Аль-Алуси · Тафсир · на арабском
Ан-Нахль 16:106–110
16:106Страница 279
مَن كَفَرَ بِٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ إِيمَٰنِهِۦٓ إِلَّا مَنۡ أُكۡرِهَ وَقَلۡبُهُۥ مُطۡمَئِنُّۢ بِٱلۡإِيمَٰنِ وَلَٰكِن مَّن شَرَحَ بِٱلۡكُفۡرِ صَدۡرٗا فَعَلَيۡهِمۡ غَضَبٞ مِّنَ ٱللَّهِ وَلَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ ١٠٦
Гнев Аллаха падет на тех, кто отрекся от Аллаха после того, как уверовал, - не на тех, кто был принужден к этому, тогда как в его сердце покоилась твердая вера, а на тех, кто сам раскрыл грудь для неверия. Им уготованы великие мучения.
﴿مَن كَفَرَ بِاللَّهِ﴾ أيْ بِكَلِمَةِ الكُفْرِ ﴿مِن بَعْدِ إيمانِهِ﴾ بِهِ تَعالى. وهَذا بِحَسَبِ الظّاهِرِ ابْتِداءُ كَلامٍ لِبَيانِ حالِ مَن كَفَرَ بِآياتِ اللَّهِ تَعالى بَعْدَ ما آمَنَ بِها بَعْدَ بَيانِ حالِ مَن لَمْ يُؤْمِن بِها رَأْسًا (ومَن) مَوْصُولَةٌ مَحَلُّها الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ «فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ» الآتِي عَلَيْهِ وحَذْفُ مِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرٌ في الكَلامِ، وجُوِّزَ أيْضًا الرَّفْعُ وكَذا النَّصْبُ عَلى القَطْعِ لِقَصْدِ الذَّمِّ أيْ هم أوْ أذُمُّ مَن كَفَرَ والقَطْعُ لِلذَّمِّ والمَدْحِ وإنْ تُعُورِفَ في النَّعْتِ، (ومَن) لا يُوصَفُ بِها لَكِنْ لا مانِعَ مِنَ اعْتِبارِهِ في غَيْرِهِ كالبَدَلِ وقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ سِيبَوَيْهِ. نَعَمْ قالَ أبُو حَيّانَ: إنَّ النَّصْبَ عَلى الذَّمِّ بَعِيدٌ. وأجازَ الحَوْفِيُّ والزَّمَخْشَرِيُّ كَوْنَها بَدَلًا مِن ﴿الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأُولَئِكَ هُمُ الكاذِبُونَ﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَهُما. واعْتَرَضَهُ أبُو حَيّانَ
صفحة 236
وغَيْرُهُ بِأنَّهُ يَقْتَضِي أنْ لا يَفْتَرِيَ الكَذِبَ إلّا مَن كَفَرَ بَعْدَ إيمانِهِ والوُجُودُ يَقْتَضِي أنَّ مَن يَفْتَرِي الكَذِبَ هو الَّذِي لا يُؤْمِنُ مُطْلَقًا وهم أكْثَرُ المُفْتَرِينَ. وأيْضًا البَدَلُ هو المَقْصُودُ والآيَةُ سِيقَتْ لِلرَّدِّ عَلى قُرَيْشٍ وهم كُفّارٌ أصْلِيُّونَ. ووَجَّهَ ذَلِكَ الطَّيِّبِيُّ بِأنْ يُرادَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن بَعْدِ إيمانِهِ﴾ مِن بَعْدِ تَمَكُّنِهِ مِنهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى﴾ وذَكَرَ أنَّ فِيهِ تَرْشِيحًا لِطَرِيقِ الِاسْتِدْراجِ وتَحْسِيرًا لَهم عَلى ما فاتَهم مِنَ التَّصْدِيقِ وما اقْتَرَفُوهُ مِن نِسْبَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى الِافْتِراءِ وفِيهِ كَما في الكَشْفِ أنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿إلا مَن أُكْرِهَ﴾ لا يُساعِدُ عَلَيْهِ، وحَمْلُ التَّمَكُّنِ مِنهُ عَلى ما هو أعَمُّ مِنَ التَّمَكُّنِ في إحْداثِهِ وبَقائِهِ لا يَخْفى ما فِيهِ.
وقالَ المُدَقِّقُ: الأوْلى في التَّوْجِيهِ أنْ يُجْعَلَ المَعْنى مَن وجَدَ الكُفْرَ فِيما بَيْنَهم تَغْيِيرًا عَلى الِارْتِدادِ أيْضًا وأنَّ مَن وجَدَ فِيهِمْ هَذِهِ الخَصْلَةَ لا يَبْعُدُ مِنهُ الِافْتِراءُ ويُجْعَلُ ذَلِكَ ذَرِيعَةً إلى أنْ يَنْعى عَلَيْهِمْ ما كانُوا يَفْعَلُونَهُ مَعَ المُؤْمِنِينَ مِنَ المُثْلَةِ ويُدْمِجُ فِيهِ الرُّخْصَةَ بِإجْراءِ كَلِمَةِ الكُفْرِ عَلى اللِّسانِ عَلى سَبِيلِ الإكْراهِ وتَفاوُتِ ما بَيْنَ صاحِبِ العَزِيمَةِ والرُّخْصَةِ، ولا يَخْفى ما فِيهِ أيْضًا وأنَّهُ غَيْرُ مُلائِمٍ لِسَبَبِ النُّزُولِ، وقالَ الخَفاجِيُّ: لَكَ أنْ تَقُولَ: الأقْرَبُ أنْ يَبْقى الكَلامُ عَلى ظاهِرِهِ مِن غَيْرِ تَكَلُّفٍ وأنَّ هَذا تَكْذِيبٌ لَهم عَلى أبْلَغِ وجْهٍ كَما يُقالُ لِمَن قالَ: إنَّ الشَّمْسَ غَيْرُ طالِعَةٍ في يَوْمِ صاحَ هَذا لَيْسَ بِكَذِبٍ لِأنَّ الكَذِبَ يَصْدُرُ فِيما قَدْ تَقْبَلُهُ العُقُولُ ويَكُونُ هَذا عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ المُرادُ في ﴿لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ﴾ لا يَهْدِيهِمْ إلى الحَقِّ فاللَّهُ تَعالى لَمّا لَمْ يَهْدِهِمْ إلى الحَقِّ والصِّدْقِ وخَتَمَ عَلى حَواسِّهِمْ نَزَلُوا مَنزِلَةَ مَن لَمْ يَعْرِفْهُ حَتّى يُساعِدَهُ لِسانُهُ عَلى النُّطْقِ بِهِ فَقُبْحُ إنْكارِهِمْ لَهُ أجَلُّ مِن أنْ يُسَمّى كَذِبًا وإنَّما يُكَذِّبُ مَن تَعَمَّدَ ذَلِكَ ونَطَقَ بِهِ مَرَّةً، فَتَكُونُ الآيَةُ الأُولى لِلرَّدِّ عَلى قُرَيْشٍ صَرِيحًا والأُخْرى دَلالَةٌ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ انْتَهى، ولَعَمْرِي إنَّهُ نِهايَةٌ في التَّكَلُّفِ، ومِثْلُ هَذا الإبْدالِ الإبْدالُ مِن ( أُولَئِكَ ) والإبْدالُ مِنَ ( الكاذِبُونَ ) وقَدْ جَوَّزَهُما الزَّمَخْشَرِيُّ أيْضًا وجَوَّزَ الحَوْفِيُّ الأخِيرَ أيْضًا ولَمْ يُجَوِّزِ الزَّجّاجُ غَيْرَهُ.
وجَوَّزَ غَيْرُ واحِدٍ كَوْنَ ( مَن ) شَرْطِيَّةً مَرْفُوعَةَ المَحَلِّ عَلى الِابْتِداءِ واسْتَظْهَرَهُ في البَحْرِ والجَوابُ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ الآتِي عَلَيْهِ كَما سَمِعْتَ في الوَجْهِ الأوَّلِ، والكَلامُ في خَبَرِ مَنِ الشَّرْطِيَّةِ مَشْهُورٌ، وظاهِرُ صَنِيعُ الزَّمَخْشَرِيِّ اخْتِيارُ الإبْدالِ وهو عِنْدِي غَرِيبٌ مِنهُ. وفي الكَشْفِ أنَّ كَوْنَ ( مَن ) شَرْطِيَّةً مُبْتَدَأً وجْهٌ ظاهِرُ السَّدادِ إلّا أنَّ الَّذِي حَمَلَ جارُ اللَّهِ عَلى إيثارِ كَوْنِ ( مَن ) بَدَلًا طَلَبُ المُلاءَمَةِ بَيْنَ أجْزاءِ النَّظْمِ الكَرِيمِ لا أنْ يَكُونَ ابْتِداءَ بَيانِ حُكْمٍ، ولا يَخْفى ما في هَذا العُذْرِ مِنَ الوَهَنِ، والظّاهِرُ أنَّ اسْتِثْناءَ ﴿مَن أُكْرِهَ﴾ أيْ عَلى التَّلَفُّظِ بِالكُفْرِ بِأمْرٍ يَخافُ مِنهُ عَلى نَفْسِهِ أوْ عُضْوٍ مِن أعْضائِهِ- مِن كُفْرٍ- اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ لِأنَّ الكُفْرَ التَّلَفُّظُ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ سَواءٌ طابَقَ الِاعْتِقادَ أوْ لا.
قالَ الرّاغِبُ: يُقالُ كَفَرَ فُلانٌ إذا اعْتَقَدَ الكُفْرَ ويُقالُ إذا أظْهَرَ الكُفْرَ وإنْ لَمْ يَعْتَقِدْ، فَيَدْخُلُ هَذا المُسْتَثْنى في المُسْتَثْنى مِنهُ المَذْكُورِ، وقِيلَ: مُسْتَثْنى مِنَ الخَبَرِ الجَوابُ المُقَدَّرُ، وقِيلَ: مُسْتَثْنى مُقَدَّمٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ﴾ ولَيْسَ بِذاكَ، والمُرادُ إخْراجُهُ مِن حُكْمِ الغَضَبِ والعَذابُ أوِ الذَّمُّ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ﴾ حالٌ مِنَ المُسْتَثْنى، والعامِلُ- كَما في إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ- هو الكُفْرُ الواقِعُ بِالإكْراهِ لا نَفْسَ الإكْراهِ لِأنَّ مُقارَنَةَ اطْمِئْنانِ القَلْبِ بِالإيمانِ لِلْإكْراهِ لا تُجْدِي نَفْعًا وإنَّما المُجْدِي مُقارَنَتُهُ لِلْكُفْرِ الواقِعِ بِهِ أيْ إلّا مَن كَفَرَ بِإكْراهٍ أوْ إلّا مَن أُكْرِهَ فَكَفَرَ والحالُ أنَّ قَلْبَهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ لَمْ تَتَغَيَّرْ عَقِيدَتُهُ، وأصْلُ مَعْنى الِاطْمِئْنانِ سُكُونٌ بَعْدَ انْزِعاجٍ، والمُرادُ هُنا السُّكُونُ والثَّباتُ عَلى ما كانَ عَلَيْهِ بَعْدَ إزْعاجِ الإكْراهِ، وإنَّما لَمْ
صفحة 237
يُصَرِّحْ بِذَلِكَ العامِلِ إيماءً إلى أنَّهُ لَيْسَ بِكُفْرٍ حَقِيقَةً.
واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ الإيمانَ هو التَّصْدِيقُ بِالقَلْبِ والإقْرارُ لَيْسَ رُكْنًا فِيهِ كَما قِيلَ. واعْتُرِضَ بِأنَّ مَن جَعَلَهُ رُكْنًا لَمْ يُرِدْ أنَّهُ رُكْنٌ حَقِيقِيٌّ لا يَسْقُطُ أصْلًا بَلْ أنَّهُ دالٌّ عَلى الحَقِيقَةِ الَّتِي هي التَّصْدِيقُ إذْ لا يُمْكِنُ الِاطِّلاعُ عَلَيْها فَلا يَضُرُّهُ عِنْدَ سُقُوطِهِ لِنَحْوِ الإكْراهِ والعَجْزِ فَتَأمَّلْ.
﴿ولَكِنْ مَن شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا﴾ أيِ اعْتَقَدَهُ وطابَ بِهِ نَفْسًا (وصَدْرًا) عَلى مَعْنى صَدْرِهِ إذِ البَشَرُ في عَجْزٍ عَنْ شَرْحِ صَدْرِ غَيْرِهِ، ونَصْبُهُ- كَما قالَ الإمامُ- عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ- لِشَرَحَ- وجَوَّزَ بَعْضُهم كَوْنَهُ عَلى التَّمْيِيزِ، (ومَن) إمّا شَرْطِيَّةٌ أوْ مَوْصُولَةٌ لَكِنْ إذا جُعِلَتْ شَرْطِيَّةً- قالَ أبُو حَيّانَ - لا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ قَبْلَها لِأنَّ لَكِنْ لا تَلِيها الجُمَلُ الشَّرْطِيَّةُ، والتَّقْدِيرُ هُنا ولَكِنْ هم مَن شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا أيْ مِنهم ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ولَكِنْ مَتى تَسْتَرْفِدُ القَوْمُ أرْفِدُ. أيْ ولَكِنْ أنا مَتى تَسْتَرْفِدُ إلَخْ. وتُعِقِّبَ بِأنَّهُ تَقْدِيرٌ غَيْرُ لازِمٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ﴾ جَوابُ الشَّرْطِ عَلى تَقْدِيرِ شَرْطِيَّةِ ( مَن ) وهي عَلى التَّقْدِيرَيْنِ مُبْتَدَأٌ وهَذا خَبَرُها عَلى تَقْدِيرِ المَوْصُولِيَّةِ وكَذا عَلى تَقْدِيرِ الشَّرْطِيَّةِ في رَأْيٍ والخِلافُ مَشْهُورٌ، وجَعَلَهُ بَعْضُهم خَبَرًا لِمَن هَذِهِ ولِمَنِ الأُولى لِلِاتِّحادِ في المَعْنى إذِ المُرادُ- بِمَن كَفَرَ- الصِّنْفُ الشّارِحُ بِالكُفْرِ صَدْرًا. وتَعَقَّبَهُ في البَحْرِ بِأنَّ هاهُنا جُمْلَتَيْنِ شَرْطِيَّتَيْنِ وقَدْ فَصَلَ بَيْنَهُما بِأداةِ الِاسْتِدْراكِ فَلا بُدَّ لِكُلِّ واحِدَةٍ مِنهُما مِن جَوابٍ عَلى حِدَةٍ فَتَقْدِيرُ الحَذْفِ أحْرى في صِناعَةِ الإعْرابِ.
وقَدْ ضَعَّفُوا مَذْهَبَ أبِي الحَسَنِ في ادِّعائِهِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ وقَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ﴾ جَوابٌ- لِأمّا- ولِأنَّ هَذا وهُما أداتا شَرْطٍ تَلِي إحْداهُما الأُخْرى، ويَبْعُدُ بِهَذا عِنْدِي جَعْلُهُ خَبَرًا لَهُما عَلى تَقْدِيرِ المَوْصُولِيَّةِ والِاسْتِدْراكُ مِنَ الإكْراهِ عَلى ما قِيلَ ووُجِّهَ بِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إلا مَن أُكْرِهَ﴾ يُوهِمُ أنَّ المُكْرَهَ مُطْلَقًا مُسْتَثْنًى مِمّا تَقَدَّمَ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ﴾ لا يَنْفِي ذَلِكَ الوَهْمَ فاحْتِيجَ إلى الِاسْتِدْراكِ لِدَفْعِهِ وفِيهِ بَحْثٌ ظاهِرٌ، وقِيلَ: المُرادُ مُجَرَّدُ التَّأْكِيدِ كَما في نَحْوِ ذَلِكَ: لَوْ جاءَ زَيْدٌ لَأكْرَمْتُكَ لَكِنَّهُ لَمْ يَجِئْ. وأنْتَ تَعْلَمُ ما في ذَلِكَ فَتَأمَّلْ جِدًّا، وتَنْوِينُ ﴿غَضَبٌ﴾ لِلتَّعْظِيمِ أيْ غَضَبٌ عَظِيمٌ لا يَكْتَنِهُ كُنْهُهُ كائِنٌ ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ جَلَّ جَلالُهُ ﴿ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ لِعَظَمِ جُرْمِهِمْ فَجُوِّزُوا مِن جِنْسِ عَمَلِهِمْ، وفي اخْتِيارِ الِاسْمِ الجَلِيلِ مِن تَرْبِيَةِ المَهابَةِ وتَقْوِيَةِ تَعْظِيمِ العَذابِ ما فِيهِ، والجَمْعُ في الضَّمِيرَيْنِ المَجْرُورَيْنِ لِمُراعاةِ جانِبِ المَعْنى كَما أنَّ الإفْرادَ في المُسْتَكِنِّ في الصِّلَةِ لِرِعايَةِ جانِبِ اللَّفْظِ.
رُوِيَ «أنَّ قُرَيْشًا أكْرَهُوا عَمّارًا وأبَوَيْهِ ياسِرًا وسُمَيَّةَ عَلى الِارْتِدادِ فَأبَوْا فَرَبَطُوا سُمَيَّةَ بَيْنَ بَعِيرَيْنِ وجِيءَ بِحَرْبَةٍ في قِبَلِها وقالُوا إنَّما أسْلَمْتِ مِن أجْلِ الرِّجالِ فَقَتَلُوها وقَتَلُوا ياسِرًا وهُما أوَّلُ قَتِيلَيْنِ في الإسْلامِ، وأمّا عَمّارٌ فَأعْطاهم بِلِسانِهِ ما أكْرَهُوهُ عَلَيْهِ فَقِيلَ يا رَسُولَ اللَّهِ إنْ عَمّارًا كَفَرَ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: كَلّا إنَّ عَمّارًا مُلِئَ إيمانًا مِن قَرْنِهِ إلى قَدَمِهِ واخْتَلَطَ الإيمانُ بِلَحْمِهِ ودَمِهِ فَأتى عَمّارٌ رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وهو يَبْكِي فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَمْسَحُ عَيْنَيْهِ وقالَ: ما لَكَ إنْ عادُوا فَعُدْ لَهم بِما قُلْتَ، وفي رِوايَةٍ أنَّهم أخَذُوهُ فَلَمْ يَتْرُكُوهُ حَتّى سَبَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وذَكَرَ آلِهَتَهم بِخَيْرٍ ثُمَّ تَرَكُوهُ فَلَمّا أتى رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: ما وراءَكَ؟ قالَ: شَرٌّ ما تُرِكْتُ حَتّى نِلْتُ مِنكَ وذَكَرْتُ آلِهَتَهم بِخَيْرٍ قالَ: كَيْفَ تَجِدُ قَلْبَكَ؟ قالَ: مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ
صفحة 238
قالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: إنْ عادُوا فَعُدْ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،» وكَأنَّ الأمْرَ بِالعَوْدِ في الرِّوايَةِ الأُولى لِلتَّرْخِيصِ بِناءً عَلى ما قالَ النَّسَفِيُّ إنَّهُ أدْنى مَراتِبِهِ وكَذا الأمْرُ في الرِّوايَةِ الثّانِيَةِ إنِ اعْتُبِرَ مُقَيَّدًا بِما قُيِّدَ بِهِ في الرِّوايَةِ الأُولى، وأمّا إنِ اعْتُبِرَ مُقَيَّدًا بِطُمَأْنِينَةِ القَلْبِ كَما في الهِدايَةِ أيْ عُدْ إلى جَعْلِها نُصْبَ عَيْنَيْكِ واثْبُتْ عَلَيْها فالأمْرُ لِلْوُجُوبِ، والآيَةُ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ التَّكَلُّمِ بِكَلِمَةِ الكُفْرِ عِنْدَ الإكْراهِ وإنْ كانَ الأفْضَلُ أنْ يَتَجَنَّبَ عَنْ ذَلِكَ إعْزازًا لِلدِّينِ ولَوْ تَيَقَّنَ القَتْلَ كَما فَعَلَ ياسِرٌ وسُمَيَّةُ ولَيْسَ ذَلِكَ مِن إلْقاءِ النَّفْسِ إلى التَّهْلُكَةِ بَلْ هو كالقَتْلِ في الغَزْوِ كَما صَرَّحُوا بِهِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ الحَسَنِ وعَبْدِ الرّازِقِ في تَفْسِيرِهِ عَنْ مَعْمَرٍ «أنَّ مُسَيْلِمَةً أخَذَ رَجُلَيْنِ فَقالَ لِأحَدِهِما: ما تَقُولُ في مُحَمَّدٍ؟ قالَ: رَسُولُ اللَّهِ قالَ: فَما تَقُولُ فِيَّ؟ فَقالَ: أنْتَ أيْضًا فَخَلّاهُ وقالَ لِلْآخَرِ: ما تَقُولُ في مُحَمَّدٍ؟ قالَ: رَسُولُ اللَّهِ قالَ: فَما تَقُولُ فِيَّ؟ فَقالَ: أنا أصَمُّ فَأعادَ عَلَيْهِ ثَلاثًا فَأعادَ ذَلِكَ في جَوابِهِ فَقَتَلَهُ فَبَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ خَبَرُهُما فَقالَ: أمّا الأوَّلُ فَقَدْ أخَذَ بِرُخْصَةِ اللَّهِ تَعالى. وأمّا الثّانِي فَقَدْ صَدَعَ بِالحَقِّ فَهَنِيئًا لَهُ».
وفِي أحْكامِ الجَصّاصِ أنَّهُ يَجِبُ عَلى المُكْرَهِ عَلى الكُفْرِ إخْطارُ أنَّهُ لا يُرِيدُهُ فَإنْ لَمْ يَخْطُرْ بِبالِهِ ذَلِكَ كَفَرَ.
وفِي شَرْحِ المِنهاجِ لِابْنِ حَجَرٍ لا تُوجَدُ رِدَّةُ مَكْرَهٍ عَلى مُكَفَّرٍ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ لِلْآيَةِ، وكَذا إنْ تَجَرَّدَ قَلْبُهُ عَنْهُما فِيما يَتَّجِهُ تَرْجِيحُهُ لِإطْلاقِهِمْ أنَّ المُكْرَهَ لا يَلْزَمُهُ التَّوْرِيَةُ فافْهَمْ، وقالَ القاضِي: يَجِبُ عَلى المُكْرَهِ تَعْرِيضُ النَّفْسِ لِلْقَتْلِ ولا يُباحُ لَهُ التَّلَفُّظُ بِالكُفْرِ لِأنَّهُ كَذِبٌ وهو قَبِيحٌ لِذاتِهِ فَيُقَبَّحُ عَلى كُلِّ حالٍ ولَوْ جازَ أنْ يَخْرُجَ عَنِ القُبْحِ لِرِعايَةِ بَعْضِ المَصالِحِ لَمْ يَمْتَنِعْ أنْ يَفْعَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ الكَذِبَ لَها وحِينَئِذٍ لا يَبْقى وُثُوقٌ بِوَعْدِهِ تَعالى ووَعِيدِهِ لِاحْتِمالِ أنَّهُ سُبْحانَهُ فَعَلَ الكَذِبَ لِرِعايَةِ المَصْلَحَةِ الَّتِي لا يَعْلَمُها إلّا هُوَ، ورَدُّهُ ظاهِرٌ. وهَذا الخِلافُ فِيما إذا تَعَيَّنَ عَلى المُكْرَهِ إمّا التِزامُ الكَذِبِ وإمّا تَعْرِيضُ النَّفْسِ لِلتَّلَفِ وإلّا فَمَتى أمْكَنَهُ نَحْوُ التَّعْرِيضِ أوْ إخْراجِ الكَلامِ عَلى نِيَّةِ الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ تَعْرِيضُ النَّفْسِ لِذَلِكَ إجْماعًا. واسْتُدِلَّ بِإباحَةِ التَّلَفُّظِ بِالكُفْرِ عِنْدَ الإكْراهِ عَلى إباحَةِ سائِرِ المَعاصِي عِنْدَهُ أيْضًا وفِيهِ بَحْثٌ، فَقَدْ ذَكَرَ الإمامُ أنَّ مِنَ المَعاصِي ما يَجِبُ فِعْلُهُ عِنْدَ الإكْراهِ كَشُرْبِ الخَمْرِ وأكْلِ المَيْتَةِ ولَحْمِ الخِنْزِيرِ فَإنَّ حِفْظَ النَّفْسِ عَنِ الفَواتِ واجِبٌ فَحَيْثُ تَعَيَّنَ الأكْلُ سَبِيلًا ولا ضَرَرَ فِيهِ لِحَيَوانٍ ولا إهانَةٍ لِحَقِّ اللَّهِ تَعالى وجَبَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تُلْقُوا بِأيْدِيكم إلى التَّهْلُكَةِ﴾ ومِنها ما يَحْرُمُ كَقَتْلِ إنْسانٍ مُحْتَرَمٍ أوْ قَطْعِ عُضْوٍ مِن أعْضائِهِ وفي وُجُوبِ القَصّاصِ عَلى المُكْرَهِ قَوْلانِ لِلشّافِعِيِّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ، وذَكَرَ أنَّ مِنَ الأفْعالِ ما لا يَقْبَلُ الإكْراهَ ومَثَّلَ بِالزِّنا لِأنَّ الإكْراهَ يُوجِبُ الخَوْفَ الشَّدِيدَ وذَلِكَ يَمْنَعُ مِنِ انْتِشارِ الآلَةِ فَحَيْثُ دَلَّ الزِّنا في الوُجُودِ عَلِمْنا أنَّهُ وقَعَ بِالِاخْتِيارِ لا عَلى سَبِيلِ الإكْراهِ، وتَمامُ الكَلامِ في هَذا المَقامِ يُطْلَبُ مِن مَحَلِّهِ
16:107Страница 279
ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمُ ٱسۡتَحَبُّواْ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا عَلَى ٱلۡأٓخِرَةِ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ١٠٧
Это потому, что они предпочли мирскую жизнь Последней жизни. Воистину, Аллах не ведет прямым путем неверующих людей.
﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى الكُفْرِ بَعْدَ الإيمانِ أوِ الوَعِيدِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ أوِ المَذْكُورِ مِنَ الغَضَبِ والعَذابِ ﴿بِأنَّهُمُ﴾ أيْ بِسَبَبِ أنَّ الشّارِحِينَ صُدُورَهم بِالكُفْرِ ﴿اسْتَحَبُّوا الحَياةَ الدُّنْيا﴾ أيْ آثَرُوها وقَدَّمُوها ولِتَضَمُّنِ الِاسْتِحْبابِ مَعْنى الإيثارِ قِيلَ ﴿عَلى الآخِرَةِ﴾ فَعُدِّيَ بِعَلى، والمُرادُ عَلى ما في البَحْرِ أنَّهم فَعَلُوا فِعْلَ المُسْتَحِبِّينَ ذَلِكَ وإلّا فَهم غَيْرُ مُصَدِّقِينَ بِالآخِرَةِ.
﴿وأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي﴾ إلى الإيمانِ وإلى ما يُوجِبُ الثَّباتَ عَلَيْهِ، وقِيلَ: إلى الجَنَّةِ. ورَدَّهُ الإمامُ وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ
صفحة 239
الهِدايَةَ المَنفِيَّةَ بِهِدايَةِ القَسْرِ أيْ لا يَهْدِي هِدايَةَ قَسْرٍ وإلْجاءٍ ونُسِبَ إلى المُعْتَزِلَةِ ﴿القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ أيْ في عِلْمِهِ تَعالى المُحِيطِ فَلا يَعْصِمُهم تَعالى عَنِ الزَّيْغِ وما يُؤَدِّي إلَيْهِ مِنَ الغَضَبِ والعَذابِ، ولَوْلا أحَدُ الأمْرَيْنِ إمّا إيثارُ الحَياةِ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ وإمّا عَدَمُ هِدايَةِ اللَّهِ تَعالى إيّاهم بِأنْ آثَرُوا الآخِرَةَ عَلى الدُّنْيا أوْ بِأنْ هَداهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ لِما كانَ ذَلِكَ لَكِنَّ كِلاهُما لا يَكُونُ لِأنَّهُ خِلافُ ما في العِلْمِ بِالأشْياءِ عَلى ما هي عَلَيْهِ في نَفْسِ الأمْرِ وقالَ البَعْضُ: لَكِنَّ الثّانِيَ مُخالِفٌ لِلْحِكْمَةِ والأوَّلُ مِمّا لا يَدْخُلُ تَحْتَ الوُقُوعِ وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
16:108Страница 279
أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ وَسَمۡعِهِمۡ وَأَبۡصَٰرِهِمۡۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡغَٰفِلُونَ ١٠٨
Аллах запечатал их сердца, слух и зрение. Они и есть беспечные невежды.
﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ المَوْصُوفُونَ بِما ذَكَرَ ﴿الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وسَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ﴾ فَلَمْ تُفْتَحْ لِإدْراكِ الحَقِّ واكْتِسابِ ما يُوَصِّلُ إلَيْهِ، واسْتَظْهَرَ أبُو حَيّانَ كَوْنَ ذَلِكَ إشارَةً إلى ما اسْتَحَقُّوهُ مِنَ الغَضَبِ والعَذابِ، وقالَ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى اسْتَحَبُّوا إشارَةً إلى الكَسْبِ ﴿وأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ إشارَةٌ إلى الِاخْتِراعِ فَجَمَعَتِ الآيَةُ الأمْرَيْنِ وذَلِكَ عَقِيدَةُ أهْلِ السُّنَّةِ فافْهَمْ، وقَدْ تَقَدَّمَ لِلْكَلامِ عَلى الطَّبْعِ ﴿وأُولَئِكَ هُمُ الغافِلُونَ﴾ أيِ الكامِلُونَ في الغَفْلَةِ إذْ لا غَفْلَةَ أعْظَمُ مِنَ الغَفْلَةِ عَنْ تَدَبُّرِ العَواقِبِ والنَّظَرِ في المَصالِحِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ: غافِلُونَ عَمّا يُرادُ مِنهم في الآخِرَةِ.
16:109Страница 279
لَا جَرَمَ أَنَّهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ ١٠٩
Несомненно, в Последней жизни они окажутся потерпевшими убыток.
﴿لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ إذْ ضَيَّعُوا رُؤُوسَ أمْوالِهِمْ وهي أعْمارُهم وصَرَفُوها فِيما لا يُفْضِي إلّا إلى العَذابِ المُخَلَّدِ ولِلَّهِ تَعالى مَن قالَ:
إذا كانَ رَأْسُ المالِ عُمْرَكَ فاحْتَرِسْ عَلَيْهِ مِنَ الإنْفاقِ في غَيْرِ واجِبِ
ووَقَعَ في آيَةٍ أُخْرى ﴿الأخْسَرُونَ﴾ وذَلِكَ لِاقْتِضاءِ المَقامِ عَلى ما لا يَخْفى عَلى النّاظِرِ فِيهِ أوْ لِأنَّهُ وقَعَ في الفَواصِلِ هُنا اعْتِمادُ الألِفِ كالكافِرِينَ والغافِلِينَ فَعَبَّرَ بِهِ لِرِعايَةِ ذَلِكَ وهو أمْرٌ سَهْلٌ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في ( لا جَرَمَ ) فَتَذَكَّرْهُ فَما في العَهْدِ مِن قِدَمٍ
16:110Страница 279
ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِنۢ بَعۡدِ مَا فُتِنُواْ ثُمَّ جَٰهَدُواْ وَصَبَرُوٓاْ إِنَّ رَبَّكَ مِنۢ بَعۡدِهَا لَغَفُورٞ رَّحِيمٞ ١١٠
Воистину, твой Господь после всего этого прощает и милует тех, которые переселились после того, как были подвергнуты искушению, а затем сражались и проявляли терпение.
﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا﴾ إلى دارِ الإسْلامِ وهم عَمّارٌ وأضْرابُهُ أيْ لَهم بِالوِلايَةِ والنَّصْرِ لا عَلَيْهِمْ كَما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ أعْمالِهِمُ السّابِقَةِ فالجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الخَبَرِ لِإنَّ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ خَبَرُها مَحْذُوفًا لِدَلالَةِ خَبَرِ إنَّ الثّانِيَةِ عَلَيْهِ، والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِذَلِكَ المَحْذُوفِ، وقالَ أبُو البَقاءِ: الخَبَرُ هو الآتِي وإنَّ الثّانِيَةَ واسْمُها تَكْرِيرٌ لِلتَّأْكِيدِ ولا تُطْلَبُ خَبَرًا مِن حَيْثُ الإعْرابُ، والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِأحَدِ المَرْفُوعَيْنِ عَلى الأعْمالِ، وقِيلَ: بِمَحْذُوفٍ عَلى جِهَةِ البَيانِ كَأنَّهُ قِيلَ: أعْنِي لِلَّذِينِ أيِ الغُفْرانَ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وقِيلَ: لا خَبَرَ لِأنَّ هَذِهِ في اللَّفْظِ لِأنَّ خَبَرَ الثّانِي أغْنى عَنْهُ ولَيْسَ بِجَيِّدٍ كَما لا يَخْفى (وثُمَّ) لِلدَّلالَةِ عَلى تَباعُدِ رُتْبَةِ حالِهِمْ هَذِهِ عَنْ رُتْبَةِ حالِهِمُ الَّتِي يُفِيدُها الِاسْتِثْناءُ مِن مُجَرَّدِ الخُرُوجِ عَنْ حُكْمِ الغَضَبِ والعَذابِ لا عَنْ رُتْبَةِ حالِ الكَفَرَةِ ﴿مِن بَعْدِ ما فُتِنُوا﴾ أيْ عُذِّبُوا عَلى الِارْتِدادِ، وأصْلُ الفِتَنِ إدْخالُ الذَّهَبِ النّارِ لِتَظْهَرَ جَوْدَتُهُ مِن رَداءَتِهِ ثُمَّ تُجُوِّزَ بِهِ عَنِ البَلاءِ وتَعْذِيبِ الإنْسانِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ «فَتَنُوا» مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وهو ضَمِيرُ المُشْرِكِينَ عِنْدَ غَيْرِ واحِدٍ أيْ عَذَّبُوا المُؤْمِنِينَ كالحَضْرَمِيِّ أكْرَهَ مَوْلاهُ جَبْرًا حَتّى ارْتَدَّ ثُمَّ أسْلَما وهاجَرا أوْ وقَعُوا في الفِتْنَةِ فَإنَّ فَتَنَ جاءَ مُتَعَدِّيًا ولازِمًا وتُسْتَعْمَلُ الفِتْنَةُ فِيما يَحْصُلُ عِنْدَ العَذابِ.
وقالَ أبُو حَيّانَ: الظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ عَلى الَّذِينَ هاجَرُوا والمَعْنى فَتَنُوا أنْفُسَهم بِما أعْطَوُا المُشْرِكِينَ مِنَ القَوْلِ كَما فَعَلَ عَمّارٌ أوْ لِما كانُوا صابِرِينَ عَلى الإسْلامِ وعُذِّبُوا بِسَبَبِ ذَلِكَ صارُوا كَأنَّهم عَذَّبُوا أنْفُسَهم ﴿ثُمَّ جاهَدُوا﴾ الكَفّارَ ﴿وصَبَرُوا﴾ عَلى مَشاقِّ الجِهادِ أوْ عَلى ما أصابَهم مِنَ المَشاقِّ مُطْلَقًا ﴿إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها﴾ أيْ المَذْكُوراتِ مِنَ الفِتْنَةِ والهِجْرَةِ
صفحة 240
والجِهادِ والصَّبْرِ، وهو تَصْرِيحٌ بِما أشْعَرَ بِهِ بِناءُ الحُكْمِ عَلى المَوْصُولِ مِن عِلِّيَّةِ الصِّلَةِ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِلْفِتْنَةِ المَفْهُومَةِ مِنَ الفِعْلِ السّابِقِ ويَكُونَ ما ذُكِرَ بَيانًا لِعَدَمِ إخْلالِ ذَلِكَ بِالحُكْمِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلتَّوْبَةِ والكَلامُ يُعْطِيها وإنْ لَمْ يَجْرِ لَها ذِكْرٌ صَرِيحٌ ﴿لَغَفُورٌ﴾ لِما فَعَلُوا مِن قَبْلُ ﴿رَحِيمٌ﴾ يُنْعِمُ عَلَيْهِمْ مُجازاةً لِما صَنَعُوا مِن بَعْدُ، وفي التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ في المَوْضِعَيْنِ إيماءٌ إلى عِلَّةِ الحُكْمِ وما في إضافَةِ الرَّبِّ إلى ضَمِيرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَعَ ظُهُورِ الأثَرِ في الطّائِفَةِ المَذْكُورَةِ إظْهارٌ لِكَمالِ اللُّطْفِ بِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِأنَّ إفاضَةَ آثارِ الرُّبُوبِيَّةِ عَلَيْهِمْ مِنَ المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ بِواسِطَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولِكَوْنِهِمْ أتْباعًا لَهُ.
هَذا وكَوْنُ الآيَةِ في عَمّارٍ وأضْرابِهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم مِمّا ذَكَرَهُ غَيْرُ واحِدٍ، وصَرَّحَ ابْنُ إسْحاقَ بِأنَّها نَزَلَتْ فِيهِ وفي عَيّاشِ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ والوَلِيدِ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ والوَلِيدِ بْنِ الوَلِيدِ، وتَعَقَّبَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ بِأنَّ ذِكْرَ عَمّارٍ في ذَلِكَ غَيْرُ قَوِيمٍ فَإنَّهُ أرْفَعَ طَبَقَةَ هَؤُلاءِ، وهَؤُلاءِ مِمَّنْ شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا فَتَحَ اللَّهُ تَعالى لَهم بابَ التَّوْبَةِ في آخِرِ الآيَةِ، وذَكَرَ أنَّ الآيَةَ مَدَنِيَّةٌ وأنَّهُ لا يَعْلَمُ في ذَلِكَ خِلافًا، ونُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّها نَزَلَتْ فَكَتَبَ بِها المُسْلِمُونَ إلى مَن كانَ أسْلَمَ بِمَكَّةَ إنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ جَعَلَ لَكم مَخْرَجًا فَخَرَجُوا فَلَحِقَهُمُ المُشْرِكُونَ فَقاتَلُوهم حَتّى نَجا مَن نَجا وقُتِلَ مَن قُتِلَ، وأخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وفي رِوايَةٍ أنَّهم خَرَجُوا واتَّبَعُوا وقاتَلُوا فَنَزَلَتْ، وأخْرَجَ هَذا ابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ عَنْ قَتادَةَ، فالمُرادُ بِالجِهادِ قِتالُهم لِمُتَّبِعِيهِمْ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الحَسَنِ وعِكْرِمَةَ أنَّها نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي سَرْحٍ الَّذِي كانَ يَكْتُبُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأزَلَّهُ الشَّيْطانُ فَلَحِقَ بِالكَفّارِ فَأمَرَ بِهِ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يُقْتَلَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ فاسْتَجارَ لَهُ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَأجارَهُ النَّبِيُّ ﷺ، والمُرادُ نَزَلَتْ فِيهِ وفي أشْباهِهِ كَما صَرَّحَ بِهِ في بَعْضِ الرِّواياتِ، وفَسَّرُوا ( فُتِنُوا) عَلى هَذا بِفَتْنِهِمُ الشَّيْطانُ وأزَلَّهم حَتّى ارْتَدَوْا بِاخْتِيارِهِمْ، وما ذَكَرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ فِيمَن ذَكَرَ مَعَ عَمّارٍ غَيْرُ مُسَلَّمٍ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ أنَّ عَيّاشًا رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ كانَ أخا أبِي جَهْلٍ لِأُمِّهِ وكانَ يَضْرِبُهُ سَوْطًا وراحِلَتَهُ سَوْطًا لِيَرْتَدَّ عَنِ الإسْلامِ. وفي التَّفْسِيرِ الخازِنِيِّ أنَّ عَيّاشًا وكانَ أخا أبِي جَهْلٍ مِنَ الرَّضاعَةِ، وقِيلَ: لِأُمِّهِ وأبا جَنْدَلِ بْنَ سَهْلِ بْنِ عَمْرٍو وسَلَمَةَ بْنَ هِشامٍ والوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ وعَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَمَةَ الثَّقَفِيَّ فَتَنَهُمُ المُشْرِكُونَ وعَذَّبُوهم فَأعْطَوْهم بَعْضَ ما أرادُوا لِيَسْلَمُوا مِن شَرِّهِمْ ثُمَّ إنَّهم بَعْدَ ذَلِكَ هاجَرُوا وجاهَدُوا والآيَةُ نَزَلَتْ فِيهِمْ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الحالِ
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии