Ibn 'Adil · Tafsir · in Arabic
الأنفال
Al-Anfal
The Spoils of War · Medinan · 75 ayahs
8:1Page 177
يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡأَنفَالِۖ قُلِ ٱلۡأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِۖ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَصۡلِحُواْ ذَاتَ بَيۡنِكُمۡۖ وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ١
They ask you, [O Muḥammad], about the bounties [of war]. Say, "The [decision concerning] bounties is for Allāh and the Messenger." So fear Allāh and amend that which is between you and obey Allāh and His Messenger, if you should be believers.
قوله تعالى ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأنفال﴾ الآية.
فاعل: يَسْأل يعوُد على معلومٍ، وهم من حَضَرَ بَدْراً، وسَألَ تارةٌ تكون لاقتضاءِ معنى في نفسِ المسئول فتتعدَّى ب «عَنْ» كهذه الآية؛ وكقول الشاعر: [الطويل]
2668 - سَلِي - إنْ جَهلْتِ - النَّاسَ عنَّا وعنْهُم ... فَليْسَ سواءً عالمٌ وجَهُولُ
وقد تكُون لاقتضاءِ مالٍ ونحوه؛ فتتعدَّى لاثنين، نحو: سألتُ زيداً مالاً، وقد ادَّعَى بعضهم: أنَّ السُّال هنابهذا المعنى.
وزعم أنَّ «عَنْ» زائدةٌ، والتقدير: يَسْألونك الأنفالَ، وأيَّد قوله بقراءة سعد بن أبي وقاص، وابن مسعود، وعلي بن الحسين، وزيد ولده، ومحمد الباقر ولده أيضاً، وولده جعفر الصَّادق، وعكرمة وعطاء «يَسألونكَ الأنفالَ» دون «عَنْ» .
والصحيح أنَّ هذه القراءة على إرادة حرف الجرِّ، وقال بعضهم: «عَنْ» بمعنى «مِنْ» . وهذا لا ضرورة تدعو إليه.
وقرأ ابنُ محيصنِ «عَلَّنْفَالِ» والأصل، أنَّه نقل حركة الهمزة إلى لام التعريف، ثم اعتدَّ بالحركةِ العارضة، فأدغمَ النُّونَ في اللاَّم كقوله: ﴿وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم﴾ [العنكبوت: 28] وقد تقدم ذلك في قوله ﴿عَنِ الأهلة﴾ [البقرة: 189] .
والأنفالُ: جمع: نَفَل، وهي الزِّيادةُ على الشيءِ الواجب، وسُمِّيت الغنيمة نفلاً، لزيادتها على الحوزة.
قال لبيدٌ: [الرمل]
2669 - إنَّ تَقْوَى ربَّنَا خَيْرُ نَفَلْ ... وبإذْنِ اللَّهِ ريثي وعَجَلْ
وقال آخر: [الكامل]
2670 - إنَّا إذا أحْمَرَّ الوغَى نروي القَنَا ... ونَعِفُّ عند تقاسُم الأنفالِ
وقيل: سُمِّيت الأنفال؛ لأنَّ المسلمين فُضِّلُوا بها على سائر الأمم.
وقال الزمخشريُّ: والنَّفَل ما ينفلُهُ الغازي، أي: يعطاه، زيادةً على سهمه من المغنم، وقال الأزهريُّ «النَّفَل، والنَّافلة ما كان زيادةً على الأصلِ، وسُمِّيت الغنائمُ أنفالاً؛ لأنَّ المسلمين فُضِّلُوا بها على سائر الأمم، وصلاةُ التطوع نافلةٌ؛ لأنَّها زيادةٌ على الفرض» وقال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً﴾ [الأنبياء: 72] أي: زيادة على ما سأل.
قال القرطبي: النَّفَلُ - بتحريك الفاءِ - والنَّفْل: اليمينُ، ومنه النَّفَل في الحديث «فتبرئكم يهود بنفل خمسين منهم» والنَّفل: الانتفاءُ، ومنه الحديث فانتفلَ من ولده. والنَّفلُ: نبت معروف.
فصل
في هذا السؤال قولان:
أحدهما: أنَّهم سألوا عن حكم النفال، كيف تُصرفُ؟ ومن المستحقُّ لها؟ نظيره قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ المحيض﴾ [البقرة: 222] و ﴿عَنِ اليتامى﴾ [البقرة: 220] فقال في المحيض: ﴿قُلْ هُوَ أَذًى فاعتزلوا النسآء فِي المحيض﴾ [البقرة: 222] وقال في التيامى ﴿قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ [البقرة: 220] . فأجابهم بالحكم المعيَّن في كل واقعةٍ فدلَّ الجواب المعيَّن على أنَّ السؤال كان عن مخالطة النساء في المحيض، وعن التصرُّفِ في مال اليتامى ومخالطتهم في المؤاكلة.
الثاني: هذا سؤال استعطاء، و «عَنْ» بمعنى «مِنْ» ، وهذا قول عكرمة كما تقدم في قراءته.
فأمَّا القولُ الأولُ: وهو أنَّ السؤال كان عن حكم الأنفال ومصرفها، فهو قول أكثر المفسرين لأنَّ قوله ﴿قُلِ الأنفال للَّهِ والرسول﴾ [الأنفال: 1] يدُلُّ على أنَّ المقصود منه منع القومِ عن المخاصمة والمنازعة.
وقوله: ﴿فاتقوا الله وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ﴾ يدلُّ على أنَّ السُّؤال كان بعد وقوع الخصومة بينهم، وقوله: ﴿وَأَطِيعُواْ الله وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ يدلُّ على ذلك أيضاً. وإذا عرف ذلك فيحتمل أن يكون المراد بهذه الأنفال قسمة الغنائم، وهي الأموال المأخوذة من الكفار قهراً، ويحتمل أن يكون المراد غيرها.
أما الأوَّلُ ففيه وجوه:
أحدها: أنَّه عليه الصَّلاةُ والسَّلام قسم ما غنموه يوم بدر على من حضر وعلى أقوامٍ لم يحضرُوا أيضاً، وهم ثمانيةُ أنفسٍ: ثلاثةُ من المهاجرين، وخمسة من الأنصار، فالمهاجرون: عثمانُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - تركه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ على ابنته وكانت مريضةً، وطلحةُ وسعيدُ بن زيد فإنَّه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ بعثهما للتَّجسس عن خبرِ العدوّ وخرجا في طريق الشَّام.
وأما الأنصارُ: فأبو كنانة بن عبد المنذر، وخلفه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ على المدينة، وعاصم خلفه على العالية، والحارث بن حاطب: ردَّهُ من الرَّوحاء إلى عمر بن عوفٍ لشيء بلغه عنه والحارث بن الصمة أصابته علةٌ بالروحاء، وخوات بن جبير، فهؤلاء لم يحضروا، وضرب لهم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في تلك الغنائم بسهم، فوقع من غيرهم فيه منازعة، فنزلت هذه الآية.
ثانيها: روي أنَّ الشَّبابَ يوم بدر قتلُوا وأسرُوا، والأشياخ وقفُوا مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في المصاف فقال الشبانُ: الغنائمُ لنا لأنَّ قتلنا وأسرنا وهزمنا. فقال سعد بن معاذ: والله ما منعنا أن نطلب ما طلب هؤلاء زهادة في الأجر ولا جبن عن العدو، ولكن كرهنا أن تعرى مصافك، فتعطف عليك خيلٌ من المشركين فيصيبوك.
وروي أنَّ الأشياخ قالوا: كُنَّا رِدْءاً لكم ولو انهزمتم لانحزتم إلينا، فلا تذهبُوا بالغنائم، فوقعت المخاصمة بهذا السَّبب فنزلت هذه الآية.
وثالثها: قال الزجاج: «الأنفالُ الغنائمُ، وإنَّما سألُوا عنها؛ لأنها كانت حراماً على من كان قبلهم» .
وهذا ضعيفٌ؛ لأنَّ بيَّنَّا في هذا السؤال أنه كان مسبوقاً بمنازعة ومخاصمة، وعلى قول الزجاج يكونُ السُّؤال عن طلب حكم فقط وأما الاحتمالُ الثاني: وهو أن يكون المرادُ بالأنفالِ شيئاً سوى الغنائمِ، وعلى هذا أيضاً فيه وجوه:
أحدها: قال ابنُ عباس في بعض الروايات: «المرادُ بالأنفال ما شذَّ عن المشركين إلى المسلمين من غير قتال من أموالهم، فهو إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يضعهُ حيثُ يشاءُ» .
وثانيها: الأنفالُ: الخُمس، وهو قول مجاهد.
قال القومُ إنما سألوهُ عن الخمس فنزلت الآية.
وثالثها: أنَّ الأنفال هي السَّلب الذي يأخذه الغازي زائداً على سهمه من المغنم ترغيباً لهُ في القتال كقول الإمام: مَنْ قتلَ قَتِيلاً فلهُ سلبُهُ وقوله للسرية «ما أصبتُمْ فهُو لكُمْ، أو فلكم نصفه أو ربعه» ولا يخمس النفل.
وعن سعد بن أبي وقَّاصِ قال: «قتل أخي عمير يوم بدر فقتلتُ به سعد بن العاص بن أمية وأخذت سيفه، وكان يسمَّى ذا الكتيفةِ فأعجبني فجئت به إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، فقلت له: إنَّ الله شفى صدري من المشركين فهب لي هذا السيف، فقال:» ليس هُو لِي، ولا لك اطراحهُ في القبض «فطرحته ورجعت، وبي ما لا يعلمه إلا اللَّه من قتل أخي، وأخذ سلبي، وقلتُ وعسى أن يعطي هذا من لم يبل بلائي، فما جاوزت إلاَّ قليلاً حتى جاءنِي رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وقد أنزل اللَّهُ ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأنفال﴾ فقال: يا سعدُ إنَّك سألتني السيف، وليس لي، وإنه قد صار لي فخذه»
قال القاضي: «وكلُّ هذه الوجوه تحتمله الآية، وليس فيها دلالةٌ على ترجيح بعضها على البعض.
فإن صحَّ دليلٌ على اليقين قضي به، وإلاَّ فالكلُّ محتملٌ، وإرادة الجميع جائزة فلا تناقض فيها» .
قوله: ﴿قُلِ الأنفال للَّهِ والرسول﴾ أي: حكمها للَّهِ ورسوله يقسمانها كما شاءا.
قال مجاهد، وعكرمة، والسديُّ: إنها نسخت بقوله: ﴿فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال: 41] .
وهو قول ابن عباس في بعض الروايات.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هي ثابتةٌ غير منسوخة، ومعنى الآية: قل الأنفال للَّه في الدنيا والآخرة، وللرسُول يضعها حيُ أمره اللَّهُ، أي: الحكمُ فيها لله ورسوله، وقد بيَّن الله مصارفها في قوله: ﴿واعلموا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: 41] الآية.
قوله: ﴿فاتقوا الله وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ﴾ وتقدَّم الكلام على ذات في آل عمران، وهي هنا صفةٌ لمفعولٍ محذوف تقديره: وأصلِحُوا أحْوالاً ذات افتراقكم وذات وصلكم أو ذات المكان المتصل بكم، فإنَّ «بَيْن» قد قيل: إنه يراد به هنا: الفِراقُ أو الوصلُ، أو الظَّرف، وقال الزجاج وغيره: إنَّ ذات هنا بمنزلة حقيقة الشَّيء ونفسه، وقد أوضح ذلك ابنُ عطيَّة.
وقال أبُو حيَّان: «والبينُ الفراقُ، وذات نعت لمفعولٍ محذوف، أي: وأصلحُوا أحوالاً ذات افتراقكم، لمَّا كانت الأحوالُ ملابسةً للبين أضيفت صفتها إليه، كما تقول: اسقني ذا إنائك، أي: ماءً صاحب إنائك، لمَّا لابس الماءُ الإناءَ وصف ب» ذَا «وأضيفَ إلى الإناءِ، والمعنى: اسْقِنِي ما في الإناءِ من الماء» .
قوله: ﴿إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ .
قال ابن عطيَّة: جواب الشرط المتقدم في قوله وأطيعُوا هذا مذهبُ سيبويه، ومذهب المبردك أنَّ الجواب محذوفٌ متأخر، ومذهبه في هذا ألاَّ يتقدَّم الجوابُ على الشرط وهذا الذي ذكرهُ نقل النَّاسُ خلافه، نقلوا جواز تقديم جواب الشرط عليه عن الكوفيين، وأبي زيد، وأبي العبَّاس، واللَّهُ أعلمُ.
ويجوز أن يكون للمبرِّد قولان، وكذا لسيبويه؛ لأنَّ قوله: ﴿قُلِ الأنفال للَّهِ والرسول﴾ يقتضي أن تكون الغنائم كلها للرسول.
ومعنى الآية: اتَّقُوا اللَّه بطاعته وأصلحوا الحال بينكم بترك المنازعة، والمخالفة، وتسليم أمر القسمة إلى الله والرسول: ﴿وَأَطِيعُواْ الله وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ أي: إنَّ الإيمان الذي دعاكم الرسول إليه لا يتم إلا بالتزام الطَّاعة، فاحذروا الخروج والمخالفة.
واحتجَّ من قال: ترك الطَّاعة يوجب زوال الإيمان بهذه الآية؛ لأنَّ المعلَّق بكلمة «إنْ» على الشَّيء عدم عند عدم الشَّيء.
8:2Page 177
إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتۡ قُلُوبُهُمۡ وَإِذَا تُلِيَتۡ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُهُۥ زَادَتۡهُمۡ إِيمَٰنٗا وَعَلَىٰ رَبِّهِمۡ يَتَوَكَّلُونَ ٢
The believers are only those who, when Allāh is mentioned, their hearts become fearful, and when His verses are recited to them, it increases them in faith; and upon their Lord they rely -
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا المؤمنون الذين إِذَا ذُكِرَ الله وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ الآية.
لمَّا بيَّن أن الإيمان لا يحصل إلا بالطاعة قال: ﴿إِنَّمَا المؤمنون الذين إِذَا ذُكِرَ الله وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ يقال: «وَجِلَ» الماضي بالكسر «يَوْجَلُ» بالفتح، وفيه لغة أخرى، قُرىء بها في الشَّاذ وجَلَتء بفتح الجيم في الماضي وكسرها في المضارع، فتحذف الواو، ك: وعَدَ يَعِدُ، ويقال في المشهورة: وجِلَ يَوْجَل، ومنهم من يقول «يَاجَلُ» بقلب الواو ألفاً، وهو شاذٌّ؛ لأنَّه قلْبُ حرفِ العلّة بأحد السَّببينِ وهو انفتاحُ ما قبل حرفِ العلَّةِ دون تحركه وهو نظيرُ «طَائِيٍّ» في النَّسب إلى «طَيِّىء» .
ومنهم من يقول: «يبجَلُ» بكسر حرف المضارعة، فتقلب الواوُ ياءً، لسكونها وانكسرا ما قبلها، وقد تقدَّم في أول الكتاب أنَّ من العرب من يكسرُ حرف المضارعةِ بشروطٍ منها: أن لا يكون حرفُ المضارعة ياءً إلاَّ في هذه اللَّفظةِ، فقال «يَيَجَلُ» فأخذ قلب الواو ممَّن كسر حرف المضارعة، وأخذ فتحَ الياءِ من لغة الجمهور.
والوَجَلُ: الفزَعُ.
وقيل: استشعارُ الخوف يقال منه: وجِلَ يُوْجَلُ، ويَاجَلُ، ويَيْجَلُ، ويِيجَلُ، وَجَلاً فهو وَجِلٌ.
فصل
معنى الآية: إنَّما المؤمنون الصَّادقون في إيمانهم: ﴿إالذين إِذَا ذُكِرَ الله وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ خافت وفرقت، وقيل: إذا خوفوا باللَّهِ انقادُوا خوفاً من عقابه. ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً﴾ وتصديقاً ويقيناً، قال عمر بن حبيب وكانت له صحبة: إن للإيمان زيادةً ونقصاصناً، قيل فما زيادته؟ قال: إذا ذكرنا الله وحمدناه فذلك زيادته، وإذا سهونا وغفلنا فذلك نقصانه.
وكتب عمرُ بن عبد العزيز إلى عدي بن عدي: «إنَّ للإيمان فرائضَ وشرائعَ وحدوداً وسنناً، فمن استكملها استكمل الإيمان، ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان» .
ثم قال: ﴿وعلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ يفوضون إليه أمورهم، ويثقون به، ولا يرجون غيره، فالتَّقديمُ يفيدُ الاختصاص، أي: عليه لا على غيره، وهذه الجملةُ يحتمل أن يكونَ لها محلٌّ من الإعراب، وهو النَّصْبُ على الحالِ من مفعول: زادَتْهُم، ويحتمل أن تكون مستأنفة، ويحتمل أن تكون معطوفة على الصِّلةِ قبلها، فتدخل في حيِّز الصلاتِ المتقدِّمةِ. وعلى الوجهين فلا محلَّ لها من الإعراب.
8:3–4Page 177
ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ ٣
The ones who establish prayer, and from what We have provided them, they spend.
أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ حَقّٗاۚ لَّهُمۡ دَرَجَٰتٌ عِندَ رَبِّهِمۡ وَمَغۡفِرَةٞ وَرِزۡقٞ كَرِيمٞ ٤
Those are the believers, truly. For them are degrees [of high position] with their Lord and forgiveness and noble provision.
قوله: ﴿الذين يُقِيمُونَ الصلاة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾ ذكر الصَّلاة؛ لأنَّها رأسُ الطاعات الظاهرة ثم بذل المار في مرضاة اللَّهِ؛ فيدخل فيه الزكاة والصدقات، والنَّفقة في الجهادِ، وعلى المساجد والقناطر.
قال المعتزلة: أجمعت الأمةُ على أنَّه لا يجوزُ الإنفاق من الحرامِ، فدلَّ على أنَّ الحرامَ لا يكن رزقاً وقد تقدم البحثُ فيه. وقوله: «الَّذين يُقيمُونَ» فيجوزُ في هذ الموصول أن يكون مرفوعاً على النَّعْتِ للموصول أو على البدلِ، أو على البيان له، وأن يكون منصوباً على القطع المُشعِر بالمدْح.
قوله: ﴿أولاائك هُمُ المؤمنون حَقّاً﴾ يجوز في حقّاً أن يكون صفة لمصدر محذوف، أي: هم المؤمنون إيماناً حقاً، ويجوز أن يكون مؤكداً لمضمون الجملة، كقولك: هو عبد الله حقاً، والعاملُ فيه على كلا القولين مُقدَّرٌ، أي: أحقُّه حقاً، ويجوز وهو ضعيفٌ جدّاً أن يكون مؤكِّداً لمضمون الجملة الواقعةِ بعده وهي: لَهُم درجاتٌ ويكون الكلامُ قد تمَّ عند قوله: هُمُ المُؤمِنُونَ ثم ابتدأ ب ﴿حَقّاً لَّهُمْ دَرَجَاتٌ﴾ وهذا إنَّما يجوزُ على رأي ضعيف، أعني تقديم المصدر المؤكِّد لمضمون جملة عليها.
قوله: عِندَ ربِّهِمْ يجوزُ أن يكون متعلقاً ب «دَرَجَاتٌ» ، لأنَّها بمعنى أجُورٌ، وأن يتعلَّق بمحذوفٍ؛ لأنَّها صفةٌ ل «درجاتٌ» أي: اسْتقرَّت عند ربهم، وأن يتعلَّق بما تعلَّق به لَهُمْ من الاستقرار.
فصل
قوله: ﴿أولاائك هُمُ المؤمنون حَقّاً﴾ أي: يقيناً، قال ابنُ عبَّاسٍ: برءوا من الكفر، قال مقاتل: حَقّاً لا شكَّ في إيمانهم، وفيه دليلٌ على أنَّه ليس لكل أحد أن يصف نفسه بكونه مؤمناً حقّاً؛ لأنَّ الله تعالى إنَّما وصف بذلك أقواماً مخصوصين على أوصاف مخصوصة، وكلُّ أحدٍ لا يتحقَّقُ وجود ذلك الأوصاف فيه وقال ابنُ أبي نجيح: سألَ رجلٌ الحسن فقال: أمؤمن أنت؟ فقال: إن كنت تسألني عن الإيمان باللَّه وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والجنَّة، والنَّار، والبعث، والحساب، فأنا بها مؤمن وإن كنت تسألني عن قوله: ﴿إِنَّمَا المؤمنون الذين إِذَا ذُكِرَ الله وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال: 2] الآية، فلا أدري أمنهم أنا أم لا؟ . وقال علقمةُ: كنا في سفر فلقينا قوماً فقلنا: من القومُ؟ فقالوا: نحنُ المؤمنون حقاً، فلم ندر ما نجيبهم حتَّى لقينا عبد الله بن مسعود، فأخبرناه بما قالوا: قال: فما رَدَدْتُمْ عليهم؟ قلنا: لم نردّ عليهم شيئاً، قال: أفلا قلتم أمِنْ أهلِ الجنَّة أنتم؟ إنَّ المؤمنين أهلُ الجنَّةِ.
وقال سفيانُ الثوريُّ: من زعم أنَّهُ مؤمن حقاً عند الله، ثم لم يشهدْ أنَّه في الجنَّة فقد آمن بنصف الآية دون النِّصف.
ثم قال تعالى: ﴿لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ قال عطاءٌ: بمعنى: درجات الجنَّةِ ويرتقونها بأعمالهم، قال الربيعُ بنُ أنس: سبعون درجة بين كلِّ درجتين حر الفرس المضر سبعين سنة «ومَغْفرةٌ» لذنوبهم وَرِزقٌ كريمٌ حسن.
قال الواحديُّ: قال أهل اللُّغةِ: الكريمُ: اسم جامع لكل ما يحمدُ ويستحسنُ، والكريم المحمود فيما يحتاج إليه فاللَّهُ تعالى موصوفٌ بأنه كريم، والقرآنُ موصوف بأنَّه كريم، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ [الواقعة: 77] وقال تعالى: ﴿مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ [الشعراء: 7] ﴿وَنُدْخِلْكُمْ مُّدْخَلاً كَرِيماً﴾ [النساء: 31] وقال: ﴿وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً﴾ [الإسراء: 23] فالرزق الكريم هو الشريفُ الفاضل الحسن.
8:5Page 177
كَمَآ أَخۡرَجَكَ رَبُّكَ مِنۢ بَيۡتِكَ بِٱلۡحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقٗا مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ لَكَٰرِهُونَ ٥
[It1 is] just as when your Lord brought you out of your home [for the battle of Badr] in truth, while indeed, a party among the believers were unwilling,
في قوله ﴿كَمَآ أَخْرَجَكَ﴾ عشرون وجهاً:
أحدها: أنَّ الكاف نعتٌ لمصدر محذوف تقديرهُ: الأنفالُ ثابتةٌ للَّه ثبوتاً كما أخرجك، أي: ثبوتاً بالحقِّ كإخراجك من بيتك بالحقِّ، يعني لا مرية في ذلك، ووجه هذ التَّشبيه أنَّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لمَّا رأى كثرة المشركين يوم بدرٍ، وقلَّة المؤمنين قال: مَنْ قتل قتيلاً فله كذا، ومَنْ أسر أسيراً فله كذا، لِيرغِّبَهُم في القتال، فلمَّا انهزم المشركون قال سعدٌ: يا رسول اللَّهِ إنَّ جماعة من أصحابك وقومك فدوك بأنفسهم، ولم يتأخَّرُوا عن القتال جُبْناً، ولا بُخْلاً ببذل مهجتهم، ولكنَّهم أشفقوا عليك من أن تُغتال، فمتى أعطيت هؤلاء ما سميته لهم؛ بَقِيَ خلقٌ من المسلمين بغير شيء؛ فأنزل اللَّهُ تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأنفال قُلِ الأنفال للَّهِ والرسول} [الأنفال: 1] يصنعُ فيها ما يشاء، فأمسك المسلمون عن الطَّلبِ، وفي أنفس بعضهم شيء من الكراهة وحين خرج النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إلى القتال يوم بدر كانوا كارهين لتلك المقالتة على ما سنشرحه، فلمَّا قال: ﴿قُلِ الأنفال للَّهِ والرسول﴾ [الأنفال: 1] كان التقدير: أنَّهم رضوا بهذا الحكم في الأنفالِ وإن كانُوا كارهين له كما أخرجك ربك من بيتك بالحقِّ إلى القتال، وإن كانُوا كارهين.
الثاني: قال عكرمةُ: تقديره: وأصلحوا ذات بينكم إصلاحاً كما أخرجك، وقد التفت من خطاب الجماعة إلى خطاب الواحد.
والثالث: تقديرهُ: وأطيعوا اللَّهَ ورسولهُ طاعةً محققةً ثابتةً كما أخرجك، أي: كما أنَّ إخراج اللَّه إياك لا مرية فيه ولا شبهة.
الرابع: تقديره: يتوكَّلون توكلاً حقيقياً كما أخرجك ربُّك.
الخامس: تقديره: هم المؤمنون حقّاً كما أخرجك فهو صفةٌ ل «حقاً» .
السادس: تقديره: استقرَّ لهم درجاتٌ وكذا استقراراً ثابتاً كاستقرار إخراجك.
السابع: أنَّهُ متعلقٌ بما بعده تقديره: يجادلونك مجادلةً: كما أخرجك ربك، قال الكسائيُّ «الكاف» تتعلَّقُ بما بعده وهو قوله: ﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الحق﴾ [الأنفال: 6] والتقدير: ﴿كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بالحق﴾ على كره فريق من المؤمنين كذلك هم يكرهون القتال ويجادلونك فيه.
الثامن: تقديره: لكارهون كراهيةً ثابتةً: كما أخرجك ربُّك أي: إنَّ هذين الشيئين الجدال والكراهية ثابتان لا محالة كما أنَّ إخراجك ثابت لا محالة.
التاسع: أنَّ «الكافَ» بمعنى «إذ» ، و «مَا» زائدة، والتقديرُ: اذكر إذ أخرجك وهذا فاسدٌ جدّاً، إذ لم يثبتْ في موضعٍ أنَّ «الكاف» تكون بمعنى «إذ» وأيضاً فإنَّ «ما» لا تزاد إلاَّ في مواضعَ ليس هذا منها.
العاشر: أنَّ «الكافَ» بمعنى: «واو» القسم، و «ما» بمعنى «الذي» واقعةٌ على ذي العلم مُقْسَماً به.
وقد وقعت على ذي العلم في قوله: ﴿والسمآء وَمَا بَنَاهَا﴾ [الشمس: 5] ﴿وَمَا خَلَقَ الذكر والأنثى﴾ [الليل: 3] والتقدير: والذي أخرجك، ويكون قوله: يُجَادلُونكَ جواب القسمِ وهذا قول أبي عبيدة.
وقد ردَّ النَّاسُ عليه قاطبةً، وقالوا: كان ضعيفاً في النَّحو. ومتى ثبت كون الكافِ حرف قسمٍ، بمعنى «الواو» ؟ وأيضاً فإن: يُجَادلُونكَ لا يصحُّ كونه جواباً؛ لأنَّهُ على مذهب البصريين متى كان مضارعاً مثبتاً؛ وجب فيه شيئان: اللاَّمُ، وإحدى النونين نحو: ﴿لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِّن الصاغرين﴾ [يوسف: 32] وعند الكوفيين إمَّا اللاَّمُ، وإمَّا إحدى النونين، ويُجادلُونكَ عارٍ عنهما.
الحادي عشر: أنَّ الكاف بمعنى «على» ، و «ما» بمعنى: الذي، والتقديرُ: امْضِ على الذي أخرجك، وهو ضعيفٌ؛ لأنه لم يثبت كونُ الكاف بمعنى «على» ألبتة إلاَّ في موضع يحتمل النزاع كقوله ﴿واذكروه كَمَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: 198] .
الثاني عشر: أنَّ الكاف في محل رفع، والتقدير: كما أخرجك ربك فاتَّقُوا الله، كأنَّهُ ابتداءٌ وخبر.
قال ابن عطيَّة: «وهذا المعنى وضعهُ هذا المفسِّر وليس من ألفاظ الآية في ورد ولا صدر» .
الثالث عشر: أنَّها في موضع رفعٍ أيضاً والتقدير: لهم درجاتٌ عند ربهم ومغفرةٌ ورزقٌ كريم هذا وعدٌ حقٌّ كما أخرجك، وهذا فيه حذفُ مبتدأ وخبر، ولو صرَّح بذلك لم يلتئم التشبيه ولم يحسن.
الرابع عشر: أنَّها في موضع رفع أيضاً والتقدير: وأصلحُوا ذات بينكم، ذلكم خيرٌ لكم، كما أخرجك، فالكافُ في الحقيقة نعتٌ لخبر مبتدأ محذوف، وهو ضعيفٌ لطولِ الفصلِ بين قوله: «وأصْلِحُوا» ، وبين قوله: «كما أخرجك» .
الخامس عشر: أنّضها في محل رفع أيضاً عى خبر ابتداء مضمر، والمعنى: أنَّه شبَّه كراهية أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لخروجه من المدينة، حين تحققوا خروج قريشٍ للدفع عن أبي سفيان وحفظ غيره بكراهيتهم لنزع الغنائم من أيديهم، وجعلها للَّه ورسوله، يحكم فيها ما يشاء. واختار الزمخشري هذا الوجه وحسَّنه.
فقال: «يرتفع محلُّ الكاف على أنه خبر ابتداء محذوف تقديره: هذه الحالُ كحالِ إخراجك، يعني أنَّ حالهم في كراهة ما رأيت من تنفيل الغزاة مثل حالهم في كراهة خروجهم للحرب» . وهذا الذي حسَّنه الزمخشريُّ هو قول الفرَّاءِ - وقد شرحه ابنُ عطيَّة بنحو ما تقدَّم من الألفاظ - فإنَّ الفرَّاء قال: «هذه الكاف شبَّهت هذه القصة التي هي إخراجه من بيته بالقصَّة المتقدمة التي هي سؤالهم عن الأنفال» .
السادس عشر: أنَّها صفةٌ لخبر مبتدأ أيضاً، وقد حذف المبتدأ وخبره، والتقديرُ: قسمتك الغنائم حق كما كان إخراجك حقاً.
السابع عشر: أنَّ التَّشبيه وقع بين إخراجين، أي: إخراج ربك إيَّاك من بيتك، وهو مكَّة وأنت كارهٌ لخروجك، وكان عاقبة ذلك الإخراج النَّصر والظفر كإخراجه إيَّاك من المدينة وبعضُ المؤمنين كارهٌ، يكون عقيب ذلك الخروج الظفرُ والنصرُ والخيرُ، كما كان عقيب ذلك الخروج الأول.
الثامن عشر: أن تتعلَّق الكافُ بقوله: «فاضْربُوا» ، وبسْطُ هذا على ما قالهُ صاحب هذا الوجه أن تكون الكاف للتشبيه على سبيل المجاز كقول القائل لعبده: كما رجعتك إلى أعدائي فاستضعفوك، وسألت مدداً فأمددتُكَ، وأزحت عللك، فخذهم الآن وعاقبهم، كما أحْسنْتُ إليك وأجريتث عليك الرزق، فاعملْ كذا، واشكرني عليه، فتقدير الآية: كما أخرجك ربُّك من بيتك بالحق وغشَّاكم النُّعاسَ أمَنَةً منه، وأنزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به وأنزل عليكم من السَّماء ملائكة مردفين فاضربوا فوق الأعناق، واضربوا منهم كُلَّ بنان. كأنه يقولُ: قد أزَحْتُ عللكم، وأمددتكم بالملائكة، فاضربُوا منهم هذه المواضع وهو القتل، لتبلغوا مراد الله في إحقاق الحقِّ، وإبطال الباطلِ، وهذا الوجه بعد طوله لا طائل تحته لبُعدِه من المعنى وكثرة الفواصل.
التاسع عشر: التقدير: كما أخرجك ربك من بيتك بالحقِّ، أي: بسبب إظهار دين اللَّهِ، وإعزاز شريعته، وقد كرهوا خروجك تَهَيُّباً للقتال وخَوْفاً من الموت إذ كان أمر النبي - عليه الصَّلاة والسَّلام - بخروجهم بغتةً، ولم يكونُوا مُسَْعِدِّين للخروج، وجادلوك في الحقِّ بعد وضوحه نصرك اللَّهُ وأمدَّك بملائكته ودلَّ على هذا المحذوفِ الكلامُ الذي بعده، وهو قوله ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾ [الأنفال: 9] الآيات.
وهذا الوجهُ استحسنه أبو حيَّان، وزعم أنه لمْ يُسْبَق به.
ثم قال: «ويظهرُ أنَّ الكاف ليست لمحضِ التَّشبيه، بل فيها معنى التَّعليل» .
وقد نصَّ النحويُّون على أنَّها للتعليلِ وخرَّجُوا عليه قوله تعالى: ﴿واذكروه كَمَا هَدَاكُمْ﴾ .
وأنشدوا: [الرجز]
2671 - لا تَشْتُمِ النَّاسَ كَمَا لا تُشْتَمُ ... أي: لانتفاءِ شتم النَّاس لك لا تشتمهم.
ومن الكلام الشَّائِعِ: كما تطيع اللَّه يدخلك الجنَّة، أي: لأجل طاعتك الله يدخلك الجنَّة، فكذا الآية، والمعنى: لأنْ خرجت لإعزاز دين اللَّهِ، وقتل أعدائه ونصرك وأمدَّك بالملائكة.
العشرون: تقديره: وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين كما إخرجُك في الطَّاعة خيرٌ لكم كما كان إخراجك خيراً لهم، وهذه الأقوالُ ضعيفة كما بينا.
قوله: «بالحَقِّ» فيه وجهان:
أحدهما: أن يتعلَّق بالفعل، أي: بسبب الحقِّ، أي: إنَّه إخراجٌ بسبب حق يظهر وهو علوُّ كلمة الإسلام، والنَّصرُ على أعداء اللَّهِ.
والثاني: أن يتعلق بمحذوفٍ على أنَّهُ حال من مفعول: «أخْرَجَكَ» أي: ملتبساً بالحقِّ.
قوله: وإن فريقاً الواو للحال، والجملة في محلِّ نصب، ولذلك كُسرت «إنَّ» ومفعول «كَارِهُونَ» محذوفٌ، أي: لكارهون الخروج، وسببُ الكراهية: إمَّا نفرة الطبع ممَّا يتوقَّع من القتال، وإمَّا لعدم الاستعداد. والمراد ب «بيته» بيته بالمدينة، أو المدينة نفسها.
فصل
روى ابنُ عبَّاس، وابنُ الزُّبير، ومحمَّد بنُ إسحاق، والسُّديُّ أنَّ أبا سفيان أقبل من الشَّام في عير لقريش في أربعين راكباً من كفَّارِ قريش منهم: عمرُو بن العاصِ، ومخرمة ابنُ نوفل، وفيها أموال كثيرة، حتَّى إذا كانوا قريباً من بدر، أخبر جبريل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فأعجبهم تلقي العير، لكثرة الخير، وقلة العدوِّ، فانتدب النَّاس، فخفَّ بعضهم وثقل بعضهم؛ لأنهم لم يظنُّوا أنَّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يلقى حرباً.
فلمَّا سمع أبُو سفيان بمسير النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، استأجرَ ضمضم بن عمرو الغفاري فبعثه إلى مكَّة وأمره أن يأتي قريشاً يستنفرهم، ويخبرهم أنَّ محمداً قد عرض عليرهم في أصحابه، فخرج ضمضم سريعاً إلى مكَّة.
وقد رأت عاتكة بنت عبد المطالب قبل قدوم ضمضم مكة بثلاث ليال رؤيا أفزعتها، فبعثت إلى أخيها العباس بن عبد المطلب فقالت له: يا أخي والله لقد رأيت الليلة رؤيا أفزعتني وخشيت أن يدخل على قومك منها شرّ ومُصيبة فاكتم عليَّ ما أحدثك.
قال لها: وما رأيتُ؟ قالت: رأيتُ راكباً أقبل على بعيرٍ لهُ حتَّى وقف بالأبطح ثمَّ صرخ بأعلى صوته ألا فانفرُوا يا آل غدر لمصارعكم في ثلاث فأرى النَّاس قد اجتمعُوا إليه ثم دخل المسجد والناس يتبعونه، فبينما هم حولهُ مثل به بعيره على ظهر الكعبةِ، ثمَّ صرخ بمثلها أعلى صوته ألا فانفروا يا آل غدر لمصارعكم في ثلاثٍ، ثمَّ مثل به بغيره على رأس أبي قبيس، ثمَّ صرخ بمثلها ثم أخذ صخرة، فأرسلها فأقبلت تهوي حتّضى إذا كانت بأسفل الجبل ارفضَّت فما بقي بيت من بيوت مكَّة إلاَّ دخلته منها فلقةٌ، فحدَّث بها العباس الوليد، فذكرها الوليدُ لأبيه عتبة ففشا الحديث حتى تحدثت به قريش.
قال العباس: فغدوت أطوف بالبيت وأبو جهل في رهط من قريش قعود يتحدَّثُون برؤيا عاتكة، فلمَّا رأني أبو جهل قال: با أيا الفضل إذا فرغت من طوافك أفقبل إلينا.
قال: فلمَّا فرغتُ أقبلتُ حتَّى جلست مهم.
فقال أبو جهل: ييا بني عبد المطلب متى حدثت هذه النبية فيكم قلت: وما ذاك؟ .
قال: الرُّؤيَا التي رأتها عاتكة قلت: وما رأت؟
قال: يا بني عبد المطلب أما رضيتم أن تتنبأ رجالكم حتَّى تتنبأ نساؤهم لقد زعمت عاتكةُ في رؤياها أنَّهُ قال: انْفِرُوا في ثلاثٍ، فسنتربّص بكم هذه الثلاث، فإن يكُ ما قالت حقَّا فسيكونُ، وإن تَمْضِ الثلاث، ولم يكن من ذلك شيء؛ نكتب عليكم كتاباً أنَّكُمْ أكذبُ هل بيت في العرب قال العباس: فواللَّهِ ما كان منِّي إليه كبير فلمَّا كان بعد ثلاث إذْ هو يسمعُ صوتَ ضمضمٍ بن عمرو وهو يصرخ ببطن الوادي واقفاً على بعيره وقد جدع بعيره، وحول رحله، وشق قميصه، وهو يقولُ: يا معشر قريش اللَّطيمة، أموالكم مع أبي سفيان، قد عرض لها مُحَمَّدٌ في أصحابه ولا أرى أن تدركوها الغوث.
فخرج أبو جهلٍ بجميع أهل مكَّة وهم النَّفيرُ، وفي المثل السَّائر: لا في العير، ولا في النفير، فقيل له: إنَّ العير قد أخذت طريق السَّاحل، ونجتْ، فارجع بالنَّاس إلى مكة، فقال: لا والله لا يكونُ ذلك أبداً حتَّى ننحرَ الجزور، ونشرب الخُمُورَ، ونقيم القينات والمعازف ببدر، فيتسامع العربُ بخروجنا، وأنَّ محمداً لم يُصِب العير، فمضى بهم إلى بدرٍ، وبدرٌ كانت العربُ تجمع فيه يوماً في السَّنةِ لسوقهم.
«ونزل جبريلُ وقال: إنَّ القوم قد خرجوا من مكَّة على كلِّ صعبٍ وذلولٍ، وإن الله قد وعدكم أحدى الطائفتين فالعيرُ أحب إليكم أم النفير؟ .
قالوا: بل العيرُ أحبُّ إلينا من لقاء العدو، فتغيَّر وجهُ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، وقال: إنَّ العير قدمضت على ساحلِ البَحْرِ، وهذا أبو جهل قد أقبل.
فقالوا: يا رسول الله عليك بالعير ودَع العدُوَّ فقام عند غضب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أبو بكر وعمر لإأحسنا، ثمَّ قام سعدُ بنُ عبادة وقال: امْضِ لِمَا أمرك اللَّهُ به، فواللَّهِ لو سرت إلى عدن ما تخلَّف رجلٌ عنك من الأنصار، ثم قال المقدادُ بنُ عمرو: يا رسول الله امض لما امرك اللَّهُ؛ فإنَّ معك حيث أردت، لا نقولُ لك كما قالت بَنُو إسرائيل لموسى: ﴿فاذهب أَنتَ وَرَبُّكَ فقاتلاا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: 24] ولكن نقول: اذْهَبْ أنت وربُّك فقاتلا إنَّا معكما مقاتلون ما دامت عين منَّا تطرف، فضحك رسولُ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ثم قال:» سِيرُوا على بركةِ الله، وأبشروا، فإنَّ اللَّهَ اللَّهَ قد وعدنِي إحْدَى الطائفتين، واللَّهِ لكَأنِّي الآن أنظرُ إلى مصارعِ القوْمِ «
عن أنس قال رسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ» هذا مصرعُ فُلانٍ قال: ويضعُ يدهُ على الأرض ههنا وههنا، قال: فَمَا مَاطَ أحدهم عن موضع يَدِ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ. ولمَّا فرغ نبيُّ الله من بدر قال بعضهم: عليك بالعير، فناداهُ العبَّاسُ وهو في وثاقه: لا يصلحُ، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: لِمَ؟ قال: لأنَّ اللَّهَ وعدك إحدى الطائفتين وقد أعطاك « إذا عرف ذلك نقولُ كانت كراهية القتال حاصلة لبعضهم لقوله تعال: ﴿وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنَ المؤمنين لَكَارِهُونَ﴾ [الأنفال: 5] والحق الذي جادلوك فيه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ تلقي النفير لايثارهم العير.
8:6Page 177
يُجَٰدِلُونَكَ فِي ٱلۡحَقِّ بَعۡدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى ٱلۡمَوۡتِ وَهُمۡ يَنظُرُونَ ٦
Arguing with you concerning the truth after it had become clear, as if they were being driven toward death while they were looking on.
قوله: ﴿بَعْدَمَا تَبَيَّنَ﴾ المرادُ منه: إعلام رسُول اللَّهِ بأنَّهم ينصرون، وجدالهم قولهم: ما كان خُروجنا إلاَّ للعير، وهلاَّ قلت لنا لنستعدّ ونتأهبّ للقتالِ؛ لأنَّهم كانُوا يكرهون القتال ثُم إنَّه تعالى شبَّه حالهم في فرط فزعهم بحال من يُجَرّ غلى القتل، ويُسَاق إلى الموت وهو شاهد لأسبابه ناظر إلى موجبته، ومنه قوله عليه السَّلأامُ: «من نفى ابنه وهو ينظر إليه» أي يعلم أنَّه ابنه، كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَنظُرُ المرء مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾ [النبأ: 40] أي يعلم وكان خوفهم لأمور:
أحدها: قلَّة العدد.
وثانيها: كانوا رجَّالة، روي أنه ما كان فيهم إلا فارسان. وثالثها: قلة السلاح.
قوله: يُجالدُونك يحتمل أن يكون مُسْتأنفاً إخباراً عن حالهم بالمجادلةِ، ويحتمل أن يكون حالاً ثانية أي: أخرجك في حال مجادلتهم إيَّاك، ويحتمل أن يكون حالاً من الضَّمير في لكارهُون، أي: لكارِهُونَ في حال جدالٍ.
والظاهرُ أنَّ الضميرَ المرفوع يعودُ على الفريق المتقدِّم.
ومعنى المجادلة قولهم: كيف تُقاتل ولم نستعد للقتال؟ ويجوزُ أن يعود على الكفَّارِ، وجدالهم ظاهر.
قوله: بَعْدَ ما تبيَّن منصوب بالجدال، و «ما» مصدرية، أي: بعد تَبينِهِ ووضوحه، وهو أقبحُ من الجدال في الشَّيء قبل إيضاحه.
وقرأ عبد الله «بُيِّن» مبنياً للمفعول من: بَيَّنتُهُ أي: أظهرته، وقوله: «وهُمُ ينظرُونَ» حالٌ من مفعول يُساقُونَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences