Аль-Алуси · Тафсир · на арабском
Ар-Рад 13:39–41
13:39Страница 254
يَمۡحُواْ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثۡبِتُۖ وَعِندَهُۥٓ أُمُّ ٱلۡكِتَٰبِ ٣٩
Аллах стирает и утверждает то, что пожелает, и у Него - Мать Писания.
﴿يَمْحُو اللَّهُ ما يَشاءُ﴾ أيْ يَنْسَخُ ما يَشاءُ نَسْخَهُ مِنَ الأحْكامِ لِما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ بِحَسَبِ الوَقْتِ ﴿ويُثْبِتُ﴾ بَدَلَهُ ما فِيهِ الحِكْمَةُ أوْ يُبْقِيهِ عَلى حالِهِ غَيْرَ مَنسُوخٍ أوْ يُثْبِتُ ما يَشاءُ إثْباتَهُ مُطْلَقًا أعَمُّ مِنهُما ومِنَ الإنْشاءِ ابْتِداءً وقالَ عِكْرِمَةُ: يَمْحُو بِالتَّوْبَةِ جَمِيعَ الذُّنُوبِ ويُثْبِتُ بَدَلَ ذَلِكَ حَسَناتٍ كَما قالَ تَعالى: ﴿إلا مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ عَمَلا صالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ مِن ذُنُوبِ عِبادِهِ ويَتْرُكُ ما يَشاءُ فَلا يَغْفِرُهُ وقالَ: يَمْحُو ما يَشاءُ مِمَّنْ حانَ أجَلُهُ ويُثْبِتُ ما يَشاءُ مِمَّنْ لَمْ يَأْتِ أجَلُهُ وقالَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: يَمْحُو مَن يَشاءُ مِنَ القُرُونِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِنَ القُرُونِ﴾ ويُثْبِتُ ما يَشاءُ مِنها لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ثُمَّ أنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ﴾ وقالَ الرَّبِيعُ: هَذا في الأرْواحِ حالَةَ النَّوْمِ يَقْبِضُها اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ فَمَن أرادَ مَوْتَهُ فَجْأةً أمْسَكَ رُوحَهُ فَلَمْ يُرْسِلْها ومَن أرادَ بَقاءَهُ أرْسَلَ رُوحَهُ بَيانُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها﴾ الآيَةَ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والضَّحّاكِ يَمْحُو مِن دِيوانِ الحَفَظَةِ ما لَيْسَ بِحَسَنَةٍ ولا بِسَيِّئَةٍ لِأنَّهم مَأْمُورُونَ بِكَتْبِ كُلِّ قَوْلٍ وفِعْلٍ ويُثْبِتُ ما هو حَسَنَةٌ أوْ سَيِّئَةٌ وقِيلَ: يَمْحُو بَعْضَ الخَلائِقِ ويُثْبِتُ بَعْضًا مِنَ الأناسِيِّ وسائِرِ الحَيَواناتِ والنَّباتاتِ والأشْجارِ وصِفاتِها وأحْوالِها وقِيلَ: يَمْحُو الدُّنْيا ويُثْبِتُ الآخِرَةَ وقالَ الحَسَنُ وفِرْقَةٌ: ذَلِكَ في آجالِ بَنِي آدَمَ يَكْتُبُ سُبْحانَهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ وقِيلَ: في لَيْلَةِ النِّصْفِ مِن شَعْبانَ آجالَ المَوْتى فَيَمْحُو أُناسًا مِن دِيوانِ الأحْياءِ ويُثْبِتُهم في دِيوانِ الأمْواتِ وقالَ السُّدِّيُّ: يَمْحُو القَمَرَ ويُثْبِتُ الشَّمْسَ بَيانُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً﴾ وفي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما يَمْحُو اللَّهُ تَعالى ما يَشاءُ مِن أُمُورِ عِبادِهِ ويُثْبِتُ إلّا السَّعادَةَ والشَّقاوَةَ والآجالَ فَإنَّها لا مَحْوَ فِيها ورَواهُ عَنْهُ مَرْفُوعًا ابْنُ مَرْدُوَيْهِ وقِيلَ: هو عامٌّ في الرِّزْقِ والأجَلِ والسَّعادَةِ والشَّقاوَةِ ونُسِبَ إلى جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ وكانُوا يَتَضَرَّعُونَ إلى اللَّهِ تَعالى أنْ يَجْعَلَهم سُعَداءَ فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ وغَيْرِهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: ما دَعا عَبْدٌ قَطُّ بِهَذِهِ الدَّعَواتِ إلّا وُسِّعَ عَلَيْهِ في مَعِيشَتِهِ يا ذا المَنِّ ولا يُمَنُّ عَلَيْهِ يا ذا الجَلالِ والإكْرامِ يا ذا الطَّوْلِ لا إلَهَ إلّا أنْتَ ظَهْرُ اللّاجِئِينَ وجارِ المُسْتَجِيرِينَ ومَأْمَنُ الخائِفِينَ إنْ كُنْتَ كَتَبْتَنِي عِنْدَكَ في أُمِّ الكِتابِ شَقِيًّا فامْحُ عَنِّي اسْمَ الشَّقاوَةِ وأثْبِتْنِي عِنْدَكَ سَعِيدًا وإنْ كُنْتَ كَتَبْتَنِي عِنْدَكَ في أُمِّ الكِتابِ مَحْرُومًا مُقَتَّرًا عَلَيَّ رِزْقِي فامْحُ حِرْمانِيَ ويَسِّرْ رِزْقِيَ وأثْبِتْنِي عِنْدَكَ سَعِيدًا مُوَفَّقًا لِلْخَيْرِ فَإنَّكَ تَقُولُ في كِتابِكَ الَّذِي أنْزَلْتَ ﴿يَمْحُو اللَّهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ وعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ﴾ وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وغَيْرُهُ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: وهو يَطُوفُ بِالبَيْتِ: اللَّهُمَّ
صفحة 170
إنْ كُنْتَ كَتَبْتَ عَلَيَّ شِقْوَةً أوْ ذَنْبًا فامْحُهُ واجْعَلْهُ سَعادَةً ومَغْفِرَةً فَإنَّكَ تَمْحُو ما تَشاءُ وتُثْبِتُ وعِنْدَكَ أُمُّ الكِتابِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ شَقِيقِ أبِي وائِلٍ أنَّهُ كانَ يُكْثِرُ الدُّعاءَ بِهَذِهِ الدَّعَواتِ اللَّهُمَّ إنْ كُنْتَ كَتَبْتَنا أشْقِياءَ فامْحُنا واكْتُبْنا سُعَداءَ وإنْ كُنْتَ كَتَبْتَنا سُعَداءَ فَأثْبِتْنا فَإنَّكَ تَمْحُو ما تَشاءُ وتُثْبِتُ.
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ وغَيْرُهُ عَنِ الكَلْبِيِّ أنَّهُ قالَ: «يَمْحُو اللَّهُ تَعالى مِنَ الرِّزْقِ ويَزِيدُ فِيهِ ويَمْحُو مِنَ الأجَلِ ويَزِيدُ فِيهِ» فَقِيلَ لَهُ: مَن حَدَّثَكَ بِهَذا فَقالَ: أبُو صالِحٍ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رِئابٍ الأنْصارِيِّ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأبُو حَيّانَ يَقُولُ: إنْ صَحَّ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ يَنْبَغِي تَأْوِيلُهُ فَمِنَ المَعْلُومِ أنَّ السَّعادَةَ والشَّقاوَةَ والرِّزْقَ والأجَلَ لا يَتَغَيَّرُ شَيْءٌ مِنها وإلى التَّعْمِيمِ ذَهَبَ شَيْخُ الإسْلامِ قالَ بَعْدَ نَقْلِ كَثِيرٍ مِنَ الأقْوالِ: والأنْسَبُ تَعْمِيمُ كُلٍّ مِنَ المَحْوِ والإثْباتِ لِيَشْمَلَ الكُلَّ ويَدْخُلُ في ذَلِكَ مَوارِدُ الإنْكارِ دُخُولًا أوَّلِيًّا وما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ كَعْبٍ مِن أنَّهُ قالَ لِعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ لَوْلا آيَةً في كِتابِ اللَّهِ تَعالى لَأنْبَأْتُكَ بِما هو كائِنٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ قالَ: وما هي قالَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ ما يَشاءُ﴾ الآيَةَ يُشْعِرُ بِذَلِكَ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ المَحْوَ والإثْباتَ إذا كانا بِالنِّسْبَةِ إلى ما في أيْدِي المَلائِكَةِ ونَحْوِهِ فَلا فَرْقَ بَيْنَ السَّعادَةِ والشَّقاوَةِ والرِّزْقِ والأجَلِ وبَيْنَ غَيْرِها في أنَّ كُلًّا يَقْبَلُ المَحْوَ والإثْباتَ وإنْ كانا بِالنِّسْبَةِ إلى ما في العِلْمِ فَلا فَرْقَ أيْضًا بَيْنَ تِلْكَ الأُمُورِ وبَيْنَ غَيْرِها في أنَّ كُلًّا لا يَقْبَلُ ذَلِكَ لِأنَّ العِلْمَ إنَّما تَعَلَّقَ بِها عَلى ما هي عَلَيْهِ في نَفْسِ الأمْرِ وإلّا لَكانَ جَهْلًا وما في نَفْسٍ الأمْرِ مِمّا لا يُتَصَوَّرُ فِيهِ التَّغَيُّرُ والتَّبَدُّلُ وكَيْفَ يُتَصَوَّرُ تَغَيُّرُ زَوْجِيَّةِ الأرْبَعَةِ مَثَلًا وانْقِلابُها إلى الفَرْدِيَّةِ مَعَ بَقاءِ الأرْبَعَةِ أرْبَعَةً هَذا مِمّا لا يَكُونُ أصْلًا ولا أظُنُّكَ في مِرْيَةٍ مِن ذَلِكَ ولا يَأْبى هَذا عُمُومُ الأدِلَّةِ الدّالَّةِ عَلى أنَّهُ ما شاءَ اللَّهُ تَعالى كانَ لِأنَّ المَشِيئَةَ تابِعَةٌ لِلْعِلْمِ والعِلْمَ بِالشَّيْءِ تابِعٌ لِما عَلَيْهِ الشَّيْءُ في نَفْسِ الأمْرِ فَهو سُبْحانَهُ لا يَشاءُ إلّا ما عَلَيْهِ الشَّيْءُ في نَفْسِ الأمْرِ قِيلَ: ويُشِيرُ إلى أنَّ ما في العِلْمِ لا يَتَغَيَّرُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ﴾ . (39) . بِناءً عَلى أنَّ أُمَّ الكِتابِ هو العِلْمُ لِأنَّ جَمِيعَ ما يُكْتَبُ في صُحُفِ المَلائِكَةِ وغَيْرِها لا يَقَعُ حَيْثُما يَقَعُ إلّا مُوافِقًا لِما ثَبَتَ فِيهِ فَهو أُمٌّ لِذَلِكَ أيِ أصْلٌ لَهُ فَكَأنَّهُ قِيلَ: يَمْحُو ما يَشاءُ مَحْوَهُ ويُثْبِتُ ما يَشاءُ إثْباتَهُ مِمّا سُطِّرَ في الكُتُبِ وثابِتٌ عِنْدَهُ العِلْمُ الأزَلِيُّ الَّذِي لا يَكُونُ شَيْءٌ إلّا عَلى وفْقِ ما فِيهِ وتَفْسِيرُ أُمِّ الكِتابِ بِعِلْمِ اللَّهِ تَعالى مِمّا رَواهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ كَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ والمَشْهُورُ أنَّها اللَّوْحُ المَحْفُوظُ قالُوا: وهو أصْلُ الكُتُبِ إذْ ما مِن شَيْءٍ مِنَ الذّاهِبِ والثّابِتِ إلّا وهو مَكْتُوبٌ فِيهِ كَما هو.
والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ الذّاهِبُ والثّابِتُ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِالدُّنْيا لا مِمّا يَتَعَلَّقُ بِها وبِالآخِرَةِ أيْضًا لِقِيامِ الدَّلِيلِ العَقْلِيِّ عَلى تَناهِي الأبْعادِ مُطْلَقًا والنَّقْلِيِّ عَلى تَناهِي اللَّوْحِ بِخُصُوصِهِ فَقَدْ جاءَ أنَّهُ مِن دُرَّةٍ بَيْضاءَ لَهُ دَفَّتانِ مِن ياقُوتٍ طُولُهُ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عامٍ وامْتِناعُ ظَرْفِيَّةِ المُتَناهِي لِغَيْرِ المُتَناهِي ضَرُورِيٌّ ولَعَلَّ مَن يَقُولُ بِعُمُومِ الذّاهِبِ والثّابِتِ يَلْتَزِمُ القَوْلَ بِالإجْمالِ حَيْثُ يَتَعَذَّرُ التَّفْصِيلُ وقَدْ ذَهَبَ بَعْضُهم إلى تَفْسِيرِ أُمِّ الكِتابِ بِما هو المَشْهُورُ والتَزَمَ القَوْلَ بِأنَّ ما فِيهِ لا يَتَغَيَّرُ وإنَّما التَّغَيُّرُ لِما في الكُتُبِ غَيْرِهِ وهَذا قائِلٌ بِعَدَمِ تَغَيُّرِ ما في العِلْمِ لِما عَلِمْتَ ورَأيْتَ في نُسْخَةٍ لِبَعْضٍ الأفاضِلِ كانَتْ عِنْدِي وفُقِدَتْ في حادِثَةِ بَغْدادَ أُلِّفَتْ في هَذِهِ المَسْألَةِ وفِيها أنَّهُ ما مِن شَيْءٍ إلّا ويُمْكِنُ تَغْيِيرُهُ وتَبْدِيلُهُ حَتّى القَضاءُ الأزَلِيُّ واسْتُدِلَّ لِذَلِكَ بِأُمُورٍ مِنها أنَّهُ قَدْ صَحَّ مِن دُعائِهِ
صفحة 171
صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في القُنُوتِ: «وقِنِي شَرَّ ما قَضَيْتَ» وفِيهِ طَلَبُ الحِفْظِ مِن شَرِّ القَضاءِ الأوَّلِيِّ ولَوْ لَمْ يُمْكِنْ تَغْيِيرُهُ ما صَحَّ طَلَبُ الحِفْظِ مِنهُ ومِنها ما صَحَّ في حَدِيثِ التَّراوِيحِ مِن عُذْرِهِ ﷺ عَنِ الخُرُوجِ إلَيْها وقَدِ اجْتَمَعَ النّاسُ يَنْتَظِرُونَهُ لِمَزِيدِ رَغْبَتِهِمْ فِيها بِقَوْلِهِ: «خَشِيتُ أنْ تُفْرِضَ عَلَيْكم فَتَعْجِزُوا عَنْها» فَإنَّهُ لا مَعْنى لِهَذِهِ الخَشْيَةِ لَوْ كانَ القَضاءُ الأزَلِيُّ لا يَقْبَلُ التَّغْيِيرَ فَإنَّهُ إنْ كانَ قَدْ سَبَقَ القَضاءُ بِأنَّها سَتُفْرَضُ فَلا بُدَّ أنْ تُفْرَضَ وإنْ سَبَقَ القَضاءُ بِأنَّها لا تُفْرَضُ فَمُحالٌ أنْ تُفْرَضَ عَلى ذَلِكَ الفَرْضِ عَلى أنَّهُ قَدْ جاءَ في حَدِيثِ فَرْضِ الصَّلاةِ لَيْلَةَ المِعْراجِ بَعْدُ ما هو ظاهِرٌ في سَبْقِ القَضاءِ بِأنَّها خَمْسُ صَلَواتٍ مَفْرُوضَةٍ لا غَيْرَ فَما مَعْنى الخَشْيَةِ بَعْدَ العِلْمِ بِذَلِكَ لَوْلا العِلْمُ بِإمْكانِ التَّغْيِيرِ والتَّبْدِيلِ ومِنها ما صَحَّ أنَّهُ ﷺ كانَ يَضْطَرِبُ حالُهُ الشَّرِيفُ لَيْلَةَ الهَواءِ الشَّدِيدِ حَتّى أنَّهُ لا يَنامُ وكانَ يَقُولُ في ذَلِكَ: أخْشى أنْ تَقُومَ السّاعَةُ فَإنَّهُ لا مَعْنى لِهَذِهِ الخَشْيَةِ أيْضًا مَعَ إخْبارِ اللَّهِ تَعالى أنَّ بَيْنَ يَدَيْها ما لَمْ يُوجَدْ إذْ ذاكَ كَظُهُورِ المَهْدِيِّ وخُرُوجِ الدَّجّالِ ونُزُولِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ وخُرُوجِ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ ودابَّةِ الأرْضِ وطُلُوعِ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَسْتَدْعِي تَحَقُّقُهُ زَمانًا طَوِيلًا فَلَوْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَعْلَمُ أنَّ القَضاءَ يُمْكِنُ تَغْيِيرُهُ وإنَّ ما قُضِيَ مِن أشْراطِها يُمْكِنُ تَبْدِيلُهُ ما خَشِيَ ﷺ مِن ذَلِكَ ومِنها أنَّ المُبَشَّرِينَ بِالجَنَّةِ كانُوا مِن أشَدِّ النّاسِ خَوْفًا مِنَ النّارِ حَتّى أنَّ مِنهم مَن كانَ يَقُولُ: لَيْتَ أُمِّي لَمْ تَلِدْنِي وكانَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ يَقُولُ: لَوْ نادى مُنادٍ كُلُّ النّاسِ في الجَنَّةِ إلّا واحِدًا لَظَنَنْتُ أنِّي ذَلِكَ الواحِدُ وهَذا مِمّا لا يَنْبَغِي لَهُ مَعَ إخْبارِ الصّادِقِ وتَبْشِيرِهِ لَهُ بِالجَنَّةِ والعِلْمُ بِأنَّ القَضاءَ لا يَتَغَيَّرُ ومِنها أنَّهُ لَوْلا إمْكانُ التَّغْيِيرِ لَلَغا الدُّعاءُ إذِ المَدْعُوُّ بِهِ إمّا أنْ يَكُونَ قَدْ سَبَقَ القَضاءُ بِكَوْنِهِ فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ وإلّا فَمُحالٌ أنْ يَكُونَ وطَلَبُ ما لا بُدَّ أنْ يَكُونَ أوْ مُحالٌ أنْ يَكُونَ لَغْوٌ مَعَ أنَّهُ قَدْ ورَدَ الأمْرُ بِهِ والقَوْلُ بِأنَّهُ لِمُجَرَّدِ إظْهارِ العُبُودِيَّةِ والِافْتِقارِ إلى اللَّهِ تَعالى وكَفى بِذَلِكَ فائِدَةٌ يَأْباهُ ظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ وأيْضًا أخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لا يَنْفَعُ الحَذَرُ مِنَ القَدَرِ ولَكِنَّ اللَّهَ تَعالى يَمْحُو بِالدُّعاءِ ما يَشاءُ مِنَ القَدَرِ وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ «أنَّهُ سَألَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ ما يَشاءُ﴾ الآيَةَ فَقالَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: لَأُقِرَّنَّ عَيْنَكَ بِتَفْسِيرِها ولَأُقِرَّنَّ عَيْنَ أُمَّتِي بَعْدِي بِتَفْسِيرِها الصَّدَقَةُ عَلى وجْهِها وبِرُّ الوالِدَيْنِ واصْطِناعُ المَعْرُوفِ يُحَوِّلُ الشَّقاءَ سَعادَةً ويَزِيدُ في العُمْرِ ويَقِي مَصارِعَ السُّوءِ» وهَذا لا يَكادُ يُعْقَلُ عَلى تَقْدِيرِ أنَّ القَضاءَ لا يَتَغَيَّرُ وفي الأخْبارِ والآثارِ مِمّا هو ظاهِرٌ في إمْكانِ التَّغْيِيرِ ما لا يُحْصى كَثْرَةً ولَعَلَّ مِن ذَلِكَ الدُّعاءَ المارَّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ثُمَّ إنَّ القَضاءَ المُعَلَّقَ يَرْجِعُ في المَآلِ إلى القَضاءِ المُبْرَمِ عِنْدَ مُثْبِتِهِ فَلا يُفِيدُهُ التَّعَلُّقُ بِذَلِكَ في وقْعِ ما يَرِدُ عَلَيْهِ ودَفْعِ ما يَرِدُ عَلى القَوْلِ بِالتَّغَيُّرِ مِن أنَّهُ يَلْزَمُ مِنهُ التَّغَيُّرُ في ذاتِهِ تَعالى لِما أنَّهُ يَنْجَرُّ إلى تَغَيُّرِ العِلْمِ وهو يُوجِبُ التَّغَيُّرَ في ذاتِهِ تَعالى مِن صِفَةٍ إلى أُخْرى أوْ يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ الجَهْلُ وهَذا مَأْخُوذٌ مِنَ الشُّبْهَةِ الَّتِي ذَكَرَها جُمْهُورُ الفَلاسِفَةِ في نَفْيِ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى بِالجُزْئِيّاتِ المُتَغَيِّرَةِ فَإنَّهم قالُوا: إنَّهُ تَعالى إذا عَلِمَ مَثَلًا أنَّ زَيْدًا في الدّارِ الآنَ ثُمَّ خَرَجَ عَنْها فَإمّا أنْ يَزُولَ ذَلِكَ العِلْمُ ولا يَعْلَمُ سُبْحانَهُ أنَّهُ في الدّارِ أوْ يَبْقى ذَلِكَ العِلْمُ بِحالِهِ والأوَّلُ يُوجِبُ التَّغَيُّرَ في ذاتِهِ سُبْحانَهُ والثّانِي يُوجِبُ الجَهْلَ وكِلاهُما نَقْصٌ يَجِبُ تَنْزِيهُ اللَّهِ تَعالى عَنْهُ بِما دَفَعُوا بِهِ تِلْكَ الشُّبْهَةَ وهو ما ذُكِرَ في المَواقِفِ وشَرْحُهُ مِن مَنعِ لُزُومِ التَّغَيُّرِ فِيهِ تَعالى بَلِ التَّغَيُّرُ إنَّما هو في الإضافاتِ لِأنَّ العِلْمَ عِنْدَنا إضافَةٌ مَخْصُوصَةٌ وتَعَلُّقٌ بَيْنَ العالِمِ والمَعْلُومِ أوْ صِفَةٌ حَقِيقِيَّةٌ ذاتُ إضافَةٍ فَعَلى الأوَّلِ يَتَغَيَّرُ نَفْسُ العِلْمِ وعَلى الثّانِي يَتَغَيَّرُ إضافاتُهُ فَقَطْ وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ لا يَلْزَمُ تَغَيُّرٌ في صِفَةٍ مَوْجُودَةٍ
صفحة 172
بَلْ في مَفْهُومٍ اعْتِبارِيٍّ وهو جائِزٌ وأجابَ كَثِيرٌ مِنَ الأشاعِرَةِ والمُعْتَزِلَةِ بِأنَّ العِلْمَ بِأنَّ الشَّيْءَ وُجِدَ والعِلْمَ بِأنَّهُ سَيُوجَدُ واحِدٌ فَإنَّ مَن عَلِمَ أنَّ زَيْدًا سَيَدْخُلُ البَلَدَ غَدًا فَعِنْدَ حُصُولِ الغَدِ يُعْلَمُ بِهَذا العِلْمِ بِأنَّهُ دَخَلَ البَلَدَ الآنَ إذا كانَ عِلْمُهُ هَذا مُسْتَمِرًّا بِلا غَفْلَةٍ مُزِيلَةٍ لَهُ وإنَّما يَحْتاجُ أحَدُنا إلى عِلْمٍ آخَرَ مُتَجَدِّدٍ يَعْلَمُ بِهِ أنَّهُ دَخَلَ الآنَ لَطَرَيانِ الغَفْلَةِ عَنِ الأوَّلِ والبارِي تَعالى يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ الغَفْلَةُ فَكانَ عِلْمُهُ سُبْحانَهُ بِأنَّهُ وُجِدَ عَيْنُ عِلْمِهِ بِأنَّهُ سَيُوجَدُ فَلا يَلْزَمُ مِن تَغَيُّرِ المَعْلُومِ تَغَيُّرٌ في العِلْمِ ونِهايَةُ كَلامِهِ في هَذا المَقامِ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَتَغَيَّرَ ما في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى وإلّا لَتَعَيَّنَ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ الفِعْلُ أوِ التَّرْكُ وفِيهِ مِنَ الحَجْرِ عَلَيْهِ جَلَّ جَلالُهُ ما لا يَخْفى ولا يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ التَّغَيُّرِ سِوى التَّغَيُّرِ في التَّعَلُّقاتِ وهو غَيْرُ ضارٍّ واعْتُرِضَ بِأنَّهُ عَلى هَذا القَوْلِ لا يَبْقى وُثُوقٌ بِشَيْءٍ مِنَ الأخْبارِ الغَيْبِيَّةِ كالحَشْرِ والنَّشْرِ وكَذا لا يَبْقى وُثُوقٌ بِالأخْبارِ بِأنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ خاتَمُ النَّبِيِّينَ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعالى قَدْ عَلِمَ ذَلِكَ حِينَ أخْبَرَ ثُمَّ تَعَلَّقَ عِلْمُهُ بِخِلافِهِ لَكِنَّهُ سُبْحانَهُ لَمْ يُخْبِرْ ولا نَقْصَ في الإخْبارِ الأوَّلِ لِأنَّهُ إخْبارٌ عَمّا كانَ مُتَعَلِّقَ العِلْمِ إذْ ذاكَ وأيْضًا يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ نَفْيُ نَفْسِ الأمْرِ أوْ نَفْيُ كَوْنِ تَعَلُّقِ العِلْمِ عَنْ وقْفِهِ وكِلا النَّفِيَّيْنِ كَما تَرى يَقِي الجَوابَ عَمّا تَمَسَّكَ بِهِ وهو عَنْ بَعْضٍ ظاهِرٌ وعَنْ بَعْضٍ يَحْتاجُ إلى تَأمُّلٍ فَتَأمَّلْ واسْتَدَلَّ بِالآيَةِ بَعْضُ الشِّيعَةِ القائِلِينَ بِجَوازِ البَداءِ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وفِيهِ ما فِيهِ هَذا.
ويَخْطُرُ لِي في الآيَةِ مَعْنًى لَمْ أرَ مَن ذَكَرَهُ وهو أنْ يُرادَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿يَمْحُو اللَّهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ﴾ ما ذَكَرْناهُ أوَّلًا قَبْلَ حِكايَةِ الأقْوالِ وهو مِمّا رَواهُ البَيْهَقِيُّ في المَدْخَلِ وغَيْرِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ ويُخَصَّصُ ذَلِكَ بِالأحْكامِ الفَرْعِيَّةِ ويُرادُ بِأُمِّ الكِتابِ الأحْكامُ الأصْلِيَّةُ فَإنَّها مِمّا لا تَقْبَلُ النَّسْخَ وهي أصْلٌ لِكُلِّ كِتابٍ بِاعْتِبارِ أنَّ الأحْكامَ الفَرْعِيَّةَ الَّتِي فِيهِ إنَّما تَصِحُّ مِمَّنْ أتى بِها لَكِنْ لا يُساعِدُ عَلى هَذا المَأْثُورِ عَنِ السَّلَفِ نَعَمْ هو مُناسِبٌ لِلْمَقامِ كَما لا يَخْفى وزَعَمَ الضَّحّاكُ والفَرّاءُ أنَّ في الآيَةِ قَلْبًا والأصْلُ لِكُلِّ كِتابٍ أجَلٌ وتُعُقِّبَ بِأنْ لا يَجُوزَ ادِّعاءُ القَلْبِ إلّا في ضَرُورَةِ الشِّعْرِ عَلى أنَّهُ لا داعِيَ إلَيْهِ هُنا بَلْ قَدْ يُدَّعى فَسادُ المَعْنى عَلَيْهِ وأيًّا ما كانَ فَألْ في الكِتابِ لِلْجِنْسِ فَهو شامِلٌ لِلْكَثِيرِ ولِهَذا فَسَّرَهُ غَيْرُ واحِدٍ بِالجَمْعِ وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ ( ويُثَبِّتُ )
13:40Страница 254
وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ بَعۡضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمۡ أَوۡ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيۡكَ ٱلۡبَلَٰغُ وَعَلَيۡنَا ٱلۡحِسَابُ ٤٠
Покажем Мы тебе часть того, что Мы обещаем им, или умертвим тебя, на тебя возложена только передача откровения, а Нам надлежит предъявлять счет.
﴿وإنْ ما نُرِيَنَّكَ﴾ أصْلُهُ إنْ نُرِيكَ و( ما ) مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ مَعْنى الشَّرْطِ ومِن ثَمَّةَ أُلْحِقَتِ النُّونُ بِالفِعْلِ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولَوْ كانَتْ إنْ وحْدَها لَمْ يَجُزْ إلْحاقُ النُّونِ وهو مُخالِفٌ لِظاهِرِ كَلامِ سِيبَوَيْهِ قالَ ابْنُ خَرُوفٍ: أجازَ سِيبَوَيْهِ الإتْيانَ بِما وعَدَمَ الإتْيانِ بِها والإتْيانَ بِالنُّونِ مَعَ ما وعَدَمَ الإتْيانِ بِها والإراءَةُ هُنا بَصَرِيَّةٌ والكافُ مَفْعُولٌ أوَّلُ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾ مَفْعُولٌ ثانٍ والمُرادُ بَعْضَ الَّذِي وعَدْناهم مِن إنْزالِ العَذابِ عَلَيْهِمْ والعُدُولُ إلى صِيغَةِ المُضارِعِ لِحِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ أوْ نَعِدُهم وعْدًا مُتَجَدِّدًا حَسَبَ ما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ مِن إنْذارٍ عَقِيبَ إنْذارٍ: وفي إيرادِ البَعْضِ رَمْزٌ عَلى ما قِيلَ إلى إراءَةِ بَعْضِ المَوْعُودِ ﴿أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ قَبْلَ ذَلِكَ ﴿فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ﴾ أيْ تَبْلِيغُ أحْكامِ ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ وما تَضَمَّنَهُ مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ لا تَحْقِيقَ مَضْمُونِ الوَعِيدِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ ذَلِكَ فالمَقْصُورُ عَلَيْهِ البَلاغُ ولِهَذا قُدِّمَ الخَبَرُ وهَذا الحَصْرُ مُسْتَفادٌ مِن إنَّما لا مِنَ التَّقْدِيمِ وإلّا لانْعَكَسَ المَعْنى وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعَلَيْنا الحِسابُ﴾ . (40) . الظّاهِرُ أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى ما في حَيِّزِ ( إنَّما ) فَيَصِيرُ المَعْنى إنَّما عَلَيْنا مُحاسَبَةُ أعْمالِهِمُ السَّيِّئَةِ والمُؤاخَذَةُ بِها دُونَ جَبْرِهِمْ عَلى اتِّباعِكَ أوِ إنْزالُ ما اقْتَرَحُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الآياتِ واعْتَبَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ عَطْفَهُ عَلى جُمْلَةِ
صفحة 173
( إنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ ) فَيَصِيرُ المَعْنى وعَلَيْنا لا عَلَيْكَ مُحاسَبَةُ أعْمالِهِمْ قِيلَ: وهو الظّاهِرُ تَرْجِيحًا لِلْمَنطُوقِ عَلى المَفْهُومِ إذا اجْتَمَعَ دَلِيلا حَصْرٍ وحاصِلُ مَعْنى الآيَةِ كَيْفَما دارَتِ الحالُ أرَيْناكَ بَعْضَ ما وعَدْناهم مِنَ العَذابِ الدُّنْيَوِيِّ أوْ لَمْ نُرِكَهُ فَعَلَيْنا ذَلِكَ وما عَلَيْكَ إلّا التَّبْلِيغُ فَلا تَهْتَمَّ بِما وراءَ ذَلِكَ فَنَحْنُ نَكْفِيكَهُ ونُتِمُّ ما وعَدْناكَ بِهِ مِنَ الظَّفَرِ ولا يُضْجُرُكَ تَأخُّرُهُ فَإنَّ ذَلِكَ لِما نَعْلَمُ مِنَ المَصالِحِ الخَفِيَّةِ وفي البَحْرِ عَنِ الحَوْفِيِّ أنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ في الآيَةِ شَرْطانِ ( نُرِيَنَّكَ ونَتَوَفَّيَنَّكَ ) لِأنَّ المَعْطُوفَ عَلى الشَّرْطِ شَرْطٌ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ﴾ لا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ جَوابًا لِلشَّرْطِ الأوَّلِ ولا لِلشَّرْطِ الثّانِي لِأنَّهُ لا يَتَرَتَّبُ عَلى شَيْءٍ مِنهُما وهو ظاهِرٌ فَيَحْتاجُ إلى تَأْوِيلٍ وهو إنْ يُقَدَّرُ لِكُلِّ شَرْطٍ مِنهُما ما يُناسِبُ أنْ يَكُونَ جَزاءً مُتَرَتِّبًا عَلَيْهِ فَيُقالُ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ: وإمّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهم فَذَلِكَ شافِيكَ مِن أعْدائِكَ ودَلِيلُ صِدْقِكَ وإمّا نَتَوَفَّيَنَّكَ قَبْلَ حُلُولِهِ بِهِمْ فَلا لَوْمَ عَلَيْكَ ولا عَتْبَ ويَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّما﴾ .. إلَخْ دَلِيلًا عَلَيْهِما والواقِعُ مِنَ الشَّرْطَيْنِ هو الأوَّلُ كَما في بَدْرٍ.
13:41Страница 254
أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّا نَأۡتِي ٱلۡأَرۡضَ نَنقُصُهَا مِنۡ أَطۡرَافِهَاۚ وَٱللَّهُ يَحۡكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكۡمِهِۦۚ وَهُوَ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ ٤١
Разве они (неверующие) не видят, как Мы постепенно уменьшаем землю по краям (отдаем ее во владение верующим)? Аллах принимает решения, и никто не отменит Его решения. Он скор в расчете.
ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ طَيَّبَ نَفْسَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِطُلُوعِ تَباشِيرِ الظَّفَرِ فَقالَ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا﴾ .. إلَخْ والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ بِقَضِيَّتِهِ المَقامُ أيْ أأنْكَرُوا نُزُولَ ما وعَدْناهم أوْ أشَكُّوا أوْ ألَمْ يَنْظُرُوا في ذَلِكَ ولَمْ يَرَوْا ﴿أنّا نَأْتِي الأرْضَ﴾ أيْ أرْضَ الكَفَرَةِ ﴿نَنْقُصُها مِن أطْرافِها﴾ مِن جَوانِبِها بِأنْ نَفْتَحَها شَيْئًا فَشَيْئًا ونُلْحِقَها بِدارِ الإسْلامِ ونُذْهِبَ مِنها أهْلَها بِالقَتْلِ والأسْرِ والإجْلاءِ ألَيْسَ هَذا مُقَدِّمَةً لِذَلِكَ.
ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَلا يَرَوْنَ أنّا نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُها مِن أطْرافِها أفَهُمُ الغالِبُونَ﴾ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ والضَّحّاكِ وعَطِيَّةَ والسُّدِّيِّ وغَيْرِهِمْ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا وأخْرَجَهُ الحاكِمُ عَنْهُ وصَحَّحَهُ أنَّ انْتِقاصَ الأرْضِ مَوْتُ أشْرافِها وكُبَرائِها وذَهابُ العُلَماءِ مِنها وفي رِوايَةٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ يَرْفَعُهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ الِاقْتِصارُ عَلى الأخِيرِ ورُوِيَ أيْضًا عَنْ مُجاهِدٍ فالمُرادُ مِنَ الأرْضِ جِنْسُها والأطْرافُ كَما قِيلَ بِمَعْنى الأشْرافِ ومَجِيءُ ذَلِكَ بِهَذا المَعْنى مَحْكِيٌّ عَنْ ثَعْلَبٍ واسْتَشْهَدَ لَهُ الواحِدِيُّ بِقَوْلِ الفَرَزْدَقِ: .
واسْألْ بِنا وبِكم إذا ورَدَتْ مِنِّي أطْرافُ كُلِّ قَبِيلَةٍ مَن يُمْنَعُ
وقَرِيبٌ مِن ذَلِكَ قَوْلُ ابْنِ الأعْرابِيِّ: الطَّرَفُ والطَّرْفُ الرَّجُلُ الكَرِيمُ وقَوْلُ بَعْضِهِمْ: طَرَفُ كُلِّ شَيْءٍ خِيارُهُ وجَعَلُوا مِن هَذا قَوْلَ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: العُلُومُ أوْدِيَةٌ في أيِّ وادٍ أخَذْتَ مِنها خَسِرْتَ فَخُذُوا مِن كُلِّ شَيْءٍ طَرَفًا قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أرادَ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ خِيارًا وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الأظْهَرَ جانِبًا وادَّعى الواحِدِيُّ أنَّ تَفْسِيرَ الآيَةِ بِما تَقَدَّمَ هو اللّائِقُ وتَعَقَّبَهُ الإمامُ بِأنَّهُ يُمْكِنُ القَوْلُ بِلِياقَةِ الثّانِي وتَقْرِيرُ الآيَةِ عَلَيْهِ أوَلَمْ يَرَوْا أنّا نُحْدِثُ في الدُّنْيا مِنَ الِاخْتِلافاتِ خَرابًا بَعْدَ عِمارَةٍ ومَوْتًا بَعْدَ حَياةٍ وذُلًّا بَعْدَ عِزٍّ ونَقْصًا بَعْدَ كَمالٍ وهَذِهِ تَغْيِيراتٌ مُدْرَكَةٌ بِالحِسِّ فَما الَّذِي يُؤَمِّنُهم أنْ يُقَلِّبَ اللَّهُ تَعالى الأمْرَ عَنْهم فَيَجْعَلَهم أذِلَّةً بَعْدَ أنْ كانُوا أعِزَّةً ومَقْهُورِينَ بَعْدَ أنْ كانُوا قاهِرِينَ وهو كَما تَرى وقِيلَ: نَقْصُها هَلاكُ مَن هَلَكَ مِنَ الأُمَمِ قَبْلَ قُرَيْشٍ وخَرابُ أرْضِهِمْ أيْ ألَمْ يَرَوْا هَلاكَ مَن قَبْلَهم وخَرابَ دِيارِهِمْ فَكَيْفَ يَأْمَنُونَ مِن حُلُولِ ذَلِكَ بِهِمْ والأوَّلُ أيْضًا أوْفَقُ بِالمَقامِ مِنهُ ولا يَخْفى ما في التَّعْبِيرِ بِالإتْيانِ المُؤْذِنِ بِعَظِيمِ الِاسْتِيلاءِ مِنَ الفَخامَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾ وفي الحَواشِي الشِّهابِيَّةِ أنَّ المَعْنى يَأْتِيها أمْرُنا وعَذابُنا وجُمْلَةُ ﴿نَنْقُصُها﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن فاعِلِ ( يَأْتِي ) أوْ مِن مَفْعُولِهِ وقَرَأ الضَّحّاكُ ( نُنَقِّصُها ) مُثَقَّلًا مِن نَقَصَ
صفحة 174
عَدّاهُ بِالتَّضْعِيفِ مِن نَقَصَ اللّازِمِ عَلى ما في البَحْرِ ﴿واللَّهُ يَحْكُمُ﴾ ما يَشاءُ كَما يَشاءُ وقَدْ حَكَمَ لَكَ ولِأتْباعِكَ بِالعِزِّ والإقْبالِ وعَلى أعْدائِكَ ومُخالِفِيكَ بِالقَهْرِ والإذْلالِ حَسْبَما يُشاهِدُهُ ذَوُو الأبْصارِ مَنِ المَخائِلِ والآثارِ وفي الِالتِفاتِ مِنَ التَّكَلُّمِ إلى الغَيْبَةِ وبِناءِ الحُكْمِ عَلى الِاسْمِ الجَلِيلِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى الفَخامَةِ وتَرْبِيَةِ المَهابَةِ وتَحْقِيقُ مَضْمُونِ الخَبَرِ بِالإشارَةِ إلى العِلَّةِ ما لا يَخْفى وهي جُمْلَةٌ اعْتِراضِيَّةٌ جِيءَ بِها لِتَأْكِيدِ فَحْوى ما تَقَدَّمَها وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ اعْتِراضٌ أيْضًا لِبَيانِ عُلُوِّ شَأْنِ حُكْمِهِ جَلَّ وعَلا وقِيلَ: هو نَصْبٌ عَلى الحالِ كَأنَّهُ قِيلَ: واللَّهُ تَعالى يَحْكُمُ نافِذًا حُكْمُهُ كَما تَقُولُ: جاءَ زَيْدٌ لا عِمامَةَ عَلى رَأْسِهِ ولا قَلَنْسُوَةٌ أيْ حاسِرًا وإلَيْهِ ذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ قِيلَ: وإنَّما أوَّلَ الجُمْلَةَ الِاسْمِيَّةَ بِالمُفْرَدِ لِأنَّ تَجَرُّدَها مِنَ الواوِ إذا وقَعَتْ حالًا غَيْرُ فَصِيحٍ عِنْدَهُ ولا يَخْفى عَلَيْكَ أنَّ جَعْلَها مُعْتَرِضَةً أوْلى وأعْلى والمُعَقِّبُ مَن يَكُرُّ عَلى الشَّيْءِ فَيُبْطِلُهُ وحَقِيقَتُهُ الَّذِي يُعَقِّبُ الشَّيْءَ بِالإبْطالِ ومِنهُ يُسَمّى الَّذِي يَطْلُبُ حَقًّا مِن آخَرَ مُعَقِّبًا لِأنْ يَعْقُبَ غَرِيمَهُ ويَتَّبِعَهُ لِلتَّقاضِي قالَ لَبِيدٌ: .
حَتّى تَهْجُرَ بِالرَّواحِ وهاجَها ∗∗∗ طَلَبُ المُعَقِّبِ حَقَّهُ المَظْلُومَ
وقَدْ يُسَمّى الماطِلُ مُعَقِّبًا لِأنَّهُ يُعَقِّبُ كُلَّ طَلَبٍ بِرَدٍّ وعَنْ أبِي عَلِيٍّ عَقَبَنِي حَقِّي أيْ مَطَلَنِي ويُقالُ لِلْبَحْثِ عَنِ الشَّيْءِ تُعُقِّبَ وجَوَّزَ الرّاغِبُ أنْ يُرادَ هَذا المَعْنى هُنا عَلى أنْ يَكُونَ الكَلامُ نَهْيًا لِلنّاسِ أنْ يَخُوضُوا في البَحْثِ عَنْ حُكْمِهِ وحِكْمَتِهِ إذا خَفِيَتْ عَلَيْهِمْ ويَكُونُ ذَلِكَ مِن نَحْوِ النَّهْيِ عَنِ الخَوْضِ في سِرِّ القَدَرِ ﴿وهُوَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ . (41) . فَعَمّا قَلِيلٍ يُحاسِبُهم ويُجازِيهِمْ في الآخِرَةِ بَعْدَ ما عَذَّبَهم بِالقَتْلِ والأسْرِ والإجْلاءِ في الدُّنْيا حَسْبَما يَرى وكَأنَّهُ قِيلَ: لا تَسْتَبْطِئْ عِقابَهم فَإنَّهُ آتٍ لا مَحالَةَ وكُلُّ آتٍ قَرِيبٌ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَعْنى سَرِيعُ الِانْتِقامِ.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии