Аль-Алуси · Тафсир · на арабском
Ибрахим 14:10–14
14:10Страница 256
۞ قَالَتۡ رُسُلُهُمۡ أَفِي ٱللَّهِ شَكّٞ فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ يَدۡعُوكُمۡ لِيَغۡفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمۡ وَيُؤَخِّرَكُمۡ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗىۚ قَالُوٓاْ إِنۡ أَنتُمۡ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعۡبُدُ ءَابَآؤُنَا فَأۡتُونَا بِسُلۡطَٰنٖ مُّبِينٖ ١٠
Посланники говорили им: «Неужели вы сомневаетесь в Аллахе - Творце небес и земли? Он призывает вас, чтобы простить ваши грехи и предоставить вам отсрочку до назначенного времени». Они говорили: «Вы - такие же люди, как и мы. Вы хотите увести нас от того, чему поклонялись наши отцы. Приведите же нам ясное доказательство».
﴿قالَتْ رُسُلُهُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ يَنْساقُ إلَيْهِ المَقامُ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَتْ لَهم رُسُلُهم حِينَ قابَلُوهم بِما قابَلُوهم بِهِ فَأُجِيبَ بِأنَّهم قالُوا مُنْكِرِينَ عَلَيْهِمْ
صفحة 195
ومُتَعَجِّبِينَ مِن مَقالَتِهِمُ الحَمْقاءِ: ﴿أفِي اللَّهِ شَكٌّ﴾ بِتَقْدِيمِ الظَّرْفِ وإدْخالُ الهَمْزَةِ عَلَيْهِ لِلْإيذانِ بِأنَّ مَدارَ الإنْكارِ لَيْسَ نَفْسَ الشَّكِّ بَلْ وُقُوعُهُ فِيمَن لا يَكادُ يُتَوَهَّمُ فِيهِ الشَّكُّ أصْلًا ولَوْلا هَذا القَصْدُ لَجازَ تَقْدِيمُ المُبْتَدَأِ والقَوْلُ بِأنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ خَطَأٌ لِأنَّ وُقُوعَ النَّكِرَةِ بَعْدَ الِاسْتِفْهامِ مُسَوِّغٌ لِلِابْتِداءِ بِها وهو مِمّا لا شَكَّ فِيهِ وكَوْنُ ذَلِكَ المُؤَخَّرِ مُبْتَدَأً غَيْرُ مُتَعَيَّنٍ بَلِ الأرْجَحُ كَوْنُهُ فاعِلًا بِالظَّرْفِ المُعْتَمِدِ عَلى الِاسْتِفْهامِ كَما سَتَعْلَمُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى والكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ عَلى ما قِيلَ أيْ أفِي وحْدانِيَّةِ اللَّهِ تَعالى شَكٌّ بِناءً عَلى أنَّ المُرْسَلَ إلَيْهِمْ لَمْ يَكُونُوا دَهْرِيَّةً مُنْكِرِينَ لِلصّانِعِ بَلْ كانُوا عَبَدَةَ أصْنامٍ وقِيلَ: يُقَدَّرُ في شَأْنِ اللَّهِ لِيَعُمَّ الوُجُودَ والوَحْدَةَ لِأنَّ فِيهِمْ دَهْرِيَّةً ومُشْرِكِينَ وقِيلَ: يُقَدَّرُ حَسَبَ المُخاطَبِينَ وتَقْدِيرُ الشَّأْنِ مُطْلَقًا ذُو شَأْنٍ وفي عَدَمِ تَطْبِيقِ الجَوابِ عَلى كَلامِ الكَفَرَةِ بِأنْ يَقُولُوا: أأنْتُمْ في شَكٍّ مُرِيبٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى مُبالَغَةٌ في تَنْزِيهِ ساحَةِ الجَلالِ عَنْ شائِبَةِ الشَّكِّ وتَسْجِيلٌ عَلَيْهِمْ بِسَخافَةِ العُقُولِ أيْ أفِي شَأْنِهِ تَعالى شَأْنُهُ مِن وُجُودِهِ ووَحْدَتِهِ ووُجُوبِ الإيمانِ بِهِ وحْدَهُ شَكٌّ ما وهو أظْهَرُ مِن كُلِّ ظاهِرٍ وأجْلى مِن كُلِّ جَلِيٍّ حَتّى تَكُونُوا مِن قِبَلِهِ سُبْحانَهُ في شَكٍّ عَظِيمٍ مُرِيبٍ وحَيْثُ كانَ مَقْصِدُهُمُ الأقْصى الدَّعْوَةَ إلى الإيمانِ والتَّوْحِيدِ وكانَ إظْهارُ البَيِّناتِ وسِيلَةً إلى ذَلِكَ لَمْ يَتَعَرَّضُوا لِلْجَوابِ عَنْ قَوْلِهِمْ: ﴿إنّا كَفَرْنا﴾ إلى آخِرِهِ واقْتَصَرُوا عَلى بَيانِ ما هو الغايَةُ القُصْوى وقَدْ يُقالُ: إنَّهم عَلَيْهِمُ السَّلامُ قَدِ اقْتَصَرُوا عَلى إنْكارِ ما ذُكِرَ لِأنَّهُ يُعْلَمُ مِنهُ إنْكارُ وُقُوعِ الجَزْمِ بِالكُفْرِ بِهِ سُبْحانَهُ مِن بابِ أوْلى.
﴿فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ مُبْدِعِهِما وما فِيهِما مِنَ المَصْنُوعاتِ عَلى نِظامٍ أنِيقٍ شاهِدٍ بِتَحَقُّقِ ما أنْتُمْ في شَكٍّ مِنهُ.
وفِي الآيَةِ كَما قِيلَ إشارَةٌ إلى دَلِيلِ التَّمانُعِ وجُرَّ ﴿فاطِرِ﴾ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِنَ الِاسْمِ الجَلِيلِ أوْ صِفَةٌ لَهُ وحَيْثُ كانَ ﴿شَكٌّ﴾ فاعِلًا بِالظَّرْفِ وهو كالجُزْءِ مِن عامِلِهِ لا يُعَدُّ أجْنَبِيًّا فَلَيْسَ هُناكَ فَصْلٌ بَيْنَ التّابِعِ والمَتْبُوعِ بِأجْنَبِيٍّ وبِهَذا رُجِّحَتِ الفاعِلِيَّةُ عَلى المُبْتَدَئِيَّةِ لِأنَّ المُبْتَدَأ لَيْسَ كَذَلِكَ نَعَمْ إلى الِابْتِدائِيَّةِ ذَهَبَ أبُو حَيّانَ وقالَ: إنَّهُ لا يَضُرُّ الفَصْلُ بَيْنَ المَوْصُوفِ وصِفَتِهِ بِمِثْلِ هَذا المُبْتَدَأِ فَيَجُوزُ أنْ تَقُولَ: في الدّارِ زَيْدٌ الحَسَنَةِ وإنْ كانَ أصْلُ التَّرْكِيبِ في الدّارِ الحَسَنَةِ زَيْدٌ.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ﴿فاطِرِ﴾ نَصْبًا عَلى المَدْحِ ثُمَّ إنَّهُ بَعْدَ أنْ أُشِيرَ إلى الدَّلِيلِ الدّالِّ عَلى تَحَقُّقِ ما هم في شَكٍّ مِنهُ نَبَّهَ عَلى عِظَمِ كَرَمِهِ ورَحْمَتِهِ تَعالى فَقِيلَ: ﴿يَدْعُوكُمْ﴾ أيْ إلى الإيمانِ بِإرْسالِهِ إيّانا لا إنّا نَدْعُوكم إلَيْهِ مِن تِلْقاءِ أنْفُسِنا كَما يُوهِمُ قَوْلُكم ﴿مِمّا تَدْعُونَنا إلَيْهِ﴾ .
﴿لِيَغْفِرَ لَكُمْ﴾ بِسَبَبِهِ فالمَدْعُوُّ إلَيْهِ غَيْرُ المَغْفِرَةِ وتَقْدِيرُ الإيمانِ لِقَرِينَةِ ما سَبَقَ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَدْعُوُّ إلَيْهِ المَغْفِرَةَ لا لِأنَّ اللّامَ بِمَعْنى إلى فَإنَّهُ مِن ضِيقِ العَطَنِ بَلْ لِأنَّ مَعْنى الِاخْتِصاصِ ومَعْنى الِانْتِهاءِ كِلاهُما واقِعانِ في حاقِ المَوْقِعِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: يَدْعُوكم إلى المَغْفِرَةِ لِأجْلِها لا لِغَرَضٍ آخَرَ وحَقِيقَتُهُ أنَّ الأغْراضَ غاياتٌ مَقْصُودَةٌ تُفِيدُ مَعْنى الِانْتِهاءِ وزِيادَةً قالَهُ: في الكَشْفِ وهَذا نَظِيرُ قَوْلِهِ:
دَعَوْتُ لِما نابَنِي مُسَوَّرًا فَلَبّى فَلَبّى يَدَيْ مُسَوَّرِ
صفحة 196
﴿مِن ذُنُوبِكُمْ﴾ أيْ بَعْضِها وهو ما عَدا المَظالِمَ وحُقُوقَ العِبادِ عَلى ما قِيلَ وهو مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ الإسْلامَ إنَّما يَرْفَعُ ما هو مِن حُقُوقِ اللَّهِ تَعالى الخالِصَةِ لَهُ دُونَ غَيْرِهِ والَّذِي صَحَّحَهُ المُحَدِّثُونَ في شَرْحِ ما صَحَّ مِن قَوْلِهِ ﷺ: «إنَّ الإسْلامَ يَهْدِمُ ما قَبْلَهُ» أنَّهُ يَرْفَعُ ما قَبْلَهُ مُطْلَقًا حَتّى المَظالِمَ وحُقُوقَ العِبادِ وأيَّدَ ذَلِكَ بِظاهِرِ قَوْلِهِ تَعالى في آيَةٍ أُخْرى: ﴿يَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكُمْ﴾ بِدُونِ مِن و( مِن ) هُنا ذَهَبَ أبُو عُبَيْدَةَ والأخْفَشُ إلى زِيادَةِ ( مِن ) فِيما هي فِيهِ وجُمْهُورُ البَصْرِيِّينَ يُجَوِّزُونَ زِيادَتَها في المُوجَبِ ولا إذا جَرَتِ المَعْرِفَةُ كَما هُنا فَلا يَتَأتّى التَّوْفِيقُ بِذَلِكَ بَيْنَ الآيَتَيْنِ وجَعَلَها الزَّجّاجُ لِلْبَيانِ ويَحْصُلُ بِهِ التَّوْفِيقُ وقِيلَ: هي لِلْبَدَلِ أيْ لِيَغْفِرَ لَكم بَدَلَ ﴿ذُنُوبِكُمْ﴾ ونُسِبَ لِلْواحِدِيِّ.
وجُوِّزَ أيْضًا أنْ تَكُونَ لِلتَّبْعِيضِ ويُرادُ مِنَ البَعْضِ الجَمِيعُ تَوَسُّعًا ورَدَّ الإمامُ الأوَّلَ بِأنَّ ( مِن ) لا تَأْتِي لِلْبَدَلِ والثّانِي بِأنَّهُ عَيْنُ ما نُقِلَ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ والأخْفَشِ وهو مُنْكَرٌ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ والجُمْهُورِ وفِيهِ نَظَرٌ ظاهِرٌ ولَوْ قالَ: إنَّ اسْتِعْمالَ البَعْضِ في الجَمِيعِ مُسَلَّمٌ وأمّا اسْتِعْمالُ ( مِنَ ) التَّبْعِيضِيَّةِ في ذَلِكَ فَغَيْرُ مُسَلَّمٍ لَكانَ أوْلى وفي البَحْرِ يَصِحُّ التَّبْعِيضُ ويُرادُ بِالبَعْضِ ما كانَ قَبْلَ الإسْلامِ وذَلِكَ لا يُنافِي الحَدِيثَ وتَكُونُ الآيَةُ وعْدًا بِغُفْرانِ ما تَقَدَّمَ لا بِغُفْرانِ ما يُسْتَأْنَفُ ويَكُونُ ذاكَ مَسْكُوتًا عَنْهُ باقِيًا تَحْتَ المَشِيئَةِ في الآيَةِ والحَدِيثِ ونُقِلَ عَنِ الأصَمِّ القَوْلُ بِالتَّبْعِيضِ أيْضًا عَلى مَعْنى إنَّكم إذا آمَنتُمْ يُغْفَرُ لَكُمُ الذُّنُوبُ الَّتِي هي الكَبائِرُ وإمّا الصَّغائِرُ فَلا حاجَةَ إلى غُفْرانِها لِأنَّها في نَفْسِها مَغْفُورَةٌ واسْتَطْيَبَ ذَلِكَ الطَّيِّبِيُّ قالَ: والَّذِي يَقْتَضِيهِ المَقامُ هَذا لِأنَّ الدَّعْوَةَ عامَّةٌ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿قالَتْ رُسُلُهم أفِي اللَّهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ يَدْعُوكم لِيَغْفِرَ لَكم مِن ذُنُوبِكُمْ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: أيُّها الشّاكُّونَ المُلَوَّثُونَ بِأوْضارِ الشِّرْكِ والمَعاصِي إنَّ اللَّهَ تَعالى يَدْعُوكم إلى الإيمانِ والتَّوْحِيدِ لِيُطَهِّرَكم مِن أخْباثِ أنْجاسِ الذُّنُوبِ فَلا وجْهَ لِلتَّخْصِيصِ أيْ بِحُقُوقِ اللَّهِ تَعالى الخالِصَةِ لَهُ وقَدْ ورَدَ ﴿إنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهم ما قَدْ سَلَفَ﴾ و( ما ) لِلْعُمُومِ سِيَّما في الشَّرْطِ ومَقامُ الكافِرِ عِنْدَ تَرْغِيبِهِ في الإسْلامِ بَسْطٌ لا قَبْضٌ والكُفّارُ إذا أسْلَمُوا إنَّما اهْتِمامُهم في الشِّرْكِ ونَحْوِهِ لا في الصَّغائِرِ ويُؤَيِّدُهُ ما رُوِيَ أنَّ أهْلَ مَكَّةَ قالُوا: يَزْعُمُ مُحَمَّدٌ أنَّ مَن عَبَدَ الأوْثانَ وقَتَلَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ تَعالى لَمْ يُغْفَرْ لَهُ فَكَيْفَ ولَمْ نُهاجِرْ وعَبَدْنا الأوْثانَ وقَتَلْنا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ تَعالى فَنَزَلَتْ ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ الآيَةَ وقِصَّةُ وحْشِيٍّ مَشْهُورَةٌ وجَرَحَ ذَلِكَ القاضِي فَقالَ: إنَّ الأصَمَّ قَدْ أبْعَدَ في هَذا التَّأْوِيلِ لِأنَّ الكُفّارَ صَغائِرُهم كَكَبائِرِهِمْ في أنَّها لا تُغْفَرُ وإنَّما تَكُونُ الصَّغِيرَةُ مَغْفُورَةً مِنَ المُوَحِّدِينَ مِن حَيْثُ أنَّهُ يَزِيدُ ثَوابُهم عَلى عِقابِها وأمّا مَن لا ثَوابَ لَهُ أصْلًا فَلا يَكُونُ شَيْءٌ مِن ذُنُوبُهُ صَغِيرًا ولا يَكُونُ شَيْءٌ مِنها مَغْفُورًا ثُمَّ قالَ: وفي ذَلِكَ وجْهٌ آخَرُ وهو أنَّ الكافِرَ قَدْ يَنْسى بَعْضَ ذُنُوبِهِ في حالِ تَوْبَتِهِ وإيمانِهِ فَلا يَكُونُ المَغْفُورُ إلّا ما ذَكَرَهُ وتابَ مِنهُ. اهَـ.
ولَوْ سَمِعَ الأصَمُّ هَذا التَّوْجِيهِ لَأخَذَ ثَأْرَهُ مِنَ القاضِي فَإنَّهُ لَعَمْرِي تَوْجِيهٌ غَيْرُ وجِيهٍ ولَوْ أنَّ أحَدًا سَخِمَ وجْهَ القاضِي لَسَخِمْتُ وجْهَهُ وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّ الِاسْتِقْراءَ في الكافِرِينَ أنْ يَأْتِيَ ﴿مِن ذُنُوبِكُمْ﴾ وفي المُؤْمِنِينَ ﴿ذُنُوبِكُمْ﴾ وكانَ ذَلِكَ لِلتَّفْرِقَةِ بَيْنَ الخَطَأِ بَيِّنٌ ولِئَلّا يُسَوّى في المِيعادِ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ.
وحاصِلُهُ عَلى ما في الكَشْفِ أنْ لَيْسَ مَغْفِرَةَ بَعْضِ الذُّنُوبِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ بَعْضًا آخَرَ لا يُغْفَرُ فَإنَّهُ مِن قَبِيلِ دَلالَةِ مَفْهُومِ اللَّقَبِ ولا اعْتِدادَ بِهِ كَيْفَ ولِلتَّخْصِيصِ فائِدَةٌ أُخْرى هي التَّفْرِقَةُ بَيْنَ الخِطابَيْنِ بِالتَّصْرِيحِ بِمَغْفِرَةِ الكُلِّ وإبْقاءِ البَعْضِ في حَقِّ الكَفَرَةِ مَسْكُوتًا عَنْهُ لِئَلّا يَتَّكِلُوا عَلى الإيمانِ وفِيهِ أيْضًا أنَّ هَذا مَعْنًى حَسَنٌ لا تَكَلُّفَ فِيهِ.
واعْتَرَضَ ابْنُ الكَمالِ بِأنَّ حَدِيثَ التَّفْرِقَةِ إنَّما يَتِمُّ لَوْ لَمْ يَجِئْ خِطابٌ عَلى العُمُومِ وقَدْ جاءَ كَذَلِكَ في سُورَةِ الأنْفالِ
صفحة 197
فِي قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهم ما قَدْ سَلَفَ﴾ وأُجِيبَ بِأنَّ هَذا غَيْرُ وارِدٍ إذِ المُرادُ التَّفْرِقَةُ فِيما ذُكِرَ فِيهِ صِيغَةُ ويَغْفِرْ ذُنُوبَكم لا مُطْلَقَ ما كانَ بِمَعْناهُ ولِذا أُسْنِدَ الأمْرُ إلى الِاسْتِقْراءِ ومِثْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ لا يَخْفى عَلَيْهِ ما أُورِدَ ولا يَلْزَمُ رِعايَةُ هَذِهِ النُّكْتَةِ في جَمِيعِ المَوادِّ وذَكَرَ البَيْضاوِيُّ في وجْهِ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الخِطابَيْنِ ما حاصِلُهُ لَعَلَّ المَعْنى في ذَلِكَ أنَّها لَمّا تَرَتَّبَتِ المَغْفِرَةُ في خِطابِ الكَفَرَةِ عَلى الإيمانِ لَزِمَ فِيهِ مِنَ التَّبْعِيضِيَّةُ لِإخْراجِ المَظالِمِ لِأنَّها غَيْرُ مَغْفُورَةٍ وأمّا في خِطابِ المُؤْمِنِينَ فَلَمّا تَرَتَّبَتْ عَلى الطّاعَةِ واجْتِنابِ المَعاصِي الَّتِي مِن جُمْلَتِها المَظالِمُ لَمْ يُحْتَجْ إلى ( مِن ) لِإخْراجِها لِأنَّها خَرَجَتْ بِما رُتِّبَتْ عَلَيْهِ وهو مَبْنِيٌّ عَلى خِلافِ ما صَحَّحَهُ المُحَدِّثُونَ ويُنافِيهِ ما ذَكَرَهُ في تَفْسِيرِ ﴿مِن ذُنُوبِكُمْ﴾ في سُورَةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ومَعَ ذا أوْرَدَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿يا قَوْمِ إنِّي لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ واتَّقُوهُ وأطِيعُونِ﴾ ﴿يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكُمْ﴾ حَيْثُ ذُكِرَتْ ( مِن ) مَعَ تَرْتِيبِ المَغْفِرَةِ عَلى الطّاعَةِ واجْتِنابِ المَعاصِي الَّذِي أفادَهُ ( اتَّقُوا ) وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أدُلُّكم عَلى تِجارَةٍ﴾ الآيَةَ لِعَدَمِ ذِكْرِ ( مِن ) مَعَ تَرَتُّبِها عَلى الإيمانِ والجَوابُ بِأنَّهُ لاضَيْرَ إذْ يَكْفِي تَرْتِيبُ ذَلِكَ عَلى الإيمانِ في بَعْضِ المَوادِّ فَيُحْمَلُ مِثْلُهُ عَلى أنَّ القَصْدَ إلى تَرْتِيبِهِ عَلَيْهِ وحْدَهُ بِقَرِينَةِ ذَلِكَ البَعْضِ وما ذُكِرَ مَعَهُ يُحْمَلُ عَلى الأمْرِ بِهِ بَعْدَ الإيمانِ أدْنى مِن أنْ يُقالَ فِيهِ لَيْسَ بِشَيْءٍ وبِالجُمْلَةِ تَوْجِيهُ الزَّمَخْشَرِيِّ أوْجَهُ مِمّا ذَكَرَهُ البَيْضاوِيُّ فَتَأمَّلْ وتَذَكَّرْ.
﴿ويُؤَخِّرَكم إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ إلى وقْتٍ سَمّاهُ اللَّهُ تَعالى وجَعَلَهُ مُنْتَهى أعْمارِكم عَلى تَقْدِيرِ الإيمانِ ولا يُعاجِلُكم بِعَذابِ الِاسْتِئْصالِ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما يُمْتِعُكم في الدُّنْيا بِاللَّذّاتِ والطَّيِّباتِ إلى المَوْتِ ولا يَلْزَمُ مِمّا ذُكِرَ القَوْلُ بِتَعَدُّدِ الأجَلِ كَما يَزْعُمُهُ المُعْتَزِلَةُ وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُ ذَلِكَ ﴿قالُوا﴾ اسْتِئْنافٌ كَما سَبَقَ آنِفًا ﴿إنْ أنْتُمْ﴾ ما أنْتُمْ ﴿إلا بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ مِن غَيْرِ فَضْلٍ يُؤَهِّلُكم لِما تَدَّعُونَ مِنَ الرِّسالَةِ والزَّمَخْشَرِيُّ تَهالَكَ في مَذْهَبِهِ حَتّى اعْتَقَدَ أنَّ الكُفّارَ كانُوا يَعْتَقِدُونَ تَفْضِيلَ المَلَكِ ﴿تُرِيدُونَ﴾ صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِبَشَرٍ حَمْلًا عَلى المَعْنى كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أبَشَرٌ يَهْدُونَنا﴾ أوْ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ أيْ تُرِيدُونَ بِما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الدَّعْوَةِ والإرْشادِ ﴿أنْ تَصُدُّونا﴾ بِما تَدْعُونا إلَيْهِ مِنَ التَّوْحِيدِ وتَخْصِيصِ العِبادَةِ بِاللَّهِ تَعالى ﴿عَمّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ عَمّا اسْتَمَرَّ عَلى عِبادَتِهِ آباؤُنا مِن غَيْرِ شَيْءٍ يُوجِبُهُ وقَرَأ طَلْحَةُ ( أنْ تَصُدُّونّا ) بِتَشْدِيدِ النُّونِ وخُرِّجَ عَلى جَعْلِ أنْ مُخَفَّفَةً مِنَ الثَّقِيلَةِ وتَقْدِيرِ فاصِلٍ بَيْنَها وبَيْنَ الفِعْلِ أيْ أنَّهُ قَدْ تَصُدُّونّا وقَدْ جاءَ مِثْلُ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: .
عَلِمُوا أنْ يُؤَمِّلُونَ فَجادُوا ∗∗∗ قَبْلَ أنْ يُسْألُوا بِأعْظَمِ سُؤْلِ
والأوْلى أنْ يُخَرَّجَ عَلى أنَّ ( أنْ ) هي الثُّنائِيَّةُ الَّتِي تَنْصِبُ المُضارِعَ لَكِنَّها لَمْ تَعْمَلْ كَما قِيلَ: في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِمَن أرادَ أنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ﴾ في قِراءَةِ الرَّفْعِ حَمْلًا لَها عَلى أُخْتِها ( ما ) المَصْدَرِيَّةِ كَما عَمِلَتْ ( ما ) حَمْلًا عَلَيْها فِيما ذَكَرَهُ بَعْضُهم في قَوْلِهِ: .
أنْ تَقْرَآنِ عَلى أسْماءَ ويَحْكُما ∗∗∗ مِنِّي السَّلامَ وأنْ لا تُشْعِرا أحَدا
﴿فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ . (10) . أيْ إنْ لَمْ يَكُنِ الأمْرُ كَما قُلْنا بَلْ كُنْتُمْ رُسُلًا مِن قِبَلِهِ تَعالى كَما تَدَّعُونَ فَأْتُونا بِما يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ ما تَدَّعُونَهُ مِنَ الرِّسالَةِ حَتّى نَتْرُكَ ما لَمْ نَزَلْ نَعْبُدُهُ أبًا عَنْ جَدٍّ أوْ عَلى فَضْلِكم واسْتِحْقاقِكم لِتِلْكَ المَرْتَبَةِ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إنَّهُمُ اسْتَبْعَدُوا إرْسالَ البَشَرِ فَأرادُوا حُجَّةً عَلَيْهِ وقِيلَ: بَلْ إنَّهُمُ اعْتَقَدُوا مُحالِيَّتَهُ وذَهَبُوا
صفحة 198
مَذْهَبَ البَراهِمَةِ وطَلَبُوا الحُجَّةَ عَلى جِهَةِ التَّعْجِيزِ أيْ بَعْثُكم مُحالٌ وإلّا فَأْتُوا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ أيْ إنَّكم لا تَفْعَلُونَ ذَلِكَ أبَدًا وهو خِلافُ الظّاهِرِ وهَذا الطَّلَبُ كانَ بَعْدَ إتْيانِهِمْ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لَهم مِنَ الآياتِ الظّاهِرَةِ والبَيِّناتِ الباهِرَةِ ما تَخِرُّ لَهُ الجِبالُ الصُّمُّ أقْدَمَهم عَلَيْهِ العِنادُ والمُكابَرَةُ
14:11Страница 257
قَالَتۡ لَهُمۡ رُسُلُهُمۡ إِن نَّحۡنُ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُكُمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَمُنُّ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦۖ وَمَا كَانَ لَنَآ أَن نَّأۡتِيَكُم بِسُلۡطَٰنٍ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ١١
Посланники говорили им: «Мы - такие же люди, как и вы. Однако Аллах одаряет Своей милостью того из Своих рабов, кого пожелает. Мы не можем явить вам знамение без соизволения Аллаха. Пусть же верующие уповают только на Аллаха!
﴿قالَتْ لَهم رُسُلُهُمْ﴾ مُجاراةً لِأوَّلِ مَقالَتِهِمْ: ﴿إنْ نَحْنُ إلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ كَما تَقُولُونَ وهَذا كالقَوْلِ بِالمُوجَبِ لِأنَّ فِيهِ إطْماعًا في المُوافَقَةِ ثُمَّ كَرَّ إلى جانِبِهِمْ بِالإبْطالِ بِقَوْلِهِمْ عَلَيْهِمُ السَّلامُ: ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَن يَشاءُ مَن عِبادِهِ﴾ أيْ إنَّما اخْتَصَّنا اللَّهُ تَعالى بِالرِّسالَةِ بِفَضْلٍ مِنهُ سُبْحانَهُ وامْتِنانٍ والبَشَرِيَّةُ غَيْرُ مانِعَةٍ لِمَشِيئَتِهِ جَلَّ وعَلا وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الرِّسالَةَ عَطائِيَّةٌ وأنَّ تَرْجِيحَ بَعْضِ الجائِزاتِ عَلى بَعْضٍ بِمَشِيئَتِهِ تَعالى ولا يَخْفى ما في العُدُولِ عَنْ ولَكِنَّ اللَّهَ مَنَّ عَلَيْنا إلى ما في النَّظْمِ الجَلِيلِ مِنَ التَّواضُعِ مِنهم عَلَيْهِمُ السَّلامُ وقِيلَ: المَعْنى ما نَحْنُ مِنَ المَلائِكَةِ بَلْ نَحْنُ بَشَرٌ مِثْلُكم في الصُّورَةِ أوْ في الدُّخُولِ تَحْتَ الجِنْسِ ولَكِنَّ اللَّهَ تَعالى يَمُنُّ عَلى مَن يَشاءُ بِالفَضائِلِ والكَمالاتِ والِاسْتِعْداداتِ الَّتِي يَدُورُ عَلَيْها فَلَكُ الِاصْطِفاءِ لِلرِّسالَةِ وفي هَذا ذَهابٌ إلى قَوْلِ بَعْضِ حُكَماءِ الإسْلامِ: إنَّ الإنْسانَ لَوْ لَمْ يَكُنْ في نَفْسِهِ وبَدَنِهِ مَخْصُوصًا بِخَواصَّ شَرِيفَةٍ عُلْوِيَّةٍ قُدُسِيَّةٍ فَإنَّهُ يَمْتَنِعُ عَقْلًا حُصُولُ صِفَةِ النُّبُوَّةِ فِيهِ وأجابُوا عَنْ عَدَمِ ذِكْرِ المُرْسَلِينَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَضائِلَهُمُ النَّفْسانِيَّةَ والبَدَنِيَّةَ بِأنَّهُ مِن بابِ التَّواضُعِ كاخْتِيارِ العُمُومِ والحَقُّ مَنعُ الِامْتِناعِ العَقْلِيِّ وإنْ كانُوا عَلَيْهِمُ السَّلامُ جَمِيعًا لَهم مَزايا وخَواصُّ مُرَجِّحَةٌ لَهم عَلى غَيْرِهِمْ وإنَّما قِيلَ لَهم كَما قِيلَ: لِاخْتِصاصِ الكَلامِ بِهِمْ حَيْثُ أُرِيدَ إلْزامُهم بِخِلافِ ما سَلَفَ مِن إنْكارِ وُقُوعِ الشَّكِّ فِيهِ تَعالى فَإنَّهُ عامٌّ وإنِ اخْتُصَّ بِهِمْ ما يَعْقُبُهُ ﴿وما كانَ لَنا﴾ أيْ ما صَحَّ وما اسْتَقامَ ﴿أنْ نَأْتِيَكم بِسُلْطانٍ﴾ أيْ بِحُجَّةٍ ما مِنَ الحُجَجِ فَضْلًا عَنِ السُّلْطانِ المُبِينِ الَّذِي اقْتَرَحْتُمُوهُ بِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ وسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ ﴿إلا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ فَإنَّهُ أمْرٌ يَتَعَلَّقُ بِمَشِيئَتِهِ تَعالى إنْ شاءَ كانَ وإلّا فَلا ﴿وعَلى اللَّهِ﴾ وحْدَهُ دُونَ ما عَداهُ مُطْلَقًا ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ . (11) . في الصَّبْرِ عَلى مُعانَدَتِكم ومُعاداتِكم عَمَّمُوا الأمْرَ لِلْإشْعارِ بِما يُوجِبُ التَّوَكُّلُ مِنَ الإيمانِ وقَصَدُوا بِهِ أنْفُسَهم قَصْدًا أوَّلِيًّا ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهم:
14:12Страница 257
وَمَا لَنَآ أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى ٱللَّهِ وَقَدۡ هَدَىٰنَا سُبُلَنَاۚ وَلَنَصۡبِرَنَّ عَلَىٰ مَآ ءَاذَيۡتُمُونَاۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُتَوَكِّلُونَ ١٢
Отчего же нам не уповать на Аллаха, если Он повел нас нашими путями? Мы непременно стерпим причиняемые вами мучения. Пусть же уповающие уповают только на Аллаха!».
﴿وما لَنا ألا نَتَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ﴾ ومَحَلُّ الخِلافِ في دُخُولِ المُتَكَلِّمِ في عُمُومِ كَلامِهِ حَيْثُ لَمْ يُعْلَمْ دُخُولُهُ فِيهِ بِالطَّرِيقِ الأوْلى أوْ تَقُمْ عَلَيْهِ قَرِينَةٌ كَما هُنا واحْتِمالُ أنْ يُرادَ بِالمُؤْمِنِينَ أنْفُسُهم و( ما لَنا ) التِفاتٌ لا التِفاتٌ إلَيْهِ والجَمْعُ بَيْنَ الواوِ والفاءِ تَقَدَّمَ الكَلامُ فِيهِ و( ما ) اسْتِفْهامِيَّةٌ لِلسُّؤالِ عَنِ السَّبَبِ والعُذْرِ و( أنْ ) عَلى تَقْدِيرِ حَرْفِ الجَرِّ أيْ أيُّ عُذْرٍ لَنا في عَدَمِ التَّوَكُّلِ عَلَيْهِ تَعالى والإظْهارُ لِإظْهارِ النَّشاطِ بِالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ جَلَّ وعَلا والِاسْتِلْذاذِ بِاسْمِهِ تَعالى وتَعْلِيلِ التَّوَكُّلِ ﴿وقَدْ هَدانا﴾ أيْ والحالُ أنَّهُ سُبْحانَهُ قَدْ فَعَلَ بِنا ما يُوجِبُ ذَلِكَ ويَسْتَدْعِيهِ حَيْثُ هَدانا ﴿سُبُلَنا﴾ أيْ أرْشَدَ كُلًّا مِنّا سَبِيلَهُ ومِنهاجَهُ الَّذِي شَرَعَ لَهُ وأوْجَبَ عَلَيْهِ سُلُوكَهُ في الدِّينِ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ( سُبْلَنا ) بِسُكُونِ الباءِ وحَيْثُ كانَتْ أذِيَّةُ الكُفّارِ مِمّا يُوجِبُ القَلَقَ والِاضْطِرابَ القادِحَ في
صفحة 199
التَّوَكُّلِ قالُوا عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ القَسَمِيِّ مُظْهِرِينَ لِكَمالِ العَزِيمَةِ ﴿ولَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا﴾ و( ما ) مَصْدَرِيَّةٌ أيْ إذائِكم إيّانا بِالعِنادِ واقْتِراحِ الآياتِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا خَيْرَ فِيهِ وجَوَّزُوا أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً بِمَعْنى الَّذِي والعائِدُ مَحْذُوفٌ أيِ الَّذِي آذَيْتُمُوناهُ وكانَ الأصْلُ آذَيْتُمُونا بِهِ فَهَلْ حُذِفَ بِهِ أوِ الباءُ ووُصِلَ الفِعْلُ إلى الضَّمِيرِ قَوْلانِ ﴿وعَلى اللَّهِ﴾ خاصَّةً ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ المُتَوَكِّلُونَ﴾ . (12) . أيْ فَلْيَثْبُتِ المُتَوَكِّلُونَ عَلى ما أحْدَثُوهُ مِنَ التَّوَكُّلِ والمُرادُ بِهِمُ المُؤْمِنُونَ والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِذَلِكَ لَسَبْقِ اتِّصافِهِمْ بِهِ وغَرَضُ المُرْسَلِينَ مِن ذَلِكَ نَحْوَ غَرَضِهِمْ مِمّا تَقَدَّمَ ورُبَّما يُتَجَوَّزُ في المُسْنَدِ إلَيْهِ فالمَعْنى وعَلَيْهِ سُبْحانَهُ فَلْيَتَوَكَّلْ مُرِيدُو التَّوَكُّلِ لَكِنَّ الأوَّلَ أوْلى.
وقَرَأ الحَسَنُ بِكَسْرِ لامِ الأمْرِ في ( لِيَتَوَكَّلْ ) وهو الأصْلُ هَذا وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ مِن خَواصِّ هَذِهِ الآيَةِ دَفْعُ أذى البُرْغُوثِ فَقَدْ أخْرَجَ المُسْتَغْفِرِيُّ في الدَّعَواتِ عَنْ أبِي ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «إذا آذاكَ البُرْغُوثُ فَخُذْ قَدَحًا مِن ماءٍ واقْرَأْ عَلَيْهِ سَبْعَ مَرّاتٍ ﴿وما لَنا ألا نَتَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ﴾ الآيَةَ وتَقُولُ: إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَكُفُّوا شَرَّكم وأذاكم عَنّا ثُمَّ تَرُشُّهُ حَوْلَ فِراشِكَ فَإنَّكَ تَبِيتُ آمِنًا مِن شَرِّها».
وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ في مُسْنَدِ الفِرْدَوْسِ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ مَرْفُوعًا نَحْوَ ذَلِكَ إلّا أنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَكُفُّوا شَرَّكم وأذاكم عَنّا ولَمْ أقِفْ عَلى صِحَّةِ الخَبَرِ ولَمْ أُجَرِّبْ ذَلِكَ إذْ لَيْسَ لِلْبُرْغُوثِ ولَعٌ بِي والحَمْدُ لِلَّهِ تَعالى وأظُنُّ أنَّ ذَلِكَ لِمُلُوحَةِ الدَّمِ كَما أخْبَرَنِي بِهِ بَعْضُ الأطِبّاءِ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الحالِ.
14:13Страница 257
وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمۡ لَنُخۡرِجَنَّكُم مِّنۡ أَرۡضِنَآ أَوۡ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَاۖ فَأَوۡحَىٰٓ إِلَيۡهِمۡ رَبُّهُمۡ لَنُهۡلِكَنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٣
Неверующие говорили своим посланникам: «Мы изгоним вас с нашей земли, или же вы вернетесь в нашу религию». Тогда Господь внушал им: «Мы непременно погубим беззаконников
﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قِيلَ: لَعَلَّ هَؤُلاءِ القائِلِينَ بَعْضُ المُتَمَرِّدِينَ في الكُفْرِ مِن أُولَئِكَ الأُمَمِ الكافِرَةِ الَّتِي نُقِلَتْ مَقالاتُهُمُ الشَّنِيعَةُ دُونَ جَمِيعِهِمْ كَقَوْمِ شُعَيْبٍ وأضْرابِهِمْ ولِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ: وقالُوا، ﴿لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكم مِن أرْضِنا أوْ لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنا﴾ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِمْ أهْلَ الحَلِّ والعَقْدِ الَّذِينَ لَهم قُدْرَةٌ عَلى الإخْراجِ والإدْخالِ ويَكُونُ ذَلِكَ عِلَّةً لِلْعُدُولِ عَنْ قالُوا أيْضًا و( أوْ ) لِأحَدِ الأمْرَيْنِ ومُرادُهم لَيَكُونَنَّ أحَدُ الأمْرَيْنِ إخْراجُكم أوْ عَوْدُكم فالمُقْسَمُ عَلَيْهِ في وُسْعِ المُقْسِمِ والقَوْلُ بِأنَّها بِمَعْنى حَتّى أوْ إلّا أنَّ قَوْلَ مَن لَمْ يُمْعِنِ النَّظَرَ كَما في البَحْرِ فِيما بَعْدَها إذْ لا يَصِحُّ تَرْكِيبُ ذَلِكَ مَعَ ما ذُكِرَ كَما يَصِحُّ في لَألْزَمَنَّكَ أوْ تَقْضِيَنِّي حَقِّيَ والمُرادُ مِنَ العَوْدِ الصَّيْرُورَةُ والِانْتِقالُ مِن حالٍ إلى أُخْرى وهو كَثِيرُ الِاسْتِعْمالِ بِهَذا المَعْنى فَيَنْدَفِعُ ما يُتَوَهَّمُ مِن أنَّ العَوْدَ يَقْتَضِي أنَّ الرُّسُلَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ كانُوا وحاشاهم في مِلَّةِ الكُفْرِ قَبْلَ ذَلِكَ.
واعْتُرِضَ في الفَرائِدِ بِأنَّهُ لَوْ كانَ العَوْدُ بِمَعْنى الصَّيْرُورَةِ لَقِيلَ إلى مِلَّتِنا فَتَعْدِيَتُهُ بِفي يَقْتَضِي أنَّهُ ضُمِّنَ مَعْنى الدُّخُولِ أيْ لَتَدْخُلُنَّ في مِلَّتِنا ورَدَّهُ الطَّيِّبِيُّ بِأنَّهُ إنَّما يَلْزَمُ ما ذُكِرَ لَوْ كانَ ﴿فِي مِلَّتِنا﴾ صِلَةَ الفِعْلِ إمّا إذا جُعِلَ خَبَرًا لَهُ لَأنْ صارَ مِن أخَواتِ كانَ فَلا يَرِدُ كَما في نَحْوِ صارَ زَيْدٌ في الدّارِ نَعَمْ يُفْهَمُ مِمّا ذَكَرَهُ وجْهٌ آخَرُ وهو جَعْلُهُ مَجازًا بِمَعْنى تَدْخُلُنَّ لا تَضْمِينًا لِأنَّهُ عَلى ما قَرَّرُوهُ يُقْصَدُ فِيهِ المَعْنَيانِ فَلا يُدْفَعُ المَحْذُورُ وفي الكَشْفِ أنَّ ( في ) أبْلَغُ مَن إلى لِدَلالَتِهِ عَلى الِاسْتِقْرارِ والتَّمَكُّنِ كَأنَّهم لَمْ يَرْضَوْا بِأنْ يَتَظاهَرُوا أنَّهم مِن أهْلِ مِلَّتِهِمْ وقِيلَ: المُرادُ مِنَ العَوْدِ في مِلَّتِهِمْ سُكُوتُهم عَنْهم وتَرْكُ مُطالَبَتِهِمْ بِالإيمانِ وهو كَما تَرى وقِيلَ: هو عَلى مَعْناهُ المُتَبادَرِ والخِطابُ لِكُلِّ رَسُولٍ ولِمَن آمَنَ مَعَهُ مِن قَوْمِهِ فَغَلَّبُوا الجَماعَةَ عَلى الواحِدِ: فَإنْ كانَ الجَماعَةُ حاضِرِينَ فالأمْرُ ظاهِرٌ وإلّا فَهُناكَ تَغْلِيبٌ آخَرُ في الخِطابِ وقِيلَ: لا تَغْلِيبَ أصْلًا والخِطابُ لِلرُّسُلِ وحْدَهم بِناءً عَلى زَعْمِهِمْ أنَّهم كانُوا مِن أهْلِ مِلَّتِهِمْ قَبْلَ أظْهارِ الدَّعْوَةِ كَقَوْلِ فِرْعَوْنَ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ:
صفحة 200
﴿وفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ وقَدْ مَرَّ الكَلامُ في مِثْلِ ذَلِكَ فَتَذَكَّرْ ﴿فَأوْحى إلَيْهِمْ﴾ أيْ إلى الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بَعْدَما قِيلَ لَهم ما قِيلَ ﴿رَبُّهُمْ﴾ مالِكُ أمْرِهِمْ سُبْحانَهُ ﴿لَنُهْلِكَنَّ الظّالِمِينَ﴾ . (13) . أيِ المُشْرِكِينَ المُتَناهِينَ في الظُّلْمِ وهم أُولَئِكَ القائِلُونَ وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: خَصَّ سُبْحانَهُ الظّالِمِينَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا إذْ جائِزٌ أنْ يُؤْمِنَ مِنَ الكَفَرَةِ الَّذِينَ قالُوا تِلْكَ المَقالَةَ ناسٌ فالتَّوَعُّدُ بِإهْلاكِ مَن خَلَصَ لِلظُّلْمِ و( أوْحى ) يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى فَعَلَ الإيحاءَ فَلا مَفْعُولَ لَهُ و﴿لَنُهْلِكَنَّ﴾ عَلى إضْمارِ القَوْلِ أيْ قائِلًا لَنُهْلِكَنَّ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جارِيًا مَجْرى القَوْلِ لِكَوْنِهِ ضَرْبًا مِنهُ و﴿لَنُهْلِكَنَّ﴾ مَفْعُولَهُ
14:14Страница 257
وَلَنُسۡكِنَنَّكُمُ ٱلۡأَرۡضَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡۚ ذَٰلِكَ لِمَنۡ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ ١٤
и поселим вас на земле после них. Так будет с теми, кто боится предстать предо Мной и боится Моей угрозы».
﴿ولَنُسْكِنَنَّكُمُ الأرْضَ﴾ أيْ أرْضَهم ودِيارَهم فاللّامُ لِلْعَهْدِ وعِنْدَ بَعْضٍ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ ﴿مِن بَعْدِهِمْ﴾ أيْ مِن بَعْدِ إهْلاكِهِمْ وأقْسَمَ سُبْحانَهُ وتَعالى في مُقابَلَةِ قَسَمِهِمْ والظّاهِرُ أنَّ ما أقْسَمَ عَلَيْهِ جَلَّ وعَلا عُقُوبَةٌ لَهم عَلى قَوْلِهِمْ: ﴿لَنُخْرِجَنَّكم مِن أرْضِنا﴾ وفي ذَلِكَ دَلالَةٌ عَلى مَزِيدِ شَناعَةِ ما أتَوْا بِهِ حَيْثُ أنَّهم لَمّا أرادُوا إخْراجَ المُخاطَبِينَ مِن دِيارِهِمْ جَعَلَ عُقُوبَتَهُ إخْراجَهم مِن دارِ الدُّنْيا وتَوْرِيثَ أُولَئِكَ أرْضَهم ودِيارَهم وفي الحَدِيثِ «مَن آذى جارَهُ أوْرَثَهُ اللَّهُ تَعالى دارَهُ» وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ ( لَيُهْلِكَنَّ الظّالِمِينَ ولَيُسْكِنَنَّكُمُ الأرْضَ ) بِياءِ الغَيْبَةِ اعْتِبارًا لَأوْحى كَقَوْلِكَ: أقْسَمَ زَيْدٌ لَيَخْرُجَنَّ ﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى المُوحى بِهِ وهو إهْلاكُ الظّالِمِينَ وإسْكانُ المُخاطَبِينَ دِيارَهم وبِذَلِكَ الِاعْتِبارِ وُحِّدَ اسْمُ الإشارَةِ مَعَ أنَّ المُشارَ إلَيْهِ اثْنانِ فَلا حاجَةَ إلى جَعْلِهِ مِن قَبِيلِ ﴿عَوانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ وإنْ صَحَّ أيْ ذَلِكَ الأمْرُ مُحَقَّقٌ ثابِتٌ.
﴿لِمَن خافَ مَقامِي﴾ أيْ مَوْقِفِي الَّذِي يَقِفُ بِهِ العِبادُ بَيْنَ يَدَيَّ لِلْحِسابِ يَوْمَ القِيامَةِ وإلى هَذا ذَهَبَ الزَّجّاجُ فالمَقامُ اسْمُ مَكانٍ وإضافَتُهُ إلى ضَمِيرِهِ تَعالى لِكَوْنِهِ بَيْنَ يَدَيْهِ سُبْحانَهُ وقالَ الفَرّاءُ: هو مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ أُضِيفَ إلى الفاعِلِ أيْ خافَ قِيامِي عَلَيْهِ بِالحِفْظِ لِأعْمالِهِ ومُراقَبَتِي إيّاهُ وقِيلَ: المُرادُ إقامَتِي عَلى العَدْلِ والصَّوابِ وعَدَمِ المَيْلِ عَنْ ذَلِكَ.
وقِيلَ: لَفْظُ مَقامٍ مُقْحَمٌ لِأنَّ الخَوْفَ مِنَ اللَّهِ تَعالى أيْ لِمَن خافَنِي ﴿وخافَ وعِيدِ﴾ . (14) . أيْ وعِيدِي بِالعَذابِ فَياءُ المُتَكَلِّمِ مَحْذُوفَةٌ لِلِاكْتِفاءِ بِالكَسْرَةِ عَنْها في غَيْرِ الوَقْفِ والوَعِيدُ عَلى ظاهِرِهِ ومُتَعَلِّقُهُ مَحْذُوفٌ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا مِنَ الوَعْدِ عَلى وزْنِ فَعِيلٍ وهو بِمَعْنى اسْمِ المَفْعُولِ أيْ عَذابِي المَوْعُودُ لِلْكُفّارِ: وفِيهِ اسْتِعارَةُ الوَعْدِ لِلْإيعادِ والمُرادُ بِمَن خافَ عَلى ما أُشِيرَ إلَيْهِ في الكَشّافِ المُتَّقُونَ ووُقُوعُ ذَلِكَ إلى آخِرِهِ بَعْدَ ﴿ولَنُسْكِنَنَّكُمُ الأرْضَ مِن بَعْدِهِمْ﴾ مَوْقِعَ ( والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ) في قِصَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ حَيْثُ قالَ لِقَوْمِهِ: ﴿اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ واصْبِرُوا إنَّ الأرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَن يَشاءُ مَن عِبادِهِ والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ .
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии