Аль-АлусиАн‑Нахль · 16:66–67

Аль-Алуси · Тафсир · на арабском

Ан-Нахль 16:66–67

16:66Страница 274

وَإِنَّ لَكُمۡ فِي ٱلۡأَنۡعَٰمِ لَعِبۡرَةٗۖ نُّسۡقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهِۦ مِنۢ بَيۡنِ فَرۡثٖ وَدَمٖ لَّبَنًا خَالِصٗا سَآئِغٗا لِّلشَّٰرِبِينَ ٦٦

Воистину, в домашней скотине для вас - назидание. Мы поим вас тем, что образуется в их животах между пометом и кровью, - чистым молоком, приятным для пьющих.

﴿وإنَّ لَكم في الأنْعامِ لَعِبْرَةً﴾ أيْ مَعْبَرًا يَعْبُرُ بِهِ مِنَ الجَهْلِ إلى العِلْمِ، وأصْلُ مَعْنى العِبَرِ والعُبُورِ التَّجاوُزُ مِن مَحَلٍّ إلى آخَرَ، وقالَ الرّاغِبُ: العُبُورُ مُخْتَصٌّ بِتَجاوُزِ الماءِ بِسِباحَةٍ ونَحْوِها، والمَشْهُورُ عُمُومُهُ فَإطْلاقُ العِبْرَةِ عَلى ما يُعْتَبَرُ بِهِ لِما ذُكِرَ لَكِنَّهُ صارَ حَقِيقَةً في عُرْفِ اللُّغَةِ؟ والتَّنْكِيرُ لِلتَّفْخِيمِ أيْ لَعِبْرَةً عَظِيمَةً ﴿نُسْقِيكُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ كَأنَّهُ قِيلَ كَيْفَ العِبْرَةُ فِيها؟ فَقِيلَ: نُسْقِيكم ﴿مِمّا في بُطُونِهِ﴾ ومِنهم مَن قَدَّرَ هُنا مُبْتَدَأً وهو هي نُسْقِيكم ولا حاجَةَ إلَيْهِ، وضَمِيرُ ﴿بُطُونِهِ﴾ لِلْأنْعامِ وهو اسْمُ جَمْعٍ واسْمُ الجَمْعِ يَجُوزُ تَذْكِيرُهُ وإفْرادُهُ بِاعْتِبارِ لَفْظِهِ وتَأْنِيثُهُ وجَمْعُهُ بِاعْتِبارِ مَعْناهُ، ولِذا جاءَ الوَجْهَيْنِ في القُرْآنِ وكَلامُ العَرَبِ كَذا قِيلَ.

ونُقِلَ عَنْ سِيبَوَيْهِ أنَّهُ عَدُّ الأنْعامَ مُفْرَدًا وكَلامُهُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى مُتَناقِضٌ ظاهِرًا فَإنَّهُ قالَ في بابِ ما كانَ عَلى مِثالِ مَفاعِلَ ومَفاعِيلَ ما نَصُّهُ: وأمّا أجَمالٌ وفُلُوسٌ فَإنَّها تَنْصَرِفُ وما أشْبَهَها لِأنَّها ضارَعَتِ الواحِدَ، ألا تَرى أنَّكَ تَقُولُ: أقْوالٌ وأقاوِيلُ وأعْرابٌ وأعارِيبُ وأيْدٍ وأيادٍ فَهَذِهِ الأحْرُفُ تَخْرُجُ إلى مَفاعِلَ ومَفاعِيلَ كَما يَخْرُجُ الواحِدُ إلَيْهِ إذا فُسِّرَ لِلْجَمْعِ، وأمّا مَفاعِلُ ومَفاعِيلُ فَلا يُكْسَرُ فَيَخْرُجُ الجَمْعُ إلى بِناءٍ غَيْرِ هَذا لِأنَّ هَذا هو الغايَةُ فَلَمّا ضارَعَتِ الواحِدَ صُرِفَتْ، ثُمَّ قالَ: وكَذَلِكَ الفَعُولُ لَوْ كُسِرَتْ مِثْلَ الفُلُوسِ فَإنَّكَ تُخْرِجُهُ إلى فَعائِلَ كَما تَقُولُ: جُدُودٌ وجَدائِدُ ورُكُوبٌ ورَكائِبُ. ولَوْ فَعَلْتَ ذَلِكَ بِمَفاعِلَ ومَفاعِيلَ لَمْ يُجاوِزْ هَذا البِناءَ، ويُقَوِّي ذَلِكَ أنَّ بَعْضَ العَرَبِ تَقُولُ: أتى لِلْواحِدِ فَيَضُمُّ الألِفَ، وأمّا أفْعالٌ فَقَدْ يَقَعُ لِلْواحِدِ ومِنَ العَرَبِ مَن يَقُولُ هو الأنْعامُ قالَ جَلَّ ثَناؤُهُ ﴿نُسْقِيكم مِمّا في بُطُونِهِ﴾ وقالَ أبُو الخَطّابِ: سَمِعْتُ العَرَبَ تَقُولُ: هَذا ثَوْبُ أكْياسٍ انْتَهى.

وقالَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى في بابِ ما لَحِقَتْهُ الزَّوائِدُ مِن بَناتِ الثَّلاثَةِ ولَيْسَ في الكَلامِ أفَعِيلُ ولا أفَعُولُ ولا أفْعالُ ولا أفْعَلُ ولا أفْعالُ إلّا أنْ تُكْسَرَ عَلَيْهِ أسْماءُ لِلْجَمْعِ انْتَهى، وقَدِ اضْطَرَبَ النّاسُ في التَّوْفِيقِ بَيْنَ كَلامَيْهِ فَذَهَبَ أبُو حَيّانَ إلى تَأْوِيلِ الأوَّلِ وإبْقاءِ الثّانِي عَلى ظاهِرِهِ مِن أنَّ أفْعالًا لا يَكُونُ مِن أبْنِيَتِهِ المُفْرَدُ فَحَمَلَ قَوْلَهُ أوَّلًا وأمّا أفْعالٌ فَقَدْ يَقَعُ لِلْواحِدِ إلَخْ: عَلى أنَّ بَعْضَ العَرَبِ قَدْ يَسْتَعْمِلُهُ فِيهِ مَجازًا كالأنْعامِ بِمَعْنى النَّعَمِ كَما قالَ الشّاعِرُ:

تَرَكْنا الخَيْلَ والنَّعَمِ المُفَدّى وقُلْنا لِلنِّساءِ بِها أقِيمِي

ولَيْسَ مُرادُهُ أنَّهُ مُفْرَدٌ صِيغَةً ووَضْعًا بِدَلِيلِ ما صَرَّحَ بِهِ في المَوْضِعِ الآخَرِ مِن أنَّهُ لا يَكُونُ إلّا جَمْعًا. واعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأنَّ مَقْصُودَ سِيبَوَيْهِ بِما ذَكَرَهُ أوَّلًا الفَرْقُ بَيْنَ صِيغَتَيْ مُنْتَهى الجُمُوعِ وأفْعالُ وفُعُولٌ حَيْثُ مُنِعَ الصَّرْفُ لِلْأوَّلِ دُونَ الثّانِي بِوُجُوهٍ: مِنها أنَّ الأوَّلَيْنِ لا يَقَعانِ عَلى الواحِدِ بِخِلافِ الآخِيرَيْنِ كَما أوْضَحَهُ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ وُقُوعُ أفْعالٍ عَلى الواحِدِ بِالوَضْعِ لَمْ يَحْصُلِ الفَرْقُ فَلا يَتِمُّ المَقْصُودُ. نَعَمْ لا كَلامَ في تَدافُعِ كَلامَيْهِ، وأيْضًا لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَمْ يُخْتَصَّ بِبَعْضِهِمْ، وأيْضًا إنَّ التَّجَوُّزَ بِالجَمْعِ عَنِ الواحِدِ يَصِحُّ في كُلِّ جَمْعٍ حَتّى صِيغَتَيْ مُنْتَهى الجُمُوعِ. وتَعَقَّبَهُ الخَفاجِيُّ بِقَوْلِهِ: والحَقُّ أنَّهُ لا تَدافُعَ بَيْنَ كَلامَيْهِ فَإنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ صِيغَتَيْ مُنْتَهى الجُمُوعِ والصِّيغَتَيْنِ الأخِيرَتَيْنِ بِأنَّ الأوَّلَتَيْنِ لا تُجْمَعانِ والأخِيرَتانِ تُجْمَعانِ فَأشْبَهَتا الآحادَ ثُمَّ قَوّى ذَلِكَ بِأنَّ قَوْمًا مِنَ العَرَبِ اسْتَعْمَلَتْ أتى وهو عَلى وزْنِ فَعُولٍ مُفْرَدًا حَقِيقَةً، ومِنهم مَنِ اسْتَعْمَلَ الأنْعامَ وهو عَلى وزْنِ أفْعالٍ كَذَلِكَ، وقَدْ أشارَ إلى أنَّ ذَلِكَ لُغَةٌ نادِرَةٌ بِبَعْضٍ، ومِن وما ذَكَرَهُ بَعْدُ بِناءٌ عَلى اللُّغَةِ المُتَداوَلَةِ، وقَوْلُهُ: إنَّ مَقْصُودَهُ أوَّلًا الفَرْقُ بِوُجُوهٍ لا وجْهَ لَهُ كَما يَعْرِفُهُ

صفحة 177

حَمْلَةُ الكِتابِ انْتَهى، ويُعْلَمُ مِنهُ أنَّ رُجُوعَ الضَّمِيرِ المُفْرَدِ المُذَكَّرِ إلى الأنْعامِ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ بِاعْتِبارِ أنَّهُ مُفْرَدٌ عَلى لُغَةِ بَعْضِ العَرَبِ ومَن قالَ: إنَّهُ جَمْعُ نَعَمٍ جَعَلَ الضَّمِيرَ لِلْبَعْضِ أمّا المُقَدَّرُ أيْ بَعْضَ الأنْعامِ أوِ المَفْهُومَ مِنها أوْ لِلْأنْعامِ بِاعْتِبارِ بَعْضِها وهو الإناثُ الَّتِي يَكُونُ اللَّبَنُ مِنها أوْ لِواحِدِهِ كَما في قَوْلِ ابْنِ الحاجِبِ: المَرْفُوعاتُ هو ما اشْتَمَلَ عَلى عِلْمِ الفاعِلِيَّةِ أوْ لَهُ عَلى المَعْنى لِأنَّ ألِ الجِنْسِيَّةَ تُسَوِّي بَيْنَ المُفْرَدِ والجَمْعِ في المَعْنى فَيَجُوزُ عَوْدُ ضَمِيرِ كُلٍّ مِنهُما عَلى الآخَرِ. وفي البَحْرِ أعادَ الضَّمِيرَ مُذَكَّرًا مُراعاةَ الجِنْسِ لِأنَّهُ إذا صَحَّ وُقُوعُ المُفْرَدِ الدّالِّ عَلى الجِنْسِ مَقامَ جَمْعِهِ جازَ عَوْدُهُ عَلَيْهِ مُذَكَّرًا كَقَوْلِهِمْ هو أحْسَنُ الفِتْيانِ وأبْتَلُهُ لِأنَّهُ يَصِحُّ هو أحْسَنُ فَتًى وإنْ كانَ هَذا لا يَنْقاسُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ وقِيلَ: جَمْعُ التَّكْثِيرِ فِيما لا يَعْقِلُ يُعامَلُ مُعامَلَةَ الجَماعَةِ ومُعامَلَةَ الجَمْعِ فَيَعُودُ الضَّمِيرُ عَلَيْهِ مُفْرَدًا كَقَوْلِهِ:

فِيها خُطُوطٌ مِن سَوادٍ وبَلَقٍ ∗∗∗ كَأنَّهُ في الجِلْدِ تَوْلِيعُ البَهَقِ

وهُوَ في القُرْآنِ سائِغٌ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلا إنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ ﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾ ﴿فَلَمّا رَأى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هَذا رَبِّي﴾ ولا يَكُونُ هَذا إلّا في التَّأْنِيثِ المَجازِيِّ فَلا يَجُوزُ جارِيَتُكَ ذَهَبَ.

واعْتُرِضَ بِأنَّهُ كَيْفَ جَمَعَ- نَعَمٍ- وهي تَخْصِيصٌ بِالإبِلِ والأنْعامُ تُقالُ لِلْبَقَرِ والإبِلِ والغَنَمِ مَعَ أنَّهُ لَوِ اخْتَصَّ كانَ مُساوِيًا.

وأُجِيبَ بِأنَّ مَن يَراهُ جَمَعًا لَهُ يَخُصُّ الأنْعامَ أوْ يُعَمِّمُ النَّعَمَ ويَجْعَلُ التَّفْرِقَةَ ناشِئَةً مِنَ الِاسْتِعْمالِ ويَجْعَلُ الجَمْعَ لِلدَّلالَةِ عَلى تَعَدُّدِ الأنْواعِ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ بِخِلافٍ عَنْهُ والحَسَنُ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وابْنُ عامِرٍ ونافِعٌ وأبُو بَكْرٍ وأهْلُ المَدِينَةِ (نَسْقِيكُمْ) بِفَتْحِ النُّونِ هُنا وفي المُؤْمِنِينَ عَلى أنَّهُ مُضارِعُ سَقى وهو لُغَةٌ في أسْقى عِنْدَ جَمْعٍ وأنْشَدُوا قَوْلَ لَبِيَدٍ:

سَقى قَوْمِي بَنِي مَجْدٍ وأسْقى ∗∗∗ نُمَيْرًا والقَبائِلَ مِن هِلالِ

وقالَ بَعْضُ: يُقالُ سَقَيْتُهُ لِشَفَتِهِ وأسْقَيْتُهُ لِماشِيَتِهِ وأرْضِهِ، وقِيلَ: سَقاهُ بِمَعْنى رَواهُ بِالماءِ وأسْقاهُ بِمَعْنى جَعَلَهُ شَرابًا مُعَدًّا لَهُ، وفِيهِ كَلامٌ بَعْدُ فَتَذَكَّرْ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ «يُسْقِيكُمْ» بِالياءِ مَضْمُومَةً والضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى اللَّهِ تَعالى.

وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عائِدًا عَلى النَّعَمِ وذُكِرَ لِأنَّ النِّعَمَ مِمّا يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، والمَعْنى وإنَّ لَكم في الأنْعامِ نِعَمًا يُسْقِيكم أيْ يَجْعَلُ لَكم سُقْيًا. وهو كَما تَرى. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ مِنهم أبُو جَعْفَرٍ «تَسْقِيكُمْ» بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ مَفْتُوحَةً قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهي قِراءَةٌ ضَعِيفَةٌ انْتَهى، ولَمْ يُبَيِّنْ وجْهَ ضَعْفِها، وكَأنَّهُ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ عَنى بِهِ اجْتِماعَ التَّأْنِيثِ في «تَسْقِيكُمْ» والتَّذْكِيرِ في ﴿بُطُونِهِ﴾ وغَفَلَ أنَّ مِثْلَ ذَلِكَ لا يُعَدُّ ضَعْفًا لِأنَّ التَّأْنِيثَ والتَّذْكِيرَ بِاعْتِبارِ وجْهَيْنِ.

﴿مِن بَيْنِ فَرْثٍ ودَمٍ لَبَنًا﴾ الفَرْثُ عَلى ما في الصِّحاحِ السِّرْجِينُ ما دامَ في الكِرْشِ والجَمْعُ فُرُوثٌ. وفي البَحْرِ كَثِيفُ ما يَبْقى مِنَ المَأْكُولِ في الكِرْشِ أوِ المَعِيِّ، وبَيْنِ تَقْتَضِي مُتَعَدِّدًا وهو هُنا الفَرْثُ والدَّمُ فَيَكُونُ مُقْتَضى ظاهِرِ النَّظْمِ تَوَسَّطَ اللَّبَنِ بَيْنَهُما، ورَوى ذَلِكَ الكَلْبِيُّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: إنَّ البَهِيمَةَ إذا اعْتُلِفَتْ وأُنْضِجُ العَلَفُ في كِرْشِها كانَ أسْفَلُهُ فَرْثًا وأوْسَطُهُ لَبَنًا وأعْلاهُ دَمًا.

ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ فالبَيْنِيَّةُ عَلى حَقِيقَتِها وظاهِرِها وتَعَقَّبَ ذَلِكَ الإمامُ الرّازِيُّ بِقَوْلِهِ: ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: اللَّبَنُ والدَّمُ لا يَتَوَلَّدانِ في الكِرْشِ والدَّلِيلُ عَلَيْهِ الحِسُّ فَإنَّ الحَيَواناتِ تُذْبَحُ دائِمًا ولا يُرى في كِرْشِها شَيْءٌ مِن ذَلِكَ ولَوْ كانَ تَوَلَّدَ ما ذُكِرَ فِيهِ لَوَجَبَ أنْ يُشاهَدَ في بَعْضِ الأحْوالِ والشَّيْءُ الَّذِي دَلَّتِ المُشاهَدَةُ عَلى فَسادِهِ

صفحة 178

لَمْ يَجُزِ المَصِيرُ إلَيْهِ بَلِ الحَقُّ أنَّ الحَيَوانَ إذا تَناوَلَ الغِذاءَ وصَلَ إلى مَعِدَتِهِ وإلى كِرْشِهِ إنْ كانَ مِنَ الأنْعامِ وغَيْرِها فَإذا طُبِخَ وحَصَلَ الهَضْمُ الأوَّلُ فِيهِ فَما كانَ مِنهُ صافِيًا انْجَذَبَ إلى الكَبِدِ وما كانَ كَثِيفًا نَزَلَ إلى الأمْعاءِ ثُمَّ ذَلِكَ الَّذِي يَحْصُلُ في الكَبِدِ يَنْضُجُ ويَصِيرُ دَمًا وذَلِكَ هو الهَضْمُ الثّانِي ويَكُونُ ذَلِكَ مَخْلُوطًا بِالصَّفْراءِ والسَّوْداءِ وزِيادَةِ المائِيَّةِ، أمّا الصَّفْراءُ فَتَذْهَبُ إلى المَرارَةِ والسَّوْداءُ إلى الطُّحالِ والماءُ إلى الكُلْيَةِ ومِنها إلى المَثانَةِ، وأمّا ذَلِكَ الدَّمُ فَإنَّهُ يَدْخُلُ في الأوْرِدَةِ والعُرُوقِ النّابِتَةِ مِنَ الكَبِدِ وهُناكَ يَحْصُلُ الهَضْمُ الثّالِثُ، وبَيْنَ الكَبِدِ والضَّرْعِ عُرُوقٌ كَثِيرَةٌ فَيَنْصَبُّ الدَّمُ مِن تِلْكَ العُرُوقِ إلى الضَّرْعِ، والضَّرْعُ لَحْمٌ غُدَدِيٌّ رَخْوٌ أبْيَضُ فَيُقَلِّبُ اللَّهُ تَعالى الدَّمَ فِيهِ إلى صُورَةِ اللَّبَنِ، لا يُقالُ: إنَّ هَذِهِ المَعْنى حاصِلَةٌ في الحَيَوانِ الذَّكَرِ فَلِمَ لَمْ يَحْصُلْ مِنهُ اللَّبَنُ لِأنّا نَقُولُ: الحِكْمَةُ الإلَهِيَّةُ اقْتَضَتْ تَدْبِيرَ كُلِّ شَيْءٍ عَلى الوَجْهِ اللّائِقِ بِهِ المُوافِقِ لِمَصْلَحَتِهِ فَأوْجَبَتْ أنْ يَكُونَ مِزاجُ الذَّكَرِ حارًّا يابِسًا ومِزاجُ الأُنْثى بارِدًا رَطْبًا فَإنَّ الوَلَدَ إنَّما يَتَوَلَّدُ في داخِلِ بَدَنِ الأُنْثى فَكانَ اللّائِقُ بِها اخْتِصاصَها بِالرُّطُوبَةِ لِتَصِيرَ مادَّةً لِلتَّوَلُّدِ وسَبَبًا لِقَبُولِ التَّمَدُّدِ فَتَتَّسِعُ لِلْوَلَدِ، ثُمَّ إنَّ تِلْكَ الرُّطُوبَةَ بَعْدَ انْفِصالِ الجَنِينِ تَنْصَبُّ إلى الضَّرْعِ فَتَصِيرُ مادَّةً لِغِذائِهِ كَما كانَتْ كَذَلِكَ قَبْلُ في الرَّحِمِ، ومَن تَدَبَّرْ في بَدائِعِ صُنْعِ اللَّهِ تَعالى فِيما ذَكَرَ مِنَ الأخْلاطِ والألْبانِ وإعْدادِ مَقارِّها ومَجارِيها والأسْبابِ المُوَلِّدَةِ لَها وتَسْخِيرِ القُوى المُتَصَرِّفَةِ فِيها كُلَّ وقْتٍ عَلى ما يَلِيقُ بِهِ اضْطُرَّ إلى الِاعْتِرافِ بِكَمالِ عِلْمِهِ سُبْحانَهُ وقُدْرَتِهِ وحِكْمَتِهِ وتَناهِي رَأْفَتِهِ ورَحْمَتِهِ:

حِكَمٌ حارَتِ البَرِّيَّةُ فِيها ∗∗∗ وحَقِيقٌ بِأنَّها تَحْتارُ

وحاصِلُ ما ذَكَرُوهُ أنَّهُ إذا ورَدَ الغِذاءُ الكِرْشَ انْطَبَخَ فِيهِ وتَمَيَّزَتْ مِنهُ أجْزاءٌ لَطِيفَةٌ تَنْجَذِبُ إلى الكَبِدِ فَيَنْطَبِخُ فِيها فَيَحْصُلُ الدَّمُ فَتَسْرِي أجْزاءٌ مِنهُ إلى الضَّرْعِ ويَسْتَحِيلُ لَبَنًا بِتَدْبِيرِ الحَكِيمِ العَلِيمِ، وحِينَئِذٍ فالمُرادُ أنَّ اللَّبَنَ إنَّما يَحْصُلُ مِن بَيْنِ أجْزاءِ الفَرْثِ ثُمَّ مِن بَيْنِ أجْزاءِ الدَّمِ فالبَيْنِيَّةُ عَلى هَذا مَجازِيَّةٌ وفي إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ وغَيْرِهِ لَعَلَّ المُرادَ بِما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ أوْسَطَهُ يَكُونُ مادَّةَ اللَّبَنِ وأعْلاهُ مادَّةَ الدَّمِ الَّذِي يَعْذُو البَدَنَ فَإنَّ عَدَمَ تَكَوُّنِهِما في الكِرْشِ مِمّا لا رَيْبَ فِيهِ والدّاعِي إلى ذَلِكَ مُخالَفَةُ ما يَقْتَضِيهِ الظّاهِرُ لِلْحِسِّ ولِما ذَكَرَهُ الحُكَماءُ أهْلُ التَّشْرِيحِ. ويُؤَيِّدُ ما ذَكَرُوهُ ما أخْبَرَنِي بِهِ مَن أثِقُ بِهِ مِن أنَّهُ قَدْ شاهَدَ خُرُوجَ الدَّمِ مِنَ الضَّرْعِ بَعْدَ اللَّبَنِ عِنْدَ المُبالَغَةِ في الحَلْبِ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ، (ومِن) الأُولى تَبْعِيضِيَّةٌ لِما أنَّ اللَّبَنَ بَعْضُ ما في بُطُونِ الأنْعامِ لِأنَّهُ مَخْلُوفٌ مِن بَعْضِ أجْزاءِ الدَّمِ المُتَوَلِّدِ مِنَ الأجْزاءِ اللَّطِيفَةِ الَّتِي في الفَرْثِ حَسْبَما سَمِعْتَ، وهي مُتَعَلِّقَةٌ- بِنُسْقِيكُمْ- (ومِن) الثّانِيَةُ ابْتِدائِيَّةٌ وهي أيْضًا مُتَعَلِّقَةٌ- بِنُسْقِيكُمْ- فَإنَّ بَيْنَ الدَّمِ والفَرْثِ المَحَلَّ الَّذِي يُبْتَدَأُ مِنهُ الإسْقاءُ وتَعَلُّقُهُما بِعامِلٍ واحِدٍ لِاخْتِلافِ مَدْلُولَيْهِما (ولَبَنًا) مَفْعُولٌ ثانٍ- لِنُسْقِيكُمْ- وتَقْدِيمُ ذَلِكَ عَلَيْهِ لِما مَرَّ مِرارًا مِن أنَّ تَقْدِيمَ ما حَقُّهُ التَّأْخِيرُ يَبْعَثُ لِلنَّفْسِ شَوْقًا إلى المُؤَخَّرِ مُوجِبًا لِفَضْلِ تَمَكُّنِهِ عِنْدَ وُرُودِهِ عَلَيْها لا سِيَّما إذا كانَ المُقَدَّمُ مُتَضَمِّنًا لِوَصْفٍ مُنافٍ لِوَصْفِ المُؤَخَّرِ كالَّذِي نَحْنُ فِيهِ، فَإنَّ بَيْنَ وصْفَيِ المُقَدَّمِ والمُؤَخَّرِ تَنافِيًا وتَنائِيًا بِحَيْثُ لا يَتَراءى نارُهُما فَإنَّ لِذَلِكَ مِمّا يَزِيدُ الشَّوْقَ والِاسْتِشْرافَ إلى المُؤَخَّرِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ (مِن بَيْنِ) حالًا مِن (لَبَنًا) قُدِّمَ عَلَيْهِ لِتَنْكِيرِهِ ولِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ مَوْضِعُ العِبْرَةِ.

وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ (مِن) الأُولى ابْتِدائِيَّةً كالثّانِيَةِ فَيَكُونُ (مِن بَيْنِ) بَدَلَ اشْتِمالٍ مِمّا تَقَدَّمَ ﴿خالِصًا﴾ مُصَفًّى عَمّا يَصْحَبُهُ مِنَ الأجْزاءِ الكَثِيفَةِ بِتَضْيِيقِ مَخْرَجِهِ أوْ صافِيًا لا يَسْتَصْحِبُهُ لَوْنُ الدَّمِ ولا رائِحَةُ الفَرْثِ ﴿سائِغًا لِلشّارِبِينَ﴾

صفحة 179

سَهْلُ المُرُورِ في حَلْقِهِمْ لِدُهْنِيَّتِهِ.

أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ يَحْيى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي لَبِيبَةَ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: ««ما شَرِبَ أحَدٌ لَبَنًا فَشَرِقَ إنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ لَبَنًا خالِصًا سائِغًا لِلشّارِبِينَ»».

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ «سَيِّغًا» بِتَشْدِيدِ الياءِ. وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ «سَيْغًا» مُخَفَّفًا مِن سَيِّغٍ كَهَيْنٍ المُخَفَّفِ مِن هَيِّنٍ واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى طَهارَةِ لَبَنِ المَأْكُولِ وإباحَةِ شُرْبِهِ، وقَدِ احْتَجَّ بَعْضُ مَن يَرى عَلى أنَّ المَنِيَّ طاهِرٌ عَلى مَن جَعَلَهُ نَجِسًا لِجَرْيِهِ في مَسْلَكِ البَوْلِ بِها أيْضًا وأنَّهُ لَيْسَ بِمُسْتَنْكَرٍ أنْ يَسْلُكَ مَسْلَكَ البَوْلِ وهو طاهِرٌ كَما خَرَجَ اللَّبَنُ مِن بَيْنِ فَرْثٍ ودَمٍ طاهِرًا.

وفِي التَّفْسِيرِ الكَبِيرِ قالَ أهْلُ التَّحْقِيقِ: اعْتِبارُ حُدُوثِ اللَّبَنِ كَما يَدُلُّ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ المُخْتارِ يَدُلُّ عَلى إمْكانِ الحَشْرِ والنَّشْرِ، وذَلِكَ لِأنَّ هَذا العُشْبَ الَّذِي يَأْكُلُهُ الحَيَوانُ إنَّما يَتَوَلَّدُ مِنَ الماءِ والأرْضِ فَخالِقُ العالَمِ دَبَّرَ تَدْبِيرًا انْقَلَبَ بِهِ لَبَنًا ثُمَّ دَبَّرَ تَدْبِيرًا آخَرَ حَدَثَ مِن ذَلِكَ اللَّبَنِ الدُّهْنُ والجُبْنُ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى أنْ يَقْلِبَ هَذِهِ الأجْسامَ مِن صِفَةٍ إلى صِفَةٍ ومِن حالَةٍ إلى حالَةٍ، فَإذا كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَمْتَنِعْ أيْضًا أنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى أنْ يَقْلِبَ أجْزاءَ أبْدانِ الأمْواتِ إلى صِفَةِ الحَياةِ والعَقْلِ كَما كانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ فَهَذا الِاعْتِبارُ يَدُلُّ مِن هَذا الوَجْهِ عَلى أنَّ البَعْثَ والقِيامَةِ أمْرٌ مُمْكِنٌ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ.

16:67Страница 274

وَمِن ثَمَرَٰتِ ٱلنَّخِيلِ وَٱلۡأَعۡنَٰبِ تَتَّخِذُونَ مِنۡهُ سَكَرٗا وَرِزۡقًا حَسَنًاۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ ٦٧

Из плодов финиковых пальм и виноградников вы получаете опьяняющий напиток и добрый удел. Воистину, в этом - знамение для людей размышляющих.

﴿ومِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ والأعْنابِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ ونُسْقِيكم مِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ والأعْنابِ أيْ مِن عَصِيرِهِما، وحُذِفَ لِدَلالَةِ ( نُسْقِيكم ) قَبْلَهُ عَلَيْهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنهُ سَكَرًا ورِزْقًا حَسَنًا﴾ بَيانٌ وكَشْفٌ عَنْ كُنْهِ الإسْقاءِ أوْ- بِتَتَّخِذُونَ- (ومِنهُ) مِن تَكْرِيرِ الظَّرْفِ لِلتَّأْكِيدِ كَما في قَوْلِكَ زَيْدٌ في الدّارِ فِيها أوْ خَبَرٌ لِمَحْذُوفٍ صِفَتُهُ ( تَتَّخِذُونَ ) أيْ ومِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ والأعْنابِ ثَمَرٌ تَتَّخِذُونَ مِنهُ وضَمِيرُ ( مِنهُ ) عائِدٌ إمّا عَلى المُضافِ المُقَدَّرِ أوْ عَلى الثَّمَراتِ المُؤَوَّلَةِ بِالثَّمَرِ لِأنَّهُ جَمْعٌ مُعَرَّفٌ أُرِيدَ بِهِ الجِنْسُ، وفائِدَةُ الصِّيغَةِ الإشارَةُ إلى تَعْدادِ الأنْواعِ أوْ عَلى ثَمَرٍ المُقَدَّرِ، و«السَّكَرُ» الخَمْرُ قالَ الأخْطَلُ:

بِئْسَ الصُّحاةُ وبِئْسَ الشُّرْبُ شُرْبَهم إذا جَرى فِيهِمُ المُزّاءُ والسُّكَّرُ

وهُوَ في الأصْلِ مَصْدَرُ سَكِرَ سُكْرًا وسَكَرًا نَحْوَ رَشِدَ رُشْدًا ورَشَدًا. واسْتُشْهِدَ لَهُ بِقَوْلِهِ:

وجاؤُونا بِهِمْ سُكْرٌ عَلَيْنا ∗∗∗ فَأجْلى اليَوْمَ والسَّكْرانُ صاحِي

وفَسَّرُوا الرِّزْقَ الحَسَنَ بِالخَلِّ والرَّبِّ والتَّمْرِ والزَّبِيبِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وإلَيْهِ ذَهَبَ صاحِبُ الكَشّافِ وقَدْ ذَكَرَ في تَوْجِيهِ إعْرابِها ما ذَكَرْناهُ، وقُدِّمَ الوَجْهُ الأوَّلُ مِن أوْجُهِهِ الثَّلاثَةِ وهو ظاهِرٌ في تَرْجِيحِهِ وصَرَّحَ بِهِ الطَّيِّبِيُّ وبَيَّنَهُ بِما بَيَّنَهُ، وأخَّرَ الثّالِثَ وهو ظاهِرٌ في أنَّهُ دُونَ أخَوَيْهِ. وفي الكَشْفِ بَعْدَ نَقْلِ كَلامِهِ في الوَجْهِ الأوَّلِ فِيهِ إضْمارُ العَصِيرِ وأنَّهُ لا يَصْلُحُ عَطْفًا في الظّاهِرِ عَلى السّابِقِ لِأنَّهُ لا يَصْلُحُ بَيانًا لِلْعِبْرَةِ في الأنْعامِ، وفِيهِ أنَّ ( تَتَّخِذُونَ ) لا يُصْلِحُ كَشْفًا عَنْ كُنْهِ الإسْقاءِ كَيْفَ وقَدْ فُسِّرَ الرِّزْقُ الحَسَنُ بِالتَّمْرِ والزَّبِيبِ أيْضًا وأيُّ مَدْخَلٍ لِلْعَصِيرِ وأيْنَ هَذا البَيانُ مِنَ البَيانِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ( نُسْقِيكم ) لِيُجْعَلَ مُدْرِكًا لِتَرْجِيحِهِ فَهَذا وجْهٌ مَرْجُوحٌ مُؤَوَّلٌ بِأنَّهُ عُطِفَ عَلى مَجْمُوعِ السّابِقِ، وأُوثِرَ الفِعْلِيَّةُ لِمَكانِ قُرْبِهِ مِن ( نُسْقِيكم ) وقَوْلُهُ تَعالى ﴿تَتَّخِذُونَ مِنهُ سَكَرًا﴾ تَمَّ البَيانُ عِنْدَهُ ثُمَّ أُتِيَ بِفائِدَةٍ زائِدَةٍ، وأظْهَرُ الأوْجُهِ ما ذُكِرَ آخِرًا أيْ ومِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ والأعْنابِ ثَمَرٌ تَتَّخِدُونَ لِيَكُونَ عَطْفًا لِلِاسْمِيَّةِ عَلى الِاسْمِيَّةِ أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وإنَّ لَكم في الأنْعامِ لَعِبْرَةً﴾ ولَمّا لَمْ يَكُنِ العِبْرَةُ فِيهِ كالأوَّلِ اكْتُفِيَ بِكَوْنِهِ عَطْفًا عَلى ما هو عِبْرَةٌ ولَمْ يُصَرِّحْ، وأُفِيدَ بِالتَّبْعِيضِ

صفحة 180

أنَّ مِن ثَمَراتِها ما يُؤْكَلُ قَبْلَ الإدْراكِ وما يَتْلَفُ ويَأْكُلُ الوُحُوشُ وغَيْرُ ذَلِكَ اه، وما ذَكَرَهُ في التَّأْوِيلِ مِن بَيانِ البَيانِ عِنْدَ ﴿سَكَرًا﴾ مُحَوِّجٌ إلى جَعْلِ ( رِزْقًا ) مَعْمُولًا لِعامِلٍ آخَرَ ولا يَخْفى بُعْدُهُ، والظّاهِرُ أنَّهُ لا يُنْكِرُهُ، وما ذَكَرَهُ مِنَ الوَجْهِ الأظْهَرِ ذَكَرَهُ الحَوْفِيُّ كَصاحِبِهِ، ولا يَرِدُ عَلَيْهِ أنَّ فِيهِ حَذْفَ المَوْصُوفِ بِالجُمْلَةِ لِأنَّ ذَلِكَ إذا كانَ المَوْصُوفُ بَعْضًا مِن مَجْرُورٍ مِن أوْ في المُقَدَّمِ عَلَيْهِ مُطَّرِدٌ نَحْوُ مِنّا أقامَ ومِنّا ظَعْنٌ أرادَ فَرِيقٌ، وقَدْ يَحْذِفُ مَوْصُوفًا بِالجُمْلَةِ في غَيْرِ ذَلِكَ كَقَوْلِ الرّاجِزِ:

ما لَكَ عِنْدِي غَيْرُ سَهْمٍ وحَجَرْ

وغَيْرُ كَبْداءِ شَدِيدِ الوَتَرْ ∗∗∗ جادَتْ بِكَفِّي كانَ مِن أرَمى البَشَرْ

أرادَ رَجُلٌ نَعَمْ قالَ الطَّبَرِيُّ: التَّقْدِيرُ ومِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ والأعْنابِ ما تَتَّخِذُونَ مِنهُ، وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ ذَلِكَ لا يَجُوزُ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ وكَأنَّهُ اعْتَبَرَ ما مَوْصُولَةً، وحَذْفُ المَوْصُولَ مَعَ إبْقاءِ الصِّلَةِ لا يَجُوزُ عَنْهُمْ، ولَعَلَّهم يُفَرِّقُونَ بَيْنَ المَوْصُولِ والمَوْصُوفِ فِيما ذُكِرَ، وقالَ العَلّامَةُ ابْنُ كَمالٍ في بَعْضِ رَسائِلِهِ: لا وجَعَ لِما اخْتارَهُ صاحِبُ الكَشّافِ يُغْنِي بِهِ تَعْلِيقُ الجارِّ- بِنُسْقِيكُمْ- مَحْذُوفًا وتَقْدِيرُ العَصِيرِ مُضافًا لِأنَّهُ حِينَئِذٍ لا يَتَناوَلُ المَأْكُولَ وهو أعْظَمُ صِنْفَيْ ثَمَراتِهِما يَعْنِي النَّخِيلَ والأعْنابَ والمَقامُ مَقامُ الِامْتِنانِ ومُقْتَضاهُ اسْتِيعابُ الصِّنْفَيْنِ ثُمَّ قالَ: والعَجَبُ مِنهُ ومِمَّنِ اتَّبَعَهُ كالبَيْضاوِيِّ كَيْفَ اتَّفَقُوا عَلى تَفْسِيرِ الرِّزْقِ الحَسَنِ بِما يَنْتَظِمُ التَّمْرُ والزَّبِيبُ ومَعَ ذَلِكَ يَقُولُونَ: إنَّ المَعْنى ومِن عَصِيرِهِما تَتَّخِذُونَ سَكَرًا ورِزْقًا حَسَنًا فَإنَّهُ لا انْتِظامَ بَيْنَ هَذَيْنِ الكَلامَيْنِ فالوَجْهُ أنْ يَتَعَلَّقَ الجارُّ- بِتَتَّخِذُونَ- ويَكُونُ مِنهُ تَكْرِيرُ الظَّرْفِ لِلتَّأْكِيدِ اه. وهو الَّذِي اسْتَظْهَرَهُ أبُو حَيّانَ وقَدْ سَبَقَتِ الإشارَةُ إلى الِاعْتِراضِ بِما تُعُجِّبَ مِنهُ مَعَ الجَوابِ بِما فِيهِ بَعْدُ، ونُقِلَ عَنْهُ أنَّهُ جَعَلَهُ مُتَعَلِّقًا بِما في الإسْقاءِ مِن مَعْنى الإطْعامِ أيْ نُطْعِمُكم مِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ والأعْنابِ لِيَنْتَظِمَ المَأْكُولُ مِنهُما والمَشْرُوبُ المُتَّخَذُ مِن عَصِيرِهِما. وفِيهِ مِنَ البُعْدِ ما فِيهِ.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ تَقْدِيرَ العَصِيرِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ عِنْدَ مَن يَراهُ لازِمٌ، وتَقْدِيرُهُ عَلى الوَجْهِ الثّانِي جائِزٌ عِنْدَ ذاكَ أيْضًا ولا يَجُوزُ عِنْدَ المُعْتَرِضِ. واخْتارَ أبُو البَقاءِ تَعْلِيقَهُ بِخَلَقَ لَكم أوْ جَعَلَ ولَيْسَ بِذاكَ، وقِيلَ: إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى الأنْعامِ عَلى مَعْنى ومِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ والأعْنابِ عِبْرَةٌ (وتَتَّخِذُونَ) بَيانٌ لَها وهو غَيْرُ الوَجْهِ الَّذِي اسْتَظْهَرَهُ صاحِبُ الكَشْفِ وكانَ الظّاهِرُ- فِي- بَدَلَ مِن وضَمِيرُ ( مِنهُ ) لا يَتَعَيَّنُ فِيهِ ما سَمِعْتَ كَما لا يَخْفى عَلَيْكَ بَعْدَ أنْ أحَطْتَ خَبَرًا بِما قِيلَ في ضَمِيرِ ﴿بُطُونِهِ﴾ وتَفْسِيرُ «السَّكَرِ» بِالخَمْرِ هو المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ عُمَرَ وأبِي رَزِينٍ والحَسَنِ ومُجاهِدٍ والشَّعْبِيِّ والنَّخْعِيِّ وابْنِ أبِي لَيْلى وأبِي ثَوْرٍ والكَلْبِيِّ وابْنِ جُبَيْرٍ مَعَ خَلْقٍ آخَرِينَ، والآيَةُ نَزَلَتْ في مَكَّةَ والخَمْرُ إذْ ذاكَ كانَتْ حَلالًا يَشْرَبُها البَرُّ والفاجِرُ وتَحْرِيمُها إنَّما كانَ بِالمَدِينَةِ اتِّفاقًا واخْتَلَفُوا في أنَّهُ قَبْلَ أُحُدٍ أوْ بَعْدَها والآيَةُ المُحَرِّمَةُ لَها ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ والأنْصابُ والأزْلامُ رِجْسٌ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ فاجْتَنِبُوهُ﴾ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ جَمْعٌ فَما هُنا مَنسُوخٌ بِها، ورَوى ذَلِكَ غَيْرُ واحِدٍ مِمَّنْ تَقَدَّمَ كالنَّخْعِيِّ وأبِي ثَوْرٍ وابْنِ جُبَيْرٍ، وقِيلَ: نَزَلَتْ قَبْلَ ولا نَسْخَ بِناءً عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ «السَّكَرَ» هو الخَلُّ بِلُغَةِ الحَبَشَةِ أوْ عَلى ما نُقِلَ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أنَّ «السَّكَرَ» المَطْعُومُ المُتَفَكَّهِ بِهِ كالنَّقْلِ وأنْشَدَهُ:

جَعَلَتْ أعْراضَ الكِرامِ سَكَرا وتُعِقِّبَ بِأنَّ كَوْنَ السَّكَرِ في ذَلِكَ بِمَعْنى الخَمْرِ أشْبَهُ مِنهُ بِالطَّعامِ، والمَعْنى أنَّهُ لِشَغَفِهِ بِالغِيبَةِ وتَمْزِيقِ الأعْراضِ جَرى ذَلِكَ عِنْدَهُ مَجْرى الخَمْرِ المُسْكِرَةِ، وكَأنَّهُ لِهَذا قالَ الزَّجّاجُ: إنَّ قَوْلَ أبِي عُبَيْدَةَ لا يَصِحُّ، وفِيهِ أنَّ المَعْرُوفَ في الغِيبَةِ جَعْلُها نَقْلًا ولِذا قِيلَ: الغَيِبَةُ فاكِهَةُ القُرّاءِ، وإلى عَدَمِ النَّسْخِ ذَهَبَ الحَنَفِيُّونَ وقالُوا: المُرادُ بِالسَّكَرِ ما لا يُسْكِرُ مِنَ الأنْبِذَةِ، واسْتَدَلُّوا عَلَيْهِ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى امْتَنَّ عَلى عِبادِهِ بِما خَلَقَ لَهم مِن ذَلِكَ ولا يَقَعُ الِامْتِنانُ إلّا بِمُحَلِّلٍ فَيَكُونُ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى جَوازِ شُرْبِ ما دُونُ المُسْكِرِ

صفحة 181

مِنَ النَّبِيذِ فَإذا انْتَهى إلى السَّكَرِ لَمْ يَجُزْ وعَضَّدُوا هَذا مِنَ السُّنَّةِ بِما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ««حَرَّمَ اللَّهُ تَعالى الخَمْرَ بِعَيْنِها القَلِيلَ مِنها والكَثِيرَ والسُّكْرَ مِن كُلِّ شَرابٍ»» أخْرَجَهُ الدّارَقُطْنِيُّ، وإلى حَلِّ شُرْبِ النَّبِيذِ ما لَمْ يَصِلْ إلى الإسْكارِ ذَهَبَ إبْراهِيمُ النَّخْعِيُّ: وأبُو جَعْفَرٍ الطَّحاوِيُّ وكانَ إمامَ أهْلِ زَمانِهِ وسُفْيانُ الثَّوْرِيُّ وهو مَن تَعْلَمُ وكانَ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ يَشْرَبُهُ كَما ذَكَرَ ذَلِكَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ والبَيْضاوِيُّ بَعْدَ أنْ فَسَّرَ «السُّكْرَ» بِالخَمْرِ تَرَدَّدَ في أمْرِ نُزُولِها فَقالَ: إلّا أنَّ الآيَةَ إنْ كانَتْ سابِقَةً عَلى تَحْرِيمِ الخَمْرِ فَدالَّةٌ عَلى كَراهِيَتِها وإلّا فَجامِعَةٌ بَيْنَ العِتابِ والمِنَّةِ، ووَجْهُ دَلالَتِها عَلى الكَراهِيَةِ بِأنَّ الخَمْرَ وقَعَتْ في مُقابَلَةِ الحَسَنِ وهو مُقْتَضًى لِقُبْحِها والقَبِيحُ لا يَخْلُو عَنِ الكَراهَةِ وإنْ خَلا عَنِ الحُرْمَةِ، واعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأنَّ تَرَدُّدَهُ هُنا في سَبْقِها عَلى تَحْرِيمِ الخَمْرِ يُنافِي ما في سُورَةِ البَقَرَةِ حَيْثُ ساقَ الكَلامَ عَلى القَطْعِ أنَّهُ جَزَمَ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ بِأنَّها مَكِّيَّةٌ إلّا ثَلاثُ آياتٍ مِن آخِرِها.

وفِي الكَشّافِ بَعْدَ أنْ فَسَّرَ «السَّكَرَ» أيْضًا بِما ذَكَرَ قالَ: وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما أنْ تَكُونَ مَنسُوخَةً، والثّانِي أنْ يُجْمَعَ بَيْنَ العِتابِ والمِنَّةِ، ونَقَلَ صاحِبُ الكَشْفِ أنَّ القَوْلَ بِكَوْنِها مَنسُوخَةً أوْلى الأقاوِيلِ، ثُمَّ قالَ: وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى قُبْحٍ تَناوُلِها تَعْرِيضًا مِن تَقْيِيدِ المُقابِلِ بِالحَسَنِ، وهَذا وجْهُ مَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ العِتابِ والمِنَّةِ، وعَلى الأوَّلِ يَكُونُ رَمْزًا إلى أنَّ السُّكْرَ وإنْ كانَ مُباحًا فَهو مِمّا يَحْسُنُ اجْتِنابُهُ اه. واسْتَدَلَّ ابْنُ كَمالٍ عَلى نُزُولِها قَبْلَ التَّحْرِيمِ أنَّ المَقامَ لا يَحْتَمِلُ العِتابَ فَإنَّ مَساقَ الكَلامِ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ سِياقُهُ ولِحاقُهُ في تَعْدادِ النِّعَمِ العِظامِ، وذَكَرَ أنَّ كَلامَ الزَّمَخْشَرِيِّ ومَن تَبِعَهُ ناشِئٌ عَنِ الغَفْلَةِ عَنْ هَذا، ولَعَلَّ عَدَمَ وصْفِ «السَّكَرِ» بِما وُصِفَ بِهِ ما بَعْدَهُ لِعِلْمِ اللَّهِ تَعالى أنَّهُ سَيَكُونُ رِجْسًا يَحْكُمُ الشَّرْعُ بِتَحْرِيمِهِ. وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يُجْعَلَ السَّكَرُ رِزْقًا حَسَنًا كَأنَّهُ قِيلَ: تَتَّخِذُونَ مِنهُ ما هو مُسْكِرٌ ورِزْقٌ حَسَنٌ أيْ عَلى أنَّ العَطْفَ مِن عَطْفِ الصِّفاتِ. وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ العَطْفَ ظاهِرُهُ المُغايِرَةُ.

هَذا ولَمّا كانَ اللَّبَنُ نِعْمَةً عَظِيمَةً لا دَخْلَ لِفِعْلِ الخَلْقِ فِيهِ أضافَهُ سُبْحانَهُ لِنَفْسِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿نُسْقِيكُمْ﴾ بِخِلافِ اتِّخاذِ السَّكَّرِ وقَدْ صُرِّحَ بِذَلِكَ في البَحْرِ فَتَأمَّلْ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً﴾ باهِرَةً ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ يَسْتَعْمِلُونَ عُقُولَهم بِالنَّظَرِ والتَّأمُّلِ بِالآياتِ فالفِعْلُ مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ اللّازِمِ، قالَ أبُو حَيّانَ: ولَمّا كانَ مُفْتَتَحُ الكَلامِ ﴿وإنَّ لَكم في الأنْعامِ لَعِبْرَةً﴾ ناسَبَ الخَتْمَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:- يَعْقِلُونَ- لِأنَّهُ لا يَعْتَبِرُ إلّا ذَوُو العُقُولِ. وأنا أقُولُ: إذا كانَ في الآيَةِ إشارَةٌ إلى الحَطِّ مِن أمْرِ السُّكْرِ فَفي الخَتْمِ المَذْكُورِ تَقْوِيَةٌ لِذَلِكَ ولَهُ في النُّفُوسِ مَوْقِعٌ وأيُّ مَوْقِعٍ حَيْثُ إنَّ العَقارَ كَما قِيلَ لِلْعُقُولِ عِقالٌ:

إذا دارَها بِالأكُفِّ السُّقاةُ ∗∗∗ لِخِطابِها أمْهَرُوها العَقُولا

فافْهَمْ ذاكَ واللَّهُ تَعالى يَتَوَلّى هُداكَ

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English