Аль-Алуси · Тафсир · на арабском
Худ 11:112–113
11:112Страница 234
فَٱسۡتَقِمۡ كَمَآ أُمِرۡتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطۡغَوۡاْۚ إِنَّهُۥ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ ١١٢
Будь же тверд на прямом пути, как тебе велено, вместе с теми, кто покаялся наряду с тобой. И не преступайте границ дозволенного, ибо Он видит то, что вы совершаете.
﴿فاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ﴾ لِما بَيَّنَ أمْرَ المُخْتَلِفِينَ في التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ، وأطْنَبَ سُبْحانَهُ في شَرْحِ الوَعْدِ والوَعِيدِ أمَرَ رَسُولَهُ ﷺ بِالِاسْتِقامَةِ مِثْلَ الِاسْتِقامَةِ الَّتِي أمَرَ بِها، وهَذا يَقْتَضِي أمْرَهُ ﷺ بِوَحْيٍ آخَرَ ولَوْ غَيْرَ مَتْلُوٍّ كَما قالَهُ غَيْرُ واحِدٍ، والظّاهِرُ أنَّ هَذا أمْرٌ بِالدَّوامِ عَلى الِاسْتِقامَةِ وهي لُزُومُ المَنهَجِ المُسْتَقِيمِ وهو المُتَوَسِّطُ بَيْنَ الإفْراطِ والتَّفْرِيطِ، وهي كَلِمَةٌ جامِعَةٌ لِكُلِّ ما يَتَعَلَّقُ بِالعِلْمِ والعَمَلِ وسائِرِ الأخْلاقِ فَتَشْمَلُ العَقائِدَ والأعْمالَ المُشْتَرَكَةَ بَيْنَهُ ﷺ وبَيْنَ سائِرِ المُؤْمِنِينَ والأُمُورَ الخاصَّةَ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن تَبْلِيغِ الأحْكامِ والقِيامِ بِوَظائِفِ النُّبُوَّةِ وتَحَمُّلِ أعْباءِ الرِّسالَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وقَدْ قالُوا: إنَّ التَّوَسُّطَ بَيْنَ الإفْراطِ والتَّفْرِيطِ بِحَيْثُ لا يَكُونُ مَيْلٌ إلى أحَدِ الجانِبَيْنِ قِيدَ عُرْضِ شَعْرَةٍ مِمّا لا يَحْصُلُ إلّا بِالِافْتِقارِ إلى اللَّهِ تَعالى ونَفْيِ الحَوْلِ والقُوَّةِ بِالكُلِّيَّةِ، ومَثَّلُوا الأمْرَ المُتَوَسِّطَ بَيْنَ ذَيْنَكِ الطَّرَفَيْنِ بِخَطٍّ يَكُونُ بَيْنَ الشَّمْسِ والظِّلِّ لَيْسَ بِشَمْسٍ ولا ظِلٍّ بَلْ هو أمْرٌ فاصِلٌ بَيْنَهُما ولَعَمْرِي إنَّ ذَلِكَ لَدَقِيقٌ، ولِهَذا قالُوا: لا يُطِيقُ الِاسْتِقامَةَ إلّا مَن أُيِّدَ بِالمُشاهَداتِ القَوِيَّةِ والأنْوارِ السَّنِيَّةِ ثُمَّ عُصِمَ بِالتَّشَبُّثِ بِالحَقِّ﴿ولَوْلا أنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلا﴾، وجَعَلَ بَعْضُ العارِفِينَ الصِّراطَ الَّذِي هو أدَقُّ مِنَ الشَّعْرَةِ وأحَدُّ مِنَ السَّيْفِ إشارَةً إلى هَذا المَنهَجِ المُتَوَسِّطِ، ومِمّا يَدُلُّ عَلى شِدَّةِ هَذا الأمْرِ ما أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ”شَمِّرُوا شَمِّرُوا“ وما رُؤِيَ بَعْدَها ضاحِكًا».
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ: ما نَزَلَتْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ آيَةٌ أشَدُّ مِن هَذِهِ الآيَةِ ولا أشَقُّ، واسْتَدَلَّ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ عَلى عُسْرِ الِاسْتِقامَةِ بِما شاعَ مِن قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «شَيَّبَتْنِي هُودٌ» وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الأخْبارَ مُتَضافِرَةٌ بِضَمِّ سُوَرٍ أُخْرى إلَيْها وإنِ اخْتَلَفَتْ في تَعْيِينِ المَضْمُومِ كَما مَرَّ أوَّلَ السُّورَةِ، وحِينَئِذٍ لا يَخْفى ما في الِاسْتِدْلالِ مِنَ الخَفاءِ، ومِن هُنا قالَ صاحِبُ الكَشْفِ: التَّخْصِيصُ بِهُودٍ لِهَذِهِ الآيَةِ غَيْرُ لائِحٍ إذْ لَيْسَ في الأخَواتِ ذِكْرُ الِاسْتِقامَةِ.
وذَكَرَ في قُوتِ القُلُوبِ أنَّهُ لَمّا كانَ القَرِيبُ الحَبِيبُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ شَيَّبَهُ ذِكْرُ البُعْدِ وأهْلِهِ ثُمَّ قالَ: ولَعَلَّ الأظْهَرَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ شَيَّبَهُ ذِكْرُ أهْوالِ القِيامَةِ، وكَأنَّهُ -بِأبِي هو وأُمِّي- شاهِدٌ مِنهُ يَوْمًا يَجْعَلُ الوِلْدانِ شِيبًا، انْتَهى.
وبَعْضُهم لِلتَّخْصِيصِ بِرُؤْيا أبِي عَلِيٍّ الشِّتْرِيِّ السّابِقَةِ وفِيهِ بَعْدَ تَسْلِيمِ صِحَّةِ الرِّوايَةِ إنَّ رُؤْيا النَّبِيِّ ﷺ وإنْ كانَتْ حَقًّا حَيْثُ إنَّ الشَّيْطانَ لا يَتَمَثَّلُ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، إلّا أنَّهُ مِن أيْنَ يُجْزَمُ بِضَبْطِ الرّائِي وتَحْقِيقِهِ ما رَأى عَلى أنَّ مِمّا يُوهِنُ أمْرَ هَذِهِ الرُّؤْيا ويُقَوِّي ظَنَّ عَدَمِ ثُبُوتِها ما أخْرَجَهُ ابْنُ عَساكِرَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أبِيهِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «”شَيَّبَتْنِي هُودٌ وأخَواتُها وما فُعِلَ بِالأُمَمِ قَبْلِي“،» وذَكَرَ الشِّهابُ ما يُقَوِّي اعْتِراضَ صاحِبِ الكَشْفِ مِن أنَّهُ لَيْسَ في الطُّرُقِ المَرْوِيَّةِ في هَذا البابِ الِاقْتِصارُ عَلى هُودٍ بَلْ ذَكَرَ مَعَها أخَواتِها ولَيْسَ فِيها الأمْرُ المَذْكُورُ مَعَ أنَّهُ وقَعَ في غَيْرِها مِن آلِ حَمِيمٍ، ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهُ لاحَ لَهُ ما يَدْفَعُ الإشْكالَ؛ وذَلِكَ أنَّ مَبْنى هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ عَلى إرْشادِهِ تَعالى شَأْنُهُ نَبِيَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إلى كَيْفِيَّةِ الدَّعْوَةِ مِن مُفْتَتِحِها إلى مُخْتَتَمِها، وإلى ما يَعْتَرِي مَن تَصَدّى لِهَذِهِ المَرْتَبَةِ السَّنِيَّةِ مِنَ الشَّدائِدِ واحْتِمالِهِ لِما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ الفَوائِدِ لا عَلى التَّسْلِيَةِ إذْ لا يُطابِقُ المَقامَ حَسْبَما تَقَدَّمَ لَكَ عَنْ صاحِبِ الكَشْفِ، ولَمّا كانَتْ هَذِهِ السُّورَةُ جامِعَةً لِإرْشادِهِ مِن أوَّلِ أمْرِهِ إلى آخِرِهِ وهَذِهِ الآيَةُ فَذْلَكَةٌ لَها فَحِينَما نَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ هالَهُ ما فِيها مِنَ الشَّدائِدِ وخافَ مِن عَدَمِ القِيامِ بِأعْبائِها
صفحة 153
حَتّى إذا لَقِيَ اللَّهَ تَعالى في يَوْمِ الجَزاءِ رُبَّما مَسَّهُ نَصَبٌ مِنَ السُّؤالِ عَنْها، فَذِكْرُ القِيامَةِ في تِلْكَ السُّوَرِ يُخَوِّفُهُ هَوْلُها لِاحْتِمالِ تَفْرِيطِهِ فِيما أرْشَدَهُ اللَّهُ تَعالى لَهُ في هَذِهِ، وهَذا لا يُنافِي عِصْمَتَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وقُرْبَهُ لِكَوْنِهِ الأعْلَمَ بِاللَّهِ تَعالى والأخْوَفَ مِنهُ، فالخَوْفُ مِنها يُذَكِّرُهُ بِما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ السُّورَةُ، فَكَأنَّها هي المُشَيِّبَةُ لَهُ ﷺ مِن بَيْنِها؛ ولِذا بَدَأ بِها في جَمِيعِ الرِّواياتِ، ولَمّا كانَتْ تِلْكَ الآيَةُ فَذْلَكَةً لَها كانَتْ هي المُشَيِّبَةَ في الحَقِيقَةِ فَلا مُنافاةَ بَيْنَ نِسْبَةِ التَّشْيِيبِ لِتِلْكَ السُّوَرِ ولا لِهَذِهِ السُّورَةِ وحْدَها كَما فَعَلَهُ مَن فِعْلِهِ، ولا لِتِلْكَ الآيَةِ كَما وقَعَ في تِلْكَ الرُّؤْيا، انْتَهى، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى وجْهٌ آخَرُ لِنِسْبَةِ التَّشْيِيبِ لِهَذِهِ السُّورَةِ فَلْيُتَأمَّلْ، وذَهَبَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ إلى كَوْنِ الكافِ في (كَما) بِمَعْنى عَلى كَما في قَوْلِهِمْ: كُنْ كَما أنْتَ عَلَيْهِ، أيْ عَلى ما أنْتَ عَلَيْهِ، ومِن هُنا قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ وجَماعَةٌ: المَعْنى اسْتَقِمْ عَلى القُرْآنِ، وقالَ مُقاتِلٌ: امْضِ عَلى التَّوْحِيدِ، وقالَ جَعْفَرٌ الصّادِقُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: اسْتَقِمْ عَلى الأخْبارِ عَنِ اللَّهِ تَعالى بِصِحَّةِ العَزْمِ، والأظْهَرُ إبْقاءُ ما عَلى العُمُومِ، أيِ اسْتَقِمْ عَلى جَمِيعِ ما أُمِرْتَ بِهِ، والكَلامُ في حَذْفِ مِثْلِ هَذا الضَّمِيرِ أمْرٌ شائِعٌ، وقَدْ مَرَّ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ، ومالَ بَعْضُهم إلى كَوْنِ الكافِ لِلتَّشْبِيهِ حَسْبَما هو الظّاهِرُ مِنها إلّا أنَّهُ قالَ: إنَّها في حُكْمِ مِثْلٍ، في قَوْلِهِمْ: مِثْلُكَ لا يَبْخَلُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: اسْتَقِمْ الِاسْتِقامَةَ الَّتِي أُمِرْتَ بِها فِرارًا مِن تَشْبِيهِ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ، ولا يَخْفى أنَّهُ لَيْسَ بِلازِمٍ، ومِنَ الغَرِيبِ ما نُقِلَ عَنْ أبِي حَيّانَ أنَّهُ قالَ في تَذْكِرَتِهِ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ جاءَ هَذا التَّشْبِيهُ لِلِاسْتِقامَةِ بِالأمْرِ؟ قُلْتُ: هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ مِثْلُ مَطْلُوبِ الأمْرِ أيْ مَدْلُولِهِ، فَإنْ قُلْتَ: الِاسْتِقامَةُ المَأْمُورُ بِها هي مَطْلُوبُ الأمْرِ فَكَيْفَ يَكُونُ مِثْلًا لَها؟ قُلْتُ: مَطْلُوبُ الأمْرِ كُلِّيٌّ والمَأْمُورُ جُزْئِيٌّ فَحَصَلَتِ المُغايَرَةُ وصَحَّ التَّشْبِيهُ كَقَوْلِكَ: صَلِّ رَكْعَتَيْنِ كَما أُمِرْتَ، وأبْعَدَ بَعْضُهم فَجَعَلَ الكافَ بِمَعْنى عَلى واسْتَفْعَلَ لِلطَّلَبِ كاسْتَغْفِرِ اللَّهَ تَعالى أيِ اطْلُبِ الغُفْرانَ مِنهُ، وقالَ: المَعْنى اطْلُبِ الإقامَةَ عَلى الدِّينِ.
﴿ومَن تابَ مَعَكَ﴾ أيْ تابَ مِنَ الشِّرْكِ وآمَنَ مَعَكَ، فالمَعِيَّةُ بِاعْتِبارِ اللّازِمِ مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى ما تَقَدَّمَهُ وغَيْرِهِ، وقَدْ يُقالُ: يَكْفِي الِاشْتِراكُ في التَّوْبَةِ والمَعِيَّةُ فِيها مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنِ المَثُوبِ عَنْهُ، وقَدْ «كانَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ تَعالى في اليَوْمِ أكْثَرَ مِن سَبْعِينَ مَرَّةً،» واسْتَظْهَرَ ذَلِكَ الجَلْبِيُّ، و(مِن) عَلى ما اخْتارَهُ أبُو حَيّانَ. وجَماعَةٌ عُطِفَ عَلى الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في ﴿واسْتَقِمْ﴾ وأغْنى الفَصْلُ بِالجارِّ والمَجْرُورِ عَنْ تَأْكِيدِهِ بِضَمِيرٍ مُنْفَصِلٍ لِحُصُولِ الغَرَضِ بِهِ، وفي الكَلامِ تَغْلِيبٌ لِحُكْمِ الخِطابِ عَلى الغَيْبَةِ في لَفْظِ الأمْرِ، واخْتارَ كَثِيرٌ أنَّهُ فاعِلٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ ولْيَسْتَقِمْ مِن.. إلَخْ.. لِأنَّ الأمْرَ لا يَرْفَعُ الظّاهِرَ، وحِينَئِذٍ فالجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ الأُولى، ومَن ذَهَبَ إلى الأوَّلِ رَجَّحَهُ بِعَدَمِ احْتِياجِهِ إلى التَّقْدِيرِ ودَفَعَ المَحْذُورَ بِأنَّهُ يُغْتَفَرُ في التّابِعِ ما لا يُغْتَفَرُ في المَتْبُوعِ.
وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ كَوْنَهُ مَنصُوبًا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مَعَهُ، والمَعْنى اسْتَقِمْ مُصاحِبًا لِمَن تابَ، قِيلَ: وهو في المَعْنى أتَمُّ وإنْ كانَ في اللَّفْظِ نَوْعُ نُبُوَّةٍ عَنْهُ.
وقِيلَ: إنَّهُ مُبْتَدَأٌ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ أيْ فَلْيَسْتَقِمْ، وجَوَّزَ كَوْنَ الخَبَرِ (مَعَكَ ﴿ولا تَطْغَوْا﴾ أيْ لا تَنْحَرِفُوا عَمّا حُدَّ لَكم بِإفْراطٍ أوْ تَفْرِيطٍ فَإنَّ كِلا طَرَفَيْ قَصْدِ الأُمُورِ ذَمِيمٌ، وسُمِّيَ ذَلِكَ طُغْيانًا وهو مُجاوَزَةُ الحَدِّ تَغْلِيظًا أوْ تَغْلِيبًا لِحالِ سائِرِ المُؤْمِنِينَ عَلى حالِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المَعْنى لا تَطْغَوْا في القُرْآنِ فَتُحِلُّوا وتُحَرِّمُوا ما لَمْ تُؤْمَرُوا بِهِ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: لا تَعْصُوا رَبَّكُمْ، وقالَ مُقاتِلٌ: لا تَخْلِطُوا التَّوْحِيدَ بِالشِّرْكِ، ولَعَلَّ الأوَّلَ أوْلى.
﴿إنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ فَيُجازِيكم عَلى ذَلِكَ وهو تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ والنَّهْيِ السّابِقَيْنِ كَأنَّهُ قِيلَ: اسْتَقِيمُوا ولا تَطْغَوْا
صفحة 154
لِأنَّ اللَّهَ تَعالى ناظِرٌ لِأعْمالِكم فَيُجازِيكم عَلَيْها، وقِيلَ: إنَّهُ تَتْمِيمٌ لِلْأمْرِ بِالِاسْتِقامَةِ، والأوَّلُ أحْسَنُ وأتَمُّ فائِدَةً، وقَرَأ الحَسَنُ والأعْمَشُ –يَعْمَلُونَ- بِياءِ الغَيْبَةِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عِيسى الثَّقَفِيِّ أيْضًا، وفي الآيَةِ -عَلى ما قالَ غَيْرُ واحِدٍ- دَلِيلٌ عَلى وُجُوبِ اتِّباعِ المَنصُوصِ عَلَيْهِ مِن غَيْرِ انْحِرافٍ بِمُجَرَّدِ التَّشَهِّي وإعْمالِ العَقْلِ الصِّرْفِ، فَإنَّ ذَلِكَ طُغْيانٌ وضَلالٌ، وأمّا العَمَلُ بِمُقْتَضى الِاجْتِهادِ التّابِعِ لِعِلَلِ النُّصُوصِ فَذَلِكَ مِن بابِ الِاسْتِقامَةِ كَما أُمِرَ عَلى مُوجَبِ النُّصُوصِ الآمِرَةِ بِالِاجْتِهادِ، وقالَ الإمامُ: وعِنْدِي لا يَجُوزُ تَخْصِيصُ النَّصِّ بِالقِياسِ لِأنَّهُ لَمّا دَلَّ عُمُومُ النَّصِّ عَلى حُكْمٍ وجَبَ الحُكْمُ بِمُقْتَضاهُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ﴾ والعَمَلُ بِالقِياسِ انْحِرافٌ عَنْهُ، ولِذا لَمّا ورَدَ القُرْآنُ بِالأمْرِ بِالوُضُوءِ وجِيءَ بِالأعْضاءِ مُرَتَّبَةً في اللَّفْظِ وجَبَ التَّرْتِيبُ فِيها، ولَمّا ورَدَ الأمْرُ في الزَّكاةِ بِأداءِ الإبِلِ مِنَ الإبِلِ، والبَقَرِ مِنَ البَقَرِ وجَبَ اعْتِبارُها، وكَذا القَوْلُ في كُلِّ ما ورَدَ أمْرُ اللَّهِ تَعالى بِهِ كُلُّ ذَلِكَ لِلْأمْرِ بِالِاسْتِقامَةِ كَما أمَرَ، انْتَهى.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ إيجابَ التَّرْتِيبِ في الوُضُوءِ لِذَلِكَ لَيْسَ بِشَيْءٍ ويَلْزَمُهُ أنْ يُوجِبَ التَّرْتِيبَ في الأوامِرِ المُتَعاطِفَةِ بِالواوِ مِثْلُ (أقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ) وكَذا في نَحْوِ ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾ بِعَيْنِ ما ذُكِرَ في الوُضُوءِ وهو كَما تَرى، وكَأنَّهُ عَفا اللَّهُ تَعالى عَنْهُ يَجْزِمُ بِأنَّ الحَنَفِيَّةَ الَّذِينَ لا يُوجِبُونَ التَّرْتِيبَ في أعْمالِ الوُضُوءِ طاغُونَ خارِجُونَ عَمّا حَدَّ اللَّهُ تَعالى لا احْتِمالَ لِلْقَوْلِ بِأنَّهم مُسْتَقِيمُونَ وهو مِنَ الظُّلْمِ بِمَكانٍ
11:113Страница 234
وَلَا تَرۡكَنُوٓاْ إِلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِنۡ أَوۡلِيَآءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ ١١٣
Не склоняйтесь на сторону беззаконников, дабы вас не коснулся Огонь. Нет у вас покровителей и помощников, кроме Аллаха, и тогда никто вам не окажет поддержки.
﴿ولا تَرْكَنُوا إلى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أيْ لا تَمِيلُوا أدْنى مَيْلٍ، والمُرادُ بِهِمُ المُشْرِكُونَ كَما رَوى ذَلِكَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وفَسَّرَ المَيْلَ بِمَيْلِ القَلْبِ إلَيْهِمْ بِالمَحَبَّةِ، وقَدْ يُفَسَّرُ بِما هو أعَمُّ مِن ذَلِكَ كَما يُفَسَّرُ ( الَّذِينَ ظَلَمُوا ) بِمَن وجَدَ مِنهُ ما يُسَمّى ظُلْمًا مُطْلَقًا، قِيلَ: ولِإرادَةِ ذَلِكَ لَمْ يَقُلْ إلى الظّالِمِينَ؛ ويَشْمَلُ النَّهْيُ حِينَئِذٍ مُداهَنَتَهم وتَرْكَ التَّغْيِيرِ عَلَيْهِمْ مَعَ القُدْرَةِ والتَّزَيِّيَ بِزِيِّهِمْ وتَعْظِيمَ ذِكْرِهِمْ ومُجالَسَتَهم مِن غَيْرِ داعٍ شَرْعِيٍّ، وكَذا القِيامُ لَهم ونَحْوُ ذَلِكَ، ومَدارُ النَّهْيِ عَلى الظُّلْمِ والجَمْعُ بِاعْتِبارِ جَمْعِيَّةِ المُخاطَبِينَ، وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ لِلْمُبالَغَةِ في النَّهْيِ مِن حَيْثُ إنَّ كَوْنَهم جَماعَةً مَظِنَّةَ الرُّخْصَةِ في مُداهَنَتِهِمْ مَثَلًا، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ إنَّما يَتِمُّ أنْ لَوْ كانَ المُرادُ النَّهْيَ عَنِ الرُّكُونِ إلَيْهِمْ مِن حَيْثُ إنَّهم جَماعَةٌ ولَيْسَ فَلَيْسَ ﴿فَتَمَسَّكُمُ﴾ أيْ فَتُصِيبَكم بِسَبَبِ ذَلِكَ كَما تُؤْذِنُ بِهِ الفاءُ الواقِعَةُ في جَوابِ النَّهْيِ ﴿النّارُ﴾ وهي نارُ جَهَنَّمَ، وإلى التَّفْسِيرِ الثّانِي -وما أصْعَبَهُ عَلى النّاسِ اليَوْمَ في غالِبِ الأعاصِيرِ مِن تَفْسِيرٍ- ذَهَبَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، قالُوا: وإذا كانَ حالُ المَيْلِ في الجُمْلَةِ إلى مَن وُجِدَ مِنهُ ظُلْمٌ ما في الإفُضاءِ إلى مَساسِ النّاسِ النّارُ فَما ظَنَّكَ بِمَن يَمِيلُ إلى الرّاسِخِينَ في الظُّلْمِ كُلَّ المَيْلِ، ويَتَهالَكُ عَلى مُصاحَبَتِهِمْ ومُنادَمَتِهِمْ، ويُتْعِبُ قَلْبَهُ وقالَبَهُ في إدْخالِ السُّرُورِ عَلَيْهِمْ، ويَسْتَنْهِضُ الرَّجْلَ والخَيْلَ في جَلْبِ المَنافِعِ إلَيْهِمْ، ويَبْتَهِجُ بِالتَّزَيِّيِ بِزِيِّهِمْ والمُشارَكَةِ لَهم في غَيِّهِمْ، ويَمُدُّ عَيْنَيْهِ إلى ما مُتِّعُوا بِهِ مِن زَهْرَةِ الدُّنْيا الفانِيَةِ، ويَغْبِطُهم بِما أُوتُوا مِنَ القُطُوفِ الدّانِيَةِ غافِلًا عَنْ حَقِيقَةِ ذَلِكَ ذاهِلًا عَلى مُنْتَهى ما هُنالِكَ؟ ويَنْبَغِي أنْ يُعَدَّ مِثْلُ ذَلِكَ مِنَ الَّذِينَ ظَلَمُوا لا مِنَ الرّاكِنِينَ إلَيْهِمْ بِناءً عَلى ما رُوِيَ أنَّ رَجُلًا قالَ لِسُفْيانَ: إنِّي أخِيطُ لِلظَّلَمَةِ فَهَلْ أُعَدُّ مِنَ أعْوانِهِمْ؟ فَقالَ لَهُ: لا أنْتَ مِنهم والَّذِي يَبِيعُكَ الإبْرَةَ مِن أعْوانِهِمْ، وما أحْسَنَ ما كَتَبَهُ بَعْضُ النّاصِحِينَ لِلزُّهْرِيِّ حِينَ خالَطَ السَّلاطِينَ، وهو -عافانا اللَّهُ تَعالى وإيّاكَ- أبا بَكْرٍ مِنَ الفِتَنِ فَقَدْ أصْبَحَتْ بِحالٍ يَنْبَغِي لِمَن عَرَفَكَ أنْ يَدْعُوَ لَكَ اللَّهُ تَعالى ويَرْحَمَكَ أصْبَحْتَ شَيْخًا كَبِيرًا وقَدْ أثْقَلَتْكَ نِعَمُ اللَّهِ تَعالى بِما فَهَّمَكَ مِن كِتابِهِ وعَلَّمَكَ مِن سُنَّةِ نَبِيِّكَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ولَيْسَ
صفحة 155
كَذَلِكَ أخَذَ اللَّهُ تَعالى المِيثاقَ عَلى العُلَماءِ، قالَ سُبْحانَهُ: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ ولا تَكْتُمُونَهُ﴾ واعْلَمْ أنَّ أيْسَرَ ما ارْتَكَبْتَ وأخَفَّ ما احْتَمَلْتَ إنَّكَ آنَسْتَ وحْشَةَ الظّالِمِ وسَهَّلْتَ سَبِيلَ الغَيِّ بِدُنُوِّكَ مِمَّنْ لَمْ يُؤَدِّ حَقًّا ولَمْ يَتْرُكْ باطِلًا حِينَ أدْناكَ اتَّخَذُوكَ قُطْبًا تَدُورُ عَلَيْكَ رَحى باطِلِهِمْ وجِسْرًا يَعْبُرُونَ عَلَيْكَ إلى بَلائِهِمْ وسُلَّمًا يَصْعَدُونَ فِيكَ إلى ضَلالِهِمْ، يُدْخِلُونَ الشَّكَّ بِكَ عَلى العُلَماءِ، ويَقْتادُونَ بِكَ قُلُوبَ الجُهَلاءِ، فَما أيْسَرَ ما عَمَّرُوا لَكَ في جَنْبِ ما خَرَّبُوا عَلَيْكَ، وما أكْثَرَ ما أخَذُوا مِنكَ فِيما أفْسَدُوا عَلَيْكَ مِن دِينِكَ فَما يُؤَمِّنُكَ أنْ تَكُونَ مِمَّنْ قالَ اللَّهُ تَعالى فِيهِمْ: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أضاعُوا الصَّلاةَ واتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ فَإنَّكَ تُعامِلُ مَن لا يَجْهَلُ ويَحْفَظُ عَلَيْكَ مَن لا يَغْفُلُ فَداوِ دِينَكَ فَقَدْ دَخَلَهُ سَقَمٌ وهَيِّئَ زادَكَ فَقَدْ حَضَرَ السَّفَرُ البَعِيدُ، وما يَخْفى عَلى اللَّهِ مِن شَيْءٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ، والسَّلامُ.
وعَنِ الأوْزاعِيِّ ما مِن شَيْءٍ أبْغَضُ إلى اللَّهِ تَعالى مِن عالِمٍ يَزُورُ عامِلًا، وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ: الذُّبابُ عَلى العُذْرَةِ أحْسَنُ مِن قارِئٍ عَلى بابِ هَؤُلاءِ، وفي الخَبَرِ مَن دَعا لِظالِمٍ بِالبَقاءِ فَقَدْ أحَبَّ أنْ يَعْصِيَ اللَّهَ تَعالى في أرْضِهِ، ولَعَمْرِي إنَّ الآيَةَ أبْلَغُ شَيْءٍ في التَّحْذِيرِ عَنِ الظَّلَمَةِ والظُّلْمِ، ولِذا قالَ الحَسَنُ: جَمْعُ الدِّينِ في لاءَيْنِ يَعْنِي -لا تَطْغُوا ولا تَرْكَنُوا- ويُحْكى أنَّ المُوَفَّقَ أبا أحْمَدَ طَلْحَةَ العَبّاسِيَّ صَلّى خَلْفَ الإمامِ فَقَرَأ هَذِهِ الآيَةَ فَغُشِيَ عَلَيْهِ فَلَمّا أفاقَ قِيلَ لَهُ، فَقالَ: هَذا فِيمَن رَكَنَ إلى مَن ظَلَمَ فَكَيْفَ الظّالِمُ.
هَذا وخِطابُ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ومَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِهَذَيْنِ النَّهْيَيْنِ بَعْدَ الأمْرِ بِالِاسْتِقامَةِ لِلتَّثْبِيتِ عَلَيْها، وقَدْ تُجْعَلُ تَأْكِيدًا لِذَلِكَ إذا كانَ المُرادُ بِهِ الدَّوامَ والثَّباتَ، وعَنْ أبِي عَمْرٍو أنَّهُ قَرَأ (تِرْكَنُوا) بِكَسْرِ التّاءِ عَلى لُغَةِ تَمِيمٍ.
وقَرَأ قَتادَةُ وطَلْحَةُ والأشْهَبُ، ورُوِيَتْ عَنْ أبِي عَمْرٌو (تَرْكُنُوا) بِضَمِّ الكافِ مُضارِعُ رَكَنَ بِفَتْحِها وهي عَلى ما في البَحْرِ لُغَةُ قَيْسٍ وتَمِيمٍ.
وقالَ الكِسائِيُّ: إنَّها لُغَةُ أهْلِ نَجْدٍ وشَذَّ –تَرْكَنُ- بِالفَتْحِ مُضارِعُ رَكَنَ كَذَلِكَ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ (ولا تُرْكَنُوا) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مِن أرْكَنَهُ إذا أمالَهُ، وقِراءَةُ الجُمْهُورِ ﴿تَرْكَنُوا﴾ بِفَتْحِ الكافِ، والماضِي –رَكِنَ- بِكَسْرِها وهي لُغَةُ قُرَيْشٍ، وهي الفُصْحى -عَلى ما قالَ الأزْهَرِيُّ - وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ وعَلْقَمَةُ والأعْمَشُ، وابْنُ مُصَرِّفٍ، وحَمْزَةُ فِيما يُرْوى عَنْهُ (فَتِمَسُّكُمْ) بِكَسْرِ التّاءِ عَلى لُغَةِ تَمِيمٍ أيْضًا ﴿وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن أوْلِياءَ﴾ مِن أنْصارٍ يَمْنَعُونَ العَذابَ عَنْكُمْ، والمُرادُ نَفْيُ أنْ يَكُونَ لِكُلٍّ نَصِيرٌ، والمَقامُ قَرِينَةٌ عَلى ذَلِكَ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ (تَمَسُّكم ﴿ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ مِن جِهَتِهِ تَعالى إذْ قَدْ سَبَقَ في حُكْمِهِ تَعالى أنْ يُعَذِّبَكم بِرُكُونِكم إلَيْهِمْ ولا يُبْقِيَ عَلَيْكُمْ، و(ثُمَّ) قِيلَ: لِاسْتِبْعادِ نَصْرِهِ سُبْحانَهُ إيّاهم وقَدْ أوْعَدَهُمُ العَذابَ عَلى ذَلِكَ، وأوْجَبَهُ لَهُمْ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ أثَرَ الحَرْفِ إنَّما هو مَدْخُولُهُ ومَدْخُولُ (ثُمَّ) عَدَمُ النُّصْرَةِ ولَيْسَ بِمُسْتَبْعَدٍ، وإنَّما المُسْتَبْعَدُ نَصْرُ اللَّهِ تَعالى لَهُمْ، فالظّاهِرُ أنَّها لِلتَّراخِي في الرُّتْبَةِ لِأنَّ عَدَمَ نَصْرِ اللَّهِ تَعالى أشَدُّ وأفْظَعُ مِن عَدَمِ نُصْرَةِ غَيْرِهِ، وأُجِيبَ بِما لا يَخْلُو عَنْ تَكَلُّفٍ، وأيًّا ما كانَ فالمَقامُ مَقامُ الواوِ إلّا أنَّهُ عَدَلَ عَنْها لِما ذُكِرَ.
وجَوَّزَ القاضِي أنْ تَكُونَ مُنَزَّلَةً مَنزِلَةَ الفاءِ بِمَعْنى الِاسْتِبْعادِ فَإنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ مُعَذِّبُهم وأنَّ أحَدًا لا يَقْدِرُ عَلى نَصْرِهِمْ أنْتَجَ ذَلِكَ أنَّهم لا يُنْصَرُونَ أصْلًا، ووَجْهُ ذَلِكَ بِأنَّهُ كانَ الظّاهِرُ أنْ يُؤْتى بِالفاءِ التَّفْرِيعِيَّةِ المُقارِنَةِ
صفحة 156
لِلنَّتائِجِ إذِ المَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى أوْجَبَ عَلَيْكم عِقابَهُ ولا مانِعَ لَكم مِنهُ، فَإذَنْ أنْتُمْ لا تُنْصَرُونَ فَعَدَلَ عَنْهُ إلى العَطْفِ بِثُمَّ الِاسْتِبْعادِيَّةِ إلى الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرَهُ، واسْتِبْعادُ الوُقُوعِ يَقْتَضِي النَّفْيَ، والعَدَمُ الحاصِلُ الآنَ فَهو مُناسِبٌ لِمَعْنى تَسَبُّبِ النَّفْيِ، ودَفَعَ بِذَلِكَ ما قِيلَ عَلَيْهِ: إنَّ الدّاخِلَ عَلى النَّتائِجِ هي الفاءُ السَّبَبِيَّةُ لا الِاسْتِبْعادِيَّةُ ولا يَخْفى قُوَّةُ الِاعْتِراضِ، وفَرَّقَ بَيْنَ وجْهَيْ الِاسْتِبْعادِ السّابِقِ والتَّنْزِيلِ المَذْكُورِ بِأنَّ المَنفِيَّ عَلى الأوَّلِ نُصْرَةُ اللَّهِ تَعالى لَهُمْ، وعَلى الثّانِي مُطْلَقُ النُّصْرَةِ
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии