Аль-Алуси · Тафсир · на арабском
Юсуф 12:26–28
12:26Страница 238
قَالَ هِيَ رَٰوَدَتۡنِي عَن نَّفۡسِيۚ وَشَهِدَ شَاهِدٞ مِّنۡ أَهۡلِهَآ إِن كَانَ قَمِيصُهُۥ قُدَّ مِن قُبُلٖ فَصَدَقَتۡ وَهُوَ مِنَ ٱلۡكَٰذِبِينَ ٢٦
Он сказал: «Это она пыталась соблазнить меня». А свидетель из ее семьи сказал: «Если его рубаха разорвана спереди, то она говорит правду, а он - один из тех, кто лжет.
﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ وجَوابٌ عَمّا يُقالُ: فَماذا قالَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَئِذٍ؟ فَقِيلَ: قالَ: ﴿هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾ أيْ طالَبَتْنِي لِلْمُواتاةِ لا أنِّي أرَدْتُ بِها سُوءًا كَما زَعَمَتْ وإنَّما قالَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِتَنْزِيهِ نَفْسِهِ عَنِ التُّهْمَةِ ودَفْعِ الضَّرَرِ عَنْها لا لِتَفْضِيحِها.
وفِي التَّعْبِيرِ عَنْها بِضَمِيرِ الغَيْبَةِ دُونَ الخِطابِ أوِ اسْمِ الإشارَةِ مُراعاةٌ لِحُسْنِ الأدَبِ مَعَ الإيماءِ إلى الإعْراضِ عَنْها كَذا قالُوا، وفي هَذا الضَّمِيرِ ونَحْوِهِ كَلامٌ فَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ هِشامٍ في بَعْضِ حَواشِيهِ عَلى قَوْلِ ابْنِ مالِكٍ في ألْفِيَّتِهِ:
فَما لِذِي غَيْبَةٍ أوْ حُضُورٍ
إلَخْ لِيُنْظُرْ إلى نَحْوِ ﴿هِيَ راوَدَتْنِي﴾ فَإنَّ هي ضَمِيرٌ بِاتِّفاقٍ، ولَيْسَ هو لِلْغائِبِ بَلْ لِمَن بِالحَضْرَةِ، وكَذا ﴿يا أبَتِ اسْتَأْجِرْهُ﴾ وهَذا في المُتَّصِلِ وذاكَ في المُنْفَصِلِ، وقَوْلُ مَن يُخاطِبُ شَخْصًا في شَأْنٍ آخَرَ حاضِرٍ مَعَهُ قُلْتُ لَهُ: اتَّقِ اللَّهَ تَعالى وأمَرْتُهُ بِفِعْلِ الخَيْرِ، وقَدْ يُقالُ: إنَّهُ نَزَلَ الضَّمِيرُ فِيهِنَّ مَنزِلَةَ الغائِبِ وكَذا في عَكْسِ ذَلِكَ يَبْلُغُكَ عَنْ شَخْصٍ غائِبٍ شَيْءٌ فَنَقُولُ: ويْحَكَ يا فُلانُ أتَفْعَلُ كَذا؟ تَنْزِيلًا لَهُ مَنزِلَةَ مَن بِالحَضْرَةِ، وحِينَئِذٍ يُقالُ: الحَدُّ المُسْتَفادُ مِمّا ذُكِرَ إنَّما هو لِلضَّمِيرِ بِاعْتِبارِ وضْعِهِ اهـ. وقالَ السِّراجُ البَلْقِينِيُّ في رِسالَتِهِ المُسَمّاةِ نَشْرَ العَبِيرِ لِطَيِّ الضَّمِيرِ المُفَسِّرِ لِضَمِيرِ الغائِبِ إمّا مُصَرَّحٌ بِهِ أوْ مُسْتَثْنًى بِحُضُورِ مَدْلُولِهِ حِسًّا أوْ عِلْمًا، فالحِسُّ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هِيَ راوَدَتْنِي﴾ و﴿يا أبَتِ اسْتَأْجِرْهُ﴾ كَما ذَكَرَهُ ابْنُ مالِكٍ، وتَعَقَّبَهُ شَيْخُنا أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ لَيْسَ كَما مَثَّلَ بِهِ لِأنَّ هَذَيْنِ الضَّمِيرَيْنِ عائِدانِ عَلى ما قَبْلَهُما فَضَمِيرُ ﴿هِيَ راوَدَتْنِي﴾ عائِدٌ عَلى الأهْلِ في قَوْلِها: ﴿ما جَزاءُ مَن أرادَ بِأهْلِكَ سُوءًا﴾ ولِما كَنَّتْ عَنْ نَفْسِها بِذَلِكَ ولَمْ تَقُلْ بِي بَدَلُ (بِأهْلِكَ) كَنّى هو عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْها بِضَمِيرِ الغَيْبَةِ فَقالَ: ﴿هِيَ راوَدَتْنِي﴾ ولَمْ يُخاطِبْها بِأنْتِ راوَدْتِينِي، ولا أشارَ إلَيْها بِهَذِهِ راوَدَتْنِي وكُلُّ هَذا عَلى سَبِيلِ الأدَبِ في الألْفاظِ والِاسْتِحْياءِ في الخِطابِ الَّذِي لا يَلِيقُ بِالأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، فَأبْرَزُ الِاسْمِ في صُورَةِ ضَمِيرِ الغائِبِ تَأدُّبًا مَعَ العَزِيزِ وحَياءً مِنهُ، وضَمِيرُ ﴿اسْتَأْجِرْهُ﴾ عائِدٌ عَلى مُوسى فَمُفَسِّرُهُ مُصَرَّحٌ بِلَفْظِهِ، وكَأنَّ ابْنَ مالِكٍ تَخَيَّلَ أنَّ هَذا مَوْضِعُ إشارَةٍ لِكَوْنِ صاحِبِ الضَّمِيرِ حاضِرًا عِنْدَ المُخاطَبِ فاعْتَقَدَ أنَّ المُفَسِّرَ يُسْتَغْنى عَنْهُ بِحُضُورِ مَدْلُولِهِ حِسًّا فَجَرى الضَّمِيرُ مَجْرى اسْمِ الإشارَةِ، والتَّحْقِيقُ ما ذَكَرْناهُ هَذا كَلامُهُ.
وعِنْدِي أنَّ الَّذِي قالَهُ ابْنُ مالِكٍ أرْجَحُ مِمّا قالَهُ الشَّيْخُ، وذَلِكَ أنَّ الِاثْنَيْنِ إذا وقَعَتْ بَيْنَهُما خُصُومَةٌ عِنْدَ حاكِمٍ فَيَقُولُ المُدَّعِي لِلْحاكِمِ: لِي عَلى هَذا كَذا: فَيَقُولُ المُدَّعى عَلَيْهِ: هو يَعْلَمُ أنَّهُ لا حَقَّ لَهُ عَلَيَّ، فالضَّمِيرُ في هو إنَّما
صفحة 220
هُوَ لِحُضُورِ مَدْلُولِهِ حِسًّا لا لِقَوْلِهِ: لِي كَما هو المُتَبادَرُ إلى الأفْهامِ، وأيْضًا يَرِدُ عَلى ما ذَكَرَهُ في ضَمِيرِ ﴿اسْتَأْجِرْهُ﴾ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَسْبِقْ لَهُ ذِكْرٌ عِنْدَ حُضُورِهِ مَعَ بِنْتِ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَدْ قالَتْ: ﴿يا أبَتِ اسْتَأْجِرْهُ﴾ وقَصَدَها بِالضَّمِيرِ الرَّجُلُ الحاضِرُ الَّذِي بانَ لَها مِن قُوَّتِهِ وأمانَتِهِ الأمْرُ العَظِيمُ، ثُمَّ إنَّ مَن خاصَمَ زَوْجَتَهُ فَقالَ لِلْحاضِرِينَ مِن أهْلِها أوْ مِن غَيْرِهِمْ: هي طالِقٌ تُطَلَّقُ زَوْجَتُهُ لِوُجُودِ ما قَرَّرَهُ ابْنُ مالِكٍ، ولا يَتَمَشّى عَلى ما قَرَّرَهُ الشَّيْخُ كَما لا يَخْفى، وبِالجُمْلَةِ إنَّ التَّأْوِيلَ الَّذِي ذَكَرَهُ في الآيَتَيْنِ وإنْ سَلِمَ فِيهِما لَكِنْ لا يَكادُ يَتَمَشّى مَعَهُ في غَيْرِهِما هَذا فَلْيُفْهَمْ ﴿وشَهِدَ شاهِدٌ مِن أهْلِها﴾ ذَهَبَ جَمْعٌ إلى أنَّهُ كانَ ابْنُ خالِها، وكانَ طِفْلًا في المَهْدِ أنْطَقَهُ اللَّهُ تَعالى بِبَراءَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَقَدْ ورَدَ عَنْهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «تَكَلَّمَ أرْبَعَةٌ في المَهْدِ وهم صِغارٌ: ابْنُ ماشِطَةِ ابْنَةِ فِرْعَوْنَ، وشاهِدُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وصاحِبُ جُرَيْجٍ، وعِيسى ابْنُ مَرْيَمَ عَلَيْهِما السَّلامُ”،» وتَعَقَّبَ ذَلِكَ الطِّيبِيُّ بِقَوْلِهِ: يَرُدُّهُ دَلالَةُ الحَصْرِ في حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ“أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «لَمْ يَتَكَلَّمْ في المَهْدِ إلّا ثَلاثَةٌ: عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ، وصاحِبُ جُرَيْجٍ وصَبِيٌّ كانَ يَرْضَعُ مِن أُمِّهِ فَمَرَّ راكِبٌ حَسَنُ الهَيْئَةِ فَقالَتْ أُمُّهُ: اللَّهُمَّ اجْعَلِ ابْنِي مِثْلَ هَذا فَتَرَكَ الصَّبِيُّ الثَّدْيَ وقالَ: اللَّهُمَّ لا تَجْعَلْنِي مِثْلَهُ”». اهـ، ورَدَّهُ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ فَقالَ: هَذا مِنهُ عَلى جارِي عادَتِهِ مِن عَدَمِ الِاطِّلاعِ عَلى طُرُقِ الأحادِيثِ، والحَدِيثُ المُتَقَدِّمُ صَحِيحٌ أخْرَجَهُ أحْمَدُ في مَسْنَدِهِ، وابْنُ حِبّانَ في صَحِيحِهِ، والحاكِمُ في مُسْتَدْرَكِهِ وصَحَّحَهُ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ، ورَواهُ الحاكِمُ أيْضًا مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ، وقالَ صَحِيحٌ عَلى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وفي حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ المُشارِ إلَيْهِ آنِفًا زِيادَةٌ عَلى الأرْبَعَةِ: «“الصَّبِيُّ الَّذِي كانَ يَرْضَعُ مِن أُمِّهِ فَمَرَّ راكِبٌ» إلَخْ فَصارُوا خَمْسَةً وهم أكْثَرُ مِن ذَلِكَ، فَفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ تَكَلَّمَ الطِّفْلُ في قِصَّةِ أصْحابِ الأُخْدُودِ، وقَدْ جَمَعْتُ مَن تَكَلَّمَ في المَهْدِ فَبَلَغُوا أحَدَ عَشَرَ، ونَظَمْتُها فَقُلْتُ:
تَكَلَّمَ في المَهْدِ النَّبِيُّ مُحَمَّدٌ ∗∗∗ ويَحْيى وعِيسى والخَلِيلُ ومَرْيَمُ
ومَبْرِيُّ جُرَيْجٍ ثُمَّ شاهِدُ يُوسُفَ ∗∗∗ وطِفْلٌ لِذِي الأُخْدُودِ يَرْوِيهِ مُسْلِمُ
وطِفْلٌ عَلَيْهِ مَرَّ بِالأُمَّةِ الَّتِي ∗∗∗ يُقالُ لَها تَزْنِي ولا تَتَكَلَّمُ
وماشِطَةٌ في عَهْدِ فِرْعَوْنَ طِفْلُها ∗∗∗ وفي زَمَنِ الهادِي المُبارَكِ يُخْتَمُ
اهـ، وفِيهِ أنَّهُ لَمْ يَرُدَّ الطِّيبِيُّ الطَّعْنَ عَلى الحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرَ كَما تَوَهَّمَ، وإنَّما أرادَ أنَّ بَيْنَ الحَدِيثِ الدّالِّ عَلى الخَصْرِ وغَيْرِهِ تَعارُضًا يَحْتاجُ إلى التَّوْفِيقِ؛ وفي الكَشْفِ بَعْدَ ذِكْرِهِ حَدِيثُ الأرْبَعَةِ، وما تَعَقَّبَ بِهِ مِمّا تَقَدَّمَ عَنِ الطِّيبِيِّ أنَّهُ نَقَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ في سُورَةِ البُرُوجِ خامِسًا فَإنْ ثَبَتَتْ هَذِهِ أيْضًا فالوَجْهُ أنْ يُجْعَلَ في المَهْدِ قَيْدًا وتَأْكِيدًا لِكَوْنِهِ في مَبادِي الصِّبا، وفي هَذِهِ الرِّوايَةِ يُحْمَلُ عَلى الإطْلاقِ أيْ سَواءٌ كانَ في المَبادِي أوْ بِعِيدَها بِحَيْثُ يَكُونُ تَكَلُّمُهُ مِنَ الخَوارِقِ، ولا يَخْفى أنَّهُ تَوْفِيقٌ بَعِيدٌ.
وقِيلَ: كانَ ابْنُ عَمِّها الَّذِي كانَ مَعَ زَوْجِها لَدى البابِ وكانَ رَجُلًا ذا لِحْيَةٍ، ولا يُنافِي هَذا قَوْلُ قَتادَةَ: إنَّهُ كانَ رَجُلًا حَكِيمًا مِن أهْلِها ذا رَأْيٍ يَأْخُذُ المَلِكُ بِرَأْيِهِ ويَسْتَشِيرُهُ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ بَعْضُ أهْلِها وكانَ مَعَهُما في الدّارِ بِحَيْثُ لَمْ يَشْعُرا بِهِ فَبَصَرَ بِما جَرى بَيْنَهُما فَأغْضَبَهُ اللَّهُ تَعالى لِيُوسُفَ فَقالَ الحَقَّ، وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّ الشّاهِدَ هو القَمِيصُ
صفحة 221
المَقْدُودُ ولَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى، وجَعَلَ اللَّهُ تَعالى الشّاهِدَ مِن أهْلِها قِيلَ: لِيَكُونَ أدَلَّ عَلى نَزاهَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وأنْفى لِلتُّهْمَةِ وألْزَمَ لَها، وخَصَّ هَذا بِما إذا لَمْ يَكُنِ الشّاهِدُ الطِّفْلَ الَّذِي أنْطَقَهُ اللَّهُ تَعالى الَّذِي أنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ، وأمّا إذا كانَ ذَلِكَ فَذَكَرَ كَوْنَهُ مِن أهْلِها لِبَيانِ الواقِعِ فَإنَّ شَهادَةَ الصَّبِيِّ حُجَّةٌ قاطِعَةٌ ولا فَرْقَ فِيها بَيْنَ الأقارِبِ وغَيْرِهِمْ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ كَوْنَ شَهادَةِ القَرِيبِ مُطْلَقًا أقْوى مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يَشُكَّ فِيهِ، وسُمِّيَ شاهِدًا لِأنَّهُ أدّى تَأْدِيَتَهُ في أنْ ثَبَتَ بِكَلامِهِ قَوْلُ يُوسُفَ وبَطَلَ قَوْلُها، وقِيلَ: سُمِّيَ بِذَلِكَ مِن حَيْثُ دَلَّ عَلى الشّاهِدِ وهو تَخْرِيقُ القَمِيصِ، وفَسَّرَ مُجاهِدٌ فِيما أخْرَجَهُ عَنْهُ ابْنُ جَرِيرٍ الشَّهادَةَ بِالحُكْمِ أيْ وحَكَمَ حاكِمٌ مِن أهْلِها
12:27Страница 238
وَإِن كَانَ قَمِيصُهُۥ قُدَّ مِن دُبُرٖ فَكَذَبَتۡ وَهُوَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ٢٧
А если его рубаха разорвана со спины, то она лжет, а он - один из тех, кто говорит правду».
﴿إنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ﴾ أيْ مِن قُدّامِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، أوْ مِن قُدّامِ القَمِيصِ؛ و(إنْ) شَرْطِيَّةٌ، و(كانَ) فِعْلُ الشَّرْطِ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿فَصَدَقَتْ﴾ جَوابُ الشَّرْطِ وهو بِتَقْدِيرِ قَدْ، وإلّا فالفاءُ لا تَدْخُلُ في مِثْلِهِ، وعَنِ ابْنِ خَرُوفٍ أنَّ مِثْلَ هَذا عَلى إضْمارِ المُبْتَدَأِ، والجُمْلَةُ جَوابُ الشَّرْطِ لا الماضِي وحْدَهُ، وفي الكَشّافِ إنِ الشَّرْطِيَّةُ هَنا نَظِيرُ قَوْلِكَ: إنْ أحْسَنْتَ إلَيَّ فَقَدْ أحْسَنْتُ إلَيْكَ مِن قَبْلُ لِمَن يَمْتَنُّ عَلَيْكَ بِإحْسانِهِ فَإنَّهُ عَلى مَعْنى إنْ تَمْتَنَّ عَلَيَّ أمْتَنَّ عَلَيْكَ، وكَذا هُنا المُرادُ أنْ يَعْلَمَ أنَّهُ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ ونَحْوَهُ وإلّا فَبَيَّنَ أنَّ الَّذِي لِلِاسْتِقْبالِ و(كانَ) تُنافِ قِيلَ: وهو مَبْنِيٌّ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ البَعْضُ مِن أنَّ (كانَ) قَوِيَّةٌ في الدَّلالَةِ عَلى الزَّمانِ فَحَرْفُ الشَّرْطِ لا يَقْلِبُ ماضِيها مُسْتَقْبَلًا وإلّا فَكُلُّ ماضٍ دَخَلَ عَلَيْهِ الشَّرْطُ قَلَبَهُ مُسْتَقْبَلًا مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى التَّأْوِيلِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا بُدَّ مِنَ التَّأْوِيلِ هَهُنا وجَعَلَ حُدُوثَ العِلْمِ ونَحْوِهِ جُزْأيِ الشَّرْطِيَّةِ كَأنْ يُقالَ: إنْ يَعْلَمْ أوْ يَظْهَرْ كَوْنُهُ كَذَلِكَ فَقَدْ ظَهَرَ الصِّدْقُ، ويُقالُ نَظِيرُهُ في الشَّرْطِيَّةِ الأُخْرى الآتِيَةِ: وإنْ كانَتْ (كانَ) مِمّا يَقْلِبُ حَرْفُ الشَّرْطِ ماضِيَها مُسْتَقْبَلًا كَسائِرِ الأفْعالِ الماضِيَةِ لِأنَّ المَعْنى لَيْسَ عَلى تَعْلِيقِ الصِّدْقِ أوِ الكَذِبِ في المُسْتَقْبَلِ عَلى كَوْنِ القَمِيصِ كَذا أوْ كَذا كَذَلِكَ بَلْ عَلى تَعْلِيقِ ظُهُورِ أحَدِ الأمْرَيْنِ الصِّدْقِ والكَذِبِ عَلى حُدُوثِ العِلْمِ بِكَوْنِهِ كَذَلِكَ وهو ظاهِرٌ، وهَلْ هَذا التَّأْوِيلُ مِن بابِ التَّقْدِيرِ، أوْ مِن غَيْرِهِ؟ فِيهِ خِلافٌ، والَّذِي يُشِيرُ إلَيْهِ كَلامُ بَعْضِ المُدَقِّقِينَ أنَّهُ يَنْزِلُ في مِثْلِ ذَلِكَ العِلْمِ بِالشَّيْءِ مَنزِلَةَ اسْتِقْبالِهِ لِما بَيْنَهُما مِنَ التَّلازُمِ كَما قِيلَ: أيُّ شَيْءٍ يَخْفى؟ فَقِيلَ: ما لا يَكُونُ فَلْيُفْهَمْ، ثُمَّ إنَّ مُتَعَلِّقَ الصِّدْقِ ما دَلَّ كَلامُها عَلَيْهِ مِن أنَّ يُوسُفَ أرادَ بِها سُوءًا وهو مُتَعَلِّقُ الكَذِبِ المُسْنَدِ إلَيْها فِيما بَعْدُ، وهُما كَما يَتَعَلَّقانِ بِالنِّسْبَةِ الَّتِي يَتَضَمَّنُها الكَلامُ بِاعْتِبارِ مَنطُوقِهِ يَتَعَلَّقانِ بِالنِّسْبَةِ الَّتِي يَتَضَمَّنُها بِاعْتِبارِ ما يَسْتَلْزِمُهُ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ﴿إنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ﴾ في دَعْواها أنَّ يُوسُفَ أرادَ بِها سُوءًا ﴿وهُوَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ في دَعْواهُ أنَّها راوَدَتْهُ عَنْ نَفْسِهِ ﴿وإنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ﴾ أيْ مِن خَلْفِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ أوْ خَلْفِ القَمِيصِ (فَكَذَبَتْ) في دَعْواها ﴿وهُوَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ في دَعْواهُ، والشَّرْطِيَّتانِ مَحْكِيَّتانِ: إمّا بِقَوْلٍ مُضْمَرٍ أيْ شَهِدَ قائِلًا أوْ فَقالَ (إنْ كانَ) إلَخْ كَما هو مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ، وإمّا يَشْهَدُ لِأنَّ الشَّهادَةَ قَوْلٌ مِنَ الأقْوالِ فَجازَ أنْ تَعْمَلَ في الجُمَلِ كَما هو مَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ، والإظْهارُ في مَوْضِعِ الإضْمارِ في الشَّرْطِيَّةِ الثّانِيَةِ لِيَدُلَّ عَلى الِاسْتِقْلالِ مَعَ رِعايَةِ زِيادَةِ الإيضاحِ، وجُمْلَتا -وهُوَ مِنَ الكاذِبِينَ، وهو مِنَ الصّادِقِينَ- مُؤَكِّدَتانِ لِأنَّ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَصَدَقَتْ﴾ يَعْلَمُ كَذِبَهُ، ومِن قَوْلِهِ: ﴿فَكَذَبَتْ﴾ يَعْلَمُ صِدْقَهُ ووَجْهُ دَلالَةِ قَدِّ القَمِيصِ مِن دُبُرٍ عَلى كَذِبِها أنَّها تَبِعَتْهُ وجَذَبَتْ ثَوْبَهُ فَقَدَّتْهُ، وأمّا دَلالَةُ قَدِّهِ مِن قُبُلٍ عَلى صِدْقِها فَمِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنَّهُ إذا كانَ تابَعَها وهي دافَعَتْهُ عَنْ نَفْسِهِ قَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن قُدّامٍ بِالدَّفْعِ، وثانِيهُما أنْ يُسْرِعَ إلَيْها لِيَلْحَقَها فَيَتَعَثَّرُ في مَقامِ قَمِيصِهِ فَيَشُقُّهُ كَذا في الكَشّافِ،
صفحة 222
وتَعَقَّبَ ابْنُ المُنِيرِ الوَجْهَ الأوَّلَ بِأنَّ ما قَرَّرَ في اتِّباعِهِ لَها يَحْتَمِلُ مِثْلَهُ في اتِّباعِها لَهُ فَإنَّها إنَّما تَقُدُّ قَمِيصَهُ مِن قُبُلٍ بِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ أخَذَ بِها حَتّى صارا مُتَقابِلَيْنِ فَدَفَعَتْهُ عَنْ نَفْسِها، وهَذا بِعَيْنِهِ يَحْتَمِلُ إذا كانَتْ هي التّابِعَةَ بِأنْ تَكُونَ اجْتَذَبَتْهُ حَتّى صارا مُتَقابِلَيْنِ ثُمَّ جَذَبَتْ قَمِيصَهُ إلَيْها مِن قُبُلٍ بَلْ هَذا أظْهَرُ لِأنَّ المُوجَبَ لِقَدِّ القَمِيصِ غالِبًا الجَذْبُ لا الدَّفْعُ، والوَجْهُ الثّانِي بِأنَّ ما ذُكِرَ بِعَيْنِهِ مُحْتَمَلٌ لَوْ كانَتْ هي التّابِعَةَ وهو فارٌّ مِنها بِأنْ يَنْقَدَّ قَمِيصُهُ في إسْراعِهِ لِلْفِرارِ اهـ.
وأُجِيبَ عَمّا ذَكَرَهُ أوَّلًا بِأنَّهُ غَيْرُ وارِدٍ لِأنَّ تِلْكَ الحالَةَ السَّرِيعَةَ لا تَحْتَمِلُ إلّا أيْسَرَ ما يُمْكِنُ وأسْرَعَهُ، وعَلى تَقْدِيرِ اتِّباعِها لَهُ تَعَيَّنَ القَدُّ مِن دُبُرٍ لِأنَّهُ أهْوَنُ الجَذْبَيْنِ، ثُمَّ لا نَفْرِضُ كَرَّ الفارِّ لِيَدْفَعَها أوْ كَما لَحِقَتْ جَذَبَتْ فَهَذا الفَرْضُ لا وجْهَ لَهُ هُنالِكَ فَإذا ثَبَتَ دَلالَتُهُ في الجُمْلَةِ عَلى هَذا القِسْمِ تَعَيَّنَتْ، وعَمّا ذَكَرَهُ ثانِيًا بِأنَّ الظّاهِرَ عَلى تَقْدِيرِ أنْ تَكُونَ تابِعَةً أنَّهُ إذا تَعَثَّرَ الفارُّ يَتَعَلَّقُ بِهِ التّابِعُ مُتَشَبِّثًا وإذا كانا مُنْفَلِتَيْنِ بَعْدَ ذَلِكَ الِاحْتِمالِ.
وذَكَرَ الفاضِلُ المُتَعَقِّبُ أنَّ الحَقَّ في هَذا الفَصْلِ أنْ يُقالَ: إنَّ الشّاهِدَ المَذْكُورَ إنْ كانَ صَبِيًّا أنْطَقَهُ اللَّهُ تَعالى في المَهْدِ كَما ورَدَ في بَعْضِ الأحادِيثِ فالآيَةُ في مُجَرَّدِ كَلامِهِ قَبْلَ أوانِهِ حَتّى لَوْ قالَ صَدَقَ يُوسُفُ وكَذَبَتْ لَكَفى بُرْهانًا عَلى صِدْقِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ كَما كانَ مُجَرَّدُ إخْبارِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ في المَهْدِ بُرْهانًا عَلى صِدْقِ مَرْيَمَ، فَلا تَنْبَغِي المُناسَبَةُ بَيْنَ الأمارَةِ المَنصُوبَةِ وما رُتِّبَ عَلَيْها لِأنَّ العُمْدَةَ في الدَّلائِلِ نَصْبُها لا مُناسَبَتُها، وإنْ كانَ قَرِيبًا لَها قَدْ بَصَرَ بِها مِن حَيْثُ لا تَشْعُرُ فَهَذا -واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ- كانَ مِن حَقِّهِ أنْ يُصَرِّحَ بِما رَأى فَيُصَدِّقُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ ويُكَذِّبُها ولَكِنَّهُ أرادَ أنْ لا يَكُونَ هو الفاضِحَ لَها، ووَثَّقَ بِأنَّ قَدَّ قَمِيصِهِ إنَّما كانَ مِن دُبُرٍ فَنَصَبَهُ أمارَةً لِصِدْقِهِ وكَذِبِها، ثُمَّ ذَكَرَ القِسْمَ الآخَرَ وهو قَدُّهُ مِن قُبُلٍ عَلى عِلْمٍ بِأنَّهُ لَمْ يَنْقَدَّ كَذَلِكَ حَتّى يَنْفِيَ عَنْ نَفْسِهِ التُّهْمَةَ في الشَّهادَةِ وقَصَدَ الفَضِيحَةَ ويُنْصِفُهُما جَمِيعًا فَلِذا ذَكَرَ أمارَةً عَلى صِدْقِها المَعْلُومِ نَفْيُهُ كَما ذَكَرَ أمارَةً عَلى صِدْقِهِ المَعْلُومِ وُجُودُهُ، وأخْرَجَهُما مَخْرَجًا واحِدًا وبَنى (قُدَّ) لِما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ في المَوْضِعَيْنِ سَتْرًا عَلى قَدِّهِ، وقَدَّمَ أمارَةَ صِدْقِها في الذِّكْرِ إزاحَةً لِلتُّهْمَةِ ووُثُوقًا بِأنَّ الأمارَةَ الثّانِيَةَ هي الواقِعَةُ فَلا يَضُرُّهُ تَأْخِيرُها.
والحاصِلُ أنَّ عُمْدَةَ هَذا الشّاهِدِ الأمارَةُ الأخِيرَةُ فَقَطْ والمُناسَبَةُ فِيها مُحَقَّقَةٌ، وأمّا الأمارَةُ الأُولى فَلَيْسَتْ مَقْصُودَةً وإنَّما هي كالغَرَضِ ذُكِرَتْ تَوْطِئَةً لِلثّانِيَةِ فَلَمْ يَلْتَمِسْ لَها مُناسَبَةً مِثْلَ تِلْكَ المُناسَبَةِ، وأمّا إنْ كانَ الحَكِيمُ الَّذِي كانَ المَلِكُ يَرْجِعُ إلى رَأْيِهِ فَلا بُدَّ مِنِ التِماسِ المُناسَبَةِ في الطَّرَفَيْنِ لِأنَّها عُمْدَةُ الحَكِيمِ، وأقْرَبُ وجْهٍ في المُناسَبَةِ أنَّ قَدَّ القَمِيصِ مِن دُبُرٍ دَلِيلٌ عَلى إدْبارِهِ عَنْها، وقَدُّهُ مِن قُبُلٍ دَلِيلٌ عَلى إقْبالِهِ عَلَيْها بِوَجْهِهِ، ولا يَخْفى أنَّ مِثْلَ هَذا الوَجْهِ لا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ مَطْمَحَ نَظَرِ الحَكِيمِ الَّذِي لا يَلْتَفِتُ إلّا لِلْيَقِينِيّاتِ، فالأوْلى أنْ يُقالَ: يُحْتَمَلُ أنَّ ذَلِكَ الحَكِيمَ كانَ واقِفًا عَلى حَقِيقَةِ الحالِ بِطَرِيقٍ مِنَ الطُّرُقِ المُمْكِنَةِ، ويَسْهُلُ أمْرُ ذَلِكَ إذا قُلْنا: إنَّهُ كانَ ابْنَ عَمٍّ لَها فَهو مُتَيَقَّنٌ بِعَدَمِ مُقَدَّمِ الشَّرْطِيَّةِ الأُولى وبِوُجُودِ مُقَدَّمِ الشَّرْطِيَّةِ الثّانِيَةِ، ومِن ضَرُورِيّاتِ ذَلِكَ الجَزْمِ بِانْتِفاءٍ تالِي الأُولى ووُقُوعِ تالِي الثّانِيَةِ فَإذا هو إخْبارٌ بِكَذِبِها وصِدْقِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لَكِنَّهُ ساقَ شَهادَتَهُ مَساقًا مَأْمُونًا مِنَ الجَرْحِ والطَّعْنِ حَيْثُ صَوَّرَها بِصُورَةِ الشَّرْطِيَّةِ المُتَرَدِّدَةِ ظاهِرًا بَيْنَ نَفْعِها ونَفْعِهِ، وأمّا حَقِيقَةً فَلا تَرَدُّدَ فِيها قَطْعًا كَما أُشِيرَ إلَيْهِ وإلى كَوْنِ الشَّرْطِيَّةِ الأُولى غَيْرَ مَقْصُودَةٍ بِالذّاتِ ذَهَبَ العَلّامَةُ ابْنُ الكَمالِ مُعَرَّضًا بِغَفْلَةِ القاضِي البَيْضاوِيِّ حَيْثُ قالَ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ﴾ إلَخْ مِن قَبِيلِ المُسامَحَةِ في أحَدِ شِقَّيِ الكَلامِ لِتَعَيُّنِ الآخَرِ
صفحة 223
عِنْدَ القائِلِ تَنْزِيلًا لِلْمُحْتَمَلِ مَنزِلَةَ الظّاهِرِ لِأنَّ الشَّقَّ بِالجَذْبِ في هَذا الشَّقِّ أيْضًا مُحْتَمَلٌ، ومَن غَفَلَ عَنْ هَذا قالَ: لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ قَصَدَها فَدَفَعَتْ عَنْ نَفْسِها إلى آخِرِ عِبارَةِ البَيْضاوِيِّ، وحاصِلُ ذَلِكَ عَلى ما قَرَّرَهُ بَعْضُ مَشايِخِنا عَلَيْهِمُ الرَّحْمَةُ أنَّ القائِلَ: يَعْلَمُ يَقِينًا وُقُوعَ الشَّقِّ مِن دُبُرٍ لَكِنَّهُ ذَكَرَ الشَّقَّ مِنَ القُبُلِ مَعَ أنَّهُ مُحْتَمِلٌ أنْ يَكُونَ بِجَذْبِها إيّاهُ إلى طَرَفِها كَما أنَّ كَوْنَهُ مِن دَفْعِها إيّاهُ مِن بَعْضِ مُحْتَمَلاتِهِ تَنْزِيلًا لِهَذا المُحْتَمَلِ مَنزِلَةَ الظّاهِرِ تَأْكِيدًا ومُبالَغَةً لِثُبُوتِ ما دَلَّتْ عَلَيْهِ الشَّرْطِيَّةُ الثّانِيَةُ مِن صِدْقِهِ وكَذِبِها يَعْنِي أنّا نَحْكُمُ بِصِدْقِها وكَذِبِهِ بِمُجَرَّدِ وُقُوعِ الشَّقِّ في القُبُلِ، وإنْ كانَ مُحْتَمِلًا لِأسْبابٍ أُخَرَ غَيْرِ دَفْعِها لَكِنَّهُ ما وقَعَ هَذا الشَّقُّ أصْلًا فَلا صِدْقَ لَها وذَلِكَ كَما إذا قِيلَ لَكَ: بَلَّغْتَ إلى زَيْدٍ الكَلامَ الفُلانِيَّ في هَذا اليَوْمِ؟ فَقُلْتُ: إنْ كُنْتَ تَكَلَّمْتَ في هَذا اليَوْمِ مَعَ زَيْدٍ فَقَوْلُكم هَذا صادِقٌ مَعَ أنَّ تَكَلُّمَكَ مَعَهُ في هَذا اليَوْمِ مُطْلَقًا لا يَدُلُّ عَلى صِدْقِ دَعْواهم لِاحْتِمالِ أنَّكَ تَكَلَّمْتَ مَعَهُ بِكَلامٍ غَيْرِ ذَلِكَ الكَلامِ لَكِنَّكَ قُلْتَ ذَلِكَ تَحْقِيقًا لِعَدَمِ تَبْلِيغِكَ ذَلِكَ الكَلامَ إلَيْهِ، هَذا وذَكَرَ شَيْخُ مَشايِخِنا العَلّامَةُ صِبْغَةُ اللَّهِ الحَيْدَرِيُّ طَيَّبَ اللَّهُ تَعالى ثَراهُ: أنَّ الظّاهِرَ أنَّ دَلالَةَ كُلٍّ مِنَ الشِّقَّيْنِ عَلى ما يَدُلُّ عَلَيْهِ مِن حَيْثُ مُوافَقَتُهُ لِما ادَّعاهُ صاحِبُهُ فَإنَّها كانَتْ تَقُولُ: هو طَلَبَنِي مُقْبِلًا عَلَيَّ فَخَلَّصْتُ نَفْسِي عَنْهُ بِالدَّفْعِ أوِ الفِرارِ وهو كانَ يَقُولُ: هي الطّالِبَةُ فَفَرَرْتُ مِنها وتَبِعَتْنِي واجْتَذَبَتْ ثَوْبِي فَقَدَّتْهُ فَوُقُوعُ الشَّقِّ في شَقِّ الدُّبُرِ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ مُدْبِرًا عَنْها لا مُقْبِلًا عَلَيْها وعَكْسُهُ عَلى عَكْسِهِ، ثُمَّ فَرَّعَ عَلى هَذا أنَّ ما ذَكَرَهُ ابْنُ الكَمالِ غَفْلَةٌ عَنِ المُخاصَمَةِ بِالمُقاوَلَةِ وهو تَوْجِيهٌ لَطِيفٌ لِلْآيَةِ الكَرِيمَةِ، بَيْدَ أنَّ دَعْوى وُقُوعِ المُخاصَمَةِ بِالمُقاوَلَةِ عَلى الطَّرْزِ الَّذِي ذَكَرَهُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى مِمّا لا شاهِدَ لَها، وعَلى المُدَّعِي البَيانُ عَلى أنَّهُ يَبْعُدُ عَقْلًا أنْ تَقُولَ هو طَلَبَنِي مُقْبِلًا فَخَلَّصْتُ نَفْسِي مِنهُ فانْقَدَّ قَمِيصُهُ مِن قُبُلٍ وهو الَّذِي تَقْتَضِيهِ دَعْواهُ أنَّ الظّاهِرَ أنَّ دَلالَةَ كُلٍّ مِنَ الشَّقَّيْنِ إلَخْ لِظُهُورِ أنَّ ظُهُورَ كَذِبِها حِينَئِذٍ أسْرَعُ ما يَكُونُ، وبِالجُمْلَةِ قِيلَ: إنَّ الِاحْتِمالاتِ المُضْعِفَةَ لِهَذِهِ المُشاهَدَةِ كَثِيرَةٌ: مِنها ما عَلِمْتَ ومِنها ما تَعْلَمُهُ بِأدْنى التِفاتٍ، ومِن هُنا قالُوا: إنَّ ذَلِكَ مِن بابِ اعْتِبارِ الأمارَةِ، ولِذَلِكَ احْتَجَّ بِالآيَةِ كَما قالَ ابْنُ الفُرْسِ: مَن يَرى الحُكْمَ مِنَ العُلَماءِ بِالأماراتِ والعَلاماتِ فِيما لا تَحْضُرُهُ البَيِّناتُ كاللُّقَطَةِ والسَّرِقَةِ والوَدِيعَةِ ومَعاقِدِ الحِيطانِ والسُّقُوفِ وغَيْرِ ذَلِكَ.
وذَكَرَ الإمامُ أنَّ عَلاماتِ كَذِبِ المَرْأةِ كانَتْ كَثِيرَةً بالِغَةً مَبْلَغَ اليَقِينِ فَضَمُّوا إلَيْها هَذِهِ العَلامَةَ الأُخْرى لا لِأجْلِ أنْ يُعَوِّلُوا في الحُكْمِ عَلَيْها، بَلْ لِأجْلِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ جارِيًا مَجْرى المُقَوِّياتِ والمُرَجِّحاتِ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
وقَرَأ الحَسَنِ وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ (مِن قُبُلٍ ومِن دُبُرٍ) بِسُكُونِ الباءِ فِيهِما والتَّنْوِينِ وهي لُغَةُ الحِجازِ وأسَدٍ، وقَرَأ أبُو يَعْمُرَ وابْنُ أبِي إسْحاقَ والعُطارِدِيُّ وأبُو الزِّنادِ وآخَرُونَ (مِن قُبُلٍ ومِن دُبُرٍ) بِثَلاثِ ضَمّاتٍ، وقَرَأ الأوَّلانِ، والجارُودُ في رِوايَةٍ عَنْهم بِإسْكانِ الباءِ فِيهِما مَعَ بِنائِهِما عَلى الضَّمِّ جَعَلُوهُما -كَقَبْلُ وبَعْدُ- بَعْدَ حَذْفِ المُضافِ إلَيْهِ ونِيَّةِ مَعْناهُ، وتَعَقَّبَ ذَلِكَ أبُو حاتِمٍ بِأنَّ هَذا رَدِيءٌ في العَرَبِيَّةِ وإنَّما يَقَعُ بَعْدَ البِناءِ في الظُّرُوفِ، وهَذانِ اللَّفْظانِ اسْمانِ مُتَمَكِّنانِ ولَيْسا بِظَرْفَيْنِ، وعَنِ ابْنِ إسْحاقَ أنَّهُ قَرَأ -مِن قَبَلٍ ومِن دَبَرٍ- بِالفَتْحِ قِيلَ: كَأنَّهُ جَعَلَهُما عَلَمَيْنِ لِلْجِهَتَيْنِ فَمَنَعَهُما الصَّرْفَ لِلْعَلَمِيَّةِ والتَّأْنِيثِ بِاعْتِبارِ الجِهَةِ
12:28Страница 238
فَلَمَّا رَءَا قَمِيصَهُۥ قُدَّ مِن دُبُرٖ قَالَ إِنَّهُۥ مِن كَيۡدِكُنَّۖ إِنَّ كَيۡدَكُنَّ عَظِيمٞ ٢٨
Увидев, что его рубаха разорвана со спины, он сказал: «Воистину, все это - ваши женские козни. Воистину, ваши козни велики!
﴿فَلَمّا رَأى﴾ أيِ السَّيِّدُ وقِيلَ: الشّاهِدُ، والفِعْلُ مِنَ الرُّؤْيَةِ البَصَرِيَّةِ أوِ القَلْبِيَّهِ أيْ فَلَمّا عَلِمَ ﴿قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قالَ إنَّهُ﴾
صفحة 224
أيْ هَذا القَدُّ والشَّقُّ كَما قالَ الضَّحّاكُ ﴿مِن كَيْدِكُنَّ﴾ أيْ ناشِئٌ مِنِ احْتِيالِكُنَّ أيَّتُها النِّساءُ ومَكْرِكُنَّ ومُسَبَّبٌ عَنْهُ، وهَذا تَكْذِيبٌ لَها وتَصْدِيقٌ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى ألْطَفِ وجْهٍ كَأنَّهُ قِيلَ: أنْتِ الَّتِي راوَدْتِيهِ فَلَمْ يَفْعَلْ وفَرَّ فاجْتَذَبْتِيهِ فَشَقَقْتِ قَمِيصَهُ فَهو الصّادِقُ في إسْنادِ المُراوَدَةِ إلَيْكِ وأنْتِ الكاذِبَةُ في نِسْبَةِ السُّوءِ إلَيْهِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْأمْرِ الَّذِي وقَعَ فِيهِ التَّشاجُرُ وهو عِبارَةٌ عَنْ إرادَةِ السُّوءِ الَّتِي أُسْنِدَتْ إلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وتَدْبِيرِ عُقُوبَتِهِ بِقَوْلِها ﴿ما جَزاءُ مَن أرادَ بِأهْلِكَ سُوءًا﴾ إلَخْ، أيْ إنَّ ذَلِكَ مِن جِنْسِ مَكْرِكُنَّ واحْتِيالِكُنَّ، وقِيلَ: هو لِلسُّوءِ وهو نَفْسُهُ وإنْ لَمْ يَكُنِ احْتِيالًا لَكِنَّهُ يُلازِمُهُ، وقالَ الماوَرْدِيُّ: هو لِهَذا الأمْرِ وهو طَمَعُها في يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وجَعْلُهُ مِنَ الحِيلَةِ مَجازٌ أيْضًا كَما في الوَجْهِ الَّذِي قَبْلَهُ، وقالَ الزَّجّاجُ: هو لِقَوْلِها ﴿ما جَزاءُ﴾ إلَخْ فَقَطْ، واخْتارَ العَلّامَةُ أبُو السُّعُودِ القِيلَ الأوَّلَ وتَكَلَّفَ لَهُ بِما تَكَلَّفَ واعْتَرَضَ عَلى ما بَعْدَهُ مِنَ الأقْوالِ بِما اعْتَرَضَ.
ولَعَلَّ ما ذَكَرْناهُ أقْرَبُ لِلذَّوْقِ وأقَلُّ مُؤْنَةٍ مِمّا تَكَلَّفَ لَهُ، وأيًّا ما كانَ فالخِطابُ عامٌّ لِلنِّساءِ مُطْلَقًا وكَوْنُهُ لَها ولِجَوارِيها -كَما قِيلَ- لَيْسَ بِذاكَ، وتَعْمِيمُ الخِطابِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ الكَيْدَ خُلُقٌ لَهُنَّ عَرِيقٌ:
ولا تَحْسَبا هِنْدًا لَها الغَدْرُ وحْدَها سَجِيَّةُ نَفْسِ كُلِّ غانِيَةٍ هِنْدُ
﴿إنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ فَإنَّهُ ألْطَفُ وأعْلَقُ بِالقَلْبِ وأشَدُّ تَأْثِيرًا في النَّفْسِ ولِأنَّ ذَلِكَ قَدْ يُورِثُ مِنَ العارِ ما لا يُورِثُهُ كَيْدُ الرِّجالِ، ولِرَبّاتِ القُصُورِ مِنهُنَّ القَدَحُ المُعَلّى مِن ذَلِكَ لِأنَّهُنَّ أكْثَرُ تَفَرُّغًا مِن غَيْرِهِنَّ مَعَ كَثْرَةِ اخْتِلافِ الكَيّاداتِ إلَيْهِنَّ فَهُنَّ جَوامِعُ كَوامِلُ، ولِعِظْمِ كَيْدِ النِّساءِ اتَّخَذَهُنَّ إبْلِيسُ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ وسائِلَ لِإغْواءِ مَن صَعُبَ عَلَيْهِ إغْواؤُهُ، فَفي الخَبَرِ «ما أيِسَ الشَّيْطانُ مِن أحَدٍ إلّا أتاهُ مِن جِهَةِ النِّساءِ» وحُكِيَ عَنْ بَعْضِ العُلَماءِ أنَّهُ قالَ: أنا أخافُ مِنَ النِّساءِ ما لا أخافُ مِنَ الشَّيْطانِ فَإنَّهُ تَعالى يَقُولُ: ﴿إنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفًا﴾ وقالَ لِلنِّساءِ: ﴿إنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ ولِأنَّ الشَّيْطانَ يُوَسْوِسُ مُسارَقَةً وهُنَّ يُواجِهْنَ بِهِ، ولا يَخْفى أنَّ اسْتِدْلالَهُ بِالآيَتَيْنِ مَبْنِيٌّ عَلى ظاهِرِ إطْلاقِهِما، ومِثْلُهُ ما تَنْقَبِضُ لَهُ النَّفْسُ وتَنْبَسِطُ يَكْفِي فِيهِ ذَلِكَ القَدْرُ فَلا يَضُرُّ كَوْنُ ضَعْفِ كَيْدِ الشَّيْطانِ إنَّما هو في مُقابَلَةِ كَيْدِ اللَّهِ تَعالى، وعِظَمِ كَيْدِهِنَّ إنَّما هو بِالنِّسْبَةِ إلى كَيْدِ الرِّجالِ، وما قِيلَ: إنَّ ما ذُكِرَ لِكَوْنِهِ مَحْكِيًّا عَنْ قَطْفِيرٍ -لا يَصْلُحُ لِلِاسْتِدْلالِ بِهِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ- لَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ قَصَّهُ مِن غَيْرِ نَكِيرٍ فَلا جَناحَ في الِاسْتِدْلالِ بِهِ كَما لا يَخْفى
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии