Аль-Алуси · Тафсир · на арабском
Ибрахим 14:34–36, продолжение
﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أصْلُها ثابِتٌ وفَرْعُها في السَّماءِ﴾ ﴿تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإذْنِ رَبِّها﴾ إشارَةٌ كَما قِيلَ إلى كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ الَّتِي غَرَسَها الحَقُّ في أرْضِ بَساتِينِ الأرْواحِ وجَعَلَ سُبْحانَهُ أصْلَها هُناكَ ثابِتًا بِالتَّوْفِيقِ وفَرْعَها في سَماءِ القُرْبَةِ وسَقْيَها مِن سَواقِي العِنايَةِ وساقَها المَعْرِفَةَ وأغْصانَها المَحَبَّةَ وأوْراقَها الشَّوْقَ وحارِسَها الرِّعايَةَ تُؤْتِي أُكُلَها في جَمِيعِ الأنْفاسِ مِن لَطائِفِ العُبُودِيَّةِ وعِرْفانِ أنْوارِ الرُّبُوبِيَّةِ وقالَ بَعْضُهُمُ: الكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ النَّفْسُ الطَّيِّبَةُ أصْلُها ثابِتٌ بِالِاطْمِئْنانِ وثَباتِ الِاعْتِقادِ بِالبُرْهانِ وفَرْعُها في سَماءِ الرُّوحِ تُؤْتِي أُكُلَها مِن ثَمَراتِ المَعارِفِ والحِكَمِ والحَقائِقِ كُلَّ وقْتٍ بِتَسْهِيلِهِ تَعالى ﴿( ومَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأرْضِ ما لَها مِن قَرارٍ )﴾ إشارَةٌ إلى كَلِمَةِ الكُفْرِ أوِ النَّفْسِ الخَبِيثَةِ وقالَ جَعْفَرٌ الصّادِقُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: الشَّجَرَةُ الخَبِيثَةُ الشَّهَواتُ وأرْضُها النُّفُوسُ وماؤُها الأمَلُ وأوْراقُها الكَسَلُ وثِمارُها المَعاصِي وغايَتُها النّارُ ﴿( يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالقَوْلِ الثّابِتِ في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ )﴾ قالَ الصّادِقُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: يُثَبِّتُهم في الحَياةِ الدُّنْيا عَلى الإيمانِ وفي الآخِرَةِ عَلى صِدْقِ جَوابِ الرَّحْمَنِ وجَعَلَ بَعْضُهُمُ القَوْلَ الثّابِتَ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ وحُكْمَهُ الأزَلِيَّ أيْ يُثَبِّتُهم عَلى ما فِيهِ تَبْجِيلُهم وتَوْقِيرُهم في الدّارَيْنِ حَيْثُ حَكَمَ بِذَلِكَ في الأزَلِ وحُكْمُهُ سُبْحانَهُ الثّابِتُ الَّذِي لا يَتَغَيَّرُ ولا يَتَبَدَّلُ ﴿( ويُضِلُّ اللَّهُ الظّالِمِينَ )﴾ في الحَياتَيْنِ لِسُوءِ اسْتِعْدادِهِمُ ﴿(الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ)﴾ مِنَ الهِدايَةِ الأصْلِيَّةِ والنُّورِ الفِطْرِيِّ ﴿( كُفْرًا )﴾ احْتِجابًا وضَلالًا ﴿( وأحَلُّوا قَوْمَهم )﴾ مَن تابَعَهم واقْتَدى بِهِمْ في ذَلِكَ ﴿( دارَ البَوارِ )﴾ الهَلاكَ والحِرْمانَ ﴿( وجَعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا )﴾ مِن مَتاعِ الدُّنْيا ومُشْتَهِياتِها الَّتِي يُحِبُّونَها كَحُبِّ اللَّهِ سُبْحانَهُ ﴿( لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ )﴾ كُلَّ مَن نَظَرَ إلى ذَلِكَ والتَفَتَ إلَيْهِ ﴿( اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ )﴾ أيْ سَماواتِ الأرْواحِ ﴿( والأرْضَ )﴾ أيْ أرْضَ الأجْسادِ ﴿( وأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ )﴾ أيْ سَماءِ عالَمِ القُدُسِ ﴿( ماءً )﴾ وهو ماءُ العِلْمِ ﴿( فَأخْرَجَ بِهِ )﴾ مِن أرْضِ النَّفْسِ ﴿( مِنَ الثَّمَراتِ )﴾ وهي ثَمَراتُ الحِكَمِ والفَضائِلِ ﴿( رِزْقًا لَكم )﴾ في تَقْوى القَلْبِ بِها ﴿( وسَخَّرَ لَكُمُ الفُلْكَ )﴾ أيْ فُلْكَ العُقُولِ ﴿( لِتَجْرِيَ في البَحْرِ )﴾ أيْ بَحْرِ آلائِهِ وأسْرارِ مَخْلُوقاتِهِ الدّالَّةِ عَلى عَظَمَتِهِ سُبْحانَهُ ﴿( وسَخَّرَ لَكُمُ الأنْهارَ )﴾ أيْ أنْهارَ العِلْمِ الَّتِي تَنْتَهِي بِكم إلى ذَلِكَ البَحْرِ العَظِيمِ ﴿( وسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ )﴾ شَمْسَ الرُّوحِ ﴿( والقَمَرَ )﴾ قَمَرَ القَلْبِ ﴿( دائِبَيْنِ )﴾ في السَّيْرِ بِالمُكاشَفَةِ والمُشاهَدَةِ ﴿( وسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ )﴾ لَيْلَ ظُلْمَةِ صِفاتِ النَّفْسِ ﴿( والنَّهارَ )﴾ نَهارَ نُورِ الرُّوحِ لِطَلَبِ المَعاشِ والمَعادِ والرّاحَةِ والِاسْتِنارَةِ ﴿( وآتاكم مِن كُلِّ ما سَألْتُمُوهُ )﴾ بِلِسانِ الِاسْتِعْدادِ فَإنَّ المَسْؤُولَ بِذَلِكَ لا يَمْنَعُ ﴿( وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ )﴾ السّابِقَةَ واللّاحِقَةَ لا تُحْصُوها لِعَدَمِ تَناهِيها ﴿( إنَّ الإنْسانَ لَظَلُومٌ )﴾ يَنْقُصُ حَقَّ اللَّهِ تَعالى أوْ حَقَّ نَفْسِهِ بِإبْطالِ الِاسْتِعْدادِ أوْ يَضَعُ نُورَ الِاسْتِعْدادِ في ظُلْمَةِ الطَّبِيعَةِ ومادَّةَ البَقاءِ في مَحَلِّ الفَناءِ ﴿( كَفّارٌ )﴾ لِتِلْكَ النِّعَمِ الَّتِي لا تُحْصى لِغَفْلَتِهِ عَنِ المُنْعِمِ عَلَيْهِ بِها وقِيلَ: إنَّ الإنْسانَ لَظَلُومٌ لِنَفْسِهِ حَيْثُ يَظُنُّ أنَّ شُكْرَهُ يُقابِلُ نِعَمَهُ تَعالى كَفّارٌ مَحْجُوبٌ عَنْ رُؤْيَةِ الفَضْلِ عَلَيْهِ بِدايَةً ونِهايَةً نَسْألُ اللَّهَ تَعالى أنْ يُوَفِّقَنا لَمّا يُحِبُّ ويَرْضى ويُكْرِمَنا بِالهِدايَةِ والعِنايَةِ
14:35Страница 260
وَإِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِيمُ رَبِّ ٱجۡعَلۡ هَٰذَا ٱلۡبَلَدَ ءَامِنٗا وَٱجۡنُبۡنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعۡبُدَ ٱلۡأَصۡنَامَ ٣٥
Вот Ибрахим (Авраам) сказал: «Господи! Сделай этот город безопасным и убереги меня и моих сыновей от поклонения идолам.
﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ﴾ مَفْعُولٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أيِ اذْكُرْ ذَلِكَ الوَقْتَ
صفحة 233
والمَقْصُودُ تَذْكِيرُ ما وقَعَ فِيهِ عَلى نَهْجِ ما قِيلَ في أمْثالِهِ ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذا البَلَدَ﴾ يَعْنِي مَكَّةَ شَرَّفَها اللَّهُ تَعالى: ﴿آمِنًا﴾ أيْ ذا أمْنٍ فَصِيغَةُ فاعِلٍ لِلنَّسَبِ كَلابِنٍ وتامِرٍ لِأنَّ الآمِنَ في الحَقِيقَةِ أهْلُ البَلَدِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الإسْنادُ مَجازِيًّا مِن إسْنادِ ما لِلْحالِ إلى المَحَلِّ كَنَهْرٍ جارٍ والفَرْقُ بَيْنَ ما هُنا وما في البَقَرَةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذا بَلَدًا آمِنًا﴾ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ سَألَ في الأوَّلِ أنْ يَجْعَلَهُ مِن جُمْلَةِ البِلادِ الَّتِي يَأْمَنُ أهْلُها ولا يَخافُونَ وفي الثّانِي أنْ يُخْرِجَهُ مِن صِفَةٍ كانَ عَلَيْها مِنَ الخَوْفِ إلى ضِدِّها مِنَ الأمْنِ كَأنَّهُ قالَ: هو بَلَدٌ مُخَوَّفٌ فاجْعَلْهُ آمِنًا كَذا في الكَشّافِ وتَحْقِيقُهُ أنَّكَ إذا قُلْتَ: اجْعَلْ هَذا خاتَمًا حَسَنًا فَقَدْ أشَرْتَ إلى المادَّةِ طالِبًا أنْ يُسْبَكَ مِنها خاتَمٌ حَسَنٌ وإذا قُلْتَ: اجْعَلْ هَذا الخاتَمَ حَسَنًا فَقَدْ قَصَدْتَ الحُسْنَ دُونَ الخاتِمِيَّةِ وذَلِكَ لِأنَّ مَحَطَّ الفائِدَةِ هو المَفْعُولُ الثّانِي لِأنَّهُ بِمَنزِلَةِ الخَبَرِ وإلى هَذا يَرْجِعُ ما قِيلَ في الفَرْقِ أنَّ في الأوَّلِ سُؤالَ أمْرَيْنِ البَلَدِيَّةِ والأمْنِ وها هُنا سُؤالُ أمْرٍ واحِدٍ وهو الأمْنُ واسْتَشْكَلَ هَذا التَّفْسِيرُ بِأنَّهُ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ سُؤالُ البَلَدِيَّةِ سابِقًا عَلى السُّؤالِ المَحْكِيِّ في هَذِهِ السُّورَةِ وأنَّهُ يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ الدَّعْوَةُ الأُولى غَيْرَ مُسْتَجابَةٍ.
قالَ في الكَشْفِ: والتَّفَصِّي عَنْ ذَلِكَ إمّا بِأنَّ المَسْؤُولَ أوَّلًا صُلُوحُهُ لِلسُّكْنى بِأنْ يُؤَمِّنَ فِيهِ أهْلَهُ في أكْثَرِ الأحْوالِ عَلى المُسْتَمِرِّ في البِلادِ فَقَدْ كانَ غَيْرَ صالِحٍ لَها بِوَجْهٍ عَلى ما هو المَشْهُورُ في القِصَّةِ وثانِيًا إزالَةُ خَوْفٍ عَرَضٍ كَما يَعْتَرِي البِلادَ الآمِنَةَ أحْيانًا وأمّا بِالحَمْلِ عَلى الِاسْتِدامَةِ وتَنْزِيلِهِ مَنزِلَةَ العارِي عَنْهُ مُبالَغَةً أوْ بِأنَّ أحَدَهُما أمْنُ الدُّنْيا والآخَرَ أمْنُ الآخِرَةِ أوْ أنَّ الدُّعاءَ الثّانِيَ صَدَرَ قَبْلَ اسْتِجابَةِ الأوَّلِ وذَكَرَ بِهَذِهِ العِبارَةِ إيماءً إلى أنَّ المَسْؤُولَ الحَقِيقِيَّ هو الأمْنُ والبَلَدِيَّةُ تَوْطِئَةً لا أنَّهُ بَعْدَ الِاسْتِجابَةِ عَراهُ خَوْفٌ وكَأنَّهُ بَنى الكَلامَ عَلى التَّرَقِّي فَطَلَبَ أوَّلًا أنْ يَكُونَ بَلَدًا آمِنًا مِن جُمْلَةِ البِلادِ الَّتِي هي كَذَلِكَ ثُمَّ لِتَأْكِيدِ الطَّلَبِ جَعَلَهُ مُخَوَّفًا حَقِيقَةً فَطَلَبَ الأمْنَ لِأنَّ دُعاءَ المُضْطَرِّ أقْرَبُ إلى الإجابَةِ ولِذا ذَيَّلَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنِّي أسْكَنْتُ﴾ .. إلَخْ. اهَـ.
وهُوَ مَبْنِيٌّ عَلى تَعَدُّدِ السُّؤالِ وإنْ حُمِلَ عَلى وحْدَتِهِ وتَكْرِيرِ الحِكايَةِ كَما اسْتَظْهَرَهُ بَعْضُهم واسْتَظْهَرَ آخَرُونَ الأوَّلَ لِتَغايُرِ التَّعْبِيرِ في المَحَلَّيْنِ فالظّاهِرُ أنَّ المَسْؤُولَ كِلا الأمْرَيْنِ وقَدْ حَكى أوَّلًا واقْتَصَرَ ها هُنا عَلى حِكايَةِ سُؤالِ الأمْنِ لِأنَّ سُؤالَ البَلَدِيَّةِ قَدْ حُكِيَ بِقَوْلِهِ: ﴿فاجْعَلْ أفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ﴾ إذِ المَسْؤُولُ هَوْيُها إلَيْهِمُ المُساكَنَةُ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما لا لِلْحَجِّ فَقَطْ وهو عَيْنُ سُؤالِ البِلادِيَّةِ وقَدْ حُكِيَ بِعِبارَةٍ أُخْرى عَلى ما اخْتارَهُ بَعْضُ الأجِلَّةِ أوْ لِأنَّ نِعْمَةَ الأمْنِ أدْخَلُ في اسْتِيجابِ الشُّكْرِ فَذَكَرَهُ أنْسَبَ بِمَقامِ تَقْرِيعِ الكَفَرَةِ عَلى إغْفالِهِ عَلى ما قِيلَ وهَذِهِ الآيَةُ وما تَلاها أعْنِي قِصَّةَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى ما نَصَّ عَلَيْهِ صاحِبُ الكَشْفِ وارِدَةٌ عَلى سَبِيلِ الِاعْتِراضِ مُقَرِّرَةٌ لِما حَثَّ عَلَيْهِ مِنَ الشُّكْرِ بِالإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ وزَجَرَ عَنْهُ مِن مُقابِلِهِما مُدْمِجًا فِيها دَعْوَةَ هَؤُلاءِ النّافِرِينَ بِلِسانِ اللُّطْفِ والتَّقْرِيبِ مُؤَكِّدَةٌ لِجَمِيعِ ما سَلَفَ أشَدَّ التَّأْكِيدِ.
وفِي إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ أنَّ المُرادَ مِنها تَأْكِيدُ ما سَلَفَ مِن تَعْجِيبِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِبَيانِ فَنٍّ آخَرَ مِن جِناياتِ القَوْمِ حَيْثُ كَفَرُوا بِالنِّعَمِ الخاصَّةِ بِهِمْ بَعْدَ ما كَفَرُوا بِالنِّعَمِ العامَّةِ وعَصَوْا أباهم إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَيْثُ أسْكَنَهم مَكَّةَ زادَها اللَّهُ تَعالى شَرَفًا فالإقامَةُ الصَّلاةُ والِاجْتِنابُ عَنْ عِبادَةِ الأصْنامِ والشُّكْرُ لِنِعَمِ اللَّهِ تَعالى وسَألَهُ أنْ يَجْعَلَهُ بَلَدًا آمِنًا ويَرْزُقَهم مِنَ الثَّمَراتِ ويُهْوِيَ قُلُوبَ النّاسِ إلَيْهِمْ فاسْتَجابَ اللَّهُ تَعالى دُعاءَهُ وجَعَلَهُ حَرَمًا آمِنًا تُجْبى إلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ فَكَفَرُوا بِتِلْكَ النِّعَمِ العِظامِ واسْتَبْدَلُوا دارَ البَوارِ بِالبَلَدِ الحَرامِ وجَعَلُوا لِلَّهِ
صفحة 234
تَعالى أنْدادًا وفَعَلُوا ما فَعَلُوا مِنَ القَبائِحِ الجِسامِ ﴿واجْنُبْنِي وبَنِيَّ﴾ أيْ بَعِّدْنِي وإيّاهم ﴿أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ﴾ . (53) . أيْ عَنْ عِبادَتِها وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ وعِيسى الثَّقَفِيُّ ( وأجْنِبْنِي ) بِقَطْعِ الهَمْزَةِ وكَسْرِ النُّونِ بِوَزْنِ أكْرِمْنِي وهُما لُغَةُ أهْلِ نَجْدٍ يَقُولُونَ: جَنَّبَهُ مُخَفَّفًا وأجْنَبَهُ رُباعِيًّا وأمّا أهْلُ الحِجازِ فَيَقُولُونَ: جَنَّبَهُ مُشَدَّدًا وأصْلُ التَّجَنُّبِ أنْ يَكُونَ الرَّجُلُ في جانِبٍ غَيْرِ ما عَلَيْهِ غَيْرُهُ ثُمَّ اسْتُعْمِلَ بِمَعْنى البُعْدِ والمُرادُ هُنا عَلى ما قالَ الزَّجّاجُ طَلَبُ الثَّباتِ والدَّوامِ عَلى ذَلِكَ أيْ ثَبِّتْنا عَلى ما نَحْنُ عَلَيْهِ مِنَ التَّوْحِيدِ ومِلَّةِ الإسْلامِ والبَعْدِ عَنْ عِبادَةِ الأصْنامِ وإلّا فالأنْبِياءُ مَعْصُومُونَ عَنِ الكُفْرِ وعِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى وتَعَقَّبَ ذَلِكَ الإمامُ بِأنَّهُ لَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ سُبْحانَهُ يُثَبِّتُ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَلى الِاجْتِنابِ فَما الفائِدَةُ في سُؤالِ التَّثْبِيتِ ثُمَّ قالَ: والصَّحِيحُ عِنْدِي في الجَوابِ وجْهانِ: الأوَّلُ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وإنْ كانَ يَعْلَمُ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَعْصِمُهُ مِن عِبادَةِ الأصْنامِ إلّا أنَّهُ ذَكَرَ ذَلِكَ هَضْمًا لِنَفْسِهِ وإظْهارًا لِلْحاجَةِ والفاقَةِ إلى فَضْلِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى في كُلِّ المَطالِبِ والثّانِي أنَّ الصُّوفِيَّةَ يَقُولُونَ: الشِّرْكُ نَوْعانِ ظاهِرٌ وهو الَّذِي يَقُولُ بِهِ المُشْرِكُونَ وخَفِيٌّ وهو تَعَلُّقُ القَلْبِ بِالوَسائِطِ والأسْبابِ الظّاهِرَةِ والتَّوْحِيدُ المَحْضُ قَطْعُ النَّظَرِ عَمّا سِوى اللَّهِ تَعالى فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُرادُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن هَذا الدُّعاءِ العِصْمَةَ عَنْ هَذا الشِّرْكِ انْتَهى ويَرُدُّ عَلى هَذا الأخِيرِ أنَّهُ يَعُودُ السُّؤالُ عَلَيْهِ فِيما أظُنُّ لِأنَّ النَّظَرَ إلى السِّوى يُحاكِي الشِّرْكَ الَّذِي يَقُولُ بِهِ المُشْرِكُونَ عِنْدَ الصُّوفِيَّةِ فَقَدْ قالَ قائِلُهم: .
ولَوْ خَطَرَتْ لِي في سِواكَ إرادَةٌ عَلى خاطِرِي سَهْوًا حَكَمْتُ بِرِدَّتِي
ولا أظُنُّ أنَّهم يُجَوِّزُونَ ذَلِكَ لِلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وحَيْثُ بُنِيَ الكَلامُ عَلى ما قَرَّرُوهُ يُقالُ: ما فائِدَةُ سُؤالِ العِصْمَةِ عَنْ ذَلِكَ والأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مَعْصُومُونَ عَنْهُ والجَوابُ الصَّحِيحُ عِنْدِي ما قِيلَ: إنَّ عِصْمَةَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لَيْسَتْ لِأمْرٍ طَبِيعِيٍّ فِيهِمْ بَلْ بِمَحْضِ تَوْفِيقِ اللَّهِ تَعالى إيّاهم وتَفَضُّلِهِ عَلَيْهِمْ ولِذَلِكَ صَحَّ طَلَبُها وفي بَعْضِ الآثارِ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ قالَ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: يا مُوسى لا تَأْمَن مَكْرِي حَتّى تَجُوزَ الصِّراطَ.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ المُبَشَّرِينَ بِالجَنَّةِ عَلى لِسانِ الصّادِقِ المَصْدُوقِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانُوا كَثِيرًا ما يَسْألُونَ اللَّهَ تَعالى الجَنَّةَ مَعَ أنَّهم مَقْطُوعٌ لَهم بِها ولَعَلَّ مَنشَأ ذَلِكَ ما قِيلَ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَتَدَبَّرْ والمُتَبادَرُ مِن بَنِيهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مَن كانَ مِن صُلْبِهِ فَلا يُتَوَهَّمُ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَسْتَجِبْ دُعاءَهُ لِعِبادَةِ قُرَيْشٍ الأصْنامَ وهم مِن ذُرِّيَّتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ حَتّى يُجابَ بِما قالَهُ بَعْضُهم مِن أنَّ المُرادَ كُلُّ مَن كانَ مَوْجُودًا حالَ الدُّعاءِ مِن أبْنائِهِ ولا شَكَّ أنَّ دَعْوَتَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مُجابَةٌ فِيهِمْ أوْ بِأنَّ دُعاءَهُ اسْتُجِيبَ في بَعْضٍ دُونِ بَعْضٍ ولا نَقْصَ فِيهِ كَما قالَ الإمامُ.
وقالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: إنَّ المُرادَ بِبَنِيهِ ما يَشْمَلُ جَمِيعَ ذُرِّيَّتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وزَعَمَ أنَّهُ لَمْ يَعْبُدْ أحَدٌ مِن أوْلادِ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ الصَّنَمَ وإنَّما كانَ لِكُلِّ قَوْمٍ حَجَرٌ نَصَبُوهُ وقالُوا هَذا حَجَرٌ والبَيْتُ حَجَرٌ وكانُوا يَدُورُونَ بِهِ ويُسَمُّونَهُ الدَّوّارَ ولِهَذا كَرِهَ غَيْرُ واحِدٍ أنْ يُقالَ دارَ بِالبَيْتِ بَلْ يُقالُ طافَ بِهِ وعَلى ذَلِكَ أيْضًا حَمَلَ مُجاهِدٌ البَنِينَ وقالَ: لَمْ يَعْبُدْ أحَدٌ مِن ولَدِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ صَنَمًا وإنَّما عَبَدَ بَعْضُهُمُ الوَثَنَ وفَرَّقَ بَيْنَهُما بِأنَّ الصَّنَمَ هو التِّمْثالُ المُصَوَّرُ والوَثَنَ هو التِّمْثالُ الغَيْرُ المُصَوَّرِ ولَيْتَ شِعْرِي كَيْفَ ذَهَبَتْ عَلى هَذَيْنِ
صفحة 235
الجَلِيلَيْنِ ما في القُرْآنِ مِن قَوارِعَ تَنْعى عَلى قُرَيْشٍ عِبادَةَ الأصْنامِ وقالَ الإمامُ بَعْدَ نَقْلِهِ كَلامَ مُجاهِدٍ: إنَّ هَذا لَيْسَ بِقَوِيٍّ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يُرِدْ بِهَذا الدُّعاءِ إلّا عِبادَةَ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى والصَّنَمُ كالوَثَنِ في ذَلِكَ ويُرَدُّ مِثْلُهُ عَلى ابْنِ عُيَيْنَةَ ومِن هُنا قِيلَ عَلَيْهِ: إنَّ فِيما ذَكَرَهُ كَرًّا عَلى ما فَرٍّ مِنهُ لِأنَّ ما كانُوا يَصْنَعُونَهُ عِبادَةً لِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى أيْضًا: واسْتَدَلَّ بَعْضُ أصْحابِنا بِالآيَةِ عَلى أنَّ التَّبْعِيدَ مِنَ الكُفْرِ والتَّقْرِيبَ مِنَ الإيمانِ لَيْسَ إلّا مِنَ اللَّهِ تَعالى لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما طَلَبَ التَّبْعِيدَ عَنْ عِبادَةِ الأصْنامِ مِنهُ تَعالى وحَمَلَ ذَلِكَ عَلى الإلْطافِ فِيهِ ما فِيهِ
14:36Страница 260
رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضۡلَلۡنَ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلنَّاسِۖ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُۥ مِنِّيۖ وَمَنۡ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٣٦
Господи! Воистину, они ввели в заблуждение многих людей. Тот, кто последует за мной, относится ко мне. А если кто ослушается меня, то ведь Ты - Прощающий, Милосердный.
﴿رَبِّ إنَّهُنَّ﴾ أيِ الأصْنامُ ﴿أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ﴾ أيْ تَسَبَّبْنَ لَهُ في الضَّلالِ فَإسْنادُ الإضْلالِ إلَيْهِمْ مَجازِيٌّ لِأنَّهُنَّ جَمادٌ لا يُعْقَلُ مِنهُنَّ ذَلِكَ والمُضِلُّ في الحَقِيقَةِ هو اللَّهُ تَعالى وهَذا تَعْلِيلٌ لِدُعائِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ السّابِقِ وصُدِّرَ بِالنِّداءِ إظْهارًا لِلِاعْتِناءِ بِهِ ورَغْبَةً في اسْتِجابَتِهِ ﴿فَمَن تَبِعَنِي﴾ مِنهم فِيما أدْعُو إلَيْهِ مِنَ التَّوْحِيدِ ومِلَّةِ الإسْلامِ ﴿فَإنَّهُ مِنِّي﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مِن تَبْعِيضِيَّةً عَلى التَّشْبِيهِ أيْ فَإنَّهُ كَبَعْضِي في عَدَمِ الِانْفِكاكِ ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ اتِّصالِيَّةً كَما في «قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِعَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنْتَ مِنِّي بِمَنزِلَةِ هارُونَ مِن مُوسى» أيْ فَإنَّهُ مُتَّصِلٌ بِي لا يَنْفَكُّ عَنِّي في أمْرِ الدِّينِ وتَسْمِيَتُها اتِّصالِيَّةً لِأنَّهُ يُفْهَمُ مِنها اتِّصالُ شَيْءٍ بِمَجْرُورِها وهي ابْتِدائِيَّةٌ إلّا أنَّ ابْتِدائِيَّتَهُ بِاعْتِبارِ الِاتِّصالِ كَذا في حَواشِي شَرْحِ المِفْتاحِ لِلشَّرِيفِيِّ يَعْنِي أنَّ مَجْرُورَها لَيْسَ مَبْدَأً أوْ مَنشَأً لِنَفْسِ ما قَبْلَها بَلْ لِاتِّصالِهِ فَإمّا أنْ يُقَدَّرَ مُتَعَلِّقُها فِعْلًا خاصًّا كَما قالَهُ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ في بَيانِ الخَبَرِ مِن أنَّ مِنِّي فِيهِ خَبَرُ المُبْتَدَأِ ومِنَ اتِّصالِيَّةٌ ومُتَعَلِّقُ الخَبَرِ خاصٌّ والباءُ زائِدَةٌ بِمَعْنى أنْتَ مُتَّصِلٌ بِي ونازِلٌ مِنِّي بِمَنزِلَةِ هارُونَ مِن مُوسى وإمّا أنْ يُقَدَّرَ فِعْلٌ عامٌّ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الشَّرِيفُ هُناكَ أيْ مَنزِلَتُهُ بِمَنزِلَةٍ كائِنَةٍ وناشِئَةٍ مِنِّي كَمَنزِلَةِ هارُونَ مِن مُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ وتَقْدِيرُهُ خاصًّا هُنا كَما فَعَلْنا عَلى تَقْدِيرِ جَعْلِها اتِّصالِيَّةً مِمّا يَسْتَطِيبُهُ الذَّوْقُ السَّلِيمُ دُونَ تَقْدِيرِهِ عامًّا ﴿ومَن عَصانِي﴾ أيْ لَمْ يَتْبَعْنِي والتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِالعِصْيانِ كَما قِيلَ لِلْإيذانِ بِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مُسْتَمِرٌّ عَلى الدَّعْوَةِ وأنَّ عَدَمَ اتِّباعِ مَن لَمْ يَتْبَعْهُ إنَّما هو لِعِصْيانِهِ لا لِأنَّ الدَّعْوَةَ لَمْ تَبْلُغْهُ وفي البَحْرِ أنَّ بَيْنَ الِاتِّباعِ والعِصْيانِ طِباقًا مَعْنَوِيًّا لِأنَّ الِاتِّباعَ طاعَةٌ ﴿فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ . (36) . أيْ قادِرٌ عَلى أنْ تَغْفِرَ لَهُ وتَرْحَمَهُ وفي الكَلامِ عَلى ما أشارَ إلَيْهِ البَعْضُ حَذْفٌ والتَّقْدِيرُ ومَن عَصانِي فَلا أدْعُو عَلَيْهِ فَإنَّكَ .. إلَخْ وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الشِّرْكَ يَجُوزُ أنْ يُغْفَرَ ولا إشْكالَ في ذَلِكَ بِناءً عَلى ما قالَ النَّوَوِيُّ في شَرْحِ مُسْلِمٍ مِن أنَّ مَغْفِرَةَ الشِّرْكِ كانَتْ في الشَّرائِعِ القَدِيمَةِ جائِزَةً في أُمَمِهِمْ وإنَّما امْتَنَعَتْ في شَرْعِنا.
واخْتَلَفَ القائِلُونَ بِأنَّ مَغْفِرَةَ الشِّرْكِ لَمْ تَكُنْ جائِزَةً في شَرِيعَةٍ مِنَ الشَّرائِعِ في تَوْجِيهِ الآيَةِ فَمِنهم مَن ذَهَبَ إلى أنَّ المُرادَ غَفُورٌ رَحِيمٌ بَعْدَ التَّوْبَةِ ونَسَبَ ذَلِكَ إلى السُّدِّيِّ ومِنهم مَن ذَهَبَ إلى تَقْيِيدِ العِصْيانِ بِما دُونَ الشِّرْكِ وغَفَلَ عَمّا تَقْتَضِيهِ المُعادَلَةُ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُقاتِلٍ وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: إنَّ المَعْنى ومَن عَصانِي بِإقامَتِهِ عَلى الكُفْرِ فَإنَّكَ قادِرٌ عَلى أنْ تَغْفِرَ لَهُ وتَرْحَمَهُ بِأنْ تَنْقُلَهُ مِنَ الكُفْرِ إلى الإيمانِ والإسْلامِ وتَهْدِيَهُ إلى الصَّوابِ ومِنهم مَن قالَ: المَعْنى ومَن لَمْ يَتْبَعْنِي فِيما أدْعُو إلَيْهِ مِنَ التَّوْحِيدِ وأقامَ عَلى الشِّرْكِ فَإنَّكَ قادِرٌ عَلى أنْ تَسْتُرَهُ عَلَيْهِ وتَرْحَمَهُ بِعَدَمِ مُعالَجَتِهِ بِالعَذابِ ونَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ﴾ ومِنهم مَن قالَ: إنَّ الكَلامَ عَلى ظاهِرِهِ وكانَ ذَلِكَ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قَبْلَ أنْ يَعْلَمَ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ
صفحة 236
لا يَغْفِرُ الشِّرْكَ ولا نَقْصَ بِجَهْلِ ذَلِكَ لِأنَّ مَغْفِرَةَ الشِّرْكِ جائِزَةٌ عَقْلًا كَما تَقَرَّرَ في الأُصُولِ لَكِنَّ الدَّلِيلَ السَّمْعِيَّ مَنَعَ مِنها ولا يَلْزَمُ النَّبِيَّ أنْ يَعْلَمَ جَمِيعَ الأدِلَّةِ السَّمْعِيَّةِ في يَوْمٍ واحِدٍ والإمامُ لَمْ يَرْتَضِ أكْثَرَ هَذِهِ الأوْجُهِ وجَعَلَ هَذا الكَلامَ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ شَفاعَةً في إسْقاطِ العِقابِ عَنْ أهْلِ الكَبائِرِ قَبْلَ التَّوْبَةِ وأنَّهُ دَلِيلٌ لِحُصُولِ ذَلِكَ لِنَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ: إنَّ المَعْصِيَةَ المَفْهُومَةَ مِنَ الآيَةِ إمّا أنْ تَكُونَ مِنَ الصَّغائِرِ أوْ مِنَ الكَبائِرِ بَعْدَ التَّوْبَةِ أوْ قَبْلَها والأوَّلُ والثّانِي باطِلانِ لِأنَّ ( مَن عَصانِي ) مُطْلَقٌ فَتَخْصِيصُهُ عُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ وأيْضًا الصَّغائِرُ والكَبائِرُ بَعْدَ التَّوْبَةِ واجِبَةُ الغُفْرانِ عِنْدَ الخَصْمِ فَلا يُمْكِنُ اللَّفْظُ عَلَيْهِ فَثَبَتَ أنَّ الآيَةَ شَفاعَةٌ لِأهْلِ الكَبائِرِ قَبْلَ التَّوْبَةِ ومَتى ثَبَتَتْ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ثَبَتَتْ في حَقِّ نَبِيِّنا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِمَكانِ ﴿اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾ ونَحْوَهُ ولِئَلّا يَلْزَمَ النَّقْصُ وهو كَما تَرى وقَدْ مَرَّ لَكَ ما يَنْفَعُكَ في هَذا المَقامِ فَتَذَكَّرْ هَداكَ اللَّهُ تَعالى.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии