِفْعال أو تُفْعُول أو تَفْعِيل وليس شيء منها معدوداً من أجزاء العروض، فإن أجزاءه مُنْحَصِرَة ليس فيها شيء من هذه الأوزان فصوابه أن يقول: جاءت أجزاؤها كلها مُسْتَفعِلُن.

وقال الزمخشري أيضاً: ولقائل أن يقول هي صفات وإنما حذفت الألف واللام من «شديد» لِيُزَاوجَ ماقبله وما بعده لفظاً فقد غيروا كثيراً من كلامهم عن قوانينه لأجل الإزاج، قالوا: ما يعرف سَحَادَلَيْهِ من عُنَادَلَيْهِ، فَثنَّوا ما هو «وَتر» لأجل ما هو « شَفْعٌ» . على أن الخليل قال في قولهم: ما يَحْسُنُ بالرجل (مِثْلِكَ أنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ، وما يَحْسُنُ بالرجل) خير منك أنه على نية الألف واللام كما كان الجَمَّاء الغفير على نية طرح الألف واللام، ومما سهل ذلك الأمن من اللبس وجهالة الموصوف. قال أبو حيان: ولا ضرورة إلى حذف «آل» من «شديد العقاب» وتشبيهه بنادر مغير وهو تثنية الوَتْر لأجل الشفع فيتنزه كتاب الله عن ذلك.

قال شهاب الدين: أما الازدواج وهو المشاكلة من حيث هو فإنه واقع في القرآن وقد مضى منه مواضع.

وقال الزمخشري أيضاً: ويجوز أن يقال: قد تعمد تنكيره وإبهامه للدلالة على فرط الشِّدَّةِ على ما لا شيء أدْهَى منه وَأَمرّ لزيادة الإنذار. ويجوز أن يقال: هذه النكتة هي الداعية إلى اختيار البدل على الوصف إذا سلكت طريق الإبدال انتهى.

وقال مكي: يجوز في «غافر وقابل» البدل على أنهما نكرتان لا ستقبالهما والوصف على أنهما معرفتان لمُضِيِهِمَا. وقال ابن الخطيب لا نزال في جعل «غافر» صفة، وإنما كانا كذلك لأنهما يفيدان معنى الدوام والاستمرار فكذلك (شديد العقاب) يفيد ذلك لأن صفاته منزهة عن الحدوث والتجدد فمعناه كونه بحيث شديد عقابه، وهذا المعنى حاصل أبداً لا يصوف بأنه حصل بعد أن لم يكن قال أبو حيان: وهذا كلام من لم يقف على علم النحو ولا نظر فيه ويلزمه أن يكون «حَكيٍمٌ عَلِيمٌ» و «مَلِيكٌ مُقْتَدِرٌ» معارف لتنزيه صفاته عن الحدوث والتجدد، ولأنها صفاتٌ لم تَحْدُثْ لم تحصل بعد أن لم تكن ويكون تعريف صفاته بأل وتنكيرها سواء، وهذا لا يقوله مبتدىءٌ في علم النحو بَلْه أن يًصَنّفَ فيه ويقدم على تفسير كتاب الله تعالى.

وقد سُرِدَتْ هذه الصفات كلياً من غير عاطف إلا «قابل التوت» قال بعضهم: وإنما عطف لاجتماعهما وتلازمهما وعدم انفكاك أحدهما عن الآخر وقطع «شديد» عنهما فلم يعطف لانفراده.

قال أبو حيان: وفيه نزعة اعتزالية، ومذهب أهل السنة جواز الغفران للعاصي وإن لم يتب إلا الشرك. قال شهاب الدين: وما أبعده عن نزعة الاعتزالية. ثم أقول: التلازم لازم من جهة أنه تعالى متى قَبِلَ التوبة فقد غفر الذنبل وهو كَافٍ في التَّلاَزُم.

قال الزمخشري فإن قلتَ: ما بال الواو في قوله: «وَقَابِلِ التَّوْبِ» ؟ قلتُ: فيها نكتة جليلة وهي إفادة الجمع المذنب والتائب بين رحمتين بين أن يقبل توبته فيقبلها فيكتبها له طاعة من الطاعات وإن لم يجعلها مَحَّاءَةً للذنبوب كمن لم يذنب كأنه قال: جامعُ المغفرة والقبول أنتهى.

وبعد هذا الكلام الأنيق وإبراز هذه المعاني الحسنة قال أبو حيان: وما أكثر تَهَجُّحَ هذا الرجل وشَقْشَقَتَه، والذي أفاد: أن الواو للجمع وهذا معروف من ظاهر علم النحو. قال شهاب الدين: وقد أنشدني بعضهم رَحِمَهُ اللَّهُ:

4318 - وَكَمْ مِنْ عَائِبٍ قَوْلاً صَحِيحاً ... وآفَتُهُ مِنَ الفَهْمِ السَّقِيمِ

(وآخر) :

4319 - قَدْ تُنْكِرُ العَيْنُ ضَوْءَ الشَّمْسِ مِنْ رَمَدٍ ... وَيُنْكِرُ الفَمُ طَعْمَ المَاءِ مِنْ سَقَمِ

والتَّوْبُ (يحتمل) أن يكون اسماً مفرداً مراداً به الجِنس كالذَّنْب، وأن يكون جمعاً لتَوْبَةٍ كتَمْرٍ وتَمْرَةٍ و «ذِي الطَّوْلِ» نعت أو بدل كما تقدم، والطَّوْلُ سَعَةُ الفَضْل، و «لاَ إله إلاَّ هُوَ» يجوز أن يكون مستأنفاً، وأن يكون حالاً وحي حالٌ لازمةٌ، وقال أبو البقاء يجوز أن يكون صفة، وهذا على ظا هره فاسد؛ لأن الجُمَل لا تكون صفة للمعارف، ويمكن أن يريد أنه صفة لشديد العقاب، لأنه لم يتعرف بالإضافة.

والقول في «إلَيْهِ المَصِيرُ» كالقول في الجملة قبله ويجوز أن يكون حالاً من الجُمْلَةِ قبله.

فصل

قال المفسرون: غافر الذنب ساتر الذنب وقابل التوب أي التوبة، مصدر تَابَ يَتُوبُ تَوْباً، وقيل: التوب جمع توبة مثل: دَوْمَة ودَوْم، وعَوْمة وعَوْم، وقال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: غافر لمن قال لا إله إلا الله، وقال التوب لمن قال لا إله إلا الله، شديد العقاب لمن لا يقول لا إله إلا الله، «ذي الطول» ذي الغِنَى عمن لا يقول لا إله إلا الله.

قال مجاهد: ذي الطول ذي السَّعَةِ، والغِنَى، وقال الحسن: ذي الفضل، وقال قتادة: ذو النعم، وقيل: ذو القدرة، وأصل الطَّوْل الإنعام الذي تطولُ مُدَّتُهُ على صابحه، لا إله إلا هو إليه المصير. والمعنى أنه لما وصف نفسه بصفاتِ الرحمة والفضل فلو حصل معه إله آخر يشاركه في صفة الرحمة والفضل لما كانت الحاجة إلى عبوديته شديدة فكان الترغيب والترهيب الكاملين حاصلين بسبب هذا التوحيد. وقوله «إلَيثْهِ المَصِيرُ» مما يقوِّي الرغبة في الإقرار بالعبودية.

قوله تعالى: ﴿مَا يُجَادِلُ في آيَاتِ الله إِلاَّ الذين كَفَرُواْ﴾ لما قرر أن القرآن كتابه أنزله ليهتدى به في الدين ذكر أقوال من يجادل لغرض إبطاله فقال ﴿ما يجادل في آيات الله﴾ أي في دفع آيات الله بالتكذيب والإنكار إلا الذين كفروا.

واعلم أن الجدالَ نوعان، جدالٌ في تقرير الحق، وجدالٌ في تقرير الباطل، أما الجدال في تقرير الحق فهو حِرْفة الأنبياء عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ قال تعالى لمحمد عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ ﴿وَجَادِلْهُم بالتي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: 125] وحكى عن قوم نوح قولهم: ﴿قَالُواْ يانوح قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا﴾ [هود: 23] . وأما الجدال في يتقرير الباطل فهو مذموم وهو المراد بهذه الآية، وقال عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «إنَّ جِدَالاً في القُرْآنِ كُفْرٌ» وروى عمرو بنُ شُعَيْبٍ عن أبيه عن جده قال: «سمع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قوماً يَتَمارَوْنَ فقال: إنما هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلضكُمْ بهذا ضربوا كتابَ الله عزّ وجلّ بعضَه ببعض، وإنما نزمل كتاب الله يُصَدِّق بعضه بعضاً فلا تكذبوا بعضَه ببعض فما علمتم منه فقُولُوه، وما جَهْلتم فكِلُوهُ إلى عالمه» ، وقال تعال: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاَ بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: 58] وقال: ﴿وَجَادَلُوا بالباطل لِيُدْحِضُواْ بِهِ الحق﴾ [غافر: 5] .

قوله «فَلاَ يَغْرُرْكَ» قرأ العامة بالفك وهي لغة الحِجَاز، وزيدُ بنُ عليّ وعُبَيْدُ بن عُمَيْرٍ فلا يَغُرَّكَ بالإدغام مفتوح الراء وهي لغة تَمِيمٍ.

فصل

جدالهم في آيات الله هو قولهم مخرة سحرٌ، ومرة هو شعرٌ، ومرة إنه قول الكهنة، ومرة إنه أساطير الأولين، ومرة إنه يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ، وقولهم: ﴿مَآ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا﴾ [يس: 15] أَأنْزِلَ عَلَيْنَا المَلاَئِكَةُ، وأشباه هذا.

ثم قال: ﴿فَلاَ يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي البلاد﴾ أي لا تغترَّ بأني أمْهَلْتُهُمْ وتركتهم سالمين في أبدانهم وأموالهم يتقلبون في البلاد أي يتصرفون فيها للتجارات وطلب المعاش فإني وإن أمهلتهم فإني سآخذهم وأنتقم كما فعلت بالأمم الماضية.

ثم كشف عن هذا المعنى فقال ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ والأحزاب مِن بَعْدِهِمْ﴾ وهم الكفار الذين تحزبوا على أنبيائهم بالتكذيب من بعد قوم نوح ﴿وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ﴾ ، وقال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: ليقتلوه ويُهلكوه وقيل: ليأسِرُوه.

وقرأ عبد الله بِرَسُولِها، أعاد الضمير على لفظ «الله» والجمهور على معناها، وفي قوله « ليأخذوه» عبارة عن المُسَبَّبِ بالسَّبَبِ وذلك أن القتل مسبب عن الأخذ ومنه قيل لِلأسير: أخِيذٌ قال:

4320 - فَإمَّا تأْخُذُونِي تَقْتُلُونِي ... فكَمْ مِنْ واحدٍ يَهْوَى خُلُودِي

﴿وَجَادَلُوا بالباطل لِيُدْحِضُواْ بِهِ الحق﴾ ليُبْتطِلُوا به الحق الذي جاءت به الرسلُ، ﴿فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾ اجتزاءٌ بالكسرة عن ياء المتكلم وصلاً ووقفاً؛ لأنها رأ س فاصلة، والمعنى فأنزلت بهم من الهلاك ما هموا بإنزاله بالرسل، وأرادوا أن يأخذوهم فأخذتهم أنا فيكف كان عقابي إيَّاهُم؟ أليس كان مستأصلاً؟ فأنا أفعل بقومك ما فعلت بهؤلاء إن أصروا على الكفر والجدال في آيات الله.

قوله تعالى (تعالى) «وَكَذَلِكَ حَقَّتْ» يحتمل الكاف أن تكون مرفوعة المحل على خبر مبتدأ مضمر، أي والأمر كذلك: ثم أخبر بأنه حقت كلمة الله عليهم بالعذاب، وأن يكون نعتاً لمصدر محذوف أي مثل ذلك الوجوب من عقابهم وجب على الكفرة، والمعنى كما حقت كلمة العذاب على الأمم المكذبة حقت أيضاً على الذين كفروا من قومك.

قوله ﴿أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النار﴾ يجوز أن يكون على حذف حرف الجِرّ أي لأَنَّهُم (فحذف) فيجري في محلها القولان (قال الأخفش لأَنَّهُمْ أو بأَنَّهُمْ أَصْحَابُ النار) ، ويجوز أن يكون في محل رفع بدلاً من «كلمةٍ» . وقد تقدم خلافهم في أفراد «كَلِمَة» وجمعها، وأن نافعاً وابن عامر قرأ «كلمات» على الجمع والباقون بالإفراد.

40:7–9Page 467

ٱلَّذِينَ يَحۡمِلُونَ ٱلۡعَرۡشَ وَمَنۡ حَوۡلَهُۥ يُسَبِّحُونَ بِحَمۡدِ رَبِّهِمۡ وَيُؤۡمِنُونَ بِهِۦ وَيَسۡتَغۡفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْۖ رَبَّنَا وَسِعۡتَ كُلَّ شَيۡءٖ رَّحۡمَةٗ وَعِلۡمٗا فَٱغۡفِرۡ لِلَّذِينَ تَابُواْ وَٱتَّبَعُواْ سَبِيلَكَ وَقِهِمۡ عَذَابَ ٱلۡجَحِيمِ ٧

Those [angels] who carry the Throne and those around it exalt [Allāh] with praise of their Lord and believe in Him and ask forgiveness for those who have believed, [saying], "Our Lord, You have encompassed all things in mercy and knowledge, so forgive those who have repented and followed Your way and protect them from the punishment of Hellfire.

رَبَّنَا وَأَدۡخِلۡهُمۡ جَنَّٰتِ عَدۡنٍ ٱلَّتِي وَعَدتَّهُمۡ وَمَن صَلَحَ مِنۡ ءَابَآئِهِمۡ وَأَزۡوَٰجِهِمۡ وَذُرِّيَّٰتِهِمۡۚ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٨

Our Lord, and admit them to gardens of perpetual residence which You have promised them and whoever was righteous among their forefathers, their spouses and their offspring. Indeed, it is You who is the Exalted in Might, the Wise.

وَقِهِمُ ٱلسَّيِّـَٔاتِۚ وَمَن تَقِ ٱلسَّيِّـَٔاتِ يَوۡمَئِذٖ فَقَدۡ رَحِمۡتَهُۥۚ وَذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ ٩

And protect them from the evil consequences [of their deeds]. And he whom You protect from evil consequences that Day - You will have given him mercy. And that is the great attainment."

قوله: «الَّذِينَ يَحْمِلُونَ» مبتدأ و «يًسَبحُونَ» خبره، والعامة على فتح عين العَرش وابن عباس في آخرينَ بضَمَّها. فقيل: يحتمل أن يكون جمعاً لعَرْش كسُقُفٍ في سَقْفٍ وقوله «مِنْ حَوْلِهِ» يحتمل أن يكون مرفوع المحل عطفاً على «الذين يحملون العرش» أخبر عن الفريقين بأنهم يسبحون، وهذا هو الظاهر، وأن يكون منصوب المحل عطفاً على «العَرْشِِ» يعني أنهم يحملون أيضاً الملائكة الحافين بالعرش، وليس بظاهر.

فصل

لما بين أن الكفار يبالغون في إظهار العداوة مع المؤمنين بين أن أشرف طبقات المخلوقات هم الملائكة الذين هم حملة العرش والحافّون حول العرش يبالغون في إظهار المحبة والنصرة للمؤمنين، فكأنه تعالى يقول: إن كان هؤلاء الأراذل يبالغون في العداوة فلا تلفت إليهم ولا تُقِمْ لهم وزناً فإن حملة العرش معك، والحافّون من حول العرش ينصرونك وهم الكُرُبِيُّونَ، قال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: حملة العرش ما بين كعب أحدهم إلى أسفل قدميه مسيرة خمسمِائةِ عام، وروى جعفرُ بْنُ محمد عن أبيه عن جده أنهن قال: بين القائمةِ من قوائم العرش والقائمة الثانية خَفَقان الطير المسرع ثلاثين ألف عامٍ. وقال مجاهد: بينَ السماءِ الثانية وبين العرش سبعونُ ألف حجاب: حجاب من نور، وحجاب من ظلمة، وقال وهب بن منبه: إن حول العرشِ سبعونَ ألف صفٍّ من الملائكة، صفّ خلف صفّ يطوفون بالعرش.

قوله ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ قال شهر بن حوشب: حملةُ العرش ثمانيةٌ، فأربعةٌ منهم يَقُولُون: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ لَكَ الحَمْدُ عَلَى حِلْمك بعد عِلْمك، وأربعةٌ منهم يقولون: سُبْحَانَك اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ لك الحمدُ على عَفْوِك بعْدَ قدْرَتِكَ؛ قال: وكأنهم يرون ذنوب بني آدَمَ.

وقوله: «ويُؤمِنُونَ بِهِ» فيه سؤال وهو أن يقال: ما الفائدة في قوله «ويؤمنون به» مع أن الاشتغال بالتسبيح والتحميد لا يمكن إلا بعد سبق الإيمان بالله؟

وأجاب الزمخشري: بأن المقصودَ منه التنبيه على أن الله تعالى لو كان حاضراً لكان حملة العرش والحافون بالعرش يشاهدونه ويعاينونه، ولو كان كذلك لما كان إيمانهم بوجود الله موجباً للمدْجِ والثناء لأن الإقرارَ بوُجُود شيءٍ مشاهد معاين لا يوجب المدح والثناء، ألا ترى أن الإقرار بوجود المشس وبكونها مضيئةً لا يوجب المدح والثناء؟ فلما ذكر الله سبحانه وتعالى إيمانهم بالله على سبيل المدح والثناء والتعظيم دل على أنهم إنما آمنوا به مع أنهم ما شاهدوه حاضراً جالساً هُنَاكَ.

قوله: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ اعلم أن كمال السعادة بأمرين:

أحدِهِمَا: التعظيم لأمر الله.

والثاني: الشفقة على خلق الله، ويجب أن يكون التعظيم لأمر الله مقدماً على الشفقة على خلق الله، فقوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ مشعر بالتعظيم لأمر الله، وقوله ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ مشعرٌ بالشفقة على خلق الله، واحتج كثير من العلماء بهذه الآية على أن المَلَكَ أفضلُ من البشر؛ لأنها دلت على أن الملائكة لما فرغوا من ذكر الله تعالى بالثناء والتقدير اشتغلوا بالاستغفار لغيرهم وهم المؤمنون وهذا يدل على أنهم مستغنون بأنفسهم؛ إذ لو كانوا محتاجين إلى الاستغفار لاستغفروا لأنفسهم أولاً، لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ

«ابدأ بنفسك» ولقوله تعالى لمحمد عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ ﴿واستغفر لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ والمؤمنات﴾ [محمد: 11] ٍ وقال عن نوح عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ ﴿رَّبِّ اغفر لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ والمؤمنات﴾ [نوح: 28] وهذا يدل على أن من كان محتاجاً إلى الاستغفار (فإنه يقدم الاستغفار لنفسه على الاستغفار لغيره والملائكة لو كانوا محتاجين إلى الاستغفار) لاستغفروا لأنفسهم أولاً ثم استغفروا لغيرهم، ولما لم يذكر الله تعالى استغفارهم لأنفسهم علمنا أنهم لم يكونوا محتاجين إلى الاستغفار، وأما الأنبياء عليهم الصلاة واسلام فهم كانوا محتاجين إلى الاستغفار لقوله تعالى لمحمد عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ «واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ» فظهر أن لملك أفضل من البشر والله أعلم.

قوله «رَبَّنَا» معمول لقول مضمر تقديره يقولون ربنا، والقول المضمر في محل نصب على الحال من فاعل «يستغفرون» أو خبرٌ بعد خبر، و «رَحْمَةً وعِلْماً» تمييز منقول من الفاعلية أي وسع كل شيء رَحْمَتُكَ وعِلْمُكَ. واعلم أن الدعاء في أكثر الأمر مذكور بلفظ «الرب» ؛ لأن الملائكة قالوا في هذه الآية «ربنا» ، وقال آدمُ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا﴾ [الأعراف: 23] وقال نوحٌ: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً﴾ [نوح: 5] وقال ﴿رَّبِّ اغفر لِي وَلِوَالِدَيَّ﴾ [نوح: 27] وقال إبراهيم: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الموتى﴾ [البقرة: 260] وقال: ﴿رَبَّنَا واجعلنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ [البقرة: 128] وقال يوسفُ ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الملك﴾ [يوسف: 101] وقال مُوسى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: ﴿رَبِّ أرني أَنظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: 143] وقال: ﴿ (رَبِّ) إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغفر لِي فَغَفَرَ لَهُ﴾ [القصص: 16] وحكى عن داود عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ أنه استغفر ربه وخر راكعاً وقوله سلمانُ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ ﴿رَبِّ اغفر لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لاَّ يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّن بعدي إِنَّكَ أَنتَ الوهاب﴾ [ص: 35] ، وحكى عن زَكَرِيَّا عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ أنه ﴿نادى رَبَّهُ نِدَآءً خَفِيّاً﴾ [مريم: 3] وقال عيسى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: ﴿رَبَّنَآ أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السمآء﴾ [المائدة: 114] وقال تعالى لمحمد عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: ﴿وَقُلْ رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشياطين﴾ [المؤمنون: 97] وحكى عن المؤمنين أنهم قالوا: ﴿رَبَّنَآ مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً ... .﴾ [آل عمران: 191] .

فإن قيل: لفظ الله أعظم من لفظ الرب فلم خص لفظ الربِّ بالدعاء؟

فالجواب: بأن العبد يقول: كنتُ في العدم المحض والنفي الصِّرْفِ فأخرجتَنِي إلى الوجود وربَّيتني فاجعل تربيتك لي شفيعاً إليك في أن لا تُخَلِّينِي طرفة عين عن تربيتك وإحسانك (وفضلك) ، لإجابة دعائي.

فإن قيل: قوله ربنا وسعت كل شيء رحمةً وعلماً فيه سؤال، لأن العلم وسعَ كل شيء وأما الرحمة فما وصلت إلى كل شيء؛ لأن المضرورَ حال وقوعه في الضرر لا يكون ذلك في حقه رحمة وهذا السؤال أيضاً مذكور في قوله: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: 156] .

فالجواب: كل موجود فقد نال من رحمة الله نصيباً؛ لأن الوجود إما واجب وإما ممكن أما الواجب فليس إلا الله (سبحانه) وتعالى. وأما الممكن فوجوده من الله تعالى وبإيجاده وذلك رحمة فثبت أنه لا موجود غير الله إلا وقد حصل له نصيب من الرحمة فلهذا قال: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْماً﴾ هذه الآية دلت على أنه تعالى عالم بجميع المعلومات التي لا نهاية لها من الكليات والجزئيات.

قوله: ﴿فاغفر لِلَّذِينَ تَابُواْ واتبعوا سَبِيلَكَ﴾ دينك ﴿وَقِهِمْ عَذَابَ الجحيم﴾ .

فإن قيل: لا معنى للغُفْران إلا إسقاط العذاب وعلى هذا فلا فرق بين قوله «فاغْفِرْ لَهُمْ» وبين قوله ﴿وَقِهِمْ عَذَابَ الجحيم﴾ .

فالجواب: قولهم: فاغفر فيه رمز وإشارة لإسقاط العذاب، فلهذا أردفوه بذكره على سبيل التصريح تأكيداً ومبالغة.

واعلم أنهم لما طلوا من الله إزالة العذاب (عنهم) أردفوه بطلب إيصال الثواب إليهم فقالوا: ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ التي وَعَدْتَّهُمْ﴾ .

فإن قيل: أنتم زعمتم أن الشفاعة إنما جعلت للمذنبين وهو الآية تُبْطِلُ ذَلِك، لأنه تعالى ما وعد المذنبين بأن يدخلهم جنات عَدْن.

فالجواب: (لا نسلم أنه) ما وَعَدَهُمْ بذلك، لأن الدلائل الكثيرة دلت على أنه لا يخلد أهل «لا إله إلا الله، محمد رسول الله» في النار، وإذا أخرجهم من النار وجب أن يدخلهم الجنة فكان هذا وعد من الله بأن يدخلهم جنات عدن إما من غير دخول النار، وإما بعد أن يدخلهم النار.

قوله: «وَمَنْ صَلَحَ» في محل نصب إما عطفاً على مفعول «أَدْخِلْهُمْ» وإما على مفعول «وَعَدتَهُمْ» وقال الفراءُ والزجاج نصبه من مكانين إن شئت على الضمير في «أَدْخِلْهُمْ: وإن شئت على الضمير في» وَعَدتَهُمْ «. والعامة على فتح لام» صَلَحَ «يقال: صَلَحَ فهو صَالِحٌ، وابنُ أبي عبلة بضمها، يقال: صَلُحَ فَهُو صَلِيحٌ. والعامة على» ذرِّيّاتهم «جمعاً، وعيسى» ذُرِّيَّتهم «إفراداً. والمراد بقوله ومن صلح من أهل الإيمان.

ثم قالوا ﴿إِنَّكَ أَنتَ العزيز الحكيم﴾ . وإنما ذكروا في دعائهم هذين الوصفين، لأنه لو لم يكن عزيزاً بل كان بحيث يغلب ويمنع لما صح وقوع المطلوب منه ولو لم يكن حكيماً لما حصل هذا المطلوب على وفق الحكمة والمصلحة.

ثم قالوا: بعد ذَلِكَ «وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ» (قال بعضُ المفسرين المراد منه عذاب السيئات.

فإن قيل: فعلى هذا التقدير لا فرق بين قوله: «وقهم السيئات» ) وبين قوله ﴿وقهم عذاب الجحيم﴾ وحينئذ يلزم التكرار الخالي من الفائدة وهو لا يجوز!

فالجواب: أنّ التفاوت حاصلٌ من وجهين:

الأول: أن يكون قوله ﴿وقهم عذاب الجحيم﴾ ، دعاء مذكوراً (للأصُولِ وقوله «وقهم السيئات» دعاء مذكوراً) للفروع وهم الآباء والأزواج والذريات.

الثاني: أن يكون قوله ﴿وقهم عذاب الجحيم﴾ مقصوراً على إزالة عذاب الجحيم، وقوله «وقهم السَّيِّئَات» يتناول عذاب الجحيم وعذاب موقف القيامة والحساب والسؤال.

وقال بعض المفسرين: المراد: «وَقِهِم السيئات» هو أن الملائكة طلبوا إزالة عذاب النار بقولهم: «عذاب الجحيم» وطلبوا إيصال الثواب (إليهم) بقولهم: ﴿وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ ثم طلبوا بعده ذلك أن يصونهم الله تعالى في الدنيا عن العقائد الفاسدة بقولهم: «وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ» ثم قالوا ﴿وَمَن تَقِ السيئات يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ﴾ يعني من تقِ السيئات في الدنيا فقد رحمته في يوم القيامة، ثم قالوا ﴿وَذَلِكَ هُوَ الفوز العظيم﴾ حيث وجدوا بأعمال منقطعة نعيماً لا ينقطع وبأفعالٍ حقيرة مُلْكاً لا تصل العقول إلى كُنْهِ جلالته والله أعلم.

قوله: «يَوْمَئِذٍ» التنوين عوض من جملة محذوفة، ولكن ليس في الكلام جملمة مصرحٌ بها عوض من هذه التنوين بخلاف قوله: ﴿وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ﴾ [الواقعة: 84] أي حين إذْ بَلَغَتْ الحلقومَ لِتَقَدُّمِهَا في اللفظ فلا بدّ من تقدير جملة يكمون هذا عوضاً منهاتقديهر: يَوْمَ إذْ يُؤَاخَذُ بِهَا.

فَصْلٌ

قال مُطرفٌ: أنصحُ عباد الله للمؤمنين الملائكة وأغشُّ الخلقِ للمؤمنين هم الشياطين، قال سعيد بن جبير في تفسير قوله ﴿من صلح من آبائهم﴾ يدخل المؤمن الجنة فيقول: ابن أبي؟ أين ولدي؟ أين زوجتي؟ فيقال لهم: إنهم لم يعملوا مثل عملك فيقول: إن كنت أعمل لي ولهم فيقال: أدخولهم الجنة.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском