Аль-Алуси · Тафсир · на арабском
Аль-Исра 17:15–17, продолжение
وتَغْيِيرِ الشَّرائِعِ كَما فَعَلَ عَمْرُو بْنُ لُحَيٍّ ولا يَخْفى أنَّ هَذا لا يُوافِقُ إطْلاقَ هَؤُلاءِ الأئِمَّةِ ولا القَوْلَ بِأنَّهُ لا وُجُوبَ إلّا بِالشَّرْعِ ولَوْ أمْكَنَ أنْ يَكُونَ مَن ثَبَتَ تَعْذِيبُهُ مِنَ اتِّباعِ مَن بَقِيَ شَرْعُهُ إذْ ذاكَ كَعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَبْقَ أشْكالٌ أصْلًا، واسْتَدَلَّ بَعْضُ مَن يَقُولُ بِتَعْذِيبِهِمْ مُطْلَقًا بِما أخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ والطَّبَرانِيُّ وأبُو نُعَيْمٍ عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««يُؤْتى يَوْمَ القِيامَةِ بِالمَمْسُوخِ عَقْلًا وبِالهالِكِ في الفَتْرَةِ وبِالهالِكِ صَغِيرًا فَيَقُولُ المَمْسُوخُ عَقْلًا: يا رَبِّ، لَوْ آتَيْتَنِي عَقْلًا ما كانَ مَن آتَيْتَهُ عَقْلًا بِأسْعَدَ بِعَقْلِهِ مِنِّي. ويَقُولُ الهالِكُ في الفَتْرَةِ: يا رَبِّ، لَوْ أتانِي مِنكَ عَهْدٌ ما كانَ مَن أتاهُ مِنكَ عَهْدٌ بِأسْعَدَ بِعَهْدِكَ مِنِّي. ويَقُولُ الهالِكُ صَغِيرًا: يا رَبِّ، لَوْ آتَيْتَنِي عُمْرًا ما كانَ مَن آتَيْتَهُ عُمْرًا بِأسْعَدَ بِعُمْرِهِ مِنِّي. فَيَقُولُ لَهُمُ الرَّبُّ تَبارَكَ وتَعالى: فاذْهَبُوا فادْخُلُوا جَهَنَّمَ ولَوْ دَخَلُوها ما ضَرَّتْهم شَيْئًا، فَتَخْرُجُ عَلَيْهِمْ قَوابِصُ مِن نارٍ يَظُنُّونَ أنَّها قَدْ أهْلَكَتْ ما خَلَقَ اللَّهُ تَعالى مِن شَيْءٍ، فَيَرْجِعُونَ سِراعًا ويَقُولُونَ: يا رَبَّنا، خَرَجْنا وعِزَّتِكَ نُرِيدُ دُخُولَها فَخَرَجَتْ عَلَيْنا قَوابِصُ مِن نارٍ ظَنَنّا أنْ قَدْ أهْلَكَتْ ما خَلَقَ اللَّهُ تَعالى مِن شَيْءٍ، ثُمَّ يَأْمُرُهم ثانِيَةً فَيَرْجِعُونَ لِذَلِكَ ويَقُولُونَ كَذَلِكَ فَيَقُولُ الرَّبُّ تَعالى: خَلَقْتُكم عَلى عِلْمِي، وإلى عِلْمِي تَصِيرُونَ، يا نارُ ضُمِّيهِمْ فَتَأْخُذُهُمُ النّارُ»».
وبَعْضُ الأخْبارِ يَقْتَضِي أنَّ مِنهم مَن يُعَذَّبُ ومِنهم مَن لا يُعَذَّبُ.
فَقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ راهَوَيْهِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ««أرْبَعَةٌ يَحْتَجُّونَ يَوْمَ القِيامَةِ: رَجُلٌ أصَمُّ لا يَسْمَعُ شَيْئًا، ورَجُلٌ أحْمَقُ، ورَجُلٌ هَرِمٌ، ورَجُلٌ ماتَ في فَتْرَةٍ. فَأمّا الأصَمُّ فَيَقُولُ: رَبِّ، لَقَدْ جاءَ الإسْلامُ وما أسْمَعُ شَيْئًا، وأمّا الأحْمَقُ فَيَقُولُ: رَبِّ، جاءَ الإسْلامُ والصِّبْيانُ يَحْذِفُونَنِي بِالبَعْرِ، وأمّا الهَرِمُ فَيَقُولُ: رَبِّ، لَقَدْ جاءَ الإسْلامُ وما أعْقِلُ شَيْئًا، وأمّا الَّذِي ماتَ في الفَتْرَةِ فَيَقُولُ: رَبِّ، ما أتانِي لَكَ رَسُولٌ. فَيَأْخُذُ سُبْحانَهُ مَواثِيقَهم لَيُطِيعُنَّهُ، فَيُرْسِلُ إلَيْهِمْ رَسُولًا أنِ ادْخُلُوا النّارَ، فَمَن دَخَلَها كانَتْ عَلَيْهِ بَرْدًا وسَلامًا، ومَن لَمْ يَدْخُلْها سُحِبَ إلَيْها»».
وأخْرَجَ قاسِمُ بْنُ أصْبَغَ والبَزّارُ وأبُو يَعْلى وابْنُ عَبْدِ البَرِّ في التَّمْهِيدِ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««يُؤْتى يَوْمَ القِيامَةِ بِأرْبَعَةٍ. بِالمَوْلُودِ والمَعْتُوهِ ومَن ماتَ في الفَتْرَةِ والشَّيْخِ الهَرِمِ الفانِي، كُلُّهم يَتَكَلَّمُ بِحُجَّتِهِ فَيَقُولُ الرَّبُّ تَبارَكَ وتَعالى لِعُنُقٍ مِن جَهَنَّمَ: ابْرُزِي. ويَقُولُ لَهُمْ: إنِّي كُنْتُ أبْعَثُ إلى عِبادِي رُسُلًا مِن أنْفُسِهِمْ وإنِّي رَسُولُ نَفْسِي إلَيْكم. فَيَقُولُ لَهُمْ: ادْخُلُوا هَذِهِ. فَيَقُولُ مَن كُتِبَ عَلَيْهِ الشَّقاءُ: يا رَبِّ، أتُدْخِلْناها ومِنها كُنّا نَفِرُّ؟ وأمّا مَن كُتِبَ لَهُ السَّعادَةُ فَيَمْضِي فَيَقْتَحِمُ فِيها فَيَقُولُ الرَّبُّ تَعالى: قَدْ عايَنْتُمُونِي فَعَصَيْتُمُونِي. فَأنْتُمْ لِرُسُلِي أشَدُّ تَكْذِيبًا ومَعْصِيَةً فَيَدْخُلُ هَؤُلاءِ الجَنَّةَ وهَؤُلاءِ النّارَ»».
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأخْبارِ، ويَحْتَجُّ بِها مَن قالَ بِانْقِسامِ ذَرارِيِّ المُشْرِكِينَ بَلْ وذَرارِيِّ المُؤْمِنِينَ وفي القَلْبِ مِن صِحَّتِها شَيْءٌ، وإنْ قالَ في الإصابَةِ: إنَّها ورَدَتْ مِن عِدَّةِ طُرُقٍ، وعَلى تَقْدِيرِ صِحَّتِها فَمُعارِضُها أصَحُّ مِنها، والَّذِي يَمِيلُ إلَيْهِ القَلْبُ أنَّ العَقْلَ حُجَّةٌ في مَعْرِفَةِ الصّانِعِ تَعالى ووَحْدَتِهِ وتَنَزُّهِهِ عَنِ الوَلَدِ سُبْحانَهُ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ لِلْأدِلَّةِ السّابِقَةِ وغَيْرِها وإنْ كانَ في بَعْضِها ما يُقالُ، وإرْسالُ الرُّسُلِ وإنْزالُ الكُتُبِ رَحْمَةٌ مِنهُ تَعالى، أوْ أنَّ ذَلِكَ لِبَيانِ ما لا يُنالُ بِالعُقُولِ مِن أنْواعِ العِباداتِ والحُدُودِ فَلا يَرِدُ أنَّهُ لَوْ كانَ العَقْلُ حُجَّةً ما أرْسَلَ اللَّهُ تَعالى رَسُولًا ولاكْتَفى بِهِ. وقِيلَ في جَوابِهِ: لَمّا كانَ أمْرُ البَعْثِ والجَزاءِ مِمّا يُشْكِلُ مَعَ العَقْلِ وحْدَهُ إلّا بِعَظِيمِ تَأمُّلٍ فِيهِ حَرَجٌ يُعْذَرُ الإنْسانُ بِمِثْلِهِ ولا إيمانَ بِدُونِهِ بَعَثَ اللَّهُ تَعالى الرُّسُلَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لِبَيانِ ما بِهِ تَتِمَّةُ الدِّينِ لا لِنَفْسِ مَعْرِفَةِ الخالِقِ؛ فَإنَّها تُنالُ بِبِدايَةِ العُقُولِ، فالبَعْرَةُ
صفحة 42
تَدُلُّ عَلى البَعِيرِ، والأثَرُ عَلى المَسِيرِ، فَسَماءٌ ذاتُ أبْراجٍ، وأرْضٌ ذاتُ فِجاجٍ، وبِحارٌ ذاتُ أمْواجٍ ألا تَدُلُّ عَلى اللَّطِيفِ الخَبِيرِ.
وأيْضًا إنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَدَعْنا ورَسُولًا مِن أوَّلِ الأمْرِ إلى آخِرِهِ، والحُجَّةُ كانَتْ قائِمَةً بِالواحِدِ كَما بَقِيَتْ بِمُحَمَّدٍ ﷺ إلى يَوْمِ القِيامَةِ ولَمْ يَدُلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الأوَّلَ لَمْ يَكُنْ حُجَّةً كافِيَةً، وكَذَلِكَ لَمْ يَدَعْنا سُبْحانَهُ، والبَيانُ بِآيَةٍ واحِدَةٍ بَلْ مَنَّ عَلَيْنا جَلَّ شَأْنُهُ بِآياتٍ مُتَكَرِّرَةٍ، ولا يَدُلُّ ذَلِكَ أنَّ الآيَةَ الواحِدَةَ لَمْ تَكُنْ حُجَّةً كافِيَةً.
وقَوْلُهُ تَعالى خَبَرًا عَنْ قَوْلِ الخَزَنَةِ لِأهْلِ النّارِ: ﴿أوَ لَمْ تَكُ تَأْتِيكم رُسُلُكم بِالبَيِّناتِ﴾ تَوْبِيخٌ بِالأظْهَرِ، وهو لا يَدُلُّ عَلى أنَّ الآخَرَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِئَلا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ عَلى مَعْنى: لِئَلّا يَكُونَ لَهُمُ احْتِجاجٌ بِزَعْمِهِمْ بِأنْ يَقُولُوا: ﴿لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولا﴾، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ أنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ وأهْلُها غافِلُونَ﴾ مَحْمُولٌ عَلى الإهْلاكِ بِعَذابِ الِاسْتِئْصالِ في الدُّنْيا عَلى تَكْذِيبِ الرُّسُلِ، وأمّا جَزاءُ الكُفْرِ فالنّارُ في العُقْبى، وكَذا يُقالُ في الآيَةِ الَّتِي نَحْنُ فِيها لِكَثْرَةِ ما يَدْعُو إلَيْهِ فَلا عُذْرَ لِمَن لَمْ يَعْرِفْ رَبَّهُ سُبْحانَهُ مِن أهْلِ الفَتْرَةِ إذا كانَ عاقِلًا مُمَيِّزًا مُتَمَكِّنًا مِنَ النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ لا سِيَّما إذا بَلَغَتْهُ دَعْوَةُ رَسُولٍ مِنَ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، ولا يَكادُ يُوجَدُ مَن لَمْ تَبْلُغْهُ كَما سَمِعْتَ عَنِ الحَلِيمِيِّ وقِيلَ بِوُجُودِهِ في أمْرِيقا وهي المُسَمّاةُ بِيكِي دُنْيا قَبْلَ أنْ يَظْفَرَ بِها في حُدُودِ الألْفِ بَعْدِ الهِجْرَةِ كِرِشْتُوفِيلْ المَشْهُورُ بِقُلُوبْنُو فَإنَّ أهْلَها عَلى ما بَلَغَنا إذْ ذاكَ لَمْ يَسْمَعُوا بِدَعْوَةِ رَسُولٍ أصْلًا، ثُمَّ المَفْهُومُ مِن كَلامِ الأجِلَّةِ أنَّ النِّزاعَ إنَّما هو بِالنِّسْبَةِ لِأحْكامِ الإيمانِ بِاللَّهِ تَعالى بِخِلافِ الفُرُوعِ فَلا خِلافَ في أنَّها لا تَثْبُتُ إلّا في حَقِّ مَن بَلَغَتْهُ دَعْوَةُ مَن أُرْسِلَ إلَيْهِ وهو الظّاهِرُ، نَعَمْ ما اتَّفَقَ عَلَيْهِ المِلَلُ مِنَ الفُرُوعِ هَلْ هو كالإيمانِ حَتّى يَجْرِيَ فِيهِ النِّزاعُ المُتَقَدِّمُ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وأمّا الإيمانُ بِنَبِيِّنا ﷺ فَلَيْسَ بِواجِبٍ عَلى مَن لَمْ تَبْلُغْهُ دَعْوَتُهُ؛ إذْ لَيْسَ لِلْعَقْلِ في ذَلِكَ مَجالٌ كَما لا يَخْفى عَلى ذِي عَقْلٍ، بَلْ قالَ حُجَّةُ الإسْلامِ الغَزالِيُّ: النّاسُ بَعْدَ بِعْثَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أصْنافٌ: صِنْفٌ لَمْ تَبْلُغْهم دَعْوَتُهُ ولَمْ يَسْمَعُوا بِهِ أصْلًا فَأُولَئِكَ مَقْطُوعٌ لَهم بِالجَنَّةِ، وصِنْفٌ بَلَغَتْهم دَعْوَتُهُ وظُهُورُ المُعْجِزَةِ عَلى يَدِهِ وما كانَ عَلَيْهِ ﷺ مِنَ الأخْلاقِ العَظِيمَةِ والصِّفاتِ الكَرِيمَةِ ولَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ كالكَفَرَةِ الَّذِينَ بَيْنَ ظَهْرانِينا، فَأُولَئِكَ مَقْطُوعٌ لَهم بِالنّارِ، وصِنْفٌ بَلَغَتْهم دَعْوَتُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وسَمِعُوا بِهِ لَكِنْ كَما يَسْمَعُ أحَدُنا بِالدَّجّالِ وحاشا قَدْرِهِ الشَّرِيفِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ فَهَؤُلاءِ أرْجُو لَهُمُ الجَنَّةَ؛ إذْ لَمْ يَسْمَعُوا ما يُرَغِّبُهم في الإيمانِ بِهِ اه، ولَعَلَّ القَطْعَ بِالجَنَّةِ لِلْأوَّلِينَ ورَجاءَها لِلْآخَرِينَ إنَّما يَكُونانِ إذا كانُوا مُؤْمِنِينَ بِاللَّهِ تَعالى، وأمّا إذا لَمْ يَكُونُوا كَذَلِكَ فَهم عَلى الخِلافِ، ثُمَّ إنَّ مَسْألَةَ عَدَمِ الوُجُوبِ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ إنَّما يَتِمُّ الِاسْتِدْلالُ عَلَيْهِ بِالآيَةِ عِنْدَ المُسْتَدِلِّينَ بِها كَما قالَ الأصْفَهانِيُّ: إذا كانَ المَقْصُودُ تَحْصِيلَ غَلَبَةِ الظَّنِّ فِيها فَإنْ كانَتْ عِلْمِيَّةً فَلا يُمْكِنُ إثْباتُها بِالدَّلائِلِ الظَّنِّيَّةِ، وفِيها عِنْدُهم نَوْعُ اكْتِفاءٍ، أيْ: وما كُنّا مُعَذِّبِينَ ولا مُثِيبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا، قالُوا: واسْتَغْنى عَنْ ذِكْرِ الثَّوابِ بِذِكْرِ مُقابِلِهِ مِنَ العَذابِ ولَمْ يَعْكِسْ لِأنَّهُ أظْهَرُ مِنهُ في تَحَقُّقِ مَعْنى التَّكْلِيفِ فَتَأمَّلْ.
17:16Страница 283
وَإِذَآ أَرَدۡنَآ أَن نُّهۡلِكَ قَرۡيَةً أَمَرۡنَا مُتۡرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيۡهَا ٱلۡقَوۡلُ فَدَمَّرۡنَٰهَا تَدۡمِيرٗا ١٦
Когда Мы хотели погубить какое-либо селение, то повелевали его изнеженным роскошью жителям покориться Аллаху. Когда же они предавались нечестию, то относительно него сбывалось Слово, и Мы уничтожали его полностью.
﴿وإذا أرَدْنا أنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً﴾ بَيانٌ لِكَيْفِيَّةِ وُقُوعِ العَذابِ بَعْدَ البِعْثَةِ، ولَيْسَ المُرادُ بِالإرادَةِ الإرادَةَ الأزَلِيَّةَ المُتَعَلِّقَةَ بِوُقُوعِ المُرادِ في وقْتِهِ المُقَدَّرِ لَهُ أصْلًا؛ إذْ لا يُقارِنُها الجَزاءُ الآتِي، ولا تَحَقُّقُها بِالفِعْلِ إذْ لا يَتَخَلَّفُ عَنْهُ المُرادُ بَلْ دُنُوُّ وقْتِهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾ أيْ: إذا دَنا وقْتُ تَعَلُّقِ إرادَتِنا بِإهْلاكِها بِأنْ نُعَذِّبَ أهْلَها بِما ذُكِرَ مِن عَذابِ
صفحة 43
الِاسْتِئْصالِ الَّذِي بَيَّنّا أنَّهُ لا يَصِحُّ مِنّا قَبْلَ البَعْثَةِ أوْ بِنَوْعٍ مِمّا ذَكَرْنا شَأْنَهُ مِن مُطْلَقِ العَذابِ أعْنِي عَذابَ الِاسْتِئْصالِ لِما لَهم مِنَ الظُّلْمِ والمَعاصِي دُنُوًّا تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَهُ حَدٌّ مُعَيَّنٌ ﴿أمَرْنا﴾ بِالطّاعَةِ كَما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَلى لِسانِ الرَّسُولِ المَبْعُوثِ إلى أهْلِها.
﴿مُتْرَفِيها﴾ مُتَنَعِّمِيها وجَبّارِيها ومُلُوكَها، وخُصَّهم بِالذِّكْرِ مَعَ تَوَجُّهِ الأمْرِ إلى الكُلِّ لِأنَّهم أئِمَّةُ الفِسْقِ ورُؤَساءُ الضَّلالِ وما وقَعَ مِن سِواهم بِاتِّباعِهِمْ، ولِأنَّ تَوَجُّهَ الأمْرِ إلَيْهِمْ آكَدُ، ويَدُلُّ عَلى تَقْدِيرِ الطّاعَةِ أنَّ فَسَقَ وعَصى مُتَقارِبانِ بِحَسَبِ اللُّغَةِ وإنْ خُصَّ الفِسْقُ في الشَّرْعِ بِمَعْصِيَةٍ خاصَّةٍ وذِكْرُ الضِّدِّ يَدُلُّ عَلى الضِّدِّ كَما أنَّ ذِكْرَ النَّظِيرِ يَدُلُّ عَلى النَّظِيرِ، فَذِكْرُ الفِسْقِ والمَعْصِيَةِ يَدُلُّ عَلى تَقْدِيرِ الطّاعَةِ كَما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ فَيَكُونُ نَحْوَ: أمَرْتُهُ فَأساءَ إلَيَّ. أيْ: أمَرْتُهُ بِالإحْسانِ بِقَرِينَةِ المُقابَلَةِ بَيْنَهُما المُعْتَضِدَةِ بِالعَقْلِ الدّالِّ عَلى أنَّهُ لا يُؤْمَرُ بِالإساءَةِ كَما لا يُؤْمَرُ بِالفِسْقِ، والنَّقْلِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ﴾، وجُوِّزَ أنْ يُنَزَّلَ الفِعْلُ مَنزِلَةَ اللّازِمِ كَما فِي: يُعْطِي ويَمْنَعُ؛ أيْ: وجَّهْنا الأمْرَ.
﴿فَفَسَقُوا فِيها﴾ أيْ: خَرَجُوا عَنِ الطّاعَةِ وتَمَرَّدُوا، واخْتارَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّ الأصْلَ أمَرْناهم بِالفِسْقِ فَفَسَقُوا إلّا أنَّهُ يَمْتَنِعُ إرادَةُ الحَقِيقَةِ لِلدَّلِيلِ فَيُحْمَلُ عَلى المَجازِ إمّا بِطْرِيقِ الِاسْتِعارَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ بِأنْ يُشَبَّهَ حالُهم في تَقَلُّبِهِمْ في النِّعَمِ مَعَ عِصْيانِهِمْ وبَطَرِهِمْ بِحالِ مَن أُمِرَ بِذَلِكَ، أوْ بِطْرِيقِ الِاسْتِعارَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ بِأنْ يُشَبَّهَ حالُهم في تَقَلُّبِهِمْ في النِّعَمِ مَعَ عِصْيانِهِمْ وبَطَرِهِمْ بِحالِ مَن أُمِرَ بِذَلِكَ، أوْ بِطْرِيقِ الِاسْتِعارَةِ التَّصْرِيحِيَّةِ التَّبَعِيَّةِ بِأنْ يُشَبَّهَ إفاضَةُ النِّعَمِ المُبْطِرَةِ لَهم وصَبِّها عَلَيْهِمْ بِأمْرِهِمْ بِالفِسْقِ بِجامِعِ الحَمْلِ عَلَيْهِ والتَّسَبُّبِ لَهُ، ويُتَمِّمُ أمْرَ الِاسْتِعارَةِ في الصُّورَتَيْنِ بِما لا يَخْفى، وقِيلَ: الأمْرُ اسْتِعارَةٌ لِلْحَمْلِ والتَّسَبُّبِ لِاشْتِراكِهِما في الإفْضاءِ إلى الشَّيْءِ، وآثَرَ أنَّ تَقْدِيرَ أمَرْناهم بِالطّاعَةِ فَفَسَقُوا غَيْرُ جائِزٍ لِزَعْمِهِ أنَّهُ حَذْفُ ما لا دَلِيلَ عَلَيْهِ بَلِ الدَّلِيلُ قائِمٌ عَلى خِلافِهِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُمْ: أمَرْتُهُ فَقامَ وأمَرْتُهُ فَقَعَدَ لا يُفْهَمُ مِنهُ إلّا الأمْرُ بِالقِيامِ والقُعُودِ، ولَوْ أرَدْتَ خِلافَ ذَلِكَ كُنْتَ قَدْ رُمْتَ مِن مُخاطِبِكَ عِلْمَ الغَيْبِ، ولا نَقْضَ بِنَحْوِ قَوْلِهِمْ: أمَرْتُهُ فَعَصانِي أوْ فَلَمْ يَمْتَثِلْ أمْرِي؛ لِأنَّهُ لَمّا كانَ مُنافِيًا لِلْأمْرِ عُلِمَ أنَّهُ لا يَصْلُحُ قَرِينَةً لِلْمَحْذُوفِ فَيَكُونُ الفِعْلُ في ذَلِكَ مِن بابِ يُعْطِي ويَمْنَعُ. واعْتُرِضَ بِأنَّهُ لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن قَبِيلِ: أمَرْتُهُ فَعَصانِي لِما سَمِعْتَ مِن تَقارُبِ فَسَقَ وعَصى وبِأنَّ قَرِينَةَ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ﴾ لِمَ لا تَكْفِي في تَقْدِيرِ وجَّهْنا الأمْرَ فَوُجِدَ مِنهُمُ الفِسْقُ لا أنْ يُقَدَّرَ مُتَعَلِّقُ الأمْرِ، ثُمَّ لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّعْقِيبُ بِالضِّدِّ قَرِينَةً لِلضِّدِّ الآخَرِ ونَحْوُهُ أكْثَرُ مِن أنْ يُحْصى، وأجابَ في الكَشْفِ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: الجَوابُ عَنِ الأوَّلِينَ أنَّ صاحِبَ الكَشّافِ مَنَعَ أنَّ يُرادَ أمَرْنا بِالطّاعَةِ، وأمّا أنْ يُرادَ تَوْجِيهُ الأمْرِ فَلَمْ يَمْنَعْهُ مِن هَذا المَسْلَكِ بَلِ المانِعُ أنَّ تَخْصِيصَ المُتْرَفِينَ حِينَئِذٍ يَبْقى غَيْرَ بَيِّنِ الوَجْهِ، وكَذَلِكَ التَّقْيِيدُ بِزَمانِ إرادَةِ الإهْلاكِ، فَإنَّ أمْرَهُ تَعالى واقِعٌ في كُلِّ زَمانٍ ولِكُلِّ أحَدٍ، ولِظُهُورِهِ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ، وعَنِ الثّالِثِ أنَّ شُهْرَةَ الفِسْقِ في أحَدِ مَعْنَيَيْهِ تَمْنَعُ مِن عَدِّهِ مُقابِلًا بِمَعْنى العِصْيانِ عَلى أنَّ ما ذَكَرْنا مِن نُبُوِّ المَقامِ عَنِ الإطْلاقِ قائِمٌ في التَّقْيِيدِ بِالطّاعَةِ، وفِيهِ قَوْلٌ بِسَلامَةِ الأمِيرِ ونَظَرٍ بِعَيْنِ الرِّضا وغَفْلَةٍ عَنْ وجْهِ التَّخْصِيصِ الَّذِي ذَكَرْناهُ وهو بَيِّنٌ لا غُبارَ عَلَيْهِ، وكَذا وجْهُ التَّقْيِيدِ بِالزَّمانِ المَذْكُورِ، والحَقُّ أنَّ ما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِنَ الحَمْلِ وجْهٌ جَمِيلٌ إلّا أنَّ عَدَمَ ارْتِضائِهِ ما رَوَتْهُ الثِّقاتُ عَنْ تُرْجُمانِ القُرْآنِ وغَيْرِهِ مِن تَقْدِيرِ الطّاعَةِ مَعَ ظُهُورِ الدَّلِيلِ ومُساعَدَةِ مَقامِ الزَّجْرِ عَنِ الضَّلالِ والحَثِّ عَلى الِاهْتِداءِ لا وجْهَ لَهُ كَما لا يَخْفى عَلى مَن لَهُ قَلْبٌ.
صفحة 44
وحَكى أبُو حاتِمٍ عَنْ أبِي زَيْدٍ أنَّ ﴿أمَرْنا﴾ بِمَعْنى كَثَّرْنا، واخْتارَهُ الفارِسِيُّ، واسْتَدَلَّ أبُو عُبَيْدَةَ عَلى صِحَّةِ هَذِهِ اللُّغَةِ بِما أخْرَجَهُ أحْمَدُ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ في مَسْنَدَيْهِما والطَّبَرانِيُّ في الكَبِيرِ مِن حَدِيثِ سُوِيدِ بْنِ هُبَيْرَةَ: ««خَيْرُ المالِ سِكَّةٌ مَأْبُورَةٌ ومُهْرَةٌ مَأْمُورَةٌ»».
أيْ: كَثِيرَةُ النِّتاجِ، وأمَرَ كَما قِيلَ مِن بابَ ما لَزِمَ وعُدِّيَ بِاخْتِلافِ الحَرَكَةِ فَيُقالُ: أمَرْتُهُ بِفَتْحِ المِيمِ فَأُمِرَ بِكَسْرِها وهو نَظِيرُ: شَتَرَ اللَّهُ تَعالى عَيْنَهُ فَشُتِرَتْ، وجَدَعَ أنْفَهُ فَجُدِعَ، وثَلَمَ سِنَّهُ فَثُلِمَتْ، وقِيلَ: إنَّ المَكْسُورَ يَكُونُ مُتَعَدِّيًا أيْضًا وأنَّهُ قَرَأ بِهِ الحَسَنُ ويَحْيى بْنُ يَعْمُرَ وعِكْرِمَةُ، وحَكى ذَلِكَ النَّحّاسُ وصاحِبُ اللَّوامِحِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وأنَّ رَدَّ الفَرّاءِ لَهُ غَيْرُ مُلْتَفَتٍ إلَيْهِ لِصِحَّةِ النَّقْلِ، وفي الكَشْفِ أنَّ أمَرَ بِمَعْنى كَثَّرَ كَثِيرٌ، وأمّا أمَرْتُهُ المُتَعَدِّي فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في الفائِقِ ما مَعْناهُ: ما عَوَّلَ هَذا القائِلُ إلّا عَلى ما جاءَ في الخَبَرِ أعْنِي: مُهْرَةٌ مَأْمُورَةٌ، وما هو إلّا مِنَ الأمْرِ الَّذِي هو ضِدُّ النَّهْيِ وهو مَجازٌ أيْضًا كَما في الآيَةِ، كَأنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ لَها كُونِي كَثِيرَةَ النِّتاجِ فَكانَتْ، فَهي إذَنْ مَأْمُورَةٌ عَلى خِلافِ مَنهِيَّةٍ، وقِيلَ: أصْلُهُ مُومَرَةٌ فَعُدِلَ عَنْهُ إلى مَأْمُورَةٍ لِطَلَبِ الِازْدِواجِ مِثْلِ قَوْلِهِ ﷺ: ««مَأْزُوراتٌ غَيْرُ مَأْجُوراتٍ»». حَيْثُ لَمْ يَقُلْ: مَوْزُوراتٌ.
وقَرَأ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وابْنُ أبِي إسْحاقَ وأبُو رَجاءٍ وعِيسى بْنُ عُمَرَ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي زَيْدٍ والكَلْبِيُّ «آمَرْنا» بِالمَدِّ وكَذَلِكَ جاءَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ وقَتادَةَ وأبِي العالِيَةِ وابْنِ هُرْمُزَ وعاصِمٍ وابْنِ كَثِيرٍ وأبِي عَمْرٍو ونافِعٍ وهو اخْتِيارُ يَعْقُوبَ ومَعْناهُ عِنْدَ الجَمِيعِ: كَثَّرْنا وبِذَلِكَ أيَّدَ التَّفْسِيرَ السّابِقَ عَلى القِراءَةِ المَشْهُورَةِ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو عُثْمانَ النَّهْدِيُّ والسُّدِّيُّ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وأبُو العالِيَةِ: (أمَّرْنا) بِالتَّشْدِيدِ، ورُوِيَ ذَلِكَ أيْضًا عَنْ عَلِيٍّ والحَسَنِ والباقِرِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم.
وعاصِمٍ وأبِي عَمْرٍو، ومَعْناهُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ قِيلَ: كَثَّرْنا أيْضًا، وقِيلَ: بِمَعْنى ولَّيْناهم وجَعَلْناهم أُمَراءَ واللّازِمُ مِن ذَلِكَ أُمِّرَ بِالضَّمِّ إلْحاقًا لَهُ بِالسَّجايا أيْ صارَ أمِيرًا، والمُرادُ بِهِ مَن يُؤْمَرُ ويُؤْتَمَرُ بِهِ سَواءٌ كانَ مَلِكًا أمْ لا عَلى أنَّهُ لا مَحْذُورَ لَوْ أُرِيدَ بِهِ المَلِكُ أيْضًا خِلافًا لِلْفارِسِيِّ؛ لَأنَّ القَرْيَةَ إذا مُلِّكَ عَلَيْها مُتْرَفٌ فَفَسَقَ ثُمَّ آخَرُ فَفَسَقَ وهَكَذا كَثُرَ الفَسادُ وتَوالى الكُفْرُ ونَزَلَ بِهِمُ العَذابُ عَلى الآخِرِ مِن مُلُوكِهِمْ.
﴿فَحَقَّ عَلَيْها القَوْلُ﴾ أيْ: كَلِمَةُ العَذابِ السّابِقِ بِحَوَلِهِ أوْ بِظُهُورِ مَعاصِيهِمْ أوْ بِانْهِماكِهِمْ فِيها ﴿فَدَمَّرْناها تَدْمِيرًا﴾ لا يُكْتَنَهُ كُنْهَهُ ولا يُوصَفُ، والتَّدْمِيرُ هو الإهْلاكُ مَعَ طَمْسِ الأثَرِ وهَدْمِ البِناءِ، والآيَةُ تَدُلُّ عَلى إهْلاكِ أهْلِ القَرْيَةِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ وإهْلاكِ جَمِيعِهِمْ لِصُدُورِ الفِسْقِ مِنهم جَمِيعًا، فَإنَّ غَيْرَ المُتْرَفِ يَتْبَعُهُ عادَةً لا سِيَّما إذا كانَ المُتْرَفُ مِن عُلَماءِ السُّوءِ، ومِن هُنا قِيلَ: المَعْنى: وإذا أرَدْنا أنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها واتَّبَعَهم غَيْرُهم فَحَقَّ عَلَيْها القَوْلُ. الآيَةَ، وقِيلَ: هَلاكُ الجَمِيعِ لا يَتَوَقَّفُ عَلى التَّبَعِيَّةِ فَقَدْ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً﴾ .
وصَحَّ «عَنْ أُمِّ المُؤْمِنِينَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَيْها فَدَعا يَقُولُ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ويْلٌ لِلْعَرَبِ مِن شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ، فُتِحَ اليَوْمَ مِن رَدْمِ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ مِثْلُ هَذِهِ، وحَلَّقَ بِإصْبَعَيْهِ الإبْهامِ والَّتِي تَلِيها، قالَتْ زَيْنَبُ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أنَهْلِكُ وفِينا الصّالِحُونَ. قالَ: نَعَمْ إذا كَثُرَ الخَبَثُ»».
هَذا والظّاهِرُ أنَّ ﴿أمَرْنا﴾ جَوابُ إذا ولا تَقْدِيمَ ولا تَأْخِيرَ في الآيَةِ، والإشْكالُ المَشْهُورُ فِيها عَلى هَذا التَّقْدِيرِ مِن أنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ يُرِيدُ إهْلاكَ قَوْمٍ ابْتِداءً فَيَتَوَسَّلُ إلَيْهِ بِأنْ يَأْمُرَهم فَيَفْسُقُونَ فَيُهْلِكُهُمْ، وإرادَةُ ضَرَرِ الغَيْرِ ابْتِداءً مِن غَيْرِ اسْتِحْقاقِ الإضْرارِ كالإضْرارِ كَذَلِكَ مِمّا يُنَزَّهُ عَنْهُ تَعالى لِمُنافاتِهِ لِلْحِكْمَةِ قَدْ مَرَّتِ الإشارَةُ إلى جَوابِهِ، وأجابَ
صفحة 45
عَنْهُ بَعْضُهم بِأنَّ في الآيَةِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا، والأصْلُ إذا أمَرْنا مُتْرَفِي قَرْيَةٍ فَفَسَقُوا فِيها أرَدْنا إهْلاكَها فَحَقَّ عَلَيْها القَوْلُ، ونَظِيرُهُ عَلى ما قِيلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنهم مَعَكَ﴾ وآخَرُونَ بِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أمَرْنا﴾ إلَخْ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِقَرْيَةٍ، وجَوابُ إذا مَحْذُوفٌ لِلِاسْتِغْناءِ عَنْهُ بِما في الكَلامِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلَيْهِ كَما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا جاءُوها وفُتِحَتْ أبْوابُها﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ونِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ﴾ وقَوْلِ الهُذَلِيِّ وهو آخِرُ قَصِيدَةٍ:
حَتّى إذا أسْلَكُوهم في قُتائِدِةٍ شَلًّا كَما تَطْرُدُ الجَمّالَةُ الشُّرُدا
وقِيلَ في الجَوابِ عَنْ ذَلِكَ غَيْرُ ذَلِكَ فَتَدَبَّرْ.
17:17Страница 283
وَكَمۡ أَهۡلَكۡنَا مِنَ ٱلۡقُرُونِ مِنۢ بَعۡدِ نُوحٖۗ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِۦ خَبِيرَۢا بَصِيرٗا ١٧
Сколько же поколений мы погубили после Нуха (Ноя)! Достаточно того, что Аллах знает и видит грехи Своих рабов.
﴿وكَمْ أهْلَكْنا﴾ أيْ: كَثِيرًا ما أهْلَكْنا ﴿مِنَ القُرُونِ﴾ تَمْيِيزٌ - لَكم - والقَرْنُ عَلى ما قالَ الرّاغِبُ القَوْمُ المُقْتَرِنُونَ في زَمانٍ واحِدٍ، وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي أوْفى هو مُدَّةُ مِائَةٍ وعِشْرِينَ سَنَةً، وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ القاسِمِ المازِنِيِّ، ورُوِيَ مَرْفُوعًا أنَّهُ مِائَةُ سَنَةٍ، وجاءَ «أنَّهُ ﷺ دَعا لِرَجُلٍ فَقالَ: «عِشْ قَرْنًا». فَعاشَ مِائَةَ سَنَةٍ أوْ مِائَةً وعِشْرِينَ،» وعَنِ الكَلْبِيِّ أنَّهُ ثَمانُونَ سَنَةً، وعَنِ ابْنِ سِيرِينَ أنَّهُ أرْبَعُونَ سَنَةً ﴿مِن بَعْدِ نُوحٍ﴾ مِن بَعْدِ زَمَنِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ كَعادٍ وثَمُودَ ومَن بَعْدَهم مِمَّنْ قُصَّتْ أحْوالُهم في القُرْآنِ العَظِيمِ ومَن لَمْ تُقَصَّ، وخُصَّ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالذِّكْرِ ولَمْ يَقُلْ: مِن بَعْدِ آدَمَ لِأنَّهُ أوَّلُ رَسُولٍ آذاهُ قَوْمُهُ فاسْتَأْصَلَهُمُ العَذابُ فَفِيهِ تَهْدِيدٌ وإنْذارٌ لِلْمُشْرِكِينَ ولِظُهُورِ حالِ قَوْمِهِ لَمْ يُنْظَمُوا في القُرُونِ المُهْلَكَةِ عَلى أنَّ ذِكْرَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ رَمْزٌ إلى ذِكْرِهِمْ، و(مِن) الأُولى لِلتَّبْيِينِ لا زائِدَةً، والثّانِيَةُ لِابْتِداءِ الغايَةِ؛ فَلِذا جازَ اتِّحادُ مُتَعَلِّقِهِما، وقالَ الحُوفِيُّ: (مِن) الثّانِيَةُ بَدَلٌ مِنَ الأُولى ولَيْسَ بِجَيِّدٍ.
﴿وكَفى بِرَبِّكَ﴾ أيْ: كَفى رَبُّكَ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ مُفَصَّلًا آنِفًا في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ ﴿بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ مُحِيطًا بِظَواهِرِها وبَواطِنِها فَيُعاقِبُ عَلَيْها، وتَقْدِيمُ الخَبِيرِ لِتَقَدُّمِ مُتَعَلِّقِهِ مِنَ الِاعْتِقاداتِ والنِّيّاتِ الَّتِي هي مَبادِئُ الأعْمالِ الظّاهِرَةِ تَقَدُّمًا وُجُودِيًّا، وقِيلَ: تَقَدُّمًا رُتَبِيًّا؛ لِأنَّ العِبْرَةَ بِما في القَلْبِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ: ««إنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَنْظُرُ إلى صُوَرِكم وأعْمالِكُمْ، وإنَّما يَنْظُرُ إلى قُلُوبِكم ونِيّاتِكُمْ»».
وإنَّما الأعْمالُ بِالنِّيّاتِ، ونِيَّةُ المُؤْمِنِ خَيْرٌ مِن عَمَلِهِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، أوْ لِعُمُومِهِ مِن حَيْثُ يَتَعَلَّقُ بِغَيْرِ المُبْصَراتِ أيْضًا، والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِ (خَبِيرًا بَصِيرًا) عَلى سَبِيلِ التَّنازُعِ.
وقالَ الحُوفِيُّ: مُتَعَلِّقٌ بِكُفى وهو وهْمٌ، وفي تَذْيِيلِ ما تَقَدَّمَ بِما ذُكِرَ إشارَةٌ عَلى ما قِيلَ إلى أنَّ البَعْثَ والأمْرَ وما يَتْلُوهُما مِن فِسْقِهِمْ لَيْسَ لِتَحْصِيلِ العِلْمِ بِما صَدَرَ عَنْهم مِنَ الذُّنُوبِ، فَإنَّ ذَلِكَ حاصِلٌ قَبْلَ ذَلِكَ، وإنَّما هو لِقَطْعِ الأعْذارِ وإلْزامِ الحُجَّةِ مِن كُلِّ وجْهٍ. وفي الكَشّافِ أنَّهُ سُبْحانَهُ نَبَّهَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَفى بِرَبِّكَ﴾ إلَخْ عَلى أنَّ الذُّنُوبَ هي الأسْبابُ المُهْلِكَةُ لا غَيْرُ، وبَيانُهُ كَما في الكَشْفِ أنَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ لَمّا عَقَّبَ إهْلاكَهم بِعِلْمِهِ بِالذُّنُوبِ عِلْمًا أتَمَّ دَلَّ عَلى أنَّهُ تَعالى جازاهم بِها وإلّا لَمْ يَنْتَظِمِ الكَلامُ، وأمّا الحَصْرُ فَلِأنَّ غَيْرَها لَوْ كانَ لَهُ مَدْخَلٌ كانَ الظّاهِرُ ذِكْرَهُ في مَعْرِضِ الوَعِيدِ ثُمَّ لا يَكُونُ السَّبَبُ تامًّا ويَكُونُ الكَلامُ ناقِصًا عَنْ أداءِ المَقْصُودِ فَلَزِمَ الحَصْرُ وهو المَطْلُوبُ، ولا أرى كَلامَهُ خالِيًا عَنْ دَسِيسَةِ اعْتِزالٍ تَظْهَرُ بِالتَّأمُّلِ، ولَعَلَّهُ لِذَلِكَ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ العَلّامَةُ البَيْضاوِيُّ
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии