Аль-АлусиИбрахим · 14:37–38

Аль-Алуси · Тафсир · на арабском

Ибрахим 14:37–38

14:37Страница 260

رَّبَّنَآ إِنِّيٓ أَسۡكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيۡرِ ذِي زَرۡعٍ عِندَ بَيۡتِكَ ٱلۡمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ فَٱجۡعَلۡ أَفۡـِٔدَةٗ مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهۡوِيٓ إِلَيۡهِمۡ وَٱرۡزُقۡهُم مِّنَ ٱلثَّمَرَٰتِ لَعَلَّهُمۡ يَشۡكُرُونَ ٣٧

Господь наш! Я поселил часть моего потомства в долине, где нет злаков, у Твоего Заповедного дома. Господь наш! Пусть они совершают намаз. Наполни сердца некоторых людей любовью к ним и надели их плодами, - быть может, они будут благодарны.

﴿رَبَّنا﴾ قالَ في البَحْرِ كَرَّرَ النِّداءَ رَغْبَةً في الإجابَةِ والِالتِجاءِ إلَيْهِ تَعالى وأتى بِضَمِيرِ الجَماعَةِ لِأنَّهُ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وذِكْرُ بَنِيهِ في قَوْلِهِ: ﴿واجْنُبْنِي وبَنِيَّ﴾ وتُعُقِّبَ بِأنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي ضَمِيرَ الجَماعَةِ في ﴿رَبِّ إنَّهُنَّ﴾ .. إلَخْ مَعَ أنَّهُ جِيءَ فِيهِ بِضَمِيرِ الواحِدِ فالوَجْهُ أنَّ ذَلِكَ لِأنَّ الدُّعاءَ المُصَدَّرَ بِهِ وما هو بِصَدَدِ تَمْهِيدِ مَبادِي إجابَتِهِ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنِّي أسْكَنْتُ﴾ .. إلَخْ مُتَعَلِّقٌ بِذُرِّيَّتِهِ فالتَّعَرُّضُ لِوَصْفِ رُبُوبِيَّتِهِ تَعالى لَهم أدْخَلُ في القَبُولِ وإجابَةُ المَسْؤُولِ والتَّأْكِيدُ لِمَزِيدِ الِاعْتِناءِ فِيما قَصَدَهُ مِنَ الخَبَرِ و( مِن ) في قَوْلِهِ ﴿مِن ذُرِّيَّتِي﴾ بِمَعْنى بَعْضٍ وهي في تَأْوِيلِ المَفْعُولِ بِهِ أيْ أسْكَنْتُ بَعْضَ ذُرِّيَّتِي ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَفْعُولُ مَحْذُوفًا والجارُّ والمَجْرُورُ صِفَتَهُ سَدَّتْ مَسَدَّهُ أيْ أسْكَنْتُ ذُرِّيَّةً مِن ذُرِّيَّتِي و( مِن ) تَحْتَمِلُ التَّبْعِيضَ والتَّبْيِينَ وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ ( مِن ) زائِدَةٌ عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ لا يَرْتَضِيهِ سَلِيمُ البَصِيرَةِ كَما لا يَخْفى والمُرادُ بِالمَسْكَنِ إسْماعِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ ومَن سَيُولَدُ لَهُ فَإنَّ إسْكانَهُ حَيْثُ كانَ عَلى وجْهِ الِاطْمِئْنانِ مُتَضَمِّنٌ لِإسْكانِهِمْ والدّاعِي لِلتَّعْمِيمِ عَلى ما قِيلَ قَوْلُهُ الآتِي: ﴿لِيُقِيمُوا﴾ .. إلَخْ ولا يَخْفى أنَّ الإسْكانَ لَهُ حَقِيقَةٌ ولِأوْلادِهِ مَجازٌ فَمَن لَمْ يُجَوِّزِ الجَمْعَ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ يَرْتَكِبُ لِذَلِكَ عُمُومَ المَجازِ وهَذا الإسْكانُ بَعْدَما كانَ بَيْنَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وبَيْنَ أهْلِهِ ما كانَ.

وذَلِكَ أنَّ هاجَرَ أمَّ إسْماعِيلَ كانَتْ أمَةً مِنَ القِبْطِ لِسارَةَ فَوَهَبَتْها مِن إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَلَمّا ولَدَتْ لَهُ إسْماعِيلَ غارَتْ فَلَمْ تُقارُّهْ عَلى كَوْنِهِ مَعَها فَأخْرَجَها وابْنَها إلى أرْضِ مَكَّةَ فَوَضَعَهُما عِنْدَ البَيْتِ عِنْدَ دَوْحَةٍ فَوْقَ زَمْزَمَ في أعْلى المَسْجِدِ ولَيْسَ بِمَكَّةَ يَوْمَئِذٍ أحَدٌ ولَيْسَ بِها ماءٌ ووَضَعَ عِنْدَهُما جِرابًا فِيهِ تَمْرٌ وسِقاءٌ فِيهِ ماءٌ ثُمَّ قَفِيَ مُنْطَلِقًا فَتَبِعَتْهُ هاجَرُ فَقالَتْ: يا إبْراهِيمُ أيْنَ تَذْهَبُ وتَتْرُكُنا بِهَذا الوادِي الَّذِي لَيْسَ فِيهِ أنِيسٌ ولا شَيْءٌ قالَتْ لَهُ ذَلِكَ مِرارًا وجَعَلَ لا يَلْتَفِتُ إلَيْها فَقالَتْ لَهُ: اللَّهُ أمَرَكَ بِهَذا قالَ: نَعَمْ قالَتْ: إذَنْ لا يُضَيِّعُنا ثُمَّ رَجَعَتْ وانْطَلَقَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَتّى إذا عِنْدَ الثَّنِيَّةِ حَيْثُ لا يَرَوْنَهُ اسْتَقْبَلَ بِوَجْهِهِ البَيْتَ وكانَ إذْ ذاكَ مُرْتَفِعًا مِنَ الأرْضِ كالرّابِيَةِ تَأْتِيهِ السُّيُولُ فَتَأْخُذُ عَنْ يَمِينِهِ وشِمالِهِ ثُمَّ دَعا بِهَذِهِ الدَّعَواتِ ورَفَعَ يَدَيْهِ فَقالَ: ﴿رَبَّنا إنِّي أسْكَنْتُ﴾ إلى ﴿لَعَلَّهم يَشْكُرُونَ﴾ ثُمَّ إنَّها جَعَلَتْ تُرْضِعُ ابْنَها وتَشْرَبُ مِمّا في السِّقاءِ حَتّى إذا نَفِدَ عَطِشَتْ وعَطِشَ ابْنُها وجَعَلَتْ تَنْظُرُ إلَيْهِ يَتَلَبَّطُ فانْطَلَقَتْ كَراهِيَةَ أنْ تَنْظُرَ إلَيْهِ فَوَجَدَتِ الصَّفا أقْرَبَ جَبَلٍ يَلِيها فَقامَتْ

صفحة 237

عَلَيْهِ ثُمَّ اسْتَقْبَلَتِ الوادِيَ تَنْظُرُ هَلْ تَرى أحَدًا فَلَمْ تَرَ فَهَبَطَتْ حَتّى إذا بَلَغَتِ الوادِيَ رَفَعَتْ طَرَفَ دِرْعِها ثُمَّ سَعَتْ سَعْيَ الإنْسانِ المَجْهُودِ حَتّى جاوَزَتْهُ ثُمَّ أتَتِ المَرْوَةَ فَقامَتْ عَلَيْها ونَظَرَتْ هَلْ تَرى أحَدًا فَلَمْ تَرَ فَفَعَلَتْ ذَلِكَ سَبْعَ مَرّاتٍ ولِذَلِكَ سَعى النّاسُ بَيْنَهُما سَبْعًا فَلَمّا أشْرَفَتْ عَلى المَرْوَةِ سَمِعَتْ صَوْتًا فَقالَتْ: صَهٍ تُرِيدُ نَفْسَها ثُمَّ تَسَمَّعَتْ فَسَمِعَتْ أيْضًا فَقالَتْ: قَدْ أسْمَعْتَ إنْ كانَ عِنْدَكَ غِواثٌ فَإذا هي بِالمَلَكِ عِنْدَ مَوْضِعِ زَمْزَمَ فَبَحَثَ بِعَقِبِهِ حَتّى ظَهَرَ الماءُ فَجَعَلَتْ تَحْرِضُهُ وتَغْرِفُ مِنهُ في سِقائِها وهو يَفُورُ فَشَرِبَتْ وأرْضَعَتْ ولَدَها وقالَ لَها المَلَكُ: لا تَخافِي الضَّيْعَةَ فَإنَّ ها هُنا بَيْتَ اللَّهِ تَعالى يَبْنِيهِ هَذا الغُلامُ وأبُوهُ وإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لا يُضَيِّعُ أهْلَهُ ثُمَّ إنَّهُ مَرَّتْ مَعَ رُفْقَةٍ مِن جُرْهُمٍ فَرَأوْا طائِرًا عائِفًا فَقالُوا: لا طَيْرَ إلّا عَلى الماءِ فَبَعَثُوا رَسُولَهم فَنَظَرَ فَإذا بِالماءِ فَأتاهم فَقَصَدُوهُ وأُمُّ إسْماعِيلَ عِنْدَهُ فَقالُوا: أشْرِكِينا في مائِكِ نُشْرِكْكِ في ألْبانِنا فَفَعَلَتْ فَلَمّا أدْرَكَ إسْماعِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ زَوَّجُوهُ امِرْأةً مِنهم وتَمامُ القِصَّةِ في كُتُبِ السِّيَرِ.

﴿بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ وهو وادِي مَكَّةَ شَرَّفَها اللَّهُ تَعالى ووَصَفَهُ بِذَلِكَ دُونَ غَيْرِ مَزْرُوعٍ لِلْمُبالَغَةِ لِأنَّ المَعْنى لَيْسَ صالِحًا لِلزَّرْعِ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ وكانَ ذَلِكَ لِحَجَرِيَّتِهِ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وإنَّما لَمْ يَصِفْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالخُلُوِّ عَنِ الماءِ مَعَ أنَّهُ حالُهُ إذْ ذاكَ لِأنَّهُ كانَ عَلِمَ أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يُضَيِّعُ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ وأُمَّهُ في ذَلِكَ الوادِي وأنَّهُ سُبْحانَهُ يُرْزَقُهُما الماءَ فَنَظَرَ عَلَيْهِ السَّلامُ النَّظَرَ البَعِيدَ وقالَ أبُو حَيّانَ بَعْدَ نَقْلِهِ وقَدْ يُقالُ: إنَّ انْتِفاءَ كَوْنِهِ ذا زَرْعٍ مُسْتَلْزِمٌ لِانْتِفاءِ الماءِ إذْ لا يُمْكِنُ أنْ يُوجَدَ زَرْعٌ إلّا حَيْثُ الماءُ فَنَفى ما يَتَسَبَّبُ عَنِ الماءِ هو الزَّرْعُ لِانْتِفاءِ سَبَبِهِ وهو الماءُ. اهَـ. وقالَ بَعْضُهم: إنَّ طَلَبَ الماءِ لَمْ يَكُنْ مُهِمًّا لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِما أنَّ الوادِيَ مَظِنَّةُ السُّيُولِ والمُحْتاجُ لِلْماءِ يَدَّخِرُ مِنها ما يَكْفِيهِ وكانَ المُهِمُّ لَهُ طَلَبَ الثَّمَراتِ فَوَصَفَ ذَلِكَ بِكَوْنِهِ غَيْرَ صالِحٍ لِلزَّرْعِ بَيانًا لِكَمالِ الِافْتِقارِ إلى المَسْؤُولِ فَتَأمَّلْ.

﴿عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ﴾ ظَرْفٌ لِأسْكَنْتُ كَقَوْلِكَ: صَلَّيْتُ بِمَكَّةَ عِنْدَ الرُّكْنِ وزَعَمَ أبُو البَقاءِ أنَّهُ صِفَةُ ( وادٍ ) أوْ بَدَلٌ مِنهُ واخْتارَ بَعْضُ الأجِلَّةِ الأوَّلَ إذِ المَقْصُودُ إظْهارُ كَوْنِ ذَلِكَ الإسْكانِ مَعَ فِقْدانِ مَبادِيهِ لِمَحْضِ التَّقَرُّبِ إلى اللَّهِ تَعالى والِالتِجاءِ إلى جِوارِهِ الكَرِيمِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ التَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الحُرْمَةِ المُؤْذِنِ بِعِزَّةِ المُلْتَجَأِ وعِصْمَتِهِ عَنِ المَكارِهِ فَإنَّهم قالُوا: مَعْنى كَوْنِ البَيْتِ مُحَرَّمًا أنَّ اللَّهَ تَعالى حَرَّمَ التَّعَرُّضَ لَهُ والتَّهاوُنَ بِهِ أوْ أنَّهُ لَمْ يَزَلْ مُمَنَّعًا عَزِيزًا يَهابُهُ الجَبابِرَةُ في كُلِّ عَصْرٍ أوْ لِأنَّهُ مَنَعَ الطُّوفانَ فَلَمْ يَسْتَوْلِ عَلَيْهِ ولِذا سُمِّيَ عَتِيقًا عَلى ما قِيلَ وأبْعَدَ مَن قالَ إنَّهُ سُمِّيَ مُحَرَّمًا لِأنَّ الزّائِرِينَ يُحَرِّمُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ عِنْدَ زِيارَتِهِ أشْياءَ كانَتْ حَلالًا عَلَيْهِمْ وسَمّاهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَيْتًا بِاعْتِبارِ ما كانَ فَإنَّهُ كانَ مَبْنِيًّا قَبْلُ وقِيلَ: بِاعْتِبارِ ما سَيَكُونُ بَعْدُ وهو يَنْزِعُ إلى اعْتِبارِ عُنْوانِ الحُرْمَةِ كَذَلِكَ.

﴿رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ أيْ لِأنْ يُقِيمُوا فاللّامُ جارَّةٌ والفِعْلُ مَنصُوبٌ بِأنْ مُضْمَرَةٍ بَعْدَها والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِأسْكَنْتُ المَذْكُورِ وتَكْرِيرُ النِّداءِ وتَوْسِيطُهُ لِإظْهارِ كَمالِ العِنايَةِ بِإقامَةِ الصَّلاةِ فَإنَّها عِمادُ الدِّينِ ولِذا خَصَّها بِالذِّكْرِ مِن بَيْنِ سائِرِ شَعائِرِهِ والمَعْنى عَلى ما يَقْتَضِيهِ كَلامُ غَيْرِ واحِدٍ عَلى الحَصْرِ أيْ ما أسْكَنَتْهم بِهَذا الوادِي البَلْقَعِ الخالِي مِن كُلِّ مُرْتَفَقٍ ومُرْتَزَقٍ إلّا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ ويُعَمِّرُوهُ بِذِكْرِكَ وعِبادَتِكَ وما تُعَمَّرُ بِهِ مَساجِدُكَ ومُتَعَبَّداتُكَ مُتَبَرِّكِينَ بِالبُقْعَةِ الَّتِي شَرَّفْتَها عَلى البِقاعِ مُسْتَسْعِدِينَ بِجِوارِكَ الكَرِيمِ مُتَقَرِّبِينَ إلَيْكَ بِالعُكُوفِ عِنْدَ بَيْتِكَ والطَّوافِ بِهِ والرُّكُوعِ والسُّجُودِ حَوْلَهُ مُسْتَنْزِلِينَ رَحْمَتَكَ الَّتِي آثَرْتَ بِها سُكّانَ حَرَمِكَ وهَذا الحَصْرُ عَلى ما ذَكَرُوا مُسْتَفادٌ فَإنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا قالَ: ﴿بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ نَفى أنْ يَكُونَ

صفحة 238

إسْكانُهم لِلزِّراعَةِ ولَمّا قالَ: ﴿عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ﴾ أثْبَتَ أنَّهُ مَكانُ عِبادَةٍ فَلَمّا قالَ: ﴿لِيُقِيمُوا﴾ أثْبَتَ أنَّ الإقامَةَ عِنْدَهُ عِبادَةٌ وقَدْ نَفى كَوْنَها لِلْكَسْبِ فَجاءَ الحَصْرُ مَعَ ما في ( رَبَّنا ) مِنَ الإشارَةِ إلى أنَّ ذَلِكَ هو المَقْصُودُ.

وعَنْ مالِكٍ أنَّ التَّعْلِيلَ يُفِيدُ الحَصْرَ فَقَدِ اسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِتَرْكَبُوها﴾ عَلى حُرْمَةِ أكْلِها وفي الكَشْفِ أنَّ اسْتِفادَةَ الحَصْرِ مِن تَقْدِيرٍ مَحْذُوفٍ مُؤَخَّرٍ يَتَعَلَّقُ بِهِ الجارُّ والمَجْرُورُ أيْ لِيَقُومُوا أسْكَنَتْهم هَذا الإسْكانَ أخْبَرَ أوَّلًا أنَّهُ أسْكَنَهم بِوادٍ قَفْرٍ فَأدْمَجَ فِيهِ حاجَتَهم إلى الوافِدِينَ وذَكَرَ وجْهَ الإيثارِ لِشَرَفِ الجِوارِ بِقَوْلِهِ: ﴿عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ﴾ ثُمَّ صَرَّحَ ثانِيًا بِأنَّهُ إنَّما آثَرَ ذَلِكَ لِيُعَمِّرُوا حَرَمَكَ المُحَرَّمَ وبَنى عَلَيْهِ الدُّعاءَ الآتِيَ ومِنَ الدَّلِيلِ عَلى أنَّهُ غَيْرُ مُتَعَلِّقٍ بِالمَذْكُورِ تَخَلَّلَ ( رَبَّنا ) ثانِيًا بَيْنَ الفِعْلِ ومُتَعَلِّقِهِ وهَذا بَيِّنٌ ولا وجْهَ لِاسْتِفادَةِ ذَلِكَ مِن تَكْرارِ ( رَبَّنا ) إلّا مِن هَذا الوَجْهِ. اهَـ. واخْتارَ بَعْضُهم ما ذَكَرْناهُ أوَّلًا في وجْهِ الِاسْتِفادَةِ وقالَ: إنَّهُ مَعْنًى لَطِيفٌ ولا يُنافِيهِ الفَصْلُ بِالنِّداءِ لِأنَّهُ اعْتِراضٌ لِتَأْكِيدِ الأوَّلِ وتَذْكِيرِهِ فَهو كالمُنَبَّهِ عَلَيْهِ فَلا حاجَةَ إلى تَعَلُّقِ الجارِّ والمَجْرُورِ بِمَحْذُوفٍ مُؤَخِّرٍ واسْتِفادَةُ الحَصْرِ مِن ذَلِكَ وهو الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُعَوَّلَ عَلَيْهِ وبِجَعْلِ النِّداءِ مُؤَكِّدًا لِلْأوَّلِ يَنْدَفِعُ ما قِيلَ: إنَّ النِّداءَ لَهُ صَدْرُ الكَلامِ فَلا يَتَعَلَّقُ ما بَعْدَهُ بِما قَبْلَهُ فَلا بُدَّ مِن تَقْدِيرٍ مُتَعَلِّقٍ ووَجْهُ الِانْدِفاعِ ظاهِرٌ وقِيلَ: اللّامُ لامُ الأمْرِ والفِعْلُ مَجْزُومٌ بِها والمُرادُ هو الدُّعاءُ لَهم بِإقامَةِ الصَّلاةِ كَأنَّهُ طَلَبَ مِنهُمُ الإقامَةَ وسَألَ مِنَ اللَّهِ تَعالى أنْ يُوَفِّقَهم لَها ولا يَخْفى بُعْدُهُ وأبْعَدَ مِنهُ ما قالَهُ أبُو الفَرَجِ بْنُ الجَوْزِيِّ: إنَّ اللّامَ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: ( اجْنُبْنِي وبَنِيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ ) وفي قَوْلِهِ: ﴿لِيُقِيمُوا﴾ بِضَمِيرِ الجَمْعِ عَلى ما في البَحْرِ دَلالَةً عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى أعْلَمَهُ بِأنَّ ولَدَهُ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ سَيُعْقِبُ هُنالِكَ ويَكُونُ لَهُ نَسْلٌ ﴿فاجْعَلْ أفْئِدَةً مِنَ النّاسِ﴾ أيْ أفْئِدَةً مِن أفْئِدَتِهِمْ ﴿تَهْوِي إلَيْهِمْ﴾ أيْ تُسْرِعُ إلَيْهِمْ شَوْقًا ووِدادًا فَمِن لِلتَّبْعِيضِ ولِذا قِيلَ: لَوْ قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: أفْئِدَةَ النّاسِ لازْدَحَمَتْ عَلَيْهِمْ فارِسُ والرُّومُ وهو مَبْنِيٌّ عَلى الظّاهِرِ مِن إجابَةِ دُعائِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وكَوْنِ الجَمْعِ المُضافِ يُفِيدُ الِاسْتِغْراقَ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ قالَ: لَوْ قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: أفْئِدَةَ النّاسِ لَحَجَّتِ البَيْتَ اليَهُودُ والنَّصارى.

وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ غَيْرُ مُناسِبٍ لِلْمَقامِ إذِ المَسْؤُولُ تَوْجِيهُ القُلُوبِ إلَيْهِمْ لِلْمُساكَنَةِ مَعَهم لا تَوْجِيهُها إلى البَيْتِ لِلْحَجِّ وإلّا لَقِيلَ تَهْوِي إلَيْهِ فَإنَّهُ عَيَّنَ الدُّعاءَ بِالبَلَدِيَّةِ قَدْ حُكِيَ بِعِبارَةٍ أُخْرى. اهَـ. وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لا مُنافاةَ بَيْنَ الشَّرْطِيَّةِ في المَرْوِيِّ وكَوْنِ المَسْؤُولِ تَوْجِيهَ القُلُوبِ إلَيْهِمْ لِلْمُساكَنَةِ مَعَهم وقَدْ جاءَ نَحْوُ تِلْكَ الشَّرْطِيَّةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ كَما في الدُّرِّ المَنثُورِ وغَيْرِهِ عَلى أنَّ بَعْضَهم جَعَلَ هَذا دُعاءَ بِتَوْجِيهِ القُلُوبِ إلى البَيْتِ.

فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَكَمِ قالَ: سَألْتُ عِكْرِمَةَ وطاوُسًا وعَطاءَ بْنَ أبِي رَباحٍ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ ﴿فاجْعَلْ﴾ إلى آخِرِهِ فَقالُوا: البَيْتُ تَهْوِي إلَيْهِ قُلُوبُهم يَأْتُونَهُ وفي لَفْظٍ قالُوا: هَواهم إلى مَكَّةَ أنْ يَحُجُّوا نَعَمْ هو خِلافُ الظّاهِرِ وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ ( مِن ) لِلِابْتِداءِ كَما في قَوْلِكَ: القَلْبُ مِنهُ سَقِيمٌ تُرِيدُ قَلْبَهُ فَكَأنَّهُ قِيلَ: أفْئِدَةُ ناسٍ واعْتَرَضَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ لا يَظْهَرُ كَوْنُها لِلِابْتِداءِ لِأنَّهُ لا فِعْلَ هُنا يُبْتَدَأُ فِيهِ لِغايَةٍ يَنْتَهِي إلَيْها إذْ لا يَصِحُّ ابْتِداءُ جَعَلَ أفْئِدَةً مِنَ النّاسِ وتَعَقَّبَهُ بَعْضُ الأجِلَّةِ بِقَوْلِهِ: وفِيهِ بَحْثٌ فَإنَّ فِعْلَ الهَوى لِلْأفْئِدَةِ يُبْتَدَأُ بِهِ لِغايَةٍ يَنْتَهِي إلَيْها ألا يَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿إلَيْهِمْ﴾ وفِيهِ تَأمُّلٌ. اهَـ. وكَأنَّ فِيهِ إشارَةً إلى ما قِيلَ: مِن أنَّ الِابْتِداءَ في مِنِ الِابْتِدائِيَّةِ إنَّما هو مِن مُتَعَلِّقِها لا مُطْلَقًا وإنْ جَعَلْناها مُتَعَلِّقَةً بِتَهْوِي لا يَظْهَرُ لِتَأْخِيرِهِ ولِتَوْسِيطِ الجارِّ فائِدَةٌ وذَكَرَ مَوْلانا الشِّهابُ في تَوْجِيهِ الِابْتِداءِ وتَرْجِيحِهِ عَلى التَّبْعِيضِ كَلامًا لا يَخْلُو

صفحة 239

عَنْ بَحْثٍ فَقالَ: اعْلَمْ أنَّهُ قالَ في الإيضاحِ أنَّهُ قَدْ يَكُونُ القَصْدُ إلى الِابْتِداءِ دُونَ أنْ يَقْصِدَ انْتِهاءً مَخْصُوصًا إذا كانَ المَعْنى لا يَقْتَضِي إلّا المُبْتَدَأ مِنهُ كَأعُوذُ بِاللَّهِ تَعالى مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ وزَيْدٌ أفْضَلُ مِن عَمْرٍو.

وقَدْ قِيلَ: إنَّ جَمِيعَ مَعانِي ( مِن ) دائِرَةٌ عَلى الِابْتِداءِ والتَّبْعِيضُ هُنا لا يَظْهَرُ فِيهِ فائِدَةٌ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وهَنَ العَظْمُ مِنِّي﴾ فَإنَّ كَوْنَ قَلْبِ الشَّخْصِ وعَظْمِهِ بَعْضًا مِنهُ مَعْنًى مَكْشُوفٌ غَيْرُ مَقْصُودٍ بِالإفادَةِ فَلِذا جُعِلَتْ لِلِابْتِداءِ والظَّرْفُ مُسْتَقِرٌّ لِلتَّفْخِيمِ كَأنَّ مَيْلَ القَلْبِ نَشَأ مِن جُمْلَتِهِ مَعَ أنَّ مَيْلَ جُمْلَةِ كُلِّ شَخْصٍ مِن جِهَةِ قَلْبِهِ كَما أنَّ سَقَمَ قَلْبِ العاشِقِ نَشَأ مِنهُ مَعَ أنَّهُ إذا صَلَحَ صَلَحَ البَدَنُ كُلُّهُ وإلى هَذا نَحا المُحَقِّقُونَ مِن شُرّاحِ الكَشّافِ لَكِنَّهُ مَعْنًى غامِضٌ فَتَدَبَّرْهُ والأفْئِدَةُ مَفْعُولٌ أوَّلُ لِاجْعَلْ وهو جَمْعُ فُؤادٍ وفَسَّرُوهُ عَلى ما في البَحْرِ وغَيْرِهِ بِالقَلْبِ لَكِنْ يُقالُ لَهُ فُؤادٌ إذا اعْتُبِرَ فِيهِ مَعْنى التَّفَؤُّدِ أيِ التَّوَقُّدِ يُقالُ: فَأدْتُ اللَّحْمَ أيْ شَوَيْتُهُ ولَحْمٌ فَئِيدٌ أيْ مَشْوِيٌّ وقِيلَ: الأفْئِدَةُ هُنا القِطَعُ مِنَ النّاسِ بِلُغَةِ قُرَيْشٍ وإلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ بَحْرٍ والمَفْعُولُ الثّانِي جُمْلَةُ تَهْوِي وأصْلُ الهَوى الهُبُوطُ بِسُرْعَةٍ وفي كَلامِ بَعْضِهِمُ السُّرْعَةُ وكانَ حَقُّهُ أنْ يُعَدّى بِاللّامِ كَما في قَوْلِهِ: .

حَتّى إذا ما هَوَتْ كَفُّ الوَلِيدِ لَها طارَتْ وفي كَفِّهِ مِن رِيشِها تَبْكِ

وإنَّما عُدِّيَ بِإلى لِتَضْمِينِهِ مَعْنى المَيْلِ كَما في قَوْلِهِ: .

تَهْوِي إلى مَكَّةَ تَبْغِي الهُدى ∗∗∗ ما مُؤْمِنُ الجِنِّ كَأنْجاسِها

ولَمّا كانَ ما تَقَدَّمَ كالمَبادِي لِإجابَةِ دُعائِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وإعْطاءِ مَسْؤُولِهِ جاءَ بِالفاءِ في قَوْلِهِ: ﴿فاجْعَلْ﴾ إلى آخِرِهِ وقَرَأ هِشامٌ ( أفَئِيدَةً ) بِياءٍ بَعْدَ الهَمْزَةِ نَصَّ عَلَيْهِ الحَلْوانِيُّ عَنْهُ وخَرَّجَ ذَلِكَ عَلى الإشْباعِ كَما في قَوْلِهِ: .

أعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ العَقْرابِ ∗∗∗ الشّائِلاتِ عَقْدَ الأذْنابِ

ولَمّا كانَ ذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا في ضَرُورَةِ الشِّعْرِ عِنْدَ بَعْضِهِمْ قالُوا: إنَّ هِشامًا قَرَأ بِتَسْهِيلِ الهَمْزَةِ كالياءِ فَعَبَّرَ عَنْها الرّاوِي بِالياءِ فَظَنَّ مَن أخْطَأ فَهْمَهُ أنَّها بِياءٍ بَعْدَ الهَمْزَةِ والمُرادُ بِياءٍ عِوَضًا مِنَ الهَمْزَةِ وتَعَقَّبَ ذَلِكَ الحافِظُ أبُو عَمْرٍو الدّانِيُّ بِأنَّ النَّقَلَةَ عَنْ هِشامٍ كانُوا مِن أعْلَمِ النّاسِ بِالقِراءَةِ ووُجُوهِها فَهم أجَلُّ مِن أنْ يُعْتَقَدَ فِيهِمْ مِثْلُ ذَلِكَ وقُرِئَ ( آفِدَةً ) عَلى وزْنِ ضارِبَةٍ وفِيهِ احْتِمالانِ أحَدُهُما أنْ يَكُونَ قُدِّمَتْ فِيهِ الهَمْزَةُ عَلى الفاءِ فاجْتَمَعَ هَمْزَتانِ ثانِيَتُهُما ساكِنَةٌ فَقُلِبَتْ ألِفًا فَوَزْنُهُ أعِفْلَةٌ كَما قِيلَ في أدْوُرٍ جَمْعَ دارٍ قُلِبَتْ فِيهِ الواوُ المَضْمُومَةُ هَمْزَةً ثُمَّ قُدِّمَتْ وقُلِبَتْ ألِفًا فَصارَ آدَرَ وثانِيهِما أنَّهُ اسْمُ فاعِلٍ مِن أفَدَ يَأْفَدُ بِمَعْنى قَرُبَ ودَنا ويَكُونُ بِمَعْنى عَجِلَ وهو صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ أيْ جَماعَةٌ أوْ جَماعاتٌ آفِدَةٌ وقُرِئَ ( أفِدَةً ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ مِن غَيْرِ مَدٍّ وكَسْرِ الفاءِ بَعْدَها دالٌ وهو إمّا صِفَةٌ مِن أفِدَ بِوَزْنِ خَشِنَةٍ فَيَكُونُ بِمَعْنى آفِدَةً في القِراءَةِ الأُخْرى أوِ أصْلُهُ أفْئِدَةٌ فَنُقِلَتْ حَرَكَةُ الهَمْزَةِ إلى ما قَبْلَها ثُمَّ طُرِحَتْ وهو وجْهٌ مَشْهُورٌ عِنْدَ الصَّرْفِيِّينَ والقُرّاءِ.

قالَ الأوَّلُونَ: إذا تَحَرَّكَتِ الهَمْزَةُ بَعْدَ ساكِنٍ صَحِيحٍ تَبْقى أوْ تُنْقَلُ حَرَكَتُها إلى ما قَبْلَها وتُحْذَفُ ولا يَجُوزُ جَعْلُها بَيْنَ بَيْنَ لِما فِيهِ مِن شِبْهِ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ وقالَ صاحِبُ النَّشْرِ مِنَ الآخِرِينَ: الهَمْزَةُ المُتَحَرِّكَةُ بَعْدَ حَرْفٍ صَحِيحٍ ساكِنٍ كَمَسْؤُولٍ وأفْئِدَةٍ وقُرْآنٍ وظَمْآنٍ فِيها وجْهٌ واحِدٌ وهو النَّقْلُ وحُكِيَ فِيهِ وجْهٌ ثانٍ وهو بَيْنَ بَيْنَ وهو ضَعِيفٌ جِدًّا وكَذا قالَ غَيْرُهُ مِنهم فَما قِيلَ: إنَّ الوَجْهَ إخْراجُها بَيْنَ بَيْنَ لَيْسَ بِالوَجْهِ وقَرَأتْ أُمُّ الهَيْثَمِ ( أفْوِدَةً ) بِالواوِ المَكْسُورَةِ بَدَلَ الهَمْزَةِ قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: وهو جَمْعُ وفْدٍ والقِراءَةُ حَسَنَةٌ لَكِنِّي لاأعْرَفُ

صفحة 240

هَذِهِ المَرْأةَ بَلْ ذَكَرَها أبُو حاتِمٍ. اهَـ.

وقالَ أبُو حَيّانَ: يُحْتَمَلُ أنَّهُ أُبْدِلَ الهَمْزَةُ في فُؤادٍ ثُمَّ جُمِعَ وأُقِرَّتِ الواوُ في الجَمْعِ إقْرارَها في المُفْرَدِ أوْ هو جَمْعُ وفْدٍ كَما قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ وقُلِبَ إذِ الأصْلُ أوْفِدَةٌ وجَمْعُ فَعْلٍ عَلى أفْعِلَةٍ شاذٌّ ونَجْدٌ وأنْجِدَةٌ ووَهْيٌ وأوْهِيَةٌ وأُمُّ الهَيْثَمِ امْرَأةٌ نُقِلَ عَنْها شَيْءٌ مِن لُغاتِ العَرَبِ وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ( إفادَةً ) عَلى وزْنِ إمارَةٍ ويَظْهَرُ أنَّ الهَمْزَةَ بَدَلٌ مِنَ الواوِ المَكْسُورَةِ كَما قالُوا: أشاحٌ في وِشاحٍ فالوَزْنُ فِعالَةٌ أيْ فاجْعَلْ ذَوِي وِفادَةٍ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرَ أفادَ إفادَةً أيْ ذَوِي إفادَةٍ وهُمُ النّاسُ الَّذِينَ يُفِيدُونَ ويُنْتَفَعُ بِهِمْ وقَرَأ مَسْلَمَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ( تُهْوى ) بِضَمِّ التّاءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مِن أهْوى المَنقُولِ بِهَمْزَةِ التَّعْدِيَةِ مِن هَوى اللّازِمِ كَأنَّهُ قِيلَ: يُسْرَعُ بِها إلَيْهِمْ وقَرَأ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وجَماعَةٌ مِن أهْلِهِ ومُجاهِدٌ ( تَهْوى ) مُضارِعَ هَوى بِمَعْنى أحَبَّ وعُدِّيَ بِإلى لِما تَقَدَّمَ ﴿وارْزُقْهُمْ﴾ أيْ ذُرِّيَّتِيَ الَّذِينَ أسْكَنْتُهم هُناكَ وجُوِّزَ أنْ يُرِيدَهم والَّذِينَ يَنْحازُونَ إلَيْهِمْ مِنَ النّاسِ وإنَّما لَمْ يَخُصَّ عَلَيْهِ السَّلامُ الدُّعاءَ بِالمُؤْمِنِينَ مِنهم كَما في قَوْلِهِ: ﴿وارْزُقْ أهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مِنَ آمَنَ مِنهم بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ اكْتِفاءً عَلى ما قِيلَ بِذِكْرِ إقامَةِ الصَّلاةِ.

﴿مِنَ الثَّمَراتِ﴾ مِن أنْواعِها بِأنْ تَجْعَلَ بِقُرْبِهِمْ قُرًى يَحْصُلُ فِيها ذَلِكَ أوْ تُجْبى إلَيْهِمْ مِنَ الأقْطارِ الشّاسِعَةِ وقَدْ حَصَلَ كِلا الأمْرَيْنِ حَتّى أنَّهُ يَجْتَمِعُ في مَكَّةَ المُكَرَّمَةِ البَواكِيرُ والفَواكِهُ المُخْتَلِفَةُ الأزْمانِ مِنَ الرَّبِيعِيَّةِ والصَّيْفِيَّةِ والخَرِيفِيَّةِ في يَوْمٍ واحِدٍ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ الطّائِفِيِّ أنَّ الطّائِفَ كانَتْ مِن أرْضِ فِلَسْطِينَ فَلَمّا دَعا إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهَذِهِ الدَّعْوَةِ رَفَعَها اللَّهُ تَعالى ووَضَعَها حَيْثُ وضَعَها رِزْقًا لِلْحَرَمِ وفي رِوايَةٍ أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ اقْتَلَعَها فَجاءَ وطافَ بِها حَوْلَ البَيْتِ سَبْعًا ولِذا سُمِّيَتِ الطّائِفَ ثُمَّ وضَعَها قَرِيبَ مَكَّةَ ورُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ أنَّ اللَّهَ تَعالى نَقَلَ قَرْيَةً مِن قُرى الشّامِ فَوَضَعَها بِالطّائِفِ لِدَعْوَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ والظّاهِرُ أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَكُنْ مَقْصُودُهُ مِن هَذا الدُّعاءِ نَقْلَ أرْضٍ مُنْبِتَةٍ مِن فِلَسْطِينَ أوْ قَرْيَةٍ مِن قُرى الشّامِ وإنَّما مَقْصُودُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَرْزُقَهم سُبْحانَهُ مِنَ الثَّمَراتِ وهو لا يَتَوَقَّفُ عَلى النَّقْلِ فَلْيُنْظَرْ ما وجْهُ الحِكْمَةِ فِيهِ وأنا لَسْتُ عَلى يَقِينٍ مِن صِحَّتِهِ ولا أُنْكِرُ والعِياذُ بِاللَّهِ تَعالى أنَّ اللَّهَ جَلَّ وعَلا عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وأنَّهُ سُبْحانَهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ ويَحْكُمُ ما يُرِيدُ ﴿لَعَلَّهم يَشْكُرُونَ﴾ . (73) تِلْكَ النِّعْمَةَ بِإقامَةِ الصَّلاةِ وأداءِ سائِرِ مَراسِمِ العُبُودِيَّةِ واسْتُدِلَّ بِهِ عَلى أنَّ تَحْصِيلَ مَنافِعِ الدُّنْيا إنَّما هي لِيُسْتَعانَ بِها عَلى أداءِ العِباداتِ وإقامَةِ الطّاعاتِ ولا يَخْفى ما في دُعائِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن مُراعاةِ حُسْنِ الأدَبِ والمُحافَظَةِ عَلى قَوانِينِ الضَّراعَةِ وعَرْضِ الحاجَةِ واسْتِنْزالِ الرَّحْمَةِ واسْتِجْلابِ الرَّأْفَةِ ولِذا مَنَّ عَلَيْهِ بِحُسْنِ القَبُولِ وإعْطاءِ المَسْؤُولِ ولا بِدْعَ في ذَلِكَ مِن خَلِيلِ الرَّحْمَنِ عَلَيْهِ السَّلامُ.

14:38Страница 260

رَبَّنَآ إِنَّكَ تَعۡلَمُ مَا نُخۡفِي وَمَا نُعۡلِنُۗ وَمَا يَخۡفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِن شَيۡءٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فِي ٱلسَّمَآءِ ٣٨

Господь наш! Тебе ведомо то, что мы утаиваем, и то, что мы обнародуем. Ничто не скроется от Аллаха ни на земле, ни на небесах.

﴿رَبَّنا إنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وما نُعْلِنُ﴾ مِنَ الحاجاتِ وغَيْرِها وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ أنَّ مُرادَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ما نُخْفِي مِن حُبِّ إسْماعِيلَ وأُمِّهِ وما نُعْلِنُ لِسارَةَ مِنَ الجَفاءِ لَهُما وقِيلَ: ما نُخْفِي مِنَ الوَجْدِ لِما وقَعَ بَيْنَنا مِنَ الفُرْقَةِ وما نُعْلِنُ مِنَ البُكاءِ والدُّعاءِ وقِيلَ: ما نُخْفِي مِن كَآبَةِ الِافْتِراقِ وما نُعْلِنُ مِمّا جَرى بَيْنَنا وبَيْنَ هاجَرَ عِنْدَ الوَداعِ مِن قَوْلِها: إلى مَن تَكِلُنا وقَوْلِي لَها: إلى اللَّهِ تَعالى و( ما ) في جَمِيعِ هَذِهِ الأقْوالِ مَوْصُولَةٌ والعائِدُ مَحْذُوفٌ والظّاهِرُ العُمُومُ وهو المُخْتارُ والمُرادُ بِما نُخْفِي عَلى ما قِيلَ ما يُقابِلُ لا ما نُعْلِنُ سَواءً

صفحة 241

تَعَلَّقَ بِهِ الإخْفاءُ أوْ لا أيْ تَعْلَمُ ما نُظْهِرُهُ وما لا نُظْهِرُهُ فَإنَّ عِلْمَهُ تَعالى مُتَعَلِّقٌ بِما لا يَخْطُرُ بِبالِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الأحْوالِ الخَفِيَّةِ وتَقْدِيمُ ﴿ما نُخْفِي﴾ عَلى ( ما نُعْلِنُ ) لِتَحْقِيقِ المُساواةِ بَيْنَهُما في تَعَلُّقِ العِلْمِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ فَكانَ تَعَلُّقُهُ بِما يُخْفى أقْدَمَ مِنهُ بِما يُعْلَنُ أوْ لِأنَّ مَرْتَبَةَ السِّرِّ والخَفاءِ مُتَقَدِّمَةٌ عَلى مَرْتَبَةِ العَلَنِ إذْ ما مِن شَيْءٍ يُعْلَنُ إلّا وهو قَبْلَ ذَلِكَ خَفِيٌّ فَتَعَلُّقُ عِلْمِهِ تَعالى بِحالَتِهِ الأُولى أقْدَمُ مِن تَعَلُّقِهِ بِحالَتِهِ الثّانِيَةِ وجَعَلَ بَعْضُهم ( ما ) مَصْدَرِيَّةً والتَّقْدِيمَ والتَّأْخِيرَ لِتَحْقِيقِ المُساواةِ أيْضًا ومِن هُنا قِيلَ: أيْ تَعْلَمُ سِرَّنا كَما تَعْلَمُ عَلَنَنا.

والمَقْصُودُ مِن فَحْوى كَلامِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ إظْهارَ هَذِهِ الحاجاتِ وما هو مِن مَبادِيها وتَتِمّاتِها لَيْسَ لِكَوْنِها غَيْرَ مَعْلُومَةٍ لَكَ بَلْ إنَّما هو لِإظْهارِ العُبُودِيَّةِ والتَّخَشُّعِ لِعَظَمَتِكَ والتَّذَلُّلِ لِعِزَّتِكَ وعَرْضِ الِافْتِقارِ لِما عِنْدَكَ والِاسْتِعْجالِ لِنِيلِ أيادِيكَ وقِيلَ: أرادَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّكَ أعْلَمُ بِأحْوالِنا ومَصالِحِنا وأرْحَمُ بِنا مِن أنْفُسِنا فَلا حاجَةَ لَنا إلى الطَّلَبِ لَكِنْ نَدْعُوكَ لِإظْهارِ العُبُودِيَّةِ إلى آخِرِهِ وقَدْ أشارَ السَّهَرَوَرْدِيُّ إلى أنَّ ظُهُورَ الحالِ يُغْنِي عَنِ السُّؤالِ بِقَوْلِهِ: .

ويَمْنَعُنِي الشَّكْوى إلى النّاسِ أنَّنِي عَلِيلٌ ومَن أشْكُو إلَيْهِ عَلِيلُ

ويَمْنَعُنِي الشَّكْوى إلى اللَّهِ أنَّهُ ∗∗∗ عَلِيمٌ بِما أشْكُوهُ قَبْلَ أقُولُ

وتَكْرِيرُ النِّداءِ لِلْمُبالَغَةِ في الضَّراعَةِ والِابْتِهالِ وضَمِيرُ الجَماعَةِ كَما قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ لِأنَّ المُرادَ لَيْسَ مُجَرَّدَ عِلْمِهِ تَعالى بِما يَخْفى وما يُعْلَنُ بَلْ بِجَمِيعِ خَفايا المُلْكِ والمَلَكُوتِ وقَدْ حَقَّقَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِ عَلى وجْهِ الِاعْتِراضِ: ﴿وما يَخْفى عَلى اللَّهِ مِن شَيْءٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ . (38) لَمّا أنَّ عِلْمَهُ تَعالى ذاتِيٌّ فَلا يَتَفاوَتُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ مَعْلُومٌ دُونَ مَعْلُومٍ وقالَ أبُو حَيّانَ: لا يَظْهَرُ تَفاوُتٌ بَيْنَ إضافَةِ رَبٍّ إلى ياءِ المُتَكَلِّمِ وبَيْنَ إضافَتِهِ إلى جَمْعِ المُتَكَلِّمِ. اهَـ. ومِمّا نَقَلْنا يُعْلَمُ وجْهُ إضافَةِ ( رَبِّ ) هُنا إلى ضَمِيرِ الجَمْعِ ولا أدْرِي ماذا أرادَ أبُو حَيّانَ بِكَلامِهِ هَذا وما يَرُدُّ عَلَيْهِ أظْهَرَ مِن أنْ يَخْفى وإنَّما قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿وما يَخْفى﴾ إلى آخِرِهِ دُونَ أنْ يَقُولَ: ويَعْلَمُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ تَحْقِيقًا لِما عَناهُ بِقَوْلِهِ: ﴿تَعْلَمُ ما نُخْفِي﴾ مِن أنَّ عِلْمَهُ تَعالى بِذَلِكَ لَيْسَ عَلى وجْهٍ يَكُونُ فِيهِ شائِبَةُ خَفاءٍ بِالنِّسْبَةِ إلى عِلْمِهِ تَعالى كَما يَكُونُ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلى عُلُومِ المَخْلُوقاتِ وكَلِمَةُ ( في ) مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِشَيْءٍ أيْ لِشَيْءٍ كائِنٍ فِيهِما أعَمَّ مِن أنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلى وجْهِ الِاسْتِقْرارِ فِيهِما أوْ عَلى وجْهِ الجُزْئِيَّةِ مِنهُما وجُوِّزَ أنْ تَتَعَلَّقَ بِيَخْفى وهو كَما تَرى وتَقْدِيمُ ( الأرْضَ ) عَلى السَّماءِ مَعَ تَوْسِيطِ ( لا ) بَيْنُهُما بِاعْتِبارِ القُرْبِ والبُعْدِ مِنّا المُسْتَعِدَّيْنِ لِلتَّفاوُتِ بِالنِّسْبَةِ إلى عُلُومِنا والمُرادُ مِنَ السَّماءِ ما يَشْمَلُ السَّماواتِ كُلَّها ولَوْ أُرِيدَ مِنَ الأرْضِ جِهَةَ السُّفْلِ ومِنَ السَّماءِ جِهَةَ العُلُوِّ كَما قِيلَ جازَ والِالتِفاتُ مِنَ الخِطابِ إلى الِاسْمِ الجَلِيلِ لِلْإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ والإيذانِ بِعُمُومِهِ لِأنَّهُ لَيْسَ بِشَأْنٍ يَخْتَصُّ بِهِ أوْ بِمَن يَتَعَلَّقُ بِهِ بَلْ شامِلٌ لِجَمِيعِ الأشْياءِ فالمُناسِبُ ذِكْرُهُ تَعالى بِعُنْوانٍ مُصَحِّحٍ لِمَبْدَئِيَّةِ الكُلِّ وعَنِ الجُبّائِيِّ أنَّ هَذا مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى شَأْنُهُ وارِدٌ بِطَرِيقِ الِاعْتِراضِ لِتَصْدِيقِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ والأكْثَرُونَ عَلى الأوَّلِ و( مِن ) عَلى الوَجْهَيْنِ لِلِاسْتِغْراقِ

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English