Аль-АлусиАр‑Рад · 13:4–7

Аль-Алуси · Тафсир · на арабском

Ар-Рад 13:4–7

13:4Страница 249

وَفِي ٱلۡأَرۡضِ قِطَعٞ مُّتَجَٰوِرَٰتٞ وَجَنَّٰتٞ مِّنۡ أَعۡنَٰبٖ وَزَرۡعٞ وَنَخِيلٞ صِنۡوَانٞ وَغَيۡرُ صِنۡوَانٖ يُسۡقَىٰ بِمَآءٖ وَٰحِدٖ وَنُفَضِّلُ بَعۡضَهَا عَلَىٰ بَعۡضٖ فِي ٱلۡأُكُلِۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ ٤

На земле есть сопредельные участки, виноградные сады, посевы, финиковые пальмы, растущие из одного корня или из разных корней. Их орошают одной водой, но одни из них Мы создаем более вкусными, чем другие. Воистину, в этом - знамения для людей разумеющих.

﴿وفِي الأرْضِ قِطَعٌ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُشْتَمِلَةٌ عَلى طائِفَةٍ أُخْرى مِنَ الآياتِ أيْ في الأرْضِ بِقاعٌ كَثِيرَةٌ مُخْتَلِفَةٌ في الأوْصافِ فَمِن طَيِّبَةٍ مُنْبِتَةٍ ومِن سَبِخَةٍ لا تُنْبِتُ ومِن رَخْوَةٍ ومِن صُلْبَةٍ ومِن صالِحَةٍ لِلزَّرْعِ لا لِلشَّجَرِ ومِن صالِحَةٍ لِلشَّجَرِ لا لِلزَّرْعِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ ﴿مُتَجاوِراتٌ﴾ أيْ مُتَلاصِقَةٌ والمَقْصُودُ الإخْبارُ بِتَفاوُتِ أجْزاءِ الأرْضِ المُتَلاصِقَةِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي عَلِمْتَ وهَذا هو المَأْثُورُ عَنِ الأكْثَرِينَ وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ أنَّ المَعْنى وفي الأرْضِ قُرًى قَرِيبٌ بَعْضُها مِن بَعْضٍ وأخْرَجَ عَنِ

صفحة 102

الحَسَنِ أنَّهُ فَسَّرَ ذَلِكَ بِالأهْوازِ وفارِسَ والكُوفَةِ والبَصْرَةِ ومِن هُنا قِيلَ في الآيَةِ اكْتِفاءً عَلى حَدِّ ﴿سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ والمُرادُ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وغَيْرُ مُتَجاوِراتٍ وفي بَعْضِ المَصاحِفِ ( وقِطَعًا مُتَجاوِراتٍ )بِالنَّصْبِ أيْ وجَعَلَ في الأرْضِ قِطَعًا ﴿وجَنّاتٌ﴾ أيْ بَساتِينَ كَثِيرَةٌ ﴿مِن أعْنابٍ﴾ أيْ مِن أشْجارِ الكَرْمِ ﴿وزَرْعٌ﴾ مِن كُلِّ نَوْعٍ مِن أنْواعِ الحُبُوبِ وإفْرادُهُ لِمُراعاةِ أصْلِهِ حَيْثُ كانَ مَصْدَرًا ولَعَلَّ تَقْدِيمَ ذِكْرِ الجَنّاتِ عَلَيْهِ مَعَ كَوْنِهِ عَمُودَ المَعاشِ لِما أنَّ في صَنْعَةِ الأعْنابِ مِمّا يُبْهِرُ العُقُولَ ما لا يَخْفى ولَوْ لَمْ يَكُنْ فِيها إلّا أنَّها مِياهٌ مُتَجَمِّدَةٌ في ظُرُوفٍ رَقِيقَةٍ حَتّى أنَّ مِنها شَفّافًا لا يَحْجُبُ البَصَرَ عَنْ إدْراكِ ما في جَوْفِهِ لَكَفى ومِن هُنا جاءَ في بَعْضِ الأخْبارِ القُدُسِيَّةِ أتَكْفُرُونَ بِي وأنا خالِقٌ العِنَبَ وفي إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ تَعْلِيلُ ذَلِكَ بِظُهُورِ حالِ الجَنّاتِ في اخْتِلافِها ومُبايَنَتِها لِسائِرِها ورُسُوخِ ذَلِكَ فِيها وتَأْخِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ونَخِيلٌ﴾ لِئَلّا يَقَعَ بَيْنَها وبَيْنَ صِفَتِها وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿صِنْوانٌ وغَيْرُ صِنْوانٌ﴾ فاصِلَةٌ أوْ يَطُولُ الفَصْلُ بَيْنَ المُتَعاطِفَيْنِ وصِنْوانٌ جَمْعُ صِنْوٍ وهو الفَرْعُ الَّذِي يَجْمَعُهُ وآخَرُ أصْلٌ واحِدٌ وأصْلُهُ المِثْلُ ومِنهُ قِيلَ: لِلْعَمِّ صِنْوٌ وكَسُرُ الصّادِ في الجَمْعِ كالمُفْرَدِ هو اللُّغَةُ المَشْهُورَةُ وبِها قَرَأ الجُمْهُورُ ولُغَةُ تَمِيمٍ وقَيْسٍ ( صُنْوانٌ ) بِالضَّمِّ كَذِئْبٍ وذُؤْبانٍ وبِذَلِكَ قَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما والسَّلَمِيُّ وابْنُ مُصَرِّفٍ ونَقَلَهُ الجَعْبَرِيُّ في شَرْحِ الشّاطِبِيَّةِ عَنْ حَفْصٍ.

وقَرَأ الحَسَنُ وقَتادَةُ بِالفَتْحِ وهو عَلى ذَلِكَ اسْمُ جَمْعٍ كالسِّعْدانِ لا جَمْعَ تَكْسِيرٍ لِأنَّهُ لَيْسَ مِن أبْنِيَتِهِ وقَرَأ الحَسَنُ ( جَنّاتٍ ) بِالنَّصْبِ عَطْفًا عِنْدَ بَعْضٍ عَلى زَوْجَيْنِ مَفْعُولِ ﴿جَعَلَ﴾ و( مِن كُلِّ الثَّمَراتِ ) حِينَئِذٍ حالٌ مُقَدَّمَةٌ لا صِلَةُ ﴿جَعَلَ﴾ لِفَسادِ المَعْنى عَلَيْهِ أيْ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ حالَ كَوْنِهِ مِن كُلِّ الثَّمَراتِ وجَنّاتٍ مِن أعْنابٍ ولا يَجِبُ هُنا تَقْيِيدُ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ.

وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ العَطْفَ عَلى ﴿رَواسِيَ﴾ وقالَ أبُو حَيّانَ: الأوْلى إضْمارُ فِعْلٍ لِبُعْدِ ما بَيْنَ المُتَعاطِفَيْنِ أوْ بِالجَرِّ عَطْفًا عَلى ﴿كُلِّ الثَّمَراتِ﴾ عَلى أنْ يَكُونَ هو مَفْعُولًا بِزِيادَةِ مِن في الإثْباتِ و﴿زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ حالًا مِنهُ والتَّقْدِيرُ وجَعَلَ فِيها مِن كُلِّ الثَّمَراتِ حالَ كَوْنِها صِنْفَيْنِ فَلَعَلَّ عَدَمَ نَظْمِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وفِي الأرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ﴾ في هَذا السِّلْكِ مَعَ أنَّ اخْتِصاصَ ( كُلِّ ) مِن تِلْكَ القِطَعِ بِما لَها مِنَ الأحْوالِ والصِّفاتِ بِمَحْضِ خَلْقِ الخالِقِ الحَكِيمِ جَلَّتْ قُدْرَتُهُ حِينَ مَدَّ الأرْضَ ودَحاها عَلى ما قِيلَ الإيماءُ إلى كَوْنِ تِلْكَ الأحْوالِ صِفاتٍ راسِخَةً لِتِلْكَ القِطَعِ وقَرَأ جَمْعٌ مِنَ السَّبْعَةِ ﴿وزَرْعٌ ونَخِيلٌ﴾ بِالجَرِّ عَلى أنَّ العَطْفَ عَلى أعْنابٍ وهو كَما في الكَشْفِ مِن بابِ مُتَقَلِّدًا سَيْفًا ورُمْحًا أوِ المُرادُ أنَّ في الجَنّاتِ فُرُجًا مَزْرُوعَةً بَيْنَ الأشْجارِ وإلّا فَلا يُقالُ لِلْمَزْرَعَةِ وحْدَها جَنَّةٌ وهَذا أحْسَنُ مَنظَرًا وأنْزَهُ وادَّعى أبُو حَيّانَ أنَّ في جَعْلِ الجَنَّةِ مِنَ الأعْنابِ تَجَوُّزًا لِأنَّ الجَنَّةَ في الحَقِيقَةِ هي الأرْضُ الَّتِي فِيها الأعْنابُ ﴿ويُسْقى﴾ أيْ ما ذُكِرَ مِنَ القِطَعِ والجَنّاتِ والزَّرْعِ والنَّخِيلِ وقَرَأ أكْثَرُ السَّبْعَةِ بِالتَّأْنِيثِ مُراعاةً لِلَّفْظِ وهي قِراءَةُ الحَسَنِ وأبِي جَعْفَرٍ قِيلَ: والأوَّلُ أوْفَقُ بِمَقامِ بَيانِ اتِّحادِ الكُلِّ في حالَةِ السَّقْيِ بِماءٍ واحِدٍ لا اخْتِلافَ في طَبْعِهِ سَواءً كانَ السَّقْيُ مِن ماءٍ الأمْطارِ أوْ مِن ماءِ الأنْهارِ وقِيلَ: إنَّ الثّانِيَ أوْفَقُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ونُفَضِّلُ﴾ أيْ مَعَ وُجُودِ أسْبابِ التَّشابُهِ بِمَحْضِ قُدْرَتِنا وإحْسانِنا

صفحة 103

﴿بَعْضَها عَلى بَعْضٍ﴾ آخَرَ مِنها ﴿فِي الأُكُلِ﴾ لِمَكانِ التَّأْنِيثِ وأمالَ فَتْحَةَ القافِ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ والأُكُلُ بِضَمِّ الهَمْزَةِ والكافِ وجاءَ تَسْكِينُها ما يُؤْكَلُ وهو هُنا الثَّمَرُ والحَبُّ وقَوْلُ بَعْضِهِمْ: أيْ في الثَّمَرِ شَكْلًا وقَدْرًا ورائِحَةً وطَعْمًا مِن بابِ التَّغْلِيبِ وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( يُفَضِّلُ ) بِالياءِ عَلى بِناءِ الفاعِلِ رَدًّا عَلى ( يُدَبِّرُ ) و( يُفَصِّلُ ) و( يُغْشِي ) وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ وهو أوَّلُ مَن نَقَطَ المُصْحَفَ وأبُو حَيْوَةَ والحَلَبِيُّ عَنْ عَبْدِ الوارِثِ بِالياءِ عَلى بِناءِ المَفْعُولِ ورَفَعَ بَعْضَها وفِيهِ ما لا يَخْفى مِنَ الفَخامَةِ والدَّلالَةِ عَلى أنَّ عَدَمَ احْتِمالِ اسْتِنادِ الفِعْلِ إلى فاعِلٍ آخَرَ مُغْنٍ عَنْ بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ الَّذِي فُصِّلَ مِن أحْوالِ القِطَعِ وغَيْرِها ﴿لآياتٍ﴾ كَثِيرَةً عَظِيمَةً باهِرَةً ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ . (4) . يَعْمَلُونَ عَلى قَضِيَّةِ عُقُولِهِمْ فَإنَّ مَن عَقَلَ هاتِيكِ الأحْوالَ العَجِيبَةَ وخُرُوجَ الثِّمارِ المُخْتَلِفَةِ في الأشْكالِ والألْوانِ والطَّعُومِ والرَّوائِحِ في تِلْكَ القِطَعِ المُتَبايِنَةِ المُتَلاصِقَةِ مَعَ اتِّخاذِ ما تُسْقى بِهِ بَلْ وسائِرُ أسْبابِ نُمُوِّها لا يَتَلَعْثَمُ في الجَزْمِ بِأنَّ لِذَلِكَ صانِعًا حَكِيمًا قادِرًا مُدَبِّرًا لَها لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ وقِيلَ: المُرادُ أنَّ مَن عَقَلَ ذَلِكَ لا يَتَوَقَّفُ في الجَزْمِ بِأنَّ مَن قَدَرَ عَلى إبْداعِ ما ذُكِرَ قادِرٌ عَلى إعادَةِ ما أبْداهُ بَلْ هي أهْوَنُ في القِياسِ ولَعَلَّ ما ذَكَرَهُ أوْلى ثُمَّ إنَّ الأحْوالَ وإنْ كانَتْ هي الآياتُ أنْفُسُها لا أنَّها فِيها إلّا أنَّها قَدْ جُرِّدَتْ عَنْها أمْثالُها مُبالَغَةً في كَوْنِهِ آيَةً فَفي تَجْرِيدِيَّةِ مِثْلِها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَهم فِيها دارُ الخُلْدِ﴾ عَلى المَشْهُورِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُشارُ إلَيْهِ الأحْوالُ الكُلِّيَّةُ والآياتُ أفْرادُها الحادِثَةُ شَيْئًا فَشَيْئًا في الأزْمِنَةِ وآحادُها الواقِعَةُ في الأقْطارِ والأمْكِنَةُ المُشاهَدَةُ لِأهْلِها فَفي عَلى مَعْناها ومِنهم مَن فَسَّرَ الآياتِ بِالدَّلالاتِ لِتَبْقى في عَلى ذَلِكَ وهو كَما تَرى وحَيْثُ كانَتْ دَلالَةُ هَذِهِ الأحْوالِ عَلى مَدْلُولاتِها أظْهَرَ مِمّا سَبَقَ عَلَّقَ سُبْحانَهُ كَوْنَها آياتٍ بِمَحْضِ التَّعَقُّلِ كَما قالَ أبُو حَيّانَ وغَيْرُهُ ولِذَلِكَ عَلى ما قِيلَ لَمْ يَتَعَرَّضْ جَلَّ شَأْنُهُ لِغَيْرِ تَفْضِيلِ بَعْضِها عَلى بَعْضٍ في الأكْلِ الظّاهِرِ لِكُلِّ عاقِلٍ مَعَ تَحَقُّقِ ذَلِكَ في الخَواصِّ والكَيْفِيّاتِ مِمّا يَتَوَقَّفُ العُثُورُ عَلَيْهِ عَلى نَوْعِ تَأمُّلٍ وتَفَكُّرٍ كَأنَّهُ لا حاجَةَ إلى التَّفَكُّرِ في ذَلِكَ أيْضًا وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأنَّ المُشْرِكِينَ غَيْرُ عاقِلِينَ ولِبَعْضِ الرُّجّازِ فِيما تُشِيرُ إلَيْهِ الآيَةُ:

والأرْضُ فِيها عِبْرَةٌ لِلْمُعْتَبِرِ تُخْبِرُ عَنْ صُنْعِ مَلِيكٍ مُقْتَدِرِ

تُسْقى بِماءٍ واحِدٍ أشْجارُها ∗∗∗ وبُقْعَةٌ واحِدَةٌ قَرارُها

والشَّمْسُ والهَواءُ لَيْسَ يَخْتَلِفُ ∗∗∗ وأكْلُها مُخْتَلِفٌ لا يَأْتَلِفُ

لَوْ أنَّ ذا مَن عَمِلَ الطَّبائِعَ ∗∗∗ أوْ أنَّهُ صَنْعَةُ غَيْرِ صانِعِ

لَمْ يَخْتَلِفْ وكانَ شَيْئًا واحِدا ∗∗∗ هَلْ يُشْبِهُ الأوْلادُ إلّا الوالِدا

الشَّمْسُ والهَواءُ يا مُعانِدُ ∗∗∗ والماءُ والتُّرابُ شَيْءٌ واحِدُ

فَما الَّذِي أوْجَبَ ذا التَّفاضُلا ∗∗∗ إلّا حَكِيمٌ لَمْ يَرُدُّهُ باطِلا

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الحَسَنِ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ قالَ: هَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعالى لِقُلُوبِ بَنِي آدَمَ كانَتِ الأرْضُ في يَدِ الرَّحْمَنِ طِينَةً واحِدَةً فَسَطَحَها وبَطَحَها فَصارَتْ قِطَعًا مُتَجاوِرَةً فَيَنْزِلُ عَلَيْها الماءُ فَتُخْرِجُ هَذِهِ زَهْرَتَها وثَمَرَها وشَجَرَها وتُخْرِجُ نَباتَها وتُخْرِجُ هَذِهِ سَبَخَها ومِلْحَها وخَبَثَها وكِلْتاهُما تُسْقى بِماءٍ واحِدٍ فَلَوْ كانَ الماءُ مِلْحًا قِيلَ إنَّما اسْتَسْبَخَتْ هَذِهِ مِن قِبَلِ الماءِ كَذَلِكَ النّاسُ خُلِقُوا مِن آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَيَنْزِلُ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ

صفحة 104

تَذْكِرَةً فَتَرِقُّ قُلُوبٌ فَتَخْشَعُ وتَخْضَعُ وتَقْسُو قُلُوبٌ فَتَلْهُو وتَسْهُو ثُمَّ قالَ: واللَّهُ ما جالَسَ القُرْآنَ أحَدٌ إلّا قامَ مِن عِنْدِهِ بِزِيادَةٍ أوْ نُقْصانٍ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ونُنَزِّلُ مِنَ القُرْآنِ ما هو شِفاءٌ ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ولا يَزِيدُ الظّالِمِينَ إلا خَسارًا﴾ . اهَـ. قالَ أبُو حَيّانَ وهو شَبِيهٌ بِكَلامِ الصُّوفِيَّةِ

13:5Страница 249

۞ وَإِن تَعۡجَبۡ فَعَجَبٞ قَوۡلُهُمۡ أَءِذَا كُنَّا تُرَٰبًا أَءِنَّا لَفِي خَلۡقٖ جَدِيدٍۗ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمۡۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ ٱلۡأَغۡلَٰلُ فِيٓ أَعۡنَاقِهِمۡۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٥

Если ты удивляешься, то удивляйся их словам: «Неужели после того, как мы станем прахом, мы возродимся в новом творении?». Они - те, которые не уверовали в своего Господа. Они - те, у кого на шеях оковы. Они - обитатели Огня, которые пребудут в нем вечно.

﴿وإنْ تَعْجَبْ﴾ أيْ إنْ يَقَعْ مِنكَ عَجَبٌ يا مُحَمَّدُ ﴿فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ﴾ بَعْدَ مُشاهَدَةِ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى عَظِيمِ قُدْرَتِهِ تَعالى أيْ فَلْيَكُنْ عَجَبُكَ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿أإذا كُنّا تُرابًا﴾ إلى آخِرِهِ فَإنَّهُ الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُتَعَجَّبَ مِنهُ ورُفِعَ ( عَجَبٌ ) عَلى أنَّهُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ و﴿قَوْلُهُمْ﴾ مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ وقُدِّمَ الخَبَرُ لِلْقَصْرِ والتَّسْجِيلِ مِن أوَّلِ الأمْرِ بِكَوْنِ قَوْلِهِمْ أمْرًا عَجِيبًا وفي البَحْرِ أنَّهُ لا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ صِفَةٍ لِعَجَبٌ لِأنَّهُ لا يَتَمَكَّنُ المَعْنى بِمُطْلَقٍ فَيُقَدَّرُ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ فَعَجَبٌ أيُّ عَجَبٍ أوْ فَعَجَبٌ غَرِيبٌ وإذا قَدَّرْناهُ مَوْصُوفًا جازَ أنْ يُعْرَبَ مُبْتَدَأً لِلْمُسَوِّغِ وهو الوَصْفُ ولا يَضُرُّ كَوْنُ الخَبَرِ مَعْرِفَةً وذَلِكَ كَما قالَ سِيبَوَيْهِ في كَمْ مالُكَ إنَّ كَمْ مُبْتَدَأٌ لِوُجُودِ المُسَوِّغِ فِيهِ وهو الِاسْتِفْهامُ وفي نَحْوِ اقْصُدْ رَجُلًا خَيْرٌ مِنهُ أبُوهُ إنَّ خَيْرٌ مُبْتَدَأٌ لِلْمُسَوِّغِ أيْضًا وهو العَمَلُ ونَقَلَ أبُو البَقاءِ القَوْلَ بِأنَّ ( عَجَبٌ ) بِمَعْنى مُعْجَبٍ ثُمَّ قالَ: فَعَلى هَذا يَجُوزُ أنْ يَرْتَفِعَ ﴿قَوْلُهُمْ﴾ بِهِ.

وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا يَجُوزُ ذَلِكَ لِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن كَوْنِ شَيْءٍ بِمَعْنى شَيْءٍ أنْ يَكُونَ حَكَمُهُ في العَمَلِ حُكْمَهُ فَمُعْجَبٌ يَعْمَلُ و( عَجَبٌ ) لا يَعْمَلُ ألا تَرى أنَّ فِعْلًا كَذَبَحَ وفِعْلَةٍ كَقَبَضَ وفُعْلَةٍ كَغُرْفَةٍ بِمَعْنى مَفْعُولٍ ولا يَعْمَلُ عَمَلَهُ فَلا تَقُولُ مَرَرْتُ بِرَجُلٍ ذَبَحَ كَبْشَهُ أوْ قَبَضَ مالَهُ أوْ غُرْفَةٌ ماؤُهُ بِمَعْنى مَذْبُوحٍ كَبْشُهُ ومَقْبُوضٍ مالُهُ ومَغْرُوفٌ ماؤُهُ وقَدْ نَصُّوا عَلى أنَّ هَذِهِ تَنُوبُ في الدَّلالَةِ لا العَمَلِ عَنِ المَفْعُولِ وحَصَرَ النَّحْوِيُّونَ ما يَرْفَعُ الفاعِلَ في أشْياءَ ولَمْ يَعُدُّوا المَصْدَرَ إذا كانَ بِمَعْنى اسْمِ الفاعِلِ مِنها.

والظّاهِرُ أنَّ ﴿أإذا كُنّا﴾ إلى آخِرِهِ في مَحَلِّ نَصْبٍ مَقُولٌ لِقَوْلٍ مَحْكِيٌّ بِهِ والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ مُفِيدٌ لِكَمالِ الِاسْتِبْعادِ والِاسْتِنْكارِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى البَدَلِيَّةِ مِن ﴿قَوْلُهُمْ﴾ عَلى أنَّهُ بِمَعْنى المَقُولِ وهو عَلى ما قالَ أبُو حَيّانَ: إعْرابٌ مُتَكَلَّفٌ وعُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ وعَلَيْهِ فالعَجَبُ تَكَلُّمُهم بِذَلِكَ وعَلى الأوَّلِ كَلامُهم ذَلِكَ والعامِلُ في ( إذا ) ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أإنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ وهو نُبْعَثُ أوْ نُعادُ والجَدِيدُ ضِدَّ الخَلِقِ والبالِي ويُقالُ: ثَوْبٌ جَدِيدٌ أيْ كَما فُرِغَ مِن عَمِلَهُ وهو فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ كَأنَّهُ قُطِعَ مِن نَسْجِهِ وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ لِتَقْوِيَةِ الإنْكارِ بِالبَعْثِ بِتَوْجِيهِهِ إلَيْهِ في حالَةٍ مُنافِيَةٍ لَهُ وتَكْرِيرُ الهَمْزَةِ في ﴿أإنّا﴾ لِتَأْكِيدِ الإنْكارِ ولَيْسَ مَدارَ إنْكارِهِمْ كَوْنُهم ثابِتِينَ في الخَلْقِ الجَدِيدِ بِالفِعْلِ عِنْدَ كَوْنِهِمْ تُرابًا بَلْ كَوْنُهم بِعَرَضِيَّةِ ذَلِكَ واسْتِعْدادِهِمْ لَهُ وفِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى عُتُوِّهِمْ وتَمادِيهِمْ في النَّكِيرِ ما لا يَخْفى قالَ أبُو البَقاءِ: ولا يَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ ( إذا ) بِكُنّا لِأنَّها مُضافَةٌ إلَيْها ولا بِجَدِيدٍ لِأنَّ ما بَعْدَ أنَّ لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَها وكَذا الِاسْتِفْهامُ ورُدَّ الأوَّلُ في المُغْنِي بِأنَّ ( إذا ) عِنْدَ مَن يَقُولُ بِأنَّ العامِلَ فِيها شَرْطُها وهو المَشْهُورُ غَيْرُ مُضافَةٍ كَما يَقُولُهُ الجَمِيعُ إذا جَزَمَتْ كَما في قَوْلِهِ:

وإذا تُصِبْكَ خَصاصَةٌ فَتُحْمَلُ.

قِيلَ: فالوَجْهُ في رَدِّ ذَلِكَ أنَّ عَمَلَهُ فِيها مَوْقُوفٌ عَلى تَعْيِينِ مَدْلُولِها وتَعْيِينَهُ لَيْسَ إلّا بِشَرْطِها فَيَدُورُ ونَظَرَ فِيهِ الشِّهابُ بِأنَّها عِنْدَهم بِمَنزَلَةِ مَتى وأيّانَ غَيْرَ مُعَيَّنَةٍ بَلْ مُبْهَمَةٌ كَما ذَكَرَهُ القائِلُونَ بِهِ وبِهِ صَرَّحَ في المُغْنِي أيْضًا.

وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ إنْ تَعْجَبْ يا مُحَمَّدُ مِن قَوْلِهِمْ في إنْكارِ البَعْثِ فَقَوْلُهم عَجِيبٌ حَقِيقٌ أنْ يُتَعَجَّبَ مِنهُ

صفحة 105

وتَعَقَّبَهُ في البَحْرِ بِأنَّهُ لَيْسَ مَدْلُولَ اللَّفْظِ لِأنَّهُ جَعَلَ فِيهِ مُتَعَلِّقَ عَجَبِهِ ﷺ هو قَوْلُهم في إنْكارِ البَعْثِ وجَوابُ الشَّرْطِ هو ذَلِكَ القَوْلُ فَيَتَّحِدُ الشَّرْطُ والجَزاءُ إذْ تَقْدِيرُهُ إنْ تَعْجَبْ مِن إنْكارِهِمُ البَعْثَ فاعْجَبْ مِن قَوْلِهِمْ في إنْكارِ البَعْثِ وهو غَيْرُ صَحِيحٍ ورُدَّ بِأنَّ ذَلِكَ مِمّا اتَّحَدَ فِيهِ الشَّرْطُ والجَزاءُ صُورَةً وتَغايُرًا حَقِيقَةً كَما في قَوْلِهِ ﷺ: «مَن كانَتْ هِجْرَتُهُ إلى اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إلى اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ» وقَوْلُهم: مَن أدْرَكَ الصُّمّانَ فَقَدْ أدْرَكَ المَرْعى وهو أبْلَغُ في الكَلامِ لِأنَّ مَعْناهُ أنَّهُ أمْرٌ لا يُكْتَنَهُ كُنْهُهُ ولا تُدْرَكُ حَقِيقَتُهُ وأنَّهُ أمْرٌ عَظِيمٌ.

وذَهَبَ بَعْضٌ إلى أنَّ الخِطابَ في ( إنْ تَعْجَبْ ) عامٌّ والمَعْنى إنْ تَعْجَبْ يا مَن نَظَرَ ما في هَذِهِ الآياتِ وعَلِمَ قُدْرَةَ مَن هَذِهِ أفْعالُهُ فازْدَدْ تَعَجُّبًا مِمَّنْ يُنْكِرُ مَعَ هَذا قَدَّرْتَهُ عَلى البَعْثِ وهو أهْوَنُ شَيْءٍ عَلَيْهِ وقِيلَ: المَعْنى إنْ تَجَدَّدَ مِنكَ التَّعَجُّبُ لِإنْكارِهِمُ البَعْثَ فاسْتَمِرَّ عَلَيْهِ فَإنَّ إنْكارَهم ذَلِكَ مِنَ الأعاجِيبِ وقِيلَ: المُرادُ إنْ كُنْتَ تُرِيدُ أيُّها المُرِيدُ عَجَبًا فَهَلُمَّ فَإنَّ مِن أعْجَبِ العَجَبِ إنْكارَهُمُ البَعْثَ واخْتَلَفَ القُرّاءُ في الِاسْتِفْهامَيْنِ إذا اجْتَمَعا في أحَدَ عَشَرَ مَوْضِعًا هَذا وفي المُؤْمِنِينَ والعَنْكَبُوتِ والنَّمْلِ والسَّجْدَةِ والواقِعَةِ والنّازِعاتِ وبَنِي إسْرائِيلَ في مَوْضِعَيْنِ وكَذا في الصّافّاتِ فَقَرَأ نافِعٌ والكِسائِيُّ بِجَعْلِ الأوَّلِ اسْتِفْهامًا والثّانِي خَبَرًا إلّا في العَنْكَبُوتِ والنَّمْلِ فَعَكَسَ نافِعٌ وجَمَعَ الكِسائِيُّ بَيْنَ الِاسْتِفْهامَيْنِ في العَنْكَبُوتِ وأمّا في النَّمْلِ فَعَلى أصْلِهِ إلّا أنَّهُ زادَ نُونًا.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِجَعَلَ الأوَّلِ خَبَرًا والثّانِي اسْتِفْهامًا إلّا في النَّمْلِ والنّازِعاتِ فَعَكَسَ وزادَ في النَّمْلِ نُونًا كالكِسائِيِّ وإلّا في الواقِعَةِ فَقَرَأ بِاسْتِفْهامَيْنِ وهي قِراءَةُ باقِي السَّبْعَةِ في هَذا البابِ إلّا ابْنَ كَثِيرٍ وحَفْصًا فَإنَّهُما قَرَآ في العَنْكَبُوتِ بِالخَبَرِ في الأوَّلِ والِاسْتِفْهامِ في الثّانِي وهم عَلى أُصُولِهِمْ في اجْتِماعِ الهَمْزَتَيْنِ مِن تَخْفِيفٍ وتَحْقِيقٍ وفَصْلٍ بَيْنَ الهَمْزَتَيْنِ ﴿أُولَئِكَ﴾ مُبْتَدَأٌ والمَوْصُولُ خَبَرُهُ أيْ أُولَئِكَ المُنْكِرُونَ لِلْبَعْثِ رَيْثَما عايَنُوا مِن آياتِ رَبِّهِمُ الكُبْرى ما يَرْشِدُهم إلى الإيمانِ لَوْ كانُوا يُبْصِرُونَ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ﴾ وتَمادَوْا في ذَلِكَ فَإنَّ إنْكارَ قُدْرَتِهِ عَزَّ وجَلَّ إنْكارٌ لَهُ سُبْحانَهُ لِأنَّ الإلَهَ لا يَكُونُ عاجِزًا مَعَ ما في ذَلِكَ مِن تَكْذِيبِهِ جَلَّ شَأْنُهُ وتَكْذِيبِ رُسُلِهِ المُتَّفِقُونَ عَلَيْهِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ( وأُولَئِكَ ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ جُمْلَةُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ﴾ وفِيهِ احْتِمالانِ: الأوَّلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ وصْفُهم بِذَلِكَ في الدُّنْيا فَهو تَشْبِيهٌ وتَمْثِيلٌ لِحالِهِمْ في امْتِناعِهِمْ عَنِ الإيمانِ وعَدَمِ الِالتِفاتِ إلى الحَقِّ بِحالِ طائِفَةٍ في أعْناقِهِمْ أغْلالٌ وقُيُودٌ لا يُمْكِنُهُمُ الِالتِفاتُ مَعَها كَقَوْلِهِ:

كَيْفَ الرَّشادُ وقَدْ خُلِّفَتْ في نَفَرٍ لَهم عَنِ الرُّشْدِ أغْلالٌ وأقْيادُ

كَأنَّهُ قِيلَ: أُولَئِكَ مُقَيَّدُونَ بِقُيُودِ الضَّلالَةِ لا يُرْجى خَلاصُهُمُ الثّانِي أنْ يَكُونَ المُرادُ وصْفَهم بِهِ في الآخِرَةِ والكَلامُ إمّا باقٍ عَلى حَقِيقَتِهِ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿إذِ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ والسَّلاسِلُ﴾ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ قالَ: إنَّ الأغْلالَ لَمْ تُجْعَلْ في أعْناقِ أهْلِ النّارِ لِأنَّهم أعْجَزُوا الرَّبَّ سُبْحانَهُ ولَكِنَّما جُعِلَتْ في أعْناقِهِمْ لِكَيْ إذا طَغا بِهِمُ اللَّهَبُ أرْسَتْهم في النّارِ وإمّا مُخَرَّجٌ مَخْرَجَ التَّشْبِيهِ لِحالِهِمْ بِحالِ مَن يُقَدَّمُ لِلسِّياسَةِ وقِيلَ: المُرادُ مِنَ الأغْلالِ أعْمالُهُمُ الفاسِدَةُ الَّتِي تَقَلَّدُوها كالأغْلالِ وهو جارٍ عَلى احْتِمالِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ والأوَّلُ ناظِرٌ إلى ما قِيلَ والثّانِي إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأُولَئِكَ﴾ أيِ المَوْصُوفُونَ بِما ذُكِرَ

صفحة 106

﴿أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ . (5) . لا يَنْفَكُّونَ عَنْها قِيلَ: وتَوْسِيطُ الفَصْلِ لَيْسَ لِتَخْصِيصِ الخُلُودِ بِمُنْكِرِي البَعْثِ خاصَّةً بَلْ بِالجَمِيعِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ﴾ .

وأُورِدَ عَلى ذَلِكَ أنَّ هم لَيْسَ ضَمِيرَ فَصْلٍ لِأنَّ شَرْطَهُ أنْ يَقَعَ بَيْنَ مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ يَكُونُ اسْمًا مَعْرِفَةً أوْ مِثْلَ المَعْرِفَةِ في أنَّهُ لا يَقْبَلُ حَرْفَ التَّعْرِيفِ كَأفْعَلَ التَّفْضِيلِ وهَذا لَيْسَ كَذَلِكَ وأُجِيبَ بِأنَّ المُرادَ بِالفَصْلِ الضَّمِيرُ المُنْفَصِلُ وأنَّهُ أُتِيَ بِهِ وجُعِلَ الخَبَرُ جُمْلَةً مَعَ أنَّ الأصْلَ فِيهِ الإفْرادُ لِقَصْدِ الحَصْرِ والتَّخْصِيصِ المَذْكُورِ كَما في هو عارِفٌ.

وقالَ بَعْضُهم: لَعَلَّ القائِلَ بِما ذُكِرَ لا يَتَّبِعُ النُّحاةُ في الِاشْتِراطِ المَذْكُورِ كَما أنَّ الجُرْجانِيَّ والسَّهَيْلِيَّ جَوَّزا ذَلِكَ إذا كانَ الخَبَرُ مُضارِعًا واسْمُ لِلْفاعِلِ مِثْلُهُ

13:6Страница 250

وَيَسۡتَعۡجِلُونَكَ بِٱلسَّيِّئَةِ قَبۡلَ ٱلۡحَسَنَةِ وَقَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِمُ ٱلۡمَثُلَٰتُۗ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغۡفِرَةٖ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلۡمِهِمۡۖ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ ٦

Они торопят тебя со злом прежде добра, но ведь до них уже были примеры поучительного наказания. Воистину, твой Господь прощает людей, несмотря на их несправедливость. Воистину, твой Господь суров в наказании.

﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ بِالعُقُوبَةِ الَّتِي هَدَّدُوا بِها عَلى الإصْرارِ عَلى الكُفْرِ اسْتِهْزاءً وتَكْذِيبًا ﴿قَبْلَ الحَسَنَةِ﴾ أيِ العافِيَةِ والسَّلامَةِ مِنها والمُرادُ بِكَوْنِها قَبْلَها أنَّ سُؤالَها قَبْلَ سُؤالِها أوْ أنَّ سُؤالَها قَبْلَ انْقِضاءِ الزَّمانِ المُقَدَّرِ لَها وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: هَؤُلاءِ مُشْرِكُو العَرَبِ اسْتَعْجَلُوا بِالشَّرِّ قَبْلَ الخَيْرِ فَقالُوا: ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِن السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ .

﴿وقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ المَثُلاتُ﴾ جَمْعُ مُثْلَةٍ كَسُمْرَةٍ وسَمُراتٍ وهي العُقُوبَةُ الفاضِحَةُ وفَسَّرَها ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما بِالعُقُوبَةِ المُسْتَأْصِلَةِ لِلْعُضْوِ كَقَطْعِ الأُذُنِ ونَحْوِهِ سُمِّيَتْ بِها لِما بَيْنَ العِقابِ والمُعاقَبِ بِهِ مِنَ المُماثَلَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٍ مِثْلُها﴾ أوْ هي مَأْخُوذَةٌ مِنَ المِثالِ بِمَعْنى القِصاصِ يُقالُ: أمْثَلْتُ الرَّجُلَ مِن صاحِبِهِ وأقْصَصْتُهُ بِمَعْنى واحِدٍ أوْ هي مِنَ المَثَلِ المَضْرُوبِ لِعِظَمِها.

والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ لِبَيانِ رَكاكَةِ رَأْيِهِمْ في الِاسْتِعْجالِ بِطَرِيقِ الِاسْتِهْزاءِ أيْ يَسْتَعْجِلُونَكَ بِذَلِكَ مُسْتَهْزِئِينَ بِإنْذارِكَ مُنْكِرِينَ لِوُقُوعِ ما أنْذَرْتَهم إيّاهُ والحالُ أنَّهُ قَدْ مَضَتِ العُقُوباتُ الفاضِحَةُ النّازِلَةُ عَلى أمْثالِهِمْ مِنَ المُكَذِّبِينَ المُسْتَهْزِئِينَ وقَرَأ مُجاهِدٌ والأعْمَشُ ( المَثَلاتُ ) بِفَتْحِ المِيمِ والثّاءِ وعِيسى بْنُ عَمْرٍو في رِوايَةِ الأعْمَشِ وأبُو بَكْرٍ بِضَمِّهِما وهو لُغَةٌ أصْلِيَّةٌ ويُحْتَمَلُ أنَّهُ أتْبَعَ فِيهِ العَيْنَ لِلْفاءِ وابْنُ وثّابٍ بِضَمِّ المِيمِ وسُكُونِ الثّاءِ وهي لُغَةُ تَمِيمٍ وابْنُ مُصَرِّفٍ بِفَتْحِ المِيمِ وسُكُونِ الثّاءِ وهي لُغَةُ الحِجازِيِّينَ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ﴾ عَظِيمَةٍ ﴿لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ﴾ أنْفُسَهم بِالذُّنُوبِ والمَعاصِي والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ النّاسِ والعامِلُ فِيها هو العامِلُ في صاحِبِها وهو مَغْفِرَةٌ أيْ أنَّهُ تَعالى لَغَفُورٌ لِلنّاسِ مَعَ كَوْنِهِمْ ظالِمِينَ: قِيلَ: وهَذِهِ الآيَةُ ظاهِرَةٌ في مَذْهَبِ أهْلِ السُّنَّةِ وهو جَوازُ مَغْفِرَةِ الكَبائِرِ والصَّغائِرِ بِدُونِ تَوْبَةٍ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ ذَكَرَ المَغْفِرَةَ مَعَ الظُّلْمِ أيِ الذَّنْبِ ولا يَكُونُ مَعَهُ إلّا قَبْلَ التَّوْبَةِ لِأنَّ التّائِبَ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنَ لا ذَنْبَ لَهُ وأوَّلَ ذَلِكَ المُعْتَزِلَةُ بِأنَّ المُرادَ مَغْفِرَةُ الصَّغائِرِ لِمُجْتَنِبِ الكَبائِرِ أوْ مَغْفِرَتُها لِمَن تابَ أوِ المُرادُ بِالمَغْفِرَةِ مَعْناها اللُّغَوِيُّ وهو السَّتْرُ بِالإمْهالِ وتَأْخِيرُ العِقابِ إلى الآخِرَةِ كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّهُ تَعالى لا يُعَجِّلُ لِلنّاسِ العُقُوبَةَ وإنْ كانُوا ظالِمِينَ بَلْ يَسْتُرُ عَلَيْهِمْ بِتَأْخِيرِها واعْتُرِضَ التَّأْوِيلُ بِالتَّخْصِيصِ بِأنَّهُ تَخْصِيصٌ لِلْعامِّ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ وأُجِيبَ بِأنَّ الكُفْرَ قَدْ خُصَّ بِالإجْماعِ فَيَسْرِي التَّخْصِيصُ إلى ذَلِكَ وتُعُقِّبَ الأخِيرُ بِأنَّهُ في غايَةِ البُعْدِ لِأنَّهُ كَما قالَ الإمامُ لا يُسَمّى مِثْلُهُ مَغْفِرَةً وإلّا لَصَحَّ أنْ يُقالَ: الكُفّارُ مَغْفُورُونَ ورُدَّ بِأنَّ المَغْفِرَةَ حَقِيقَتُها في اللُّغَةِ السَّتْرُ وكَوْنُهم مَغْفُورِينَ بِمَعْنى

صفحة 107

مُؤَخَّرٍ عَذابُهم إلى الآخِرَةِ لا مَحْذُورَ فِيهِ وهو المُناسِبُ لِاسْتِعْجالِهِمُ العَذابَ وأُجِيبَ بِأنَّ المُرادَ أنَّ ذَلِكَ مُخالِفٌ لِلظّاهِرِ ولِاسْتِعْمالِ القُرْآنِ وذَكَرَ العَلّامَةُ الطَّيِّبِيُّ أنَّهُ يَجِبُ تَأْوِيلُ الآيَةِ بِأحَدِ الأوْجُهِ الثَّلاثَةِ لِأنَّها بِظاهِرِها كالحَثِّ عَلى الظُّلْمِ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ وعَدَ المَغْفِرَةَ البالِغَةَ مَعَ وُجُودِ الظُّلْمِ وتَعَقَّبَ ذَلِكَ في الكَشْفِ فَقالَ: فِيهِ نَظَرٌ لِأنَّ الأُسْلُوبَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى بَلِيغُ المَغْفِرَةِ لَهم مَعَ اسْتِحْقاقِهِمْ لِخِلافِها لِتَلَبُّسِهِمْ بِما العُقابُ أوْلى بِهِمْ عِنْدَهُ والظّاهِرُ أنَّ التَّأْوِيلَ بِناءً عَلى مَذْهَبِ الِاعْتِزالِ وأمّا عَلى مَذْهَبِ أهْلِ السُّنَّةِ فَإنَّما يُؤَوَّلُ لَوْ عَمَّ الظُّلْمُ الكُفْرَ ثُمَّ قالَ: والتَّأْوِيلُ بِالسَّتْرِ والإمْهالِ أحْسَنُ فَيَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ العِقابِ﴾ . (6) . لِتَحْقِيقِ الوَعِيدِ بِهِمْ وإنْ كانُوا تَحْتَ سَتْرِهِ وإمْهالِهِ فَفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ ذَلِكَ إمْهالٌ لا إهْمالٌ والمُرادُ بِالنّاسِ إمّا المَعْهُودُونَ وهُمُ المُسْتَعْجِلُونَ المَذْكُورُونَ قَبْلُ أوِ الجِنْسُ دَلالَةً عَلى كَثْرَةِ الهالِكِينَ لِتَناوُلِهِمْ وأضْرابِهِمْ وهَذا جارٍ عَلى المَذْهَبَيْنِ وكَذا اخْتارَ الطَّيِّبِيُّ هَذا التَّأْوِيلَ وقالَ هو الوَجْهُ والآيَةُ عَلى وزانِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ أنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ في السَّماواتِ والأرْضِ إنَّهُ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ عَلى ما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ في تَفْسِيرِهِ وأنْتَ قَدْ سَمِعْتَ ما لَهُ وما عَلَيْهِ فَتَدَبَّرْ واخْتارَ غَيْرُ واحِدٍ إرادَةَ الجِنْسِ مِنَ النّاسِ وهو مُرادٌ أيْضًا في ( شَدِيدُ العِقابِ ) .

والتَّخْصِيصُ بِالكُفّارِ غَيْرُ مُخْتارٍ ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ ما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿وإنَّ رَبَّكَ﴾ .. إلَخْ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَوْلا عَفْوُ اللَّهِ تَعالى وتَجاوُزُهُ ما هَنَأ أحَدٌ العَيْشَ ولَوْلا وعِيدُهُ وعِقابُهُ لاتَّكَلَ كُلُّ أحَدٍ»

13:7Страница 250

وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوۡلَآ أُنزِلَ عَلَيۡهِ ءَايَةٞ مِّن رَّبِّهِۦٓۗ إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرٞۖ وَلِكُلِّ قَوۡمٍ هَادٍ ٧

Неверующие говорят: «Почему ему не ниспослано знамение от его Господа?». Воистину, ты - всего лишь предостерегающий увещеватель, и у каждого народа есть наставник.

﴿ويَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وهُمُ المُسْتَعْجِلُونَ كَما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ وكَأنَّهُ إنَّما عَبَّرَ عَنْهم بِذَلِكَ نَعْيًا عَلَيْهِمْ كُفْرَهم بِآياتِ اللَّهِ تَعالى الَّتِي تَخِرُّ لَها صُمُّ الجِبالِ حَيْثُ لَمْ يَرْفَعُوا لَها رَأْسًا ولَمْ يَعُدُّوها مِن جِنْسِ الآياتِ وقالُوا: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ مِثْلُ آياتِ مُوسى وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ مِن قَلْبِ العَصا حَيَّةً وإحْياءِ المَوْتى عِنادًا أوْ مُكابَرَةً وإلّا فَفي أدْنى آيَةٍ أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ غَنِيَّةٌ وعِبْرَةٌ لِأُولِي الألْبابِ والتَّعْبِيرُ بِالمُضارِعِ اسْتِحْضارًا لِلْحالِ الماضِيَةِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى أنَّ ذَلِكَ القَوْلَ دَيْدَنُهم وتَنْوِينُ ﴿آيَةٌ﴾ لِلتَّعْظِيمِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ لِلْوَحْدَةِ.

﴿إنَّما أنْتَ مُنْذِرٌ﴾ مُرْسَلٌ لِلْإنْذارِ مِن سُوءِ عاقِبَةِ ما نَهى اللَّهُ تَعالى عَنْهُ كَدَأْبِ مَن قَبْلَكَ مِنَ الرُّسُلِ ولَيْسَ عَلَيْكَ إلّا الإتْيانُ بِما يُعْلَمُ بِهِ نُبُوَّتُكَ وقَدْ حَصَلَ بِما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ ولا حاجَةَ إلى إلْزامِهِمْ وإلْقامِهِمُ الحَجَرَ بِالإتْيانِ بِما اقْتَرَحُوهُ ﴿ولِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ﴾ . (7) . أيْ نَبِيٌّ داعٍ إلى الحَقِّ مُرْشِدٌ إلَيْهِ بِآيَةٍ تَلِيقُ بِهِ وبِزَمانِهِ والتَّنْكِيرُ لِلْإبْهامِ ورُوِيَ هَذا عَنْ قَتادَةَ أيْضًا ومُجاهِدٍ وعَلَيْهِ فَقَوْلُهُ تَعالى:

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English