Ibn 'Adil · Tafsir · in Arabic
المعارج
Al-Ma'arij
The Ascending Stairways · Meccan · 44 ayahs
70:1–4Page 568
سَأَلَ سَآئِلُۢ بِعَذَابٖ وَاقِعٖ ١
A supplicant asked for a punishment bound to happen1
لِّلۡكَٰفِرِينَ لَيۡسَ لَهُۥ دَافِعٞ ٢
To the disbelievers; of it there is no preventer.
مِّنَ ٱللَّهِ ذِي ٱلۡمَعَارِجِ ٣
[It is] from Allāh, owner of the ways of ascent.
تَعۡرُجُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ وَٱلرُّوحُ إِلَيۡهِ فِي يَوۡمٖ كَانَ مِقۡدَارُهُۥ خَمۡسِينَ أَلۡفَ سَنَةٖ ٤
The angels and the Spirit [i.e., Gabriel] will ascend to Him during a Day the extent of which is fifty thousand years.
مكية، وهي أربعة وأربعون آية، ومائتان وستة عشر كلمة، وألف وإحدى وستون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ .
قرأ نافع وابن عامرٍ: «سَالَ سَائِلٌ» بغير همز.
والباقون: بالهمز، فمن همز، فهو من السؤال، وهي اللغةُ الفاشيةُ.
ثم لك في «سأل» وجهان:
أحدهما: أن يكون قد ضمن معنى «دعا» فلذلك تعدَّى بالباءِ، كما تقول: دعوتُ بكذا، والمعنى: دعا داعٍ بعذابٍ.
والثاني: أن يكون على أصله، والباء بمعنى «عن» ، كقوله: [الطويل]
4856 - م - فإنْ تَسْألُونِي بالنِّسَاءِ ... ..... ... ... ... ... ... ... ...
﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً﴾ [الفرقان: 59] وقد تقدم تحقيقه.
والأول أولى لأن التجوزَ في الفعل أولى منه في الحرف لقوته.
وأما القراءةُ بالألف ففيها ثلاثةُ أوجهٍ:
أحدها: أنها بمعنى قراءة الهمزة، وإنما خففت بقلبها ألفاً، وليس بقياس تخفيف مثلها، بل قياس تخفيفها، جعلها بَيْنَ بَيْنَ، والباء على هذا الوجه كما في الوجه الذي تقدم.
الثاني: أنَّها من «سَالَ يَسالُ» مثل: خَافَ يخافُ، وعين الكلمة واو.
قال الزمخشريُّ: «وهي لغةُ قريش، يقولون: سلت تسال، وهما يتسايلان» .
قال أبو حيَّان: وينبغي أن يتثبت في قوله: «إنها لغةُ قريش» ؛ لأن ما جاء في القرآن من باب السؤال هو مهموز، أو أصله الهمز، كقراءة من قرأ ﴿وسَلُوا﴾ [النساء: 32] ، إذ لا يجوز أن يكون من «سَالَ» التي يكون عينها واواً، إذ كان يكون «وسالوا الله» مثل «خافوا» فيبعد أن يجيء ذلك كلُّه على لغةِ غير قريش، وهم الذين نزل القرآنُ بلغتهم إلا يسيراً فيه لغة غيرهم، ثم جاء في كلام الزمخشري: وهما «يتسايلان» بالياء، وهو وهم من النُّساخ، إنما الصواب: يتساولان - بالواو - لأنه صرح أولاً أنه من السؤال، يعني بالواو الصريحة.
وقد حكى أبو زيد عن العرب: إنهما يتساولان.
الثالث: إنها من السَّيلان، والمعنى: «سال» واد في جهنم، يقال له: سايل، وهو قول زيد بن ثابت.
فالعين ياء، ويؤيده قراءة ابن عباس: «سال سيل» .
قال الزمخشريُّ: «والسَّيل مصدر في معنى السَّائل، كالغَوْر بمعنى الغَائِر، والمعنى: اندفع عليهم وادي عذاب» ، انتهى.
والظاهر الوجه الأول لثبوت ذلك لغة مشهورة، قال: [البسيط]
4857 - سَالَتْ هُذيْلٌ رَسُولَ اللَّهِ فَاحشَةً ... ضَلَّتْ هُذِيْلٌ بِمَا سَالتْ ولمْ تُصِبِ
وقرأ أبيُّ بن كعب وعبد الله: «سَال سَالٍ» مثل «مَال» .
وتخريجها: أن الأصل: «سائل» فحذفت عينُ الكلمة، وهي الهمزة، واللام محل الإعراب، وهذا كما قيل: هذا شاكٍ في شائك السِّلاح. وقد تقدم الكلام على مادة السؤال أول سورة «البقرة» فليلتفت إليه.
و «الباء» تتعلق ب «سال» من السيلان تعلقها ب «سأل» لِمَا يزيد.
وجعل بعضهم الباءَ متعلقة بمصدر دلَّ عليه فعل السؤالِ، كأنه قيل: ما سؤالهم؟ .
فقيل: سؤالهم بعذاب، كذا حكاه أبو حيَّان عن ابن الخطيب.
ولم يعترضه، وهذا عجيب، فإنَّ قوله أولاً: إنه متعلق بمصدر دل عليه فعل السؤال ينافي تقديره بقوله: «سؤالهم بعذاب» ؛ لأن الباء في هذا التركيب المقدَّر تتعلق بمحذوف؛ لأنها خبر المبتدأ بالسؤال.
وقال الزمخشريُّ: «وعن قتادة سأل سائل عن عذاب الله بمن ينزل وعلى من يقع فنزلت، و» سأل «على هذا الوجه مضمن معنى عني واهتم، كأنه قيل: اهتم مهتم بعذاب واقعٍ» .
فصل في تفسير السؤال
قال القرطبيُّ: الباء يجوز أن تكون بمعنى «عن» والسؤالُ بمعنى الدعاء، أي دعا داع بالعذاب، عن ابن عباس وغيره، يقال: دعا على فلان بالويلِ ودعا عليه بالعذاب.
ويقال: دعوتُ زيداً، أي التمستُ إحضاره، والمعنى التمس ملتمسٌ عذاباً للكافرين، وهو واقع بهم لا محالة يوم القيامةِ، وعلى هذا فالباءُ زائدةٌ كقوله تعالى: ﴿تَنبُتُ بالدهن﴾ [المؤمنون: 20] ، وقوله تعالى: ﴿وهزى إِلَيْكِ بِجِذْعِ النخلة﴾ [مريم: 23] ، فهي تأكيد، أي: سأل سائل عذاباً واقعاً.
«لِلكَافِرينَ» أي: على الكافرين.
قيل: هو النضر بن الحارث حيثُ قال: ﴿اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السمآء أَوِ ائتنا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: 32] ، فنزل سؤاله، وقتل يوم «بدر» صبراً هو وعقبة بن أبي معيط، لم يقتل صبراً غيرهما، قاله ابن عباس ومجاهد.
وقيل: «إنَّ السائل هنا هو الحارثُ بن النعمان الفهري، وذلك أنه لما بلغه قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في علي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه:» مَنْ كُنْتُ مَولاهُ فَعَليٌّ مَوْلاهُ» ركب ناقته فجاء حتى أناخ راحلته بالأبطح، ثم قال: يا محمدُ، أمرتنا عن الله، أن نشهد أن لا إله إلا الله، وأنَّك رسول الله، فقبلناه منك، وأن نصلي خمساً، ونزكي أموالنا، فقبلناه منك، وأن نصوم شهر رمضان في كل عام، فقبلناه منك، وأن نحج، فقبلناه منك، ثُمَّ لم ترض بهذا، حتى فضَّلت ابن عمك علينا، أفهذا شيءٌ منك أم من الله؟ .
فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «واللَّهِ الَّذي لا إِلهَ إلاَّ هُوَ، ما هُوَ إلاَّ مِنَ اللَّه» فولى الحارث وهو يقول: اللهم إن كان ما يقول محمد حقًّا، فأمطر علينا حجارة من السماء، أو ائتنا بعذابٍ أليم، فوالله ما وصل إلى ناقته، حتى رماه الله بحجر فوقع على دماغه، فخرج من دبره فقتله، فنزلت ﴿سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ » .
وقال الربيع: السائل هنا أبو جهلٍ وهو القائل ذلك.
وقيل: إنه قول جماعة من كفار قريش، وقيل: هو نوح - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - سأل العذاب على الكافرين.
وقيل: هو رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ دعا عليهم بالعقاب، وطلب أن يوقعه بالكفار، وهو واقع بهم لا محالة، وامتد الكلام إلى قوله تعالى ﴿فاصبر صَبْراً جَمِيلاً﴾ [المعارج: 5] ، أي: لا تستعجل فإنه قريب، وهذا يدل على أن ذلك السائل هو الذي أمره الله بالصبر الجميلِ.
وقال قتادة: الباءُ بمعنى «عَنْ» ، فكأن سائلاً سأل عن العذاب بمن وقع، أو متى يقع، قال الله تعالى: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً﴾ ، أي: فاسأل عنه، وقال علقمةُ: [الطويل]
4858 - فإن تَسْألُونِي بالنِّسَاءِ ... ..... ... ... ... ... ... ... ... ...
أي: عن النِّساء، فالمعنى: سلوني بمن وقع العذاب، ولمن يكون، فقال الله تعالى: ﴿لِّلْكَافِرِينَ﴾ وقال أبو عليّ وغيره: وإذا كان من السؤال، فأصله أن يتعدَّى إلى مفعولين، ويجوز الاقتصار على أحدهما وإذا اقتصر على أحدهما، جاز أن يتعدى إليه بحرف الجر، فيكون التقدير: سأل سائل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أو المسلمين بعذاب أو عن عذاب.
قوله: ﴿لِّلْكَافِرِينَ﴾ . فيه أوجه:
أحدها: أن يتعلق ب «سأل» مضمناً معنى «دعا» كما تقدم، أي: دعا لهم بعذاب واقع.
الثاني: أن يتعلق ب «واقع» واللام للعلة، أي نازل لأجلهم.
الثالث: أن يتعلق بمحذوف، صفة ثانية ل «عذاب» أي كائن للكافرين.
الرابع: أن يكون جواباً للسائل، فيكون خبر مبتدأ مضمر، أي: هو للكافرين.
الخامس: أن تكون «اللام» بمعنى «على» ، أي: واقع على الكافرين.
ويؤيده قراءة أبيّ: «على الكافرين» ، وعلى هذا فهي متعلقة ب «واقع» لا على الوجه الذي تقدم قبله.
قال الزمخشريُّ: فإن قلت: بِمَ يتصل قوله: «للكافرين» ؟ .
قلت: هو على القول الأول متصل ب «عذاب» صفة له أي بعذاب واقع كائن للكافرين، أو بالفعل أي دعا للكافرين بعذاب واقع أو بواقع، أي: بعذاب نازل لأجلهم.
وعلى الثاني: هو كلام مبتدأ جواب للسائل، أي: هو للكافرين انتهى.
قال أبو حيَّان: وقال الزمخشري: أو بالفعل، أي: دعا للكافرين، ثم قال: وعلى الثاني، وهو ثاني ما ذكر في توجيهه للكافرين، قال: هو كلام مبتدأ، وقع جواباً للسائل، أي: هو للكافرين، وكان قد قرر أن «سأل» في معنى «دعا» فعدي تعديته، كأنه قال: دعا داعٍ بعذاب، من قولك: دعا بكذا إذا استدعاه وطلبه، ومنه قوله تعالى: ﴿يَدْعُونَ فِيهَا بِكلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ﴾ [الدخان: 55] انتهى، فعلى ما قرره، أنه متعلق ب «دَعَا» يعني «بسأل» ، فكيف يكون كلاماً مبتدأ جواباً للسائل، أي: هو للكافرين، هذا لا يصح.
قال شهاب الدين: وقد غلط أبو حيان في فهمه عن أبي القاسم قوله: وعلى الثاني إلى آخره، فمن ثم جاء التخليط الذي ذكره الزمخشريُّ، إنما عنى بالثاني قوله عن قتادة: سأل سائل عن عذاب الله على من ينزل وبمن يقع، فنزلت، و «سأل» على هذا الوجه مضمن معنى «عني واهتم» ، فهذا هو الوجه الثاني المقابل للوجه الأول، وهو أن «سأل» يتضمن معنى «دَعَا» ، ولا أدري كيف تخبط حتى وقع، ونسب الزمخشري إلى الغلط، وأنه أخذ قول قتادة والحسن وأفسده، والترتيب الذي رتّبه الزمخشري، في تعلق «اللام» من أحسن ما يكون صناعة ومعنى.
قال القرطبي: وقال الحسن: أنزل اللَّهُ تعالى: ﴿سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ ، وقال: لمن هو؟ فقال: «للكافرين» ، فاللام في «لِلكَافِريْنَ» متعلقة ب «واقع» .
وقال الفرَّاءُ: التقدير: بعذابٍ للكافرين واقع، فالواقع من نعت العذاب، فاللام دخلت للعذاب لا للواقع.
أي: هذا العذاب للكافرين في الآخرة، لا يدفعه عنهم أحدٌ.
وقيل: إن اللام بمعنى «على» أي: واقع على الكافرين كما في قراءة أبَيِّ المتقدمة.
وقيل: بمعنى «عَنْ» أي: ليس له دافع عن الكافرين.
قوله: ﴿لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ﴾ .
يجوز أن يكون نعتاً آخر ل «عذاب» ، وأن يكون مستأنفاً، والأول أظهر.
وأن يكون حالاً من «عَذاب» لتخصصه، إما بالعمل وإما بالصفة، وأن يكون حالاً من الضمير في «للكافرين» إن جعلناه نعتاً ل «عَذاب» .
قوله: ﴿مِّنَ الله﴾ يجوز أن يتعلق ب «دَافِعٌ» بمعنى ليس له دافع من جهته، إذا جاء وقته، وأن يتعلق ب «واقع» ، وبه بدأ الزمخشري، أي: واقع من عنده.
وقال أبو البقاء: ولم يمنع النفي من ذلك؛ لأن «لَيْسَ» فعل.
كأنه استشعر أن ما قبل النفي لا يعمل فيما بعده.
وأجاب: بأنَّ النفي لما كان فعلاً ساغ ذلك.
قال أبو حيَّان: والأجود أن يكون «مِنَ اللَّهِ» متعلقاً ب «وَاقع» ، و ﴿لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ﴾ جملة اعتراض بين العامل ومعموله. انتهى.
وهذا إنما يأتي على البدل، بأنَّ الجملة مستأنفةٌ، لا صفة ل «عذاب» ، وهو غير الظاهر كما تقدم لأخذ الكلام بعضه بحجزة بعض.
قوله: «ذي» صفة لله، ومعنى: «ذِي المَعارِج» ، أي: ذي العلو والدرجات الفواضل والنعم؛ لأنها تصل إلى الناس على مراتب مختلفة، قاله ابن عباس وقتادة.
«فالمعارج» ، مراتبُ إنعامه على الخلق.
وقيل: ذي العظمة والعلو.
وقال مجاهدٌ: هي معارج السماءِ.
وقيل: هي السموات.
قال ابن عباس: أي: ذي السموات، سمَّاها معارج الملائكةِ، لأن الملائكةَ تعرج إلى السماءِ، فوصف نفسه بذلك.
وقيل: «المعارج» الغرف، أي: أنه ذو الغرف، أي: جعل لأوليائه في الجنة غرفاً.
وقرأ عبد الله: «ذِي المعاريج» بالياء.
يقال: معرج، ومعراج، ومعارج، ومعاريج مثل مفتاح ومفاتيح.
والمعارج: الدرجات ومنه: ﴿وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾ [الزخرف: 33] وتقدم الكلام على المعارج في «الزخرف» .
قوله: ﴿تَعْرُجُ﴾ . العامة: بالتاء من فوق.
وقرأ ابن مسعود، وأصحابه، والسلمي، والكسائي: بالياء من تحت.
وهما كقراءتي: «فَنَادَاهُ المَلائِكَةُ ونَادَتْهُ» [آل عمران: 39] ، «تَوَفَّاهُ وَتَوَفَّتْهُ» [الأنعام: 61] .
وأدغم أبو عمرو: الجيم في التاء.
واستضعفها بعضهم من حيث إن مخرج الجيم بعيد من مخرج التاء.
وأجيب عن ذلك بأنها قريبة من الشين؛ لأن النقص الذي في الشين يقرِّبها من مخرج التاء، والجيم تدغم في الشين لما بينهما من التقارب، في المخرج والصفة، كما تقدم في ﴿أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾ [الفتح: 29] فحُمِلَ الإدغام في التاء، على الإدغام في الشين، لما بين الشين والتاء من التقارب.
وأجيب أيضاً: بأنَّ الإدغام يكون لمجرد الصفات، وإنْ لم يتقاربا في المخرج، والجيم تشارك التاء في الاستفال والانفتاح والشّدة.
والجملة من «تعرج» مستأنفة.
قوله: «والرُّوحُ» من باب عطف الخاص على العام، إن أريد بالروح جبريل، أو ملك آخر من جنسهم، وأخر هنا وقدم في قوله: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الروح والملائكة صَفّاً﴾ [النبأ: 38] ؛ لأن المقامَ هنا يقتضي تقدم الجمع على الواحد، من حيثُ إنه مقامُ تخويفٍ، وتهويل.
فصل في تحرير معنى الآية
﴿تَعْرُجُ الملائكة والروح إِلَيْهِ﴾ ، أي: تصعد في المعارج التي جعلها الله لهم.
قال ابن عبَّاسِ: الروح: جبريلُ - عليه السلام - لقوله تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الروح الأمين﴾ [الشعراء: 193] .
وقيل: هو ملكٌ آخر، عظيمُ الخلقةِ.
وقال أبو صالح: إنه خلق من خلق الله، كهيئة الناس وليس بالناس.
وقال قبيصة بن ذؤيب: إنه روح الميت حين تقبض.
قوله: «إليه» ، أي: إلى المكان الذي هو محلهم، وهو في السماء؛ لأنه محلُّ برِّه وكرامته وقيل: هو كقول إبراهيم ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إلى رَبِّي﴾ [الصافات: 99] ، أي: إلى الموضع الذي أمرني به.
وقيل: «إليه» إلى عرشه.
قال شهاب الدين: الضمير في «إليْهِ» ، الظاهر عوده على الله تعالى.
وقيل: يعود على المكان لدلالة الحال والسياق عليه.
قوله: «في يوم» ، فيه وجهان:
أظهرهما: تعلقه ب «تَعْرجُ» .
والثاني: أنه يتعلق ب «دافع» .
وعلى هذا فالجملة من قوله: «تعرجُ الملائكةُ» معترضة، و «كَانَ مقداره» صفةٌ ل «يوم» .
قال ابن الخطيب: الأكثرون على أنَّ قوله: «فِي يَوْمٍ» صلة قوله: «تَعْرُجُ» ، أي: يحصل العروج في مثل هذا اليوم.
وقال مقاتل: بل هذا من صلة قوله: «بعَذابٍ واقع» [وعلى هذا القول يكون في الآية تقديم وتأخير، والتقدير: سأل سائل بعذاب واقع] ، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة.
وعلى التقدير الأول، فذلك اليوم، إما أن يكون في الآخرة، أو في الدنيا. وعلى تقدير أن يكون في الآخرة، فذلك الطول إما أن يكون واقعاً، وإما أن يكون مقدراً، فإن كان معنى الآية: إن ذلك العُروجَ يقع في يوم من أيام الآخرة طوله خمسون ألف سنةٍ، وهو يوم القيامة، وهذا قول الحسن، قال: وليس يعني أن مقدار طوله هذا فقط؛ إذ لو كان كذلك لحصلت له غاية، ولنفيت الجنة والنار عند انتهاء تلك الغاية، وهذا غير جائز، بل المراد: أن موقفهم للحساب حين يفصل بين الناس خمسون ألف سنة من سني الدُّنيا بعد ذلك يستقر أهل النار في النار، نعوذ بالله منها.
فصل في الاحتجاج لهذا القول
قال القرطبي: واستدل النحاس على صحة هذا القول بما روي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنه قال: «مَا مِنْ رجُلٍ لَمْ يُؤدِّ زكَاةَ مالِه إلاَّ جعلَ لَهُ شُجَاعاً مِنْ نَارٍ تُكْوَى بِهِ جبْهَتُهُ وظَهْرُهُ وجَنْبَاهُ يَوْمَ القِيامَةِ في يَوْمٍ كَانَ مقْدارهُ خَمْسينَ ألْفَ سَنةٍ حتَّى يقْضِيَ الله بَيْنَ النَّاسِ» وهذا يدل على أنه يوم القيامةِ.
وقال إبراهيم التيمي: ما قدر ذلك اليوم على المؤمن إلا ما قدر ما بين ظهر يومنا وعصره.
وروي هذا المعنى مرفوعاً عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنه قال: «يحاسبكم الله تعالى بمقدار ما بين الصلاتين» ولذلك سمى نفسه ﴿سَرِيعُ الحساب﴾ [المائدة: 40] ، و ﴿أَسْرَعُ الحاسبين﴾ [ الأنعام: 62] ، وإنما خاطبهم على قدر فهم الخلائقِ، وإلا فلا يشغله شأن عن شأن، وكما يرزقهم في ساعة يحاسبهم في لحظة، قال تعالى: ﴿مَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لقمان: 28] .
والمعنى: لو ولي محاسبة العباد في ذلك اليوم غير الله، لم يفرغ منه في خمسين ألف سنة.
قال البغوي: هذا معنى قول عطاء عن ابن عباس ومقاتل.
قال عطاء: ويفرغ الله منه في مقدار نصف يوم من أيام الدنيا.
واعلم أنَّ هذا الطول، إنَّما يكون في حق الكافرِ، وأما في حق المؤمن فلا، لما روى أبو سعيد الخدري أنه قال: «قِيْلَ لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: ما أطولَ هذا اليوم؟ فقال:» والذي نَفْسي بِيَدهِ إنَّهُ ليَخِفُّ على المؤمنِ حتَّى إنَّهُ يكُونُ أخفَّ من صلاةٍ مكتوبةٍ يُصلِّيهَا في الدُّنْيَا «» .
وقال بعضهم: إنَّ ذلك، وإن طال، فيكون سبباً لمزيد السرورِ والراحة لأهل الجنة، ويكون سبباً لمزيد الحزنِ والغمِّ لأهل النار.
وأجيب: بأنَّ الآخرة دارُ جزاءٍ، فلا بد وأن يحصل للمثابين ثوابهم، ودارُ الثوابِ هي الجنةُ لا الموقف، فإذاً لا بد من تخصيص طول الموقف بالكفار.
وقيل: هذه المدة على سبيل التقدير لا على التحقيق، أي: تعرج الملائكةُ في ساعة قليلة، هذه المدة على سبيل التقدير على على التحقيق , أي: تعرج الملائكُة ساعة قليلة , لو أراد أهل الدنيا العروج إليها كان مقدار مدَّتهم خمسين ألف سنةٍ.
وعن مجاهد والحسن وعكرمة: هي مدة إقامة عمر الدنيا من أول ما خلقت إلى آخر ما بقي خمسون ألف سنةٍ، وهو قول أبي مسلمٍ.
فإن قيل: كيف الجمعُ بين هذه، وبين قوله في سورة «السَّجدة» : ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [السجدة: 5] وقد قال ابن عباس: هي أيام سمَّاها الله تعالى هو أعلم بها، وأنا أكره أن أقول فيها ما لا أعلم؟ .
70:5–14Page 568
فَٱصۡبِرۡ صَبۡرٗا جَمِيلًا ٥
So be patient with gracious patience.
إِنَّهُمۡ يَرَوۡنَهُۥ بَعِيدٗا ٦
Indeed, they see it [as] distant,
وَنَرَىٰهُ قَرِيبٗا ٧
But We see it [as] near.
يَوۡمَ تَكُونُ ٱلسَّمَآءُ كَٱلۡمُهۡلِ ٨
On the Day the sky will be like murky oil,1
وَتَكُونُ ٱلۡجِبَالُ كَٱلۡعِهۡنِ ٩
And the mountains will be like wool,1
وَلَا يَسۡـَٔلُ حَمِيمٌ حَمِيمٗا ١٠
And no friend will ask [anything of] a friend,
يُبَصَّرُونَهُمۡۚ يَوَدُّ ٱلۡمُجۡرِمُ لَوۡ يَفۡتَدِي مِنۡ عَذَابِ يَوۡمِئِذِۭ بِبَنِيهِ ١١
They will be shown each other. The criminal will wish that he could be ransomed from the punishment of that Day by his children
وَصَٰحِبَتِهِۦ وَأَخِيهِ ١٢
And his wife and his brother
وَفَصِيلَتِهِ ٱلَّتِي تُـٔۡوِيهِ ١٣
And his nearest kindred who shelter him
وَمَن فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا ثُمَّ يُنجِيهِ ١٤
And whoever is on earth entirely [so] then it could save him.
فالجوابُ: يحتمل أن من أسفل العالم إلى أعلى العرش خمسين ألف سنةٍ، ومن أعلى سماءِ الدنيا إلى الأرض ألف سنةٍ؛ لأن عرض كل سماءٍ خمسمائة، وما بين أسفل السماء إلى قرار الأرض خمسمائة، فقوله: ﴿في يَوْمٍ﴾ يريد: في يوم من أيام الدنيا، وهو مقدار ألف سنةٍ لو صعدوا فيه إلى سماء الدنيا، ومقدار خمسين ألف سنةٍ لو صعدوا إلى أعلى العرش.
قوله
: ﴿فاصبر صَبْراً جَمِيلاً﴾ قال ابن الخطيب: هذا متعلق ب «سألَ سَائلٌ» ؛ لأن استعجالهم بالعذاب كان على وجه الاستهزاءِ برسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ والتعنُّت فأمر بالصبر.
ومن قَرَأ: «سَالَ سَائِل» ، وسيل فالمعنى جاء العذاب لقرب وقوعه فاصبر على أذى قومك، والصَّبرُ الجميلُ هو الذي لا جزع فيه، ولا شكوى لغير الله.
وقيل: أن يكون صاحب مصيبة في القوم لا يدرى من هو.
قال ابنُ زيدٍ والكلبيُّ: هذه الآيةُ منسوخة بالأمر بالقتال.
قوله: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً وَنَرَاهُ قَرِيباً﴾ .
الضميرُ في «إنَّهُمْ» لأهل «مكة» ، وفي «يَرونَهُم، ونَرَاه» لليوم إن أريد به يوم القيامة.
قال القرطبيُّ: أي: نعلمه؛ لأن الرؤية إنما تتعلقُ بالموجودِ، كقولك: الشافعي يرى في هذه المسألةِ كذا.
وقال الأعمشُ: يرون البَعْثَ بعيداً؛ لأنهم لا يؤمنون به، كأنهم يستبعدونه على جهة الإحالة كمن يقول لمن يناظره: هذا بعيدٌ لا يكون.
وقيل: الضمير يعودُ إلى العذاب بالنار، أي: غير كائن، «ونراه قريباً» لأن ما هو آت، فهو قريب.
قوله: ﴿يَوْمَ تَكُونُ﴾ ، فيه أوجه: أحدها: أنه متعلق ب «قريباً» وهذا إذا كان الضمير في «نراه» للعذاب ظاهراً.
الثاني: أنه يتعلق بمحذوف يدل عليه «واقع» ، أي: يقع يوم يكون.
الثالث: أنه يتعلق بمحذوفٍ مقدر بعده، أي: يوم يكون كان وكيت وكيت.
الرابع: أنه بدل من الضمير في «نَرَاهُ» إذا كان عائداً على يومِ القيامةِ.
الخامس: أنَّه بدل عن «فِي يَوْمٍ» ، فيمن علقه ب «واقع» . قاله الزمخشري.
وإنَّما قال: فيمن علقه «بِواقعٍ» لأنه إذا علق ب «تَعْرُجُ» في أحد الوجهين استحال أن يبدل عنه هذا لأن عروج الملائكة ليس هو في هذا اليوم الذي تكون السماء كالمُهْلِ، والجبال كالعِهْنِ، ويشغل كل حميمٍ عن حميمه.
قال أبو حيان: «ولا يجوز هذا» يعني: إبداله من «في يوم» قال: لأن «فِي يَوْمٍ» وإن كان في موضع نصبٍ لا يبدل منه منصوب؛ لأن مثل هذا ليس بزائد، ولا محكوم له بحكم الزائد، ك «رُّبَّ» وإنما يجوز مراعاة الموضع في حرف الجر الزائد؛ كقوله: [الكامل]
4859 - أبَنِي لُبَيْنَى لَسْتُمَا بِيدٍ ... إلاَّ يَداً ليْسَتْ لَهَا عَضُدُ
ولذلك لا يجوز «مررتُ بزيد الخياط» على موضع «بزيد» ولا «مررتُ بزيد وعمراً» ، ولا «غضب على زيد وجعفراً» ولا «مررت بزيد وأخاك» على مراعاة الموضع.
قال شهاب الدين: قد تقدم أن قراءة ﴿وامسحوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [المائدة: 6] من هذا الباب فمن نصب الأرجل فليكن هذا مثله.
ثم قال أبو حيَّان: فإن قلت: الحركة في «يوم» تكون حركة بناء لا حركة إعرابٍ، فهو مجرور مثل «فِي يَوْمٍ» .
قلتُ: لا يجوز بناؤه على مذهب البصريين؛ لأنه أضيف إلى مُعرب، لكنه يجوز على مذهب الكوفيين فيتمشى كلامُ الزمخشريِّ على مذهبهم إن كان استحضره وقصده انتهى.
قال شهاب الدين: إن كان استحضره فيه تحامل على الرجل، وأي كبير أمر في هذا حتى لا ييستحضر مثل هذا. وتقدم الكلام على المهل في «الدخان» .
قوله: ﴿وَتَكُونُ الجبال كالعهن﴾ .
قيل: «العِهْنُ» هو الصُّوف مطلقاً، وقيل: يقدر كونه أحمر وهو أضعف الصوف، ومنه قول زهير: [الطويل]
4860 - كَأنَّ فُتَاتَ العِهْنِ في كُلِّ مَنْزِلٍ ... يَزَالُ بِه حَبُّ الفَنَا لمْ يُحَطَّمِ
الفتات: القطع، والعِهْنُ: الصُّوف الأحمر، واحده عهنة.
وقيل: يقيد كونه مصبوغاً ألواناً، وهذا أليق بالتشبيه؛ لأن الجبال متلونة، كما قال تعالى: ﴿جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ﴾ [فاطر: 27] .
والمعنى: أنها تلين بعد شدة، وتتفرق بعد الاجتماع.
وقيل: أول ما تتفرق الجبال تصير رمالاً ثم عِهْناً منفوشاً، ثم هباءً مَنْثُوراً.
قوله: ﴿وَلاَ يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً﴾ .
قرأ العامة: «يَسْألُ» مبنياً للفاعل، والمفعول الثاني محذوف، فقيل: تقديره: لا يسأله نصره، ولا شفاعته لعلمه أنَّ ذلك مفقود.
وقيل: لا يسأله شيئاً من حمل أو زادٍ.
وقيل: «حَمِيْماً» منصوب على إسقاط الخافض، أي: عن حميم، لشغله عنه. قاله قتادة. لقوله تعالى: ﴿لِكُلِّ امرىء مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: 37] .
وقرأ أبو جعفر، وأبو حيوة، وشيبة، وابن كثير في رواية قال القرطبيُّ: والبزي عن عاصم: «يُسْألُ» مبنياً للمفعول.
فقيل: «حميماً» مفعول ثان لا على إسقاط حرف، والمعنى: لا يسأل إحضاره.
وقيل: بل هو على إسقاط «عَنْ» ، أي: عن حميم، ولا ذو قرابة عن قرابته، بل كل إنسان يُسأل عن عمله، نظيره: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: 38] .
قوله: ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ عدي بالتضعيف إلى ثان، وقام الأول مقام الفاعل، وفي محل هذه الجملة وجهان:
أحدهما: أنها في موضع الصفة ل «حَمِيم» .
والثاني: أنها مستأنفة.
قال الزمخشريُّ: فإن قلت: ما موقع «يُبصَّرُونهُم» ؟
قلت: هو كلام مستأنف، كأنه لمَّا قال: ﴿لاَ يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً﴾ قيل: لعله لا يبصره، فقال: «يُبَصَّرُونهُم» ، ثم قال: ويجوز أن يكون «يبصرُونهُم» صفة، أي: حميماً مبصرين معرفين إياهم انتهى.
وإنما اجتمع الضميران في «يبصرُونهُم» وهما للحميمين حملاً على معنى العمومِ؛ لأنهما نكرتان في سياق النفي.
وقرأ قتادةُ: «يُبصِرُونهُمْ» مبنياً للفاعل، من «أبصَرَ» ، أي: يبصر المؤمن الكافر في النار.
فصل في قوله تعالى يبصرونهم
«يُبصَّرُونهُم» ، أي: يرونهم، يقال: بصرت به أبصر، قال تعالى: ﴿بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُواْ بِهِ﴾ [طه: 96] ، ويقال: «بصَّرَني زيدٌ بكذا» فإذا حذفت الجار قلت: بصَّرني زيدٌ، فإذا بنيت الفعل للمفعول، وقد حذفت الجارَّ، قلت: بصرت زيداً، فهذا معنى: «يُبَصَّرونهُمْ» أي: يعرف الحميمُ الحميمَ حين يعرفه، وهو مع ذلك، لا يسأله عن شأنه لشغله بنفسه، فيبصر الرجلُ أباه، وأخاه، وقرابته، وعشيرته، فلا يسألهُ، ولا يكلمه؛ لاشتغالهم بأنفسهم.
وقال ابن عبَّاس: يتعارفون ساعة، ثم لا يتعارفون بعد ذلك.
وقال ابن عباس أيضاً: يُبْصِرُ بعضهم بعضاً، فيتعارفون ثم يفرُّ بعضهم من بعضٍ، فالضمير في «يُبَصَّرونهُم» على هذا للكافر، والهاءُ والميم للأقرباء.
وقال مجاهدُ: المعنى: يُبَصِّرُ الله المؤمنين الكفَّار في يوم القيامةِ، فالضمير في «يُبَصَّرونهم» للمؤمنين، والهاءُ والميمُ للكفار.
وقال ابنُ زيدٍ: المعنى: يُبصِّرُ الله الكفار في النار الذين أضلوهم في الدُّنيا، فالضميرُ في «يُبَصَّرونَهُم» للتابعين، والهاءُ والميم للمتبوعين.
وقيل: إنه يُبصِرُ المظلومُ ظالمه، والمقتولُ قاتله.
وقيل: إن الضمير في «يُبصَّرونَهم» يرجع إلى الملائكة، أي: يعرفون أحوال الناس، فيسوقون كلَّ فريقٍ إلى ما يليق بهم، وتمَّ الكلامُ عند قوله: «يُبصَّرُونَهُم» . قوله: «يَوَدُّ المُجرِمُ» ، أي: يتمنَّى الكافرُ ﴿لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ﴾ ، أي: من عذاب جهنم، وقيل: المرادُ بالمجرم كلُّ مذنب، وتقدم الكلام على قراءتي «يَومئذٍ» فتحاً وجرًّا في «هود» والعامة: على إضافة «عَذابِ» ل «يَومِئذٍ» .
وأبو حيوة: بتنوين «عذابٍ» ، ونصب «يَومئذٍ» ، على الظرف.
قال ابنُ الخطيب: وانتصابه بعذاب؛ لأن فيه معنى تعذيب.
وقال أبو حيَّان هنا: «والجمهور يكسرها - أي: ميم يومئذ - والأعرج وأبو حيوة: يفتحها» انتهى.
وقد تقدم أنَّ الفتح قراءةُ نافع، والكسائي.
قوله: ﴿وَفَصِيلَتِهِ التي تُؤْوِيهِ﴾ .
قال ثعلب: الفصيلةُ: الآباء الأدنون.
وقال أبو عبيدة: الفخذ.
وقال مجاهد وابن زيدٍ: عشيرته الأقربون.
وقد تقدم ذكر ذلك عند قوله: «شعوباً وقبائل» .
وقال المُبرِّدُ: الفصيلةُ: القطعةُ من أعضاء الجسدِ، وهي دون القبيلةِ، وسُمِّيت عترةُ الرجلِ فصيلته تشبيهاً بالبعض منه.
قال ابنُ الخطيبِ: فصيلة الرجل: أقرباؤه الأقربون الذين فصل عنهم، وينتمي إليهم؛ لأن المراد من الفصيلة المفصولة؛ لأن الولد يكون مفصولاً من الأبوين، قال عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «فَاطِمَةُ قِطعَةٌ منِّي» فلما كان مفصولاً منهما، كانا أيضاً مفصولين منه، فسُمِّيا فصيلة لهذا السببِ.
وكان يقالُ للعباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: فصيلةُ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لأن العمَّ قائم مقام الأب.
وقوله: «التي تؤويه» ، أي: ينصرونه.
وقال مالك: أمُّه التي تربيه، حكاه الماورديُّ، ورواه عنه أشهبُ.
قال شهاب الدين: ولم يبدله السوسي عن أبي عمرو، قالوا: لأنه يؤدي إلى لفظ هو أثقل منه، والإبدال للتخفيف.
وقرأ الزهريُّ: «تؤويهُ، وتُنجِيهُ» بضم هاء الكناية، على الأصل.
و «ثُمَّ نُنجِيْهِ» عطف على «يَفْتَدِي» فهو داخلٌ في خبر «لَوْ» وتقدم الكلامُ فيها، هل هي مصدريةٌ أم شرطيةٌ في الماضي، ومفعول «يَوَدُّ» محذوف، أي: يودُّ النَّجاة.
وقيل: إنها هنا بمعنى «أن» وليس بشيء، وفاعل «ينجيه» إما ضميرُ الافتداء الدالُّ عليه «يَفْتَدي» ، أو ضمير من تقدم ذكرهم، وهو قوله: ﴿وَمَن فِي الأرض﴾ .
و ﴿مَن فِي الأرض﴾ مجرور عطفاً على «بَنِيْهِ» وما بعده، أي: يودُّ الافتداء بمن في الأرض أيضاً و «حميماً» إما حال، وإما تأكيد، ووحد باعتبار اللفظ.
فصل فيما يترتب على معنى «فصيلته» من أحكام
إذا وقف على فصيلته، أو أوصى لها فمن ادعى العموم حمله على عشيرته، ومن ادعى الخصوص حمله على الآباء الأدنى فالأدنى، والأول أكثر في النطقِ، قاله القرطبي و «تؤويه» تضمه وتؤمنهُ من خوف إن كان به، ﴿وَمَن فِي الأرض جَمِيعاً﴾ ، أي: ويود لو فدي بهم لافتدى «ثُمَّ يُنجِيْهِ» أي: ويخلصه ذلك الفداءُ، فلا بُدَّ من هذا الإضمار، كقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: 121] أي: وإن أكلهُ لفسقٌ.
وقيل: «يَودُّ المُجرمُ» يقتضي جواباً بالفاء كقوله: ﴿وَدُّواْ لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: 9] .
والجوابُ في هذه الآية «ثُمَّ يُنجِيهِ» لأنَّها من حروف العطف، أي يودُّ المجرم لو يفتدي، وينجيهِ الافتداءُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences