Аль-Алуси · Тафсир · на арабском
Юсуф 12:18–20
12:18Страница 237
وَجَآءُو عَلَىٰ قَمِيصِهِۦ بِدَمٖ كَذِبٖۚ قَالَ بَلۡ سَوَّلَتۡ لَكُمۡ أَنفُسُكُمۡ أَمۡرٗاۖ فَصَبۡرٞ جَمِيلٞۖ وَٱللَّهُ ٱلۡمُسۡتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ ١٨
Они показали лживую кровь на его рубашке, и он сказал: «О нет! Это ваши души ввели вас в соблазн, и лучше проявить терпение. Только Аллаха следует просить о помощи против того, что вы рассказали».
﴿قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكم أنْفُسُكُمْ﴾ أيْ زَيَّنَتْ وسَهَّلَتْ ﴿أمْرًا﴾ مِنَ الأُمُورِ مُنْكَرًا لا يُوصَفُ ولا يُعْرَفُ، وأصْلُ التَّسْوِيلِ تَقْدِيرُ شَيْءٍ في النَّفْسِ مَعَ الطَّمَعِ في إتْمامِهِ.
وقالَ الرّاغِبُ: هو تَزْيِينُ النَّفْسِ لِما تَحْرِصُ عَلَيْهِ وتَصْوِيرُ القَبِيحِ بِصُورَةِ الحَسَنِ.
وقالَ الأزْهَرِيُّ: كَأنَّ التَّسْوِيلَ تَفْعِيلٌ مِن سِوالِ الإنْسانِ وهو أُمْنِيَّتُهُ الَّتِي يَطْلُبُها فَتُزَيِّنُ لِطالِبِها الباطِلَ وغَيْرَهُ، وأصْلُهُ مَهْمُوزٌ، وقِيلَ: مِنَ السَّوَلِ بِفَتْحَتَيْنِ وهو اسْتِرْخاءٌ في العَصَبِ ونَحْوِهِ كَأنَّ المُسَوِّلَ لِمَزِيدِ حِرْصِهِ اسْتَرْخى عَصَبُهُ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ عَلى ما في البَحْرِ أيْ لَمْ يَأْكُلْهُ الذِّئْبُ ﴿بَلْ سَوَّلَتْ﴾ إلَخْ، وعِلْمُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِكَذِبِهِمْ قِيلَ: حَصَلَ مِن سَلامَةِ القَمِيصِ عَنِ التَّمْزِيقِ وهي إحْدى ثَلاثِ آياتٍ في القَمِيصِ: ثانِيَتُها عَوْدُ يَعْقُوبَ بَصِيرًا بِإلْقائِهِ عَلى وجْهِهِ، وثالِثَتُها قَدُّهُ مِن دُبُرٍ فَإنَّهُ كانَ دَلِيلًا عَلى بَراءَةِ يُوسُفَ، ويَنْضَمُّ إلى ذَلِكَ وُقُوفُهُ بِالرُّؤْيا الدّالَّةِ عَلى بُلُوغِهِ مَرْتَبَةً عَلْياءَ تَنْحَطُّ عَنْها الكَواكِبُ، وقِيلَ: مَن تُناقِضُهم فَإنَّهُ يُرْوى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا قالَ: ما تَقَدَّمَ عَنْ قَتادَةَ قالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ قَتَلَهُ اللُّصُوصُ، فَقالَ: كَيْفَ قَتَلُوهُ وتَرَكُوا قَمِيصَهُ وهم إلى قَمِيصِهِ أحْوَجُ مِنهم إلى قَتْلِهِ؟! ولَعَلَّهُ مَعَ هَذا العِلْمِ إنَّما حَزِنَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِما خَشِيَ عَلَيْهِ مِنَ المَكْرُوهِ والشَّدائِدِ غَيْرِ المَوْتِ، وقِيلَ: إنَّما حَزِنَ لِفِراقِهِ وفِراقُ الأحِبَّةِ مِمّا لا يُطاقُ، ولِذَلِكَ قِيلَ:
لَوْ لا مُفارَقَةُ الأحْبابِ ما وجَدَتْ لَها المَنايا إلى أرْواحِنا سُبُلًا
ولا بَأْسَ بِأنْ يُقالَ: إنَّهُ أحْزَنَهُ فِراقُهُ وخَوْفُ أنْ يَنالَهُ مَكْرُوهٌ ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ أيْ فَأمْرِي صَبْرٌ جَمِيلٌ، أوْ فَصَبْرِي صَبْرٌ جَمِيلٌ كَما قالَ قُطْرُبٌ، أوْ فالَّذِي أفْعَلُهُ ذَلِكَ كَما قالَ الخَلِيلُ، أوْ فَهو صَبْرٌ إلَخْ، كَما قالَ الفَرّاءُ، وصَبْرٌ في كُلِّ ذَلِكَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ أمْثَلُ وأجْمَلُ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، وهَلِ الحَذْفُ في مِثْلِ ذَلِكَ واجِبٌ أوْ جائِزٌ؟ فِيهِ خِلافٌ، وكَذا اخْتَلَفُوا فِيما إذا صَحَّ في كَلامٍ واحِدٍ اعْتِبارُ حَذْفِ المُبْتَدَأِ وإبْقاءِ الخَبَرِ واعْتِبارُ العَكْسِ هَلْ الِاعْتِبارُ الأوَّلُ أوْلى أمِ الثّانِي؟
وقَرَأ أُبَيٌّ والأشْهَبُ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ -فَصَبْرًا جَمِيلًا- بِنَصْبِهِما، وكَذا في مُصْحَفِ أنَسِ بْنِ مالِكٍ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الكِسائِيِّ، وخَرَجَ عَلى أنَّ التَّقْدِيرَ فاصْبِرْ صَبْرًا عَلى أنَّ اصْبِرْ مُضارِعٌ مُسْنَدٌ لِضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا يَحْسُنُ النَّصْبُ في مِثْلِ ذَلِكَ إلّا مَعَ الأمْرِ، والتَزَمَ بَعْضُهم تَقْدِيرَهُ هُنا بِأنْ يَكُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ رَجَعَ إلى مُخاطَبَةِ نَفْسِهِ فَقالَ: صَبْرًا جَمِيلًا عَلى مَعْنى فاصْبِرِي يا نَفْسُ صَبْرًا جَمِيلًا، والصَّبْرُ الجَمِيلُ عَلى ما رَوى الحَسَنُ عَنْهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -ما لا شَكْوى فِيهِ أيْ إلى الخَلْقِ وإلّا فَقَدَ قالَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿إنَّما أشْكُو بَثِّي وحُزْنِي إلى اللَّهِ﴾ وقِيلَ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ سَقَطَ حاجِباهُ عَلى عَيْنَيْهِ فَكانَ يَرْفَعُهُما بِعِصابَةٍ فَسُئِلَ عَنْ سَبَبِ ذَلِكَ، فَقالَ: طُولُ الزَّمانِ وكَثْرَةُ الأحْزانِ فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ أتَشْكُو إلى غَيْرِي، فَقالَ: يا رَبِّ خَطِيئَةٌ فاغْفِرْها.
وقِيلَ: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ أنّى أتَجَمَّلُ لَكم في صَبْرِي فَلا أُعاشِرُكم عَلى كَآبَةِ الوَجْهِ وعُبُوسِ
صفحة 202
الجَبِينِ بَلْ أبْقى عَلى ما كُنْتُ عَلَيْهِ مَعَكم وهو خِلافُ الظّاهِرِ جِدًّا ﴿واللَّهُ المُسْتَعانُ﴾ أيِ المَطْلُوبُ مِنهُ العَوْنُ وهو إنْشاءٌ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِلِاسْتِعانَةِ المُسْتَمِرَّةِ ﴿عَلى ما تَصِفُونَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالمُسْتَعانِ والوَصْفُ ذِكْرُ الشَّيْءِ بِنِعْمَتِهِ وهو قَدْ يَكُونُ صِدْقًا وقَدْ يَكُونُ كَذِبًا، والمُرادُ بِهِ هُنا الثّانِي كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ بَلْ قِيلَ: إنَّ الصِّيغَةَ قَدْ غَلَبَتْ في ذَلِكَ ومَعْنى اسْتِعانَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِاللَّهِ تَعالى عَلى كَذِبِهِمْ طَلَبُهُ مِنهُ سُبْحانَهُ إظْهارُ كَوْنِهِ كَذِبًا بِسَلامَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ والِاجْتِماعِ مَعَهُ فَيَكُونُ ذِكْرُ الِاسْتِعانَةِ هَنا نَظِيرَ ﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ فِيما بَعْدُ: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ)،﴾ وفي بَعْضِ الآثارِ أنَّ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها قالَتْ يَوْمَ الإفْكِ: واللَّهِ لَئِنْ حَلَفْتُ لا تُصَدِّقُونِي ولَئِنِ اعْتَذَرْتُ لا تَعْذِرُونِي فَمَثَلِي ومَثَلُكم كَمَثَلِ يَعْقُوبَ ووَلَدِهِ واللَّهُ المُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى في عُذْرِها ما أنْزَلَ، وقِيلَ: المُرادُ إنَّهُ تَعالى المُسْتَعانُ عَلى احْتِمالِ ما تَصِفُونَهُ مِن هَلاكِ يُوسُفَ كَأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ أنْ قالَ: صَبْرٌ جَمِيلٌ طَلَبَ الإعانَةَ مِنهُ تَعالى عَلى الصَّبْرِ وذَلِكَ لِأنَّ الدَّواعِيَ النَّفْسانِيَّةَ تَدْعُو إلى إظْهارِ الجَزَعِ وهي قَوِيَّةٌ والدَّواعِي الرُّوحانِيَّةُ الصَّبْرُ الجَمِيلُ فَكَأنَّهُ وقَعَتِ المُحارَبَةُ بَيْنَ الصِّفَتَيْنِ فَما لَمْ تَحْصُلِ المَعُونَةُ مِنهُ جَلَّ وعَلا لا تَحْصُلُ الغَلَبَةُ، فَقَوْلُهُ: (فَصَبْرٌ جَمِيلٌ) يَجْرِي مَجْرى ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾، ﴿واللَّهُ المُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ﴾ يَجْرِي مَجْرى ﴿وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ولَعَلَّ الأوَّلَ أسْلَمُ مِنَ القالِ والقِيلِ، ولِلْإمامِ الرّازِيِّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ في هَذا المَقامِ بَحْثٌ، وهُوَ: أنَّ الصَّبْرَ عَلى قَضاءِ اللَّهِ تَعالى واجِبٌ، وأمّا الصَّبْرُ عَلى ظُلْمِ الظّالِمِينَ ومَكْرِ الماكِرِينَ فَغَيْرُ واجِبٍ بَلِ الواجِبُ إزالَتُهُ لا سِيَّما في الضَّرَرِ العائِدِ إلى الغَيْرِ، فَكانَ اللّائِقُ بِيَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ التَّفْتِيشَ والسَّعْيَ في تَخْلِيصِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ البَلِيَّةِ والشِّدَّةِ إنْ كانَ حَيًّا، وفي إقامَةِ القَصاصِ إنْ صَحَّ أنَّهم قَتَلُوهُ بَلْ قَدْ يُقالُ: إنَّ الواجِبَ المُتَعَيَّنَ عَلَيْهِ السَّعْيُ في طَلَبِهِ وتَخْلِيصِهِ؛ لِأنَّ الظّاهِرَ أنَّهُ كانَ عالِمًا بِأنَّهُ حَيٌّ سَلِيمٌ لِقَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ ويُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ﴾ فَإنَّ الظّاهِرَ أنَّهُ إنَّما قالَهُ عَنْ وحْيٍ، وأيْضًا إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ عَظِيمَ القَدْرِ جَلِيلَ الشَّأْنِ مُعَظَّمًا في النُّفُوسِ مَشْهُورًا في الآفاقِ فَلَوْ بالَغَ في الطَّلَبِ والتَّفَحُّصِ لَظَهَرَ ذَلِكَ واشْتُهِرَ ولَزالَ وجْهُ التَّلْبِيسِ فَما السَّبَبُ في تَرْكِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ الفَحْصَ مَعَ نِهايَةِ رَغْبَتِهِ في حُضُورِ يُوسُفَ وغايَةِ مَحَبَّتِهِ لَهُ، وهَلِ الصَّبْرُ في هَذا المَقامِ إلّا مَذْمُومٌ عَقْلًا وشَرْعًا؟ ثُمَّ قالَ: والجَوابُ أنْ نَقُولَ: لا جَوابَ عَنْ ذَلِكَ إلّا أنْ يُقالَ: إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مَنَعَهُ عَنِ الطَّلَبِ تَشْدِيدًا لِلْمِحْنَةِ وتَغْلِيظًا لِلْأمْرِ، وأيْضًا لَعَلَّهُ عَرَفَ بِقَرائِنِ الأحْوالِ أنَّ أوْلادَهُ أقْوِياءُ وأنَّهم لا يُمَكِّنُونَهُ مِنَ الطَّلَبِ والتَّفَحُّصِ، وأنَّهُ لَوْ بالَغَ في البَحْثِ رُبَّما أقْدَمُوا عَلى إيذائِهِ وقَتْلِهِ، وأيْضًا لَعَلَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلِمَ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَصُونُ يُوسُفَ عَنِ البَلاءِ والمِحْنَةِ، وأنَّ أمْرَهُ سَيُعَظَّمُ بِالآخِرَةِ ثُمَّ لَمْ يُرِدْ هَتْكَ سِتْرِ أوْلادِهِ وما رَضِيَ بِإلْقائِهِمْ في ألْسِنَةِ النّاسِ، وذَلِكَ لِأنَّ أحَدَ الوَلَدَيْنِ إذا ظَلَمَ الآخَرَ وقَعَ الأبُ في العَذابِ الشَّدِيدِ لِأنَّهُ إنْ لَمْ يَنْتَقِمْ يَحْتَرِقْ قَلْبُهُ عَلى الوَلَدِ المَظْلُومِ وإنِ انْتَقَمَ يَحْتَرِقْ عَلى الوَلَدِ الَّذِي يَنْتَقِمُ مِنهُ، ونَظِيرُ ذَلِكَ ما أشارَ إلَيْهِ الشّاعِرُ بِقَوْلِهِ:
قَوْمِي هم قَتَلُوا أُمَيْمَ أخِي ∗∗∗ فَإذا رَمَيْتُ يُصِيبُنِي سَهْمِي
ولَئِنْ عَفَوْتُ لَأعْفُوَنَّ جَلَلًا ∗∗∗ ولَئِنْ سَطَوْتُ لَمُوهِنٌ عَظْمِي
فَلَمّا وقَعَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ في هَذِهِ البَلِيَّةِ رَأى أنَّ الأصْوَبَ الصَّبْرُ والسُّكُوتُ وتَفْوِيضُ الأمْرِ بِالكُلِّيَّةِ إلى اللَّهِ تَعالى لا سِيَّما إنْ قُلْنا: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ عالِمًا بِأنَّ ما وقَعَ لا يُمْكِنُ تَلافِيهِ حَتّى يَبْلُغَ الكِتابْ أجَلَهُ
صفحة 203
12:19Страница 237
وَجَآءَتۡ سَيَّارَةٞ فَأَرۡسَلُواْ وَارِدَهُمۡ فَأَدۡلَىٰ دَلۡوَهُۥۖ قَالَ يَٰبُشۡرَىٰ هَٰذَا غُلَٰمٞۚ وَأَسَرُّوهُ بِضَٰعَةٗۚ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِمَا يَعۡمَلُونَ ١٩
Когда прибыл караван, они послали водоноса принести воды. Он опустил свое ведро и сказал: «Вот радость! Это же - мальчик!». Они спрятали его, чтобы продать. Но Аллах ведал о том, что они совершали.
﴿وجاءَتْ﴾ شُرُوعٌ فِيما جَرى عَلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ في الجُبِّ بَعْدَ الفَراغِ عَنْ ذِكْرِ ما وقَعَ بَيْنَ إخْوَتِهِ وبَيْنَ أبِيهِ أيْ وجاءَتْ إلى الجُبِّ ﴿سَيّارَةٌ﴾ رُفْقَةٌ تَسِيرُ مِن جِهَةِ مَدْيَنَ إلى مِصْرَ وكانَ ذَلِكَ بَعْدَ ثَلاثَةِ أيّامٍ مَضَتْ مِن زَمَنِ إلْقائِهِ في قَوْلٍ، وقِيلَ: في اليَوْمِ الثّانِي، والظّاهِرُ أنَّ الجُبَّ كانَ في طَرِيقِ سَيْرِهِمُ المُعْتادُ.
وقِيلَ: إنَّهُ كانَ في قَفْرَةٍ بَعِيدَةٍ مِنَ العُمْرانِ فَأخْطَأُوا الطَّرِيقَ فَأصابُوهُ ﴿فَأرْسَلُوا﴾ إلَيْهِ ﴿وارِدَهُمْ﴾ الَّذِي يَرِدُ الماءَ ويَسْتَقِي لَهم وكانَ ذَلِكَ مالِكَ بْنَ ذُعْرٍ الخُزاعِيَّ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الوارِدُ هُنا يُمْكِنُ أنْ يَقَعَ عَلى الواحِدِ وعَلى الجَماعَةِ اهـ، والظّاهِرُ الأوَّلُ، والتَّأْنِيثُ في (جاءَتْ) والتَّذْكِيرُ في أرْسَلُوا و وارِدَهُمْ) بِاعْتِبارِ اللَّفْظِ والمَعْنى، وفي التَّعْبِيرِ بِالمَجِيءِ إيماءٌ إلى كَرامَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَ رَبِّهِ سُبْحانَهُ، وحُذِفَ مُتَعَلِّقُهُ وكَذا مُتَعَلِّقُ الإرْسالِ لِظُهُورِهِ، ولِذا حُذِفَ المُتَعَلِّقُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَأدْلى دَلْوَهُ﴾ أيْ أرْسَلَها إلى الجُبِّ لِيُخْرِجَ الماءَ، ويُقالَ: دَلا الدَّلْوَ إذا أخْرَجَها مَلْأى، والدَّلْوُ مِنَ المُؤَنَّثاتِ لِلسَّماعِيَّةِ فَتُصَغَّرُ عَلى دُلِيَّةٍ وتُجْمَعُ عَلى أدُلٍ ودِلاءٍ ودُلِيٍّ.
وقالَ ابْنُ الشِّحْنَةِ: إنَّ الدَّلْوَ الَّتِي يُسْتَقى بِها مُؤَنَّثَةٌ وقَدْ تُذَكَّرُ، وأمّا الدَّلْوُ مَصْدَرُ دَلَوْتُ وضَرْبٌ مِنَ السَّيْرِ فَمُذَكَّرٌ ومِثْلُها في التَّذْكِيرِ والتَّأْنِيثِ الجُبُّ عِنْدَ الفَرّاءِ عَلى ما نَقَلَهُ عَنْهُ مُحَمَّدُ بْنُ الجَهْمِ، وعَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهُ مُذَكَّرٌ لا غَيْرَ، وأمّا البِئْرُ مُؤَنَّثَةٌ فَقَطْ في المَشْهُورِ، ويُقالُ في تَصْغِيرِها: بُوَيْرَةٌ، وفي جَمْعِها آبارٌ وأبْآرٌ وأبْؤُرٌ وبِئارٌ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ أيْ فَأدْلى دَلْوَهُ فَتَدَلّى بِها يُوسُفُ فَخَرَجَ (قالَ) اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ يَقْتَضِيهِ الحالُ.
﴿يا بُشْرى هَذا غُلامٌ﴾ نادى البُشْرى بِشارَةً لِنَفْسِهِ أوْ لِقَوْمِهِ ورُفْقَتِهِ كَأنَّهُ نَزَّلَها مَنزِلَةَ شَخْصٍ فَناداهُ، فَهو اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ وتَخْيِيلِيَّةٌ أيْ يا بُشْرى تَعالَيْ فَهَذا أوانُ حُضُورِكِ، وقِيلَ: المُنادى مَحْذُوفٌ كَما في يا لَيْتَ أيْ يا قَوْمِي انْظُرُوا واسْمَعُوا بُشْرايَ، وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ تُسْتَعْمَلُ لِلتَّبْشِيرِ مِن غَيْرِ قَصْدٍ إلى النِّداءِ.
وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ بُشْرى اسْمُ صاحِبٍ لَهُ ناداهُ لِيُعِينَهُ عَلى إخْراجِهِ، ورُوِيَ هَذا عَنِ السُّدِّيِّ -ولَيْسَ بِذاكَ- وقَرَأ غَيْرُ الكُوفِيِّينَ -يا بُشْرايَ- بِالإضافَةِ، وأمالَ فَتْحَةَ الرّاءِ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ، وقَرَأ ورْشٌ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ.
ورُوِيَ عَنْ نافِعٍ أنَّهُ قَرَأ -يا بُشْرايَ- بِسُكُونِ ياءِ الإضافَةِ ويُلْزِمُهُ التِقاءَ السّاكِنَيْنِ عَلى غَيْرِ حَدِّهِ واعْتَذَرَ بِأنَّهُ أجْرى الوَصْلَ مَجْرى الوَقْفِ ونَظائِرُ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ في القُرْآنِ وغَيْرِهِ، وقِيلَ: جازَ ذَلِكَ لِأنَّ الألِفَ لِمَدِّها تَقُومُ مَقامَ الحَرَكَةِ، وقَرَأ أبُو الطُّفَيْلِ والحَسَنُ وابْنُ أبِي إسْحاقَ والجَحْدَرِيُّ (يا بُشْرَيَّ) بِقَلْبِ الألِفِ ياءً وإدْغامِها في ياءِ الإضافَةِ -وهِيَ لُغَةٌ لِهُذَيْلٍ ولِناسٍ غَيْرِهِمْ- ومِن ذَلِكَ قَوْلُ أبِي ذُؤَيْبٍ: سَبَقُوا (هُوِيَّ) وأعْنَقُوا لِهَواهُمُ فَتَخَرَّمُوا ولِكُلِّ جَنْبٍ مَصْرَعُ
ويَقُولُونَ: يا سَيِّدِي ومَوْلَيَّ، و–الغُلامُ- كَثِيرًا ما يُطْلَقُ عَلى ما بَيْنَ الحَوْلَيْنِ إلى البُلُوغِ، وقَدْ يُطْلَقُ عَلى الرَّجُلِ الكامِلِ كَما في قَوْلِ لَيْلى الأخْيَلِيَّةِ في الحَجّاجِ بْنِ يُوسُفَ الثَّقَفِيِّ:
غُلامٌ إذا هَزَّ القَناةَ سَقاها
والظّاهِرُ أنَّ التَّنْوِينَ فِيهِ لِلتَّفْخِيمِ، وحُقَّ لَهُ ذَلِكَ فَقَدْ كانَ عَلَيْهِ مِن أحْسَنِ الغِلْمانِ، وذَكَرَ البَغْوِيُّ عَنْهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهُ قالَ: «أُعْطِيَ يُوسُفُ شَطْرَ الحُسْنِ».
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ: ذَهَبَ يُوسُفُ وأُمُّهُ بِثُلُثَيِ الحُسْنِ، وحَكى الثَّعْلَبِيُّ عَنْ كَعْبِ الأحْبارِ أنَّهُ قالَ: كانَ
صفحة 204
يُوسُفُ حَسَنَ الوَجْهِ جَعْدَ الشَّعَرِ ضَخْمَ العَيْنَيْنِ مُسْتَوِي الخَلْقِ أبْيَضَ اللَّوْنِ غَلِيظَ السّاعِدَيْنِ والسّاقَيْنِ خَمِيصَ البَطْنِ صَغِيرَ السُّرَّةِ، وكانَ إذا تَبَسَّمَ رَأيْتَ النُّورَ في ضَواحِكِهِ، وإنْ تَكَلَّمَ رَأيْتَ شُعاعَ النُّورِ مِن ثَناياهُ ولا يَسْتَطِيعُ أحَدٌ وصْفَهُ وكانَ حُسْنُهُ كَضَوْءِ النَّهارِ عِنْدَ اللَّيْلِ وكانَ يُشْبِهُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَوْمَ خَلَقَهُ قَبْلَ أنْ يُصِيبَ الخَطِيئَةَ، ويُحْكى أنَّ جَوانِبَ الجُبِّ بَكَتْ عَلَيْهِ حِينَ خَرَجَ مِنها، ولَعَلَّهُ مِن بابِ بَكَتِ الدّارُ لِفَقْدِ فُلانٍ، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَ الوارِدِ ﴿يا بُشْرى هَذا غُلامٌ﴾ كانَ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ، وقِيلَ: إنَّهُ حِينَ وُرُودِهِ عَلى أصْحابِهِ صاحَ بِذاكَ ﴿وأسَرُّوهُ﴾ أيْ أخْفاهُ الوارِدُ وأصْحابُهُ عَنْ بَقِيَّةِ الرُّفْقَةِ حَتّى لا تَراهُ فَتَطْمَعَ فِيهِ، وقِيلَ: أخْفَوْا أمْرَهُ وكَوْنَهُ وُجِدَ في البِئْرِ، وقالُوا لِسائِرِ القافِلَةِ: دَفَعَهُ إلَيْنا أهْلُ الماءِ لِنَبِيعَهُ لَهم بِمِصْرَ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِإخْوَةِ يُوسُفَ، وذَلِكَ أنَّ بَعْضَهم رَجَعَ لِيَتَحَقَّقَ أمْرَهُ فَرَآهُ عِنْدَ السَّيّارَةِ فَأخْبَرَ إخْوَتَهُ فَجاءُوا إلَيْهِمْ فَقالُوا: هَذا غُلامٌ أبَقَ لَنا فاشْتَرُوهُ فاشْتَرَوْهُ وسَكَتَ يُوسُفُ مَخافَةَ أنْ يَقْتُلُوهُ، وفي رِوايَةٍ أنَّهم قالُوا بِالعِبْرانِيَّةِ: لا تُنْكِرِ العُبُودِيَّةَ نَقْتُلْكَ فَأقَرَّ بِها واشْتَرَوْهُ مِنهُمْ، وقِيلَ: كانَ يَهُوذا يَأْتِيهِ بِالطَّعامِ فَأتاهُ يَوْمَ أُخْرِجَ فَلَمْ يَجِدْهُ في الجُبِّ ووَجَدَهُ عِنْدَ الرُّفْقَةِ فَأخْبَرَ إخْوَتَهُ فَأتَوْهم فَقالُوا ما قالُوا، ورُوِيَ كَوْنُ الضَّمِيرِ لِلْأُخْوَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، قِيلَ: وهو المُناسِبُ لِإفْرادِ (قالَ) وجَمْعِ ضَمِيرِ –أسَرُّوا- ولِلْوَعِيدِ الآتِي قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، ولَيْسَ فِيهِ اخْتِلالٌ في النَّظْمِ، ولا يَخْفى أنَّ الظّاهِرَ ما أُشِيرَ إلَيْهِ أوَّلًا، ونَصْبُ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿بِضاعَةً﴾ عَلى الحالِ أيْ أخْفَوْهُ حالَ كَوْنِهِ مَتاعًا لِلتِّجارَةِ، وفي الفَرائِدِ أنَّهُ ضَمَّنَ أسَرُّوهُ مَعْنى جَعَلُوهُ أيْ جَعَلُوهُ بِضاعَةً مُسَرِّينَ إيّاهُ فَهو مَفْعُولٌ بِهِ.
وقالَ ابْنُ الحاجِبِ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لَهُ أيْ لِأجْلِ التِّجارَةِ ولَيْسَ شَرْطُهُ مَفْقُودًا لِاتِّحادِ فاعِلِهِ وفاعِلِ الفِعْلِ المُعَلَّلِ بِهِ إذِ المَعْنى كَتَمُوهُ لِأجْلِ تَحْصِيلِ المالِ بِهِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَمْيِيزًا وهو مِنَ –البِضْعِ- بِمَعْنى القِطْعِ وكَأنَّ البِضاعَةَ إنَّما سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تُقْطَعُ مِنَ المالِ وتُجْعَلُ لِلتِّجارَةِ، ومِن ذَلِكَ البِضْعُ بِالكَسْرِ لِما بَيْنَ الثَّلاثِ إلى العَشَرَةِ أوْ لِما فَوْقَ الخَمْسِ ودُونَ العَشَرَةِ، والبَضِيعَةُ لِلْجَزِيرَةِ المُنْقَطِعَةِ عَنِ البَرِّ، واعْتَبَرَ الرّاغِبُ في البِضاعَةِ كَوْنَها قِطْعَةً وافِرَةً مِنَ المالِ تُقْتَنى لِلتِّجارَةِ ولَمْ يَعْتَبِرِ الكَثِيرُ كَوْنَها وافِرَةً ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾ لَمْ يَخْفَ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ أسْرارُهُمْ، وصَرَّحَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّ هَذا وعِيدٌ لِإخْوَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى ما صَنَعُوا بِأبِيهِمْ وأخِيهِمْ وجَعْلِهِمْ إيّاهُ، وهو هو عُرْضَةٌ لِلِابْتِذالِ بِالبَيْعِ والشِّراءِ
12:20Страница 237
وَشَرَوۡهُ بِثَمَنِۭ بَخۡسٖ دَرَٰهِمَ مَعۡدُودَةٖ وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ ٱلزَّٰهِدِينَ ٢٠
Они (братья Йусуфа) продали его за ничтожную цену - всего за несколько дирхемов. Они не высоко оценили его.
﴿وشَرَوْهُ﴾ الضَّمِيرُ المَرْفُوعُ إمّا لِلْأُخْوَةِ فَشَرى بِمَعْنى باعَ، وإمّا لِلسَّيّارَةِ فَهو بِمَعْنى اشْتَرى كَما في قَوْلِهِ:
(وشَرَيْتُ) بُرْدًا لَيْتَنِي مِن بَعْدِ بُرْدٍ كُنْتُ هامَهُ
وقَوْلِهِ:
ولَوْ أنَّ هَذا المَوْتَ يَقْبَلُ فِدْيَةً ∗∗∗ شَرَيْتُ أبا زَيْدٍ بِما مَلَكَتْ يَدِي
وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ عَلى هَذا الوَجْهِ بِمَعْنى باعَ بِناءً عَلى أنَّهم باعُوهُ لَمّا التَقَطُوهُ مِن بَعْضِهِمْ ﴿بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ أيْ نَقْصٍ وهو مَصْدَرٌ أُرِيدَ بِهِ اسْمُ المَفْعُولِ أيْ مَنقُوصٌ، وجَوَّزَ الرّاغِبُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى باخِسٍ أيْ ناقِصٍ عَنِ القِيمَةِ نُقْصانًا ظاهِرًا، وقالَ مُقاتِلٌ: زَيْفٌ ناقِصُ العِيارِ، وقالَ قَتادَةُ: بَخْسٌ ظُلْمٌ لِأنَّهُ ظَلَمُوهُ في بَيْعِهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ في آخَرِينَ: البَخْسُ الحَرامُ وكانَ ذَلِكَ حَرامًا لِأنَّهُ ثَمَنُ الحُرِّ وسُمِّيَ الحَرامُ بَخْسًا لِأنَّهُ مَبْخُوسُ البَرَكَةِ أيْ مَنقُوصُها، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿دَراهِمَ﴾ بَدَلٌ مِن ثَمَنٍ أيْ لا دَنانِيرَ ﴿مَعْدُودَةٍ﴾ أيْ قَلِيلَةٍ وكُنِّيَ بِالعَدِّ عَنِ القِلَّةِ لِأنَّ الكَثِيرَ يُوزَنُ عِنْدَهم وكانَتْ عِدَّةُ هَذِهِ الدَّراهِمِ في كَثِيرٍ مِنَ الرِّواياتِ عِشْرِينَ دِرْهَمًا، وفي رِوايَةٍ
صفحة 205
عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ اثْنَيْنِ وعِشْرِينَ، وفي أُخْرى عَنْهُ عِشْرِينَ وحُلَّةً ونَعْلَيْنِ، وقِيلَ: ثَلاثِينَ وحُلَّةً ونَعْلَيْنِ، وقِيلَ: ثَمانِيَةَ عَشَرَ اشْتَرَوْا بِها أخْفافًا ونِعالًا، وقِيلَ: عَشَرَةً، وعَنْ عِكْرِمَةَ أنَّها كانَتْ أرْبَعِينَ دِرْهَمًا، ولا يَأْبى هَذا ما ذَكَرَهُ غَيْرُ واحِدٍ مِن أنَّ عادَتَهم أنَّهم لا يَزِنُونَ إلّا ما بَلَغَ أُوقِيَّةً وهي أرْبَعُونَ دِرْهَمًا إذْ لَيْسَ فِيهِ نَفْيُ أنَّ الأرْبَعِينَ قَدْ تُعَدُّ ﴿وكانُوا فِيهِ﴾ أيْ في يُوسُفَ كَما هو الظّاهِرُ ﴿مِنَ الزّاهِدِينَ﴾ أيِ الرّاغِبِينَ عَنْهُ، والضَّمِيرُ في ( وكانُوا ) إنْ كانَ لِلْإخْوَةِ فَظاهِرٌ وإنْ كانَ لِلرُّفْقَةِ وكانُوا بائِعِينَ فَزُهْدُهم فِيهِ لِأنَّهُمُ التَقَطُوهُ، والمُلْتَقِطُ لِلشَّيْءِ مُتَهاوِنٌ بِهِ لا يُبالِي بِما باعَهُ، ولِأنَّهُ يَخافُ أنْ يَعْرِضَ لَهُ مُسْتَحِقٌّ يَنْتَزِعُهُ مِن يَدِهِ فَيَبِيعُهُ مِن أوَّلِ مُساوِمٍ بِأوْكَسِ الثَّمَنِ وإنْ كانَ لَهم وكانُوا مُبْتاعِينَ بِأنِ اشْتَرَوْهُ مِن بَعْضِهِمْ أوْ مِنَ الإخْوَةِ فَزُهْدُهم لِأنَّهُمُ اعْتَقَدُوا فِيهِ أنَّهُ آبِقٌ، فَخافُوا أنْ يُخاطِرُوا بِما لَهم فِيهِ، وقِيلَ: ضَمِيرُ (فِيهِ) لِلثَّمَنِ وزُهْدُهم فِيهِ لِرَداءَتِهِ أوْ لِأنَّ مَقْصُودَهم لَيْسَ إلّا إبْعادُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وهَذا ظاهِرٌ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ (كانُوا) لِلْإخْوَةِ، والجارُّ -عَلى ما نُقِلَ عَنِ ابْنِ مالِكٍ- مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ –الزّاهِدِينَ- أيْ كانُوا زاهِدِينَ فِيهِ مِنَ الزّاهِدِينَ، وذَلِكَ أنَّ اللّامَ في الزّاهِدِينَ اسْمٌ مَوْصُولٌ ولا يَتَقَدَّمُ ما في صِلَةِ المَوْصُولِ عَلَيْهِ، ولِأنَّ ما بَعْدَ الجارِّ لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَهُ، وهَلْ ﴿مِنَ الزّاهِدِينَ﴾ حِينَئِذٍ صِفَةٌ لِزاهِدِينَ المَحْذُوفِ مُؤَكَّدَةٌ كَما تَقُولُ: عالِمٌ مِنَ العُلَماءِ، أوْ صِفَةٌ مُبَيِّنَةٌ أيْ زاهِدِينَ بَلَغَ بِهِمُ الزُّهْدُ إلى أنْ يُعَدُّوا في الزّاهِدِينَ لِأنَّ الزّاهِدَ قَدْ لا يَكُونُ عَرِيقًا في الزّاهِدِينَ حَتّى يُعَدَّ فِيهِمْ إذا عُدُّوا، أوْ يَكُونُ خَبَرًا ثانِيًا؟ كُلُّ ذَلِكَ مُحْتَمَلٌ، ولَيْسَ بَدَلًا مِنَ المَحْذُوفِ لِوُجُودِ (مِن) مَعَهُ، وقَدَّرَ بَعْضُهُمُ المَحْذُوفَ أعْنِي وأنا فِيهِ مِنَ الزّاهِدِينَ، وقالَ ابْنُ الحاجِبِ في أمالِيهِ: إنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِالصِّلَةِ والمَعْنى عَلَيْهِ بِلا شُبْهَةٍ، وإنَّما فَرُّوا مِنهُ لِما فَهِمُوا مِن أنَّ صِلَةَ المَوْصُولِ لا تَعْمَلُ فِيما قَبْلَ المَوْصُولِ مُطْلَقًا، وبَيْنَ صِلَةِ –ألْ- وغَيْرِها فَرْقٌ فَإنَّ هَذِهِ عَلى صُورَةِ الحَرْفِ المُنْزَلِ مَنزِلَةَ الجُزْءِ مِنَ الكَلِمَةِ فَلا يَمْتَنِعُ تَقْدِيمُ مَعْمُولِها عَلَيْها فَلا حاجَةَ إلى القَوْلِ بِأنَّ تَعَلُّقَهُ بِالمَذْكُورِ إنَّما هو مَذْهَبُ المازِنِيِّ الَّذِي جَعَلَ –ألْ- في مِثْلِ ذَلِكَ حَرْفَ تَعْرِيفٍ وكَأنَّهُ لا يَرى تَقَدُّمَ مَعْمُولِ المَجْرُورِ مُمْتَنِعًا، وإلّا لَمْ يَتِمَّ بِما ذَكَرَهُ ارْتِفاعُ المَحْذُورِ.
وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ يَلْزَمُ بَعْدَ عَمَلِ اسْمِ الفاعِلِ مِن غَيْرِ اعْتِمادٍ مِنَ الغَفْلَةِ بِمَكانٍ لِأنَّ مَحَلَّ الخِلافِ عَمَلُهُ في الفاعِلِ والمَفْعُولِ بِهِ الصَّرِيحِ لا في الجارِّ والمَجْرُورِ الَّذِي يَكْفِيهِ رائِحَةَ الفِعْلِ؛ وقالَ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ: إنَّ الصِّفَةَ هُنا مُعْتَمِدَةٌ عَلى اسْمِ –كانُوا- وهو مُبْتَدَأٌ في الأصْلِ، والِاعْتِمادُ عَلى ذَلِكَ مُعْتَبَرٌ عِنْدَهُمْ، فَفي الرَّضِيِّ عِنْدَ قَوْلِ ابْنِ الحاجِبِ: والِاعْتِمادُ عَلى صاحِبِهِ ويَعْنِي بِصاحِبِهِ المُبْتَدَأ إمّا في الحالِ نَحْوَ زَيْدٌ ضارِبٌ أخَواهُ، أوْ في الأصْلِ نَحْوَ كانَ زَيْدٌ ضارِبًا أخَواهُ، وظَنَنْتُكَ ضارِبًا أخَواكَ وإنَّ زَيْدًا ضارِبٌ غُلاماهُ، وعَلى هَذا لا يَحْتاجُ في الجَوابِ إلى إخْراجِ الجارِّ والمَجْرُورِ عَنْ حُكْمِ الفاعِلِ والمَفْعُولِ بِهِ الصَّرِيحِ وإنْ كانَ لَهُ وجْهٌ وجِيهٌ خِلافًا لِمَن أنْكَرَهُ، ومِنَ النّاسِ مَن يَتَمَسَّكُ بِعُمُومٍ يَتَوَسَّعُ في الظَّرْفِ والجارِّ والمَجْرُورِ ما لا يُتَوَسَّعُ في غَيْرِهِما في دَفْعِ ما يُورَدُ عَلى تَعَلُّقِ الجارِّ هُنا بِالصِّفَةِ المَجْرُورِ الواقِعَةِ صِلَةً لِألْ كائِنًا ما كانَ فَلْيُفْهَمْ.
هَذا والشّائِعُ أنَّ الباعَةَ إخْوَتُهُ والزّاهِدِينَ هُمْ، وفي بَعْضِ الآثارِ أنَّهم حِينَ باعُوهُ قالُوا لِلتّاجِرِ: إنَّهُ لِصٌّ آبِقٌ فَقَيِّدْهُ ووَكِّلْ بِهِ عَبْدًا أسْوَدَ فَلَمّا جاءَ وقْتُ ارْتِحالِهِمْ بَكى عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ لَهُ التّاجِرُ: ما لَكَ تَبْكِي؟ فَقالَ: أُرِيدُ أنْ أصِلَ إلى الَّذِينَ باعُونِي لِأُوَدِّعَهم وأُسَلِّمَ عَلَيْهِمْ سَلامَ مَن لا يَرْجِعُ إلَيْهِمْ، فَقالَ التّاجِرُ لِلْعَبْدِ: خُذْهُ واذْهَبْ بِهِ إلى مَوالِيهِ لِيُوَدِّعَهم ثُمَّ ألْحِقْهُ بِالقافِلَةِ فَما رَأيْتُ غُلامًا أبَرَّ مِن هَذا بِمَوالِيهِ ولا قَوْمًا أجْفى مِنهُمْ، فَتَقَدَّمَ العَبْدُ بِهِ إلى إخْوَتِهِ وكانَ واحِدٌ مِنهم مُسْتَيْقِظًا يَحْرُسُ الأغْنامَ فَلَمّا وصَلَ إلَيْهِ يُوسُفُ وهو يَعْثُرُ في قَيْدِهِ انْكَبَّ
صفحة 206
عَلَيْهِ وبَكى، فَقالَ لَهُ: لِما جِئْتَ؟ فَقالَ: جِئْتُ لِأُوَدِّعَكم وأُسَلِّمَ عَلَيْكم فَصاحَ عَلَيْهِمْ أخُوهم قُومُوا إلى مَن أتاكم يُسَلِّمُ عَلَيْكم سَلامَ مَن لا يَرْجُو أنْ يَراكم أبَدًا فَوَيْلٌ لَكم مِن هَذا الوَداعِ فَقامُوا فَجَعَلَ يُوسُفُ يَنْكَبُّ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنهم ويُقَبِّلُهُ ويُعانِقُهُ، ويَقُولُ: حَفِظَكُمُ اللَّهُ تَعالى وإنْ ضَيَّعْتُمُونِي آواكُمُ اللَّهُ تَعالى وإنْ طَرَدْتُمُوَنِي رَحِمَكُمُ اللَّهُ تَعالى وإنْ لَمْ تَرْحَمُونِي، قِيلَ: إنَّ الأغْنامَ ألْقَتْ ما في بُطُونِها مِن هَوْلِ هَذا التَّوْدِيعِ، ثُمَّ أخَذَهُ العَبْدُ وطَلَبَ القافِلَةَ فَبَيْنَما هو عَلى الرّاحِلَةِ إذْ مَرَّ بِقَبْرِ أُمِّهِ راحِيلَ في مَقابِرِ كَنْعانَ فَلَمّا أبْصَرَ القَبْرَ لَمْ يَتَمالَكْ أنْ رَمى بِنَفْسِهِ عَلَيْهِ فاعْتَنَقَهُ وجَعَلَ يَبْكِي ويَقُولُ: يا أُمّاهُ ارْفَعِي رَأْسَكِ مِنَ التُّرابِ حَتّى تَرَيْ ولَدَكِ مُقَيَّدًا يا أُمّاهُ إخْوَتِي في الجُبِّ طَرَحُونِي ومِن أبِي فَرَّقُونِي وبِأبْخَسِ الأثْمانِ باعُونِي ولَمْ يَرِقُّوا لِصِغَرِ سِنِّي ولَمْ يَرْحَمُونِي فَأنا أسْألُ اللَّهَ تَعالى أنْ يَجْمَعَ بَيْنِي وبَيْنَ والِدِي في مُسْتَقَرِّ رَحْمَتِهِ إنَّهُ هو أرْحَمُ الرّاحِمِينَ، فالتَفَتَ العَبْدُ فَلَمْ يَرَهُ فَرَجَعَ فَرَآهُ عَلى القَبْرِ فَقالَ: واللَّهِ لَقَدْ صَدَقَ مَوالِيكَ إنَّكَ عَبْدٌ آبِقٌ ثُمَّ لَطَمَهُ لَطْمَةً شَدِيدَةً فَغُشِيَ عَلَيْهِ ثُمَّ أفاقَ فَقالَ لَهُ: لا تُؤاخِذْنِي هَذا قَبْرُ أُمِّي نَزَلْتُ أُسَلِّمُ عَلَيْها ولا أعُودُ بَعْدُ لِما تَكْرَهُهُ أبَدًا ثُمَّ رَفَعَ عَيْنَيْهِ إلى السَّماءِ وقَدْ تَمَرَّغَ بِالتُّرابِ والدُّمُوعُ في وجْهِهِ فَقالَ: اللَّهُمَّ إنْ كانَتْ لِي خَطِيئَةٌ أخْلَقَتْ وجْهِي عِنْدَكَ فَبِحُرْمَةِ آبائِي الكِرامِ إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ أنْ تَعْفُوَ عَنِّي وتَرْحَمَنِي يا أرْحَمَ الرّاحِمِينَ فَضَجَّتِ المَلائِكَةُ إلى اللَّهِ تَعالى عِنْدَ ذَلِكَ، فَقالَ تَبارَكَ وتَعالى: يا مَلائِكَتِي هَذا نَبِيِّي وابْنُ أنْبِيائِي وقَدِ اسْتَغاثَ بِي وأنا مُغِيثُهُ ومُغِيثُ المُسْتَغِيثِينَ يا جِبْرِيلُ أدْرِكْهُ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ: يا صَدِيقَ اللَّهِ رَبُّكَ يُقْرِئُكَ السَّلامَ ويَقُولُ لَكَ: مَهْلًا عَلَيْكَ فَقَدْ أبْكَيْتَ مَلائِكَةَ السَّماواتِ السَّبْعِ أتُرِيدُ أنْ أُطْبِقَ السَّماءَ عَلى الأرْضِ؟ فَقالَ: لا يا جِبْرِيلُ ارْفُقْ بِخَلْقِ رَبِّي فَإنَّهُ حَلِيمٌ لا يُعَجِّلُ، فَضَرَبَ الأرْضَ بِجَناحِهِ فَهَبَّتْ رِيحٌ حَمْراءُ وكَسَفَتِ الشَّمْسُ وأظْلَمَتِ الغَبْراءُ فَلَمْ يَرَ أهْلُ القافِلَةِ بَعْضُهم بَعْضًا، فَقالَ التّاجِرُ: انْزِلُوا قَبْلَ أنْ تَهْلَكُوا إنَّ لِي سِنِينَ عَدِيدَةً أمُرُّ بِهَذا الطَّرِيقِ فَما رَأيْتُ كاليَوْمِ فَمَن أصابَ مِنكم ذَنْبًا فَلْيَتُبْ مِنهُ فَما أصابَنا هَذا إلّا بِذَنْبٍ اقْتَرَفْناهُ فَأخْبَرَهُ العَبْدُ بِما فَعَلَ مَعَ يُوسُفَ، وقالَ يا سَيِّدِي: إنِّي لَمّا ضَرَبْتُهُ رَفَعَ عَيْنَيْهِ إلى السَّماءِ وحَرَّكَ شَفَتَيْهِ فَقالَ لَهُ التّاجِرُ: ويْحَكَ أهْلَكْتَنا وأهْلَكْتَ نَفْسَكَ، فَتَقَدَّمَ إلَيْهِ التّاجِرُ وقالَ: يا غُلامُ إنّا ظَلَمْناكَ حِينَ ضَرَبْناكَ فَإنْ شِئْتَ أنْ تَقْتَصَّ مِنّا فَها نَحْنُ بَيْنَ يَدَيْكَ؟ فَقالَ يُوسُفُ: ما أنا مِن قَوْمٍ إذا ظَلَمُوا يَقْتَصُّونَ ولَكِنِّي مِن أهْلِ بَيْتٍ إذْ ظَلَمُوا عَفَوْا وغَفَرُوا ولَقَدْ عَفَوْتُ عَنْكم رَجاءَ أنْ يَعْفُوَ اللَّهُ تَعالى عَنِّي فانْجَلَتِ الظُّلْمَةُ وسَكَنَتِ الرِّيحُ وأسْفَرَتِ الشَّمْسُ وأضاءَتْ مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها، فَسارُوا حَتّى دَخَلُوا مِصْرَ آمِنِينَ، وكانَ هَذا التّاجِرُ فِيما قِيلَ: مالِكُ بْنُ ذُعْرٍ الَّذِي أخْرَجَهُ مِنَ الجُبِّ، وقِيلَ: غَيْرُهُ.
ورُوِيَ أنَّهُ حِينَ ورَدَ بِهِ مِصْرَ باعَهُ بِعِشْرِينَ دِينارًا، وزَوْجَيْ نَعْلٍ وثَوْبَيْنِ أبْيَضَيْنِ، وقِيلَ: أدْخُلُ السُّوقَ لِلْبَيْعِ فَتَرافَعُوا في ثَمَنِهِ حَتّى بَلَغَ وزْنَهُ مِسْكًا، ووَزْنَهُ ورِقًّا، ووَزْنَهُ حَرِيرًا، فاشْتَراهُ بِذَلِكَ العَزِيزُ الَّذِي كانَ عَلى خَزائِنِ مِصْرَ عِنْدَ مَلِكِها، وقِيلَ: كانَ خَبّازَ المَلِكِ وصاحِبَ شَرابِهِ ودَوابِّهِ وصاحِبَ السِّجْنِ المَشْهُورِ، والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ هو الأوَّلُ، واسْمُهُ قَطْفِيرُ أوْ أطْفِيرُ أوْ قَنْطُورا، والأوَّلُ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهو المُرادُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии