Аль-АлусиАль‑Исра · 17:59–60

Аль-Алуси · Тафсир · на арабском

Аль-Исра 17:59–60

17:59Страница 288

وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرۡسِلَ بِٱلۡأٓيَٰتِ إِلَّآ أَن كَذَّبَ بِهَا ٱلۡأَوَّلُونَۚ وَءَاتَيۡنَا ثَمُودَ ٱلنَّاقَةَ مُبۡصِرَةٗ فَظَلَمُواْ بِهَاۚ وَمَا نُرۡسِلُ بِٱلۡأٓيَٰتِ إِلَّا تَخۡوِيفٗا ٥٩

Мы не отправили знамения только потому, что прежние поколения не уверовали в них. Мы даровали самудянам верблюдицу как наглядное знамение, но они поступили с ней несправедливо. Мы ниспосылаем Наши знамения только для устрашения.

﴿وما مَنَعَنا أنْ نُرْسِلَ بِالآياتِ﴾ أيِ الآياتِ الَّتِي اقْتَرَحَتْها قُرَيْشٌ.

فَقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ والنَّسائِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والطَّبَرانِيُّ وغَيْرُهم عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «سَألَ أهْلُ مَكَّةَ النَّبِيَّ ﷺ أنْ يَجْعَلَ لَهُمُ الصَّفا ذَهَبًا وأنْ يُنَحِّيَ عَنْهُمُ الجِبالَ فَيَزْرَعُوا فَقِيلَ لَهُ: إنْ شِئْتَ أنْ تَسْتَأْنِيَ بِهِمْ وإنْ شِئْتَ أنْ تُؤْتِيَهُمُ الَّذِي سَألُوا، فَإنْ كَفَرُوا أُهْلِكُوا كَما أهْلَكْتُ مَن قَبْلَهم مِنَ الأُمَمِ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: لا بَلِ أسْتَأْنِي بِهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ».

وأنَّ ما بَعْدَها في تَأْوِيلِ مَصْدَرٍ مَنصُوبٍ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مُنِعَ عَلى ما صَرَّحَ بِهِ الطَّبَرْسِيُّ أوْ مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ كَما قِيلَ: لِتَعَدِّي الفِعْلِ إلى مَفْعُولِهِ الثّانِي بِالحَرْفِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكم ونَمْنَعْكم مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: وما مَنَعَنا الإرْسالَ أوْ مِنَ الإرْسالِ بِالآياتِ ﴿إلا أنْ كَذَّبَ بِها﴾ أيْ: بِجِنْسِها ﴿الأوَّلُونَ﴾ مِنَ الأُمَمِ السّابِقَةِ المُقْتَرِحَةِ، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأشْياءِ وأنَّ وما بَعْدَها في تَأْوِيلِ مَصْدَرٍ فاعِلُ مَنَعَ؛ أيْ: ما مَنَعَنا شَيْءٌ مِنَ الأشْياءِ إلّا تَكْذِيبُ الأوَّلِينَ.

وزَعَمَ أبُو البَقاءِ أنَّهُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ؛ أيْ إلّا إهْلاكُ تَكْذِيبِ الأوَّلِينَ، ولا حاجَةَ إلَيْهِ عِنْدَ الآخَرِينَ.

والمَنعُ لُغَةً كَفُّ الغَيْرِ وقَسْرُهُ عَنْ فِعْلٍ يُرِيدُ أنْ يَفْعَلَهُ ولِاسْتِحالَةِ ذَلِكَ في حَقِّهِ سُبْحانَهُ لِاسْتِلْزامِهِ العَجْزَ المُحالَ المُنافِيَ لِلرُّبُوبِيَّةِ قالُوا: إنَّهُ هُنا مُسْتَعارٌ لِلصَّرْفِ وأنَّ المَعْنى: وما صَرَفَنا عَنْ إرْسالِ الآياتِ المُقْتَرَحَةِ إلّا تَكْذِيبُ الأوَّلِينَ المُقْتَرِحِينَ المُسْتَتْبِعُ لِاسْتِئْصالِهِمْ فَإنَّهُ يُؤَدِّي إلى تَكْذِيبِ الآخَرِينَ المُقْتَرِحِينَ بِحُكْمِ اشْتِراكِهِمْ في العُتُوِّ والعِنادِ وهو مُفْضٍ إلى أنْ يَحِلَّ بِهِمْ مِثْلُ ما حَلَّ بِهِمْ بِحُكْمِ الشَّرِكَةِ في الجَرِيرَةِ والفَسادِ وجَرَيانِ السُّنَّةِ الإلَهِيَّةِ والعادَةِ الرَّبّانِيَّةِ بِذَلِكَ، وفِعْلُ ذَلِكَ بِهِمْ مُخالِفٌ لِما كُتِبَ في لَوْحِ القَضاءِ بِمِدادِ الحِكْمَةِ مِن تَأْخِيرِ عُقُوبَتِهِمْ، وحاصِلُهُ أنّا تَرَكْنا إرْسالَ الآياتِ لِسَبْقِ مَشِيئَتِنا تَأْخِيرَ العَذابِ عَنْهم لِحِكَمٍ نَعْلَمُها، واسْتَشْعَرَ بَعْضُهم مِنَ الصَّرْفِ نَوْعَ مَحْذُورٍ فَجَعَلَ المَنعَ مَجازًا عَنِ التَّرْكِ. وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا يَصِحُّ مَعَ كَوْنِ الفاعِلِ التَّكْذِيبَ لِأنَّ التّارِكَ هو اللَّهُ تَعالى.

وأُجِيبَ بِأنَّ دَعْوى لُزُومِ اتِّحادِ الفاعِلِ في المَعْنى الحَقِيقِيِّ والمُسْتَعارِ لَهُ مِمّا لَمْ يَقُمْ عَلَيْهِ دَلِيلٌ بَلِ الظّاهِرُ خِلافُهُ. وذَكَرَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ -ولِلَّهِ تَعالى أبُوهُ- وإنْ نُوقِشَ أنَّ تَكْذِيبَ الأوَّلِينَ المُسْتَتْبِعَ لِلِاسْتِئْصالِ والمُسْتَلْزِمَ لِتَكْذِيبِ الآخَرِينَ المُفْضِيَ لِحُلُولِ الوَبالِ مُنافٍ لِإرْسالِ الآياتِ المُقْتَرَحَةِ لَتَعَيَّنَ التَّكْذِيبُ المُسْتَدْعِي لِما يُنافِي الحِكْمَةَ في تَأْخِيرِ عُقُوبَةِ هَذِهِ الأُمَّةِ فَعَبَّرَ عَنْ تِلْكَ المُنافاةِ بِالمَنعِ عَلى نَهْجِ الِاسْتِعارَةِ إيذانًا بِتَعاضُدِ مَبادِئِ الإرْسالِ لا كَما زَعَمُوا مِن عَدَمِ إرادَتِهِ تَعالى لِتَأْيِيدِ رَسُولِهِ ﷺ بِالمُعْجِزاتِ وهو السِّرُّ في إيثارِ الإرْسالِ عَلى الإيتاءِ لِما فِيهِ مِنَ الإشْعارِ بِتَداعِي الآياتِ إلى النُّزُولِ لَوْلا أنْ تَمَسِكَها يَدُ التَّقْدِيرِ، وإسْنادُ المَنعِ إلى تَكْذِيبِ الأوَّلِينَ لا إلى عِلْمِهِ تَعالى بِما سَيَكُونُ مِنَ المُقْتَرِحِينَ الآخَرِينَ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأسْمَعَهم ولَوْ أسْمَعَهم لَتَوَلَّوْا وهم مُعْرِضُونَ﴾ لِإقامَةِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ بِإبْرازِ الأُنْمُوذَجِ ولِلْإيذانِ بِأنَّ مَدارَ عَدَمِ الإجابَةِ إلى إيتاءِ مُقْتَرَحِهِمْ لَيْسَ إلّا صَنِيعُهُمْ، ثُمَّ حِكْمَةُ التَّأْخِيرِ قِيلَ إظْهارُ مَزِيدِ شَرَفِ النَّبِيِّ ﷺ، وقِيلَ: العِنايَةُ بِمَن سَيُولَدُ مِن بَعْضِهِمْ مِنَ المُؤْمِنِينَ وبِمَن سَيُؤْمِنُ مِنهُمْ، ويَنْبَغِي أنْ يُزادَ في كُلٍّ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مَثَلًا وإلّا فَلا حَصْرَ، وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ: إنّا لا نُرْسِلُ الآياتِ المُقْتَرَحَةَ لِعِلْمِنا بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ عِنْدَها كَما لَمْ يُؤْمِن بِها مَنِ اقْتَرَحُوها قَبْلَهم فَيَكُونُ إرْسالُها عَبَثًا لا فائِدَةَ فِيهِ، والحَكِيمُ لا يَفْعَلُهُ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ إذا كانَ إرْسالُ المُقْتَرَحِ إذا لَمْ يُؤْمِنُ عِنْدَهُ المُقْتَرِحُ عَبَثًا لا يَفْعَلُهُ الحَكِيمُ أشْكَلَ

صفحة 104

فِعْلُهُ مِن أوَّلِ مَرَّةٍ عَلى أنَّ ما رُوِيَ في سَبَبِ النُّزُولِ يَقْتَضِي التَّفْسِيرَ الأوَّلَ كَما لا يَخْفى وفُسِّرَتِ الآياتُ بِالمُقْتَرَحَةِ لِأنَّ ما بِها إثْباتَ دَعْوى الرِّسالَةِ مِن مُقْتَضَياتِ الإرْسالِ وما زادَ عَلى ذَلِكَ ولَمْ يَكُنْ عَنِ اقْتِراحٍ لُطْفٌ مِنَ المَلِكِ المُتَعالِ.

﴿وآتَيْنا ثَمُودَ النّاقَةَ﴾ عَطْفٌ عَلى ما يُفْصِحُ عَنْهُ النَّظْمُ الكَرِيمُ كَأنَّهُ قِيلَ: وما مَنَعَنا أنْ نُرْسِلَ بِالآياتِ إلّا أنَّ كَذَّبَ بِها الأوَّلُونَ حَيْثُ آتَيْناهم ما اقْتَرَحُوا عَلى أنْبِيائِهِمْ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِنَ الآياتِ الباهِرَةِ فَكَذَّبُوها وآتَيْنا ثَمُودَ النّاقَةَ بِاقْتِراحِهِمْ عَلى نَبِيِّهِمْ صالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وأخْرَجْناها لَهم مِنَ الصَّخْرَةِ ﴿مُبْصِرَةً﴾ عَلى صِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ حالٌ مِنَ النّاقَةِ، والمُرادُ ذاتُ إبْصارٍ أوْ ذاتُ بَصِيرَةٍ يُبْصِرُها الغَيْرُ ويَتَبَصَّرُ بِها فالصِّيغَةُ لِلنَّسَبِ أوْ جاعِلَةٌ النّاسَ ذَوِي بَصائِرَ عَلى أنَّهُ اسْمُ فاعِلٍ مِن أبْصَرَهُ والهَمْزَةُ لِلتَّعْدِيَةِ أيْ جَعَلَهُ ذا بَصِيرَةٍ وإدْراكٍ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إسْنادُ الإبْصارِ إلَيْها مَجازًا وهو في الحَقِيقَةِ حالُ مَن يُشاهِدُها وقَرَأ قَوْمٌ: «مُبْصَرَةً» بِزِنَةِ اسْمِ المَفْعُولِ أيْ يُبْصِرُها النّاسُ ولا خَفاءَ في ذَلِكَ.

وقَرَأ قَتادَةُ: «مُبَصَرَةً» بِفَتْحِ المِيمِ والصّادِ أيْ مَحَلَّ إبْصارٍ بِجَعْلِ الحامِلِ عَلى الشَّيْءِ بِمَنزِلَةِ مَحَلِّهِ نَحْوَ: الوَلَدُ مَبْخَلَةٌ مَجْبَنَةٌ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: «مُبْصِرَةً» بِزِنَةِ اسْمِ الفاعِلِ والرَّفْعُ عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ؛ أيْ: هي مُبْصِرَةٌ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ( ثَمُودَ ) مَمْنُوعًا مِنَ الصَّرْفِ، وقالَ هارُونُ: أهْلُ الكُوفَةِ يُنَوِّنُونَ في كُلِّ وجْهٍ، وقالَ أبُو حاتِمٍ: لا تُنَوِّنُ العامَّةُ، والعُلَماءُ بِالقُرْآنِ ( ثَمُودَ ) في وجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ وفي أرْبَعَةِ مُواطِنَ ألِفٌ مَكْتُوبَةٌ ونَحْنُ نَقْرَؤُهُ بِغَيْرِ ألِفٍ اه.

وهُوَ كَما قالَ الرّاغِبُ عَجَمِيٌّ، وقِيلَ: عَرَبِيٌّ وتُرِكَ صَرْفُهُ لِكَوْنِهِ اسْمَ قَبِيلَةٍ، وهو فَعَوْلٌ مِنَ الثَّمْدِ وهو الماءُ القَلِيلُ الَّذِي لا مادَّةَ لَهُ ومِنهُ قِيلَ: فُلانٌ مَثْمُودٌ ثَمَدَتْهُ النِّساءُ، أيْ قَطَعْنَ مادَّةَ مائِهِ لِكَثْرَةِ غِشْيانِهِ لَهُنَّ، ومَثْمُودٌ إذا كَثُرَ عَلَيْهِ السُّؤالُ حَتّى نَفِدَتْ مادَّةُ مالِهِ وصَحَّحَ كَثِيرٌ عَرَبِيَّتَهُ، أيْ: آتَيْنا تِلْكَ القَبِيلَةَ النّاقَةَ ﴿فَظَلَمُوا بِها﴾ أيْ فَكَفَرُوا بِها وجَحَدُوا كَوْنَها مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى لِتَصْدِيقِ رَسُولِهِ أوْ فَكَفَرُوا بِها ظالِمِينَ، أيْ: لَمْ يَكْتَفُوا بِمُجَرَّدِ الكُفْرِ بِها بَلْ فَعَلُوا بِها ما فَعَلُوا مِنَ العَقْرِ أوْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم وعَرَّضُوها لِلْهَلاكِ بِسَبَبِ عَقْرِها. ولَعَلَّ تَخْصِيصَ إيتائِها بِالذِّكْرِ لِما أنَّ ثَمُودَ عَرَبٌ مِثْلَ أهْلِ مَكَّةَ المُقْتَرِحِينَ وأنَّ لَهم مِنَ العِلْمِ بِحالِهِمْ ما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ حَيْثُ يُشاهِدُونَ آثارَ هَلاكِهِمْ لِقُرْبِ دِيارِهِمْ مِنهم وُرُودًا وصُدُورًا، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِأنَّ النّاقَةَ مِن جِهَةِ أنَّها حَيَوانٌ أُخْرِجَ مِنَ الحَجَرِ أوْضَحُ دَلِيلٍ عَلى تَحَقُّقِ مَضْمُونِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ كُونُوا حِجارَةً أوْ حَدِيدًا﴾ إلَخْ. والأوَّلُ أقْرَبُ ﴿وما نُرْسِلُ بِالآياتِ إلا تَخْوِيفًا﴾ أيْ: لِمَن أُرْسِلَتْ عَلَيْهِمْ، والمُرادُ بِها إمّا المُقْتَرَحَةُ فالتَّخْوِيفُ بِالِاسْتِئْصالِ لِإنْذارِها بِهِ في عادَةِ اللَّهِ تَعالى، أيْ: ما نُرْسِلُها إلّا تَخْوِيفًا مِنَ العَذابِ المُسْتَأْصِلِ كالطَّلِيعَةِ لَهُ، فَإنْ لَمْ يَخافُوا فُعِلَ بِهِمْ ما فُعِلَ، وإمّا غَيْرُها كَآياتِ القُرْآنِ والمُعْجِزاتِ فالتَّخْوِيفُ بِعَذابِ الآخِرَةِ دُونَ العَذابِ الدُّنْيَوِيِّ بِالِاسْتِئْصالِ أيْ ما نُرْسِلُها إلّا تَخْوِيفًا وإنْذارًا بِعَذابِ الآخِرَةِ. واسْتَظْهَرَ أبُو حَيّانَ كَوْنَ المُرادِ بِها الآياتِ الَّتِي مَعَها إمْهالٌ كالخُسُوفِ والكُسُوفِ وشِدَّةِ الرَّعْدِ والبَرْقِ والرِّياحِ والزَّلازِلِ وغَوْرِ ماءِ العُيُونِ وزِيادَتِها عَلى الحَدِّ حَتّى يَغْرَقَ مِنها بَعْضُ الأرْضِينَ، وعَدَّ الحَسَنُ مِن ذَلِكَ المَوْتَ الذَّرِيعَ؛ أيْ: ما نُرْسِلُها إلّا تَخْوِيفًا مِمّا هو أعْظَمُ مِنها.

أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى يُخَوِّفُ النّاسَ بِما شاءَ مِن آياتِهِ لَعَلَّهم يَعْتِبُونَ أوْ يَذْكُرُونَ ويَرْجِعُونَ، وذَكَرَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنَّ آياتِ اللَّهِ تَعالى المُعْتَبَرَ بِها ثَلاثَةُ أقْسامٍ، قِسْمٌ عامٌّ في كُلِّ شَيْءٍ، فَفي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ، تَدُلُّ عَلى أنَّهُ واحِدٌ، وهُناكَ فِكْرَةُ العُلَماءِ، وقِسْمٌ مُعْتادٌ كالرَّعْدِ والكُسُوفِ وهُناكَ فِكْرَةُ الجَهَلَةِ، وقِسْمٌ

صفحة 105

خارِقٌ لِلْعادَةِ وقَدِ انْقَضى بِانْقِضاءِ النُّبُوَّةِ وإنَّما يُعْتَبَرُ اليَوْمَ بِتَوَهُّمِ مِثْلِهِ وتَصَوُّرِهِ اه.

وفِيهِ غَفْلَةٌ عَنِ الكَرامَةِ فَإنَّ أهْلَ السُّنَّةِ يُثْبِتُونَها لِلْوَلِيِّ في كُلِّ عَصْرٍ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ، وجُوِّزَ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ أنْ تَكُونَ حالًا مِن ضَمِيرِ ظَلَمُوا؛ أيْ: فَظَلَمُوا بِها ولَمْ يَخافُوا العاقِبَةَ، والحالُ أنّا ما نُرْسِلُ بِالآياتِ الَّتِي هي مِن جُمْلَتِها إلّا تَخْوِيفًا مِنَ العَذابِ الَّذِي يَعْقِبُها فَنَزَلَ بِهِمْ ما نَزَلَ، ونُصِبَ ﴿تَخْوِيفًا﴾ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا أيْ مُخَوَّفِينَ، والباءُ في المَوْضِعَيْنِ سَيْفُ خَطِيبٍ، و(الآياتِ) مَفْعُولُ نُرْسِلُ أوْ لِلْمُلابَسَةِ والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: ما نُرْسِلُ نَبِيًّا مُلْتَبِسًا بِها، وقِيلَ: إنَّها لِلتَّعْدِيَةِ وأنَّ أُرْسِلَ يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ وبِالباءِ. ورَدَ بِأنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ أحَدٍ مِنَ الثِّقاتِ، قالَ الخَفاجِيُّ: ولا حُجَّةَ في قَوْلِ كُثَيِّرٍ:

لَقَدْ كَذَبَ الواشُونَ ما بُحْتُ عِنْدَهُمُ بِسِرٍّ ولا أرْسَلَتُهم بِرَسُولِ

لِاحْتِمالِ الزِّيادَةِ فِيهِ أيْضًا مَعَ أنَّ الرَّسُولَ فِيهِ بِمَعْنى الرِّسالَةِ فَهو مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ والكَلامُ في دُخُولِها عَلى المَفْعُولِ بِهِ، ولا يَخْفى أنَّ جَعْلَ الرَّسُولِ مَفْعُولًا بِهِ وزِيادَةَ الباءِ فِيهِ مِمّا لا يُقْدِمُ عَلَيْهِ فاضِلٌ.

17:60Страница 288

وَإِذۡ قُلۡنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِٱلنَّاسِۚ وَمَا جَعَلۡنَا ٱلرُّءۡيَا ٱلَّتِيٓ أَرَيۡنَٰكَ إِلَّا فِتۡنَةٗ لِّلنَّاسِ وَٱلشَّجَرَةَ ٱلۡمَلۡعُونَةَ فِي ٱلۡقُرۡءَانِۚ وَنُخَوِّفُهُمۡ فَمَا يَزِيدُهُمۡ إِلَّا طُغۡيَٰنٗا كَبِيرٗا ٦٠

Вот Мы сказали тебе: «Воистину, твой Господь объемлет людей». Мы сделали показанное тебе видение и дерево, проклятое в Коране, искушением для людей. Мы устрашаем их, но это лишь увеличивает их великую непокорность.

﴿وإذْ قُلْنا﴾ أيْ: واذْكُرْ زَمانَ قَوْلِنا بِواسِطَةِ الوَحْيِ ﴿لَكَ﴾ يا مُحَمَّدُ ﴿إنَّ رَبَّكَ أحاطَ بِالنّاسِ﴾ أيْ: عِلْمًا كَما رَواهُ غَيْرُ واحِدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَلا يَخْفى عَلَيْهِ سُبْحانَهُ شَيْءٌ مِن أحْوالِهِمْ وأفْعالِهِمُ الماضِيَةِ والمُسْتَقْبَلَةِ مِنَ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما جَعَلْنا الرُّؤْيا الَّتِي أرَيْناكَ إلا فِتْنَةً لِلنّاسِ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ تَنْبِيهٌ عَلى تَحَقُّقِها بِالِاسْتِدْلالِ عَلَيْها بِما صَدَرَ عَنْهم عِنْدَ مَجِيءِ بَعْضِ الآياتِ لِاشْتِراكِ الكُلِّ في كَوْنِها أُمُورًا خارِقَةً لِلْعاداتِ مُنَزَّلَةً مِن جَنابِ رَبِّ العِزَّةِ جَلَّ مَجْدُهُ لِتَصْدِيقِ رَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَتَكْذِيبُهم بِبَعْضِها يَدُلُّ عَلى تَكْذِيبِ الباقِي كَما أنَّ تَكْذِيبَ الأوَّلِينَ بِغَيْرِ المُقْتَرَحَةِ يَدُلُّ عَلى تَكْذِيبِهِمْ بِالمُقْتَرَحَةِ، والمُرادُ بِالرُّؤْيا ما عايَنَهُ ﷺ لَيْلَةَ أُسَرِيَ بِهِ مِنَ العَجائِبِ السَّماوِيَّةِ والأرْضِيَّةِ كَما أخْرَجَهُ البُخارِيُّ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وجَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وهي عِنْدَ كَثِيرٍ بِمَعْنى الرُّؤْيَةِ مُطْلَقًا وهُما مَصْدَرُ رَأى مِثْلَ القُرْبى والقَرابَةِ.

وقالَ بَعْضٌ: هي حَقِيقَةٌ في رُؤْيا المَنامِ ورُؤْيا اليَقَظَةِ لَيْلًا والمَشْهُورُ اخْتِصاصُها لُغَةً بِالمَنامِيَّةِ وبِذَلِكَ تَمَسَّكَ مَن زَعَمَ أنَّ الإسْراءَ كانَ مَنامًا وفي الآيَةِ ما يَرُدُّ عَلَيْهِ، والقائِلُونَ بِهَذا المَشْهُورِ الذّاهِبُونَ إلى أنَّهُ كانَ يَقَظَةً كَما هو الصَّحِيحُ قالُوا: إنَّ التَّعْبِيرَ بِها إمّا مُشاكَلَةً لِتَسْمِيَتِهِمْ لَهُ رُؤْيا أوْ جارٍ عَلى زَعْمِهِمْ كَتَسْمِيَةِ الأصْنامِ آلِهَةً؛ فَقَدْ رُوِيَ أنَّ بَعْضَهم قالَ لَهُ ﷺ لَمّا قَصَّ عَلَيْهِمُ الإسْراءَ: لَعَلَّهُ شَيْءٌ رَأيْتَهُ في مَنامِكَ أوْ عَلى التَّشْبِيهِ بِالرُّؤْيا لِما فِيها مِنَ العَجائِبِ أوْ لِوُقُوعِها لَيْلًا أوْ لِسُرْعَتِها؛ أيْ: وما جَعَلْنا الرُّؤْيا الَّتِي أرَيْناكَها عِيانًا مَعَ كَوْنِها آيَةً عَظِيمَةً وأيَّةُ آيَةٍ وقَدْ أقَمْتَ البُرْهانَ عَلى صِحَّتِها إلّا فِتْنَةً افْتَتَنَ بِها النّاسُ حَتّى ارْتَدَّ بَعْضُ مَن أسْلَمَ مِنهم ﴿والشَّجَرَةَ﴾ عُطِفَ عَلى ﴿الرُّؤْيا﴾ أيْ: وما جَعَلْنا الشَّجَرَةَ ﴿المَلْعُونَةَ في القُرْآنِ﴾ إلّا فِتْنَةً لَهم أيْضًا.

والمُرادُ بِها كَما رَوى البُخارِيُّ وخَلْقٌ كَثِيرٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما شَجَرَةُ الزَّقُّومِ، والمُرادُ بِلَعْنِها لَعْنُ طاعِمِيها مِنَ الكَفَرَةِ كَما رُوِيَ عَنْهُ أيْضًا، ووَصْفُها بِذَلِكَ مِنَ المَجازِ في الإسْنادِ وفِيهِ مِنَ المُبالَغَةِ ما فِيهِ

صفحة 106

أوْ لَعْنُها نَفْسَها ويُرادُ بِاللَّعْنِ مَعْناهُ اللُّغَوِيُّ وهو البُعْدُ؛ فَهي لِكَوْنِها في أبْعَدِ مَكانٍ مِنَ الرَّحْمَةِ وهو أصْلُ الجَحِيمِ الَّذِي تَنْبُتُ فِيهِ مَلْعُونَةٌ حَقِيقَةً.

وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الحَبْرِ أنَّها وُصِفَتْ بِالمَلْعُونَةِ لِتَشْبِيهِ طَلْعِها بِرُؤُوسِ الشَّياطِينِ، والشَّياطِينُ مَلْعُونُونَ. وقِيلَ: تَقُولُ العَرَبُ لِكُلِّ طَعامٍ مَكْرُوهٍ ضارٍّ: مَلْعُونٌ، ورُوِيَ في جَعْلِها فِتْنَةً لَهم أنَّهُ لَمّا نَزَلَ في أمْرِها في الصّافّاتِ وغَيْرِها ما نَزَلَ. قالَ أبُو جَهْلٍ وغَيْرُهُ: هَذا مُحَمَّدٌ ﷺ يَتَوَعَّدُكم بِنارٍ تَحْرِقُ الحِجارَةَ ثُمَّ يَقُولُ يَنْبُتُ فِيها الشَّجَرُ وما نَعْرِفُ الزَّقُّومَ إلّا بِالتَّمْرِ بِالزُّبْدِ، وأمَرَ أبُو جَهْلٍ جارِيَةً لَهُ فَأحْضَرَتْ تَمْرًا وزُبْدًا وقالَ لِأصْحابِهِ تَزَقَّمُوا.

وافْتُتِنَ بِهَذِهِ المَقالَةِ أيْضًا بَعْضُ الضُّعَفاءِ ولَقَدْ ضَلُّوا في ذَلِكَ ضَلالًا بَعِيدًا حَيْثُ كابَرُوا قَضِيَّةَ عُقُولِهِمْ؛ فَإنَّهم يَرَوْنَ النَّعامَةَ تَبْتَلِعُ الجَمْرَ وقِطَعَ الحَدِيدِ المُحْماةَ الحُمْرَ فَلا تَضُرُّها، والسَّمَندَلُ يُتَّخَذُ مِن وبَرِهِ مَنادِيلُ تُلْقى في النّارِ إذا اتَّسَخَتْ فَيَذْهَبُ الوَسَخُ وتَبْقى سالِمَةً، ومِن أمْثالِهِمْ في كُلِّ شَجَرٍ نارٌ واسْتَمْجَدَ المَرْخُ والعَفارُ.

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها الكَشُوثُ المَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأرْضِ ما لَها مِن قَرارٍ﴾ ولَعْنُها في القُرْآنِ وصْفُها فِيهِ بِما سَمِعْتَ في هَذِهِ الآيَةِ، ومَرَّ آنِفًا ما مَرَّ عَنِ العَرَبِ، والِافْتِتانُ بِها أنَّهم قالُوا عِنْدَ سَماعِ الآيَةِ: ما بالُ الحَشائِشِ تُذْكَرُ في القُرْآنِ، والمَعْمُولُ عَلَيْهِ عِنْدَ الجُمْهُورِ رِوايَةُ الصَّحِيحِ عَنِ الحَبْرِ.

وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: «والشَّجَرَةُ» بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ وحَذْفِ الخَبَرِ؛ أيْ: والشَّجَرَةُ المَلْعُونَةُ في القُرْآنِ كَذَلِكَ.

﴿ونُخَوِّفُهُمْ﴾ بِذَلِكَ ونَظائِرِهِ مِنَ الآياتِ فَإنَّ الكُلَّ لِلتَّخْوِيفِ، وإيثارُ صِيغَةِ الِاسْتِقْبالِ لِلدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِمْرارِ التَّجَدُّدِيِّ.

وقَرَأ الأعْمَشُ: «ويُخَوِّفُهُمْ» بِالياءِ آخِرِ الحُرُوفِ ﴿فَما يَزِيدُهُمْ﴾ التَّخْوِيفُ ﴿إلا طُغْيانًا﴾ تَجاوُزًا عَنِ الحَدِّ ﴿كَبِيرًا﴾ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ، فَلَوْ أرْسَلْنا بِما اقْتَرَحُوهُ مِنَ الآياتِ لَفَعَلُوا بِها فِعْلَهم بِإخْوانِها وفُعِلَ بِهِمْ ما فُعِلَ بِأمْثالِهِمْ وقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا بِتَأْخِيرِ العُقُوبَةِ العامَّةِ إلى الطّامَّةِ الكُبْرى هَذا فِيما أرى هو الأوْفَقُ بِالنَّظْمِ الكَرِيمِ واخْتارَهُ في إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ.

وعَنِ الحَسَنِ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ وأكْثَرِ المُفَسِّرِينَ تَفْسِيرُ الإحاطَةِ بِالقُدْرَةِ، والكَلامُ مَسُوقٌ لِتَسْلِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَمّا عَسى يَعْتَرِيهِ مِن عَدَمِ الإجابَةِ إلى إنْزالِ الآياتِ المُقْتَرَحَةِ لِمُخالَفَتِها لِلْحِكْمَةِ مَن نَوْعِ حُزْنٍ مِن طَعْنِ الكَفَرَةِ حَيْثُ كانُوا يَقُولُونَ: لَوْ كُنْتَ رَسُولًا حَقًّا لَأتَيْتَ بِهَذِهِ المُعْجِزَةِ كَما أتى بِها مِن قَبْلَكَ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَكَأنَّهُ قِيلَ: اذْكُرْ وقْتَ قَوْلِنا لَكَ: إنَّ رَبَّكَ اللَّطِيفَ بِكَ قَدْ أحاطَ بِالنّاسِ فَهم في قَبْضَةِ قُدْرَتِهِ لا يَقْدِرُونَ عَلى الخُرُوجِ مِن رِبْقَةِ مَشِيئَتِهِ فَهو يَحْفَظُكَ مِنهم فَلا تَهْتَمَّ بِهِمْ وامْضِ لِما أمَرْتُكَ بِهِ مِن تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ، ألا تَرى أنَّ الرُّؤْيا الَّتِي أرَيْناكَ مِن قَبْلُ جَعَلْناها فِتْنَةً لِلنّاسِ مُورِثَةً لِلشُّبْهَةِ مَعَ أنَّها ما أوْرَثَتْ ضَعْفًا لِأمْرِكَ وفُتُورًا في حالِكَ وبَعْضُهم حَمَلَ الإحاطَةَ عَلى الإحاطَةِ بِالعِلْمِ إلّا أنَّهُ ذَكَرَ في حاصِلِ المَعْنى ما يَقْرُبُ مِمّا ذُكِرَ فَقالَ: أيْ إنَّهُ سُبْحانَهُ عالِمٌ بِالنّاسِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ فَيَعْلَمُ قَصْدَهم إلى إيذائِكَ إذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِما اقْتَرَحُوا ويَعْصِمُكَ مِنهم فامْضِ عَلى ما أنْتَ فِيهِ مِنَ التَّبْلِيغِ والإنْذارِ ألا تَرى إلَخْ.

ولا يَخْفى أنَّ ذِكْرَ الرَّبِّ مُضافًا إلى ضَمِيرِهِ ﷺ وأمْرَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِذِكْرِ ذَلِكَ القَوْلِ أنْسَبُ بِكَوْنِ الآيَةِ مَسُوقَةً لِتَسْلِيَتِهِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي نُقِلَ، وذُكِرَ التَّخْوِيفُ وأنَّهُ ما يَزِيدُهم إلّا طُغْيانًا كَبِيرًا أوْفَقُ

صفحة 107

بِما فُسِّرَتْ بِهِ الآيَةُ أوَّلًا، وادَّعى بَعْضُهم أنَّهُ لا يَخْلُو عَنْ نَوْعِ تَسْلِيَةٍ، وقِيلَ: الإحاطَةُ هُنا الإهْلاكُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ والنّاسُ قُرَيْشٌ ووَقْتُ ذَلِكَ الإهْلاكِ يَوْمُ بَدْرٍ، وعُبِّرَ عَنْهُ بِالماضِي مَعَ كَوْنِهِ مُنْتَظَرًا حَسْبَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ ويُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وتُحْشَرُونَ إلى جَهَنَّمَ﴾ وغَيْرُ ذَلِكَ لِتَحَقُّقِ الوُقُوعِ، وأُوِّلَتِ الرُّؤْيا بِما رَآهُ ﷺ في المَنامِ مِن مَصارِعِهِمْ كَما صَرَّحَ بِهِ في بَعْضِ الرِّواياتِ.

وصَحَّ «أنَّهُ ﷺ لَمّا ورَدَ ماءَ بَدْرٍ كانَ يَقُولُ: واللَّهِ لَكَأنِّي أنْظُرُ إلى مَصارِعِ القَوْمِ وهو يَضَعُ يَدَهُ الشَّرِيفَةَ عَلى الأرْضِ هاهُنا وهاهُنا ويَقُولُ: هَذا مَصْرَعُ فُلانٍ هَذا مَصْرَعُ فُلانٍ».

وهُوَ ظاهِرٌ في كَوْنِ ذَلِكَ مَنامًا.

ويُرْوى أنَّ قُرَيْشًا سَمِعَتْ بِما أُوحِيَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في شَأْنِ بَدْرٍ وما أُرِيَ في مَنامِهِ مِن مَصارِعِهِمْ فَكانُوا يَضْحَكُونَ ويَسْخَرُونَ وهو المُرادُ بِالفِتْنَةِ، وبِما رَآهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّهُ سَيَدْخُلُ مَكَّةَ وأخْبَرَ أصْحابَهُ فَتَوَجَّهَ إلَيْها فَصَدَّهُ المُشْرِكُونَ عامَ الحُدَيْبِيَةِ وإلَيْهِ ذَهَبَ أبُو مُسْلِمٍ والجُبائِيُّ، واعْتَذَرَ عَنْ كَوْنِ ما ذُكِرَ مَدَنِيًّا بِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الوَحْيُ بِإهْلاكِهِمْ وكَذا الرُّؤْيا واقِعًا بِمَكَّةَ وذِكْرُ الرُّؤْيا وتَعْيِينُ المَصارِعِ واقِعَيْنِ بَعْدَ الهِجْرَةِ، ويَلْزَمُ مِنهُ أنْ يَكُونَ الِافْتِتانُ بِذَلِكَ بَعْدَ الهِجْرَةِ وأنْ يَكُونَ ازْدِيادُهم طُغْيانًا مُتَوَقَّعًا غَيْرَ واقِعٍ عِنْدِ نُزُولِ الآيَةِ، وكُلُّ ذَلِكَ خِلافُ الظّاهِرِ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قالَ: «رَأى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَنِي أُمَيَّةَ يَنْزُونَ عَلى مِنبَرِهِ نَزْوَ القِرَدَةِ فَساءَهُ ذَلِكَ فَما اسْتَجْمَعَ ضاحِكًا حَتّى ماتَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وما جَعَلْنا الرُّؤْيا﴾ إلَخْ».

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ قالَ: «رَأى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَنِي أُمَيَّةَ عَلى المَنابِرِ فَساءَهُ ذَلِكَ فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ: إنَّما هي دُنْيا أُعْطُوها؛ فَقَرَّتْ عَيْنُهُ، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما جَعَلْنا﴾ إلَخْ».

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ يَعْلى بْنِ مُرَّةَ قالَ: ««قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: رَأيْتُ بَنِي أُمَيَّةَ عَلى مَنابِرِ الأرْضِ وسَيَمْلِكُونَكم فَتَجِدُونَهم أرْبابَ سُوءٍ، واهْتَمَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ: ﴿وما جَعَلْنا﴾ الآيَةَ»».

وأُخْرِجَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ««رَأيْتُ ولَدَ الحَكَمِ بْنِ أبِي العاصِ عَلى المَنابِرِ كَأنَّهُمُ القِرَدَةُ، وأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى في ذَلِكَ: ﴿وما جَعَلْنا﴾ إلَخْ والشَّجَرَةُ المَلْعُونَةُ الحَكَمُ ووَلَدُهُ»».

وفِي عِبارَةِ بَعْضِ المُفَسِّرِينَ هي بَنُو أُمَيَّةَ.

وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ «عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها أنَّها قالَتْ لِمَرْوانَ بْنِ الحَكَمِ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لِأبِيكَ وجَدِّكَ: إنَّكُمُ الشَّجَرَةُ المَلْعُونَةُ في القُرْآنِ»».

فَعَلى هَذا مَعْنى إحاطَتِهِ تَعالى بِالنّاسِ إحاطَةُ أقْدارِهِ بِهِمْ، والكَلامُ عَلى ما قِيلَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ؛ أيْ: وما جَعَلْنا تَعْبِيرَ الرُّؤْيا أوِ الرُّؤْيا فِيهِ مَجازٌ عَنْ تَعْبِيرِها، ومَعْنى جَعْلِ ذَلِكَ فِتْنَةً لِلنّاسِ جَعْلُهُ بَلاءً لَهم ومُخْتَبَرًا، وبِذَلِكَ فَسَّرَهُ ابْنُ المُسَيِّبِ، وكانَ هَذا بِالنِّسْبَةِ إلى خُلَفائِهِمُ الَّذِينَ فَعَلُوا ما فَعَلُوا وعَدَلُوا عَنْ سَنَنِ الحَقِّ وما عَدَلُوا، وما بَعْدَهُ بِالنِّسْبَةِ إلى ما عَدا خُلَفاءَهم مِنهم مِمَّنْ كانَ عِنْدَهم عامِلًا ولِلْخَبائِثِ عامِلًا أوْ مِمَّنْ كانَ مِن أعْوانِهِمْ كَيْفَما كانَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: ما جَعَلْنا خِلافَتَهم وما جَعَلْناهم أنْفُسَهم إلّا فِتْنَةً، وفِيهِ مِنَ المُبالَغَةِ في ذَمِّهِمْ ما فِيهِ، وجُعِلَ ضَمِيرُ ( نُخَوِّفُهم ) عَلى هَذا لِما كانَ لَهُ أوَّلًا أوْ لِلشَّجَرَةِ بِاعْتِبارِ أنَّ المُرادَ بِها بَنُو أُمَيَّةَ، ولَعَنَهم لِما صَدَرَ مِنهم مَنِ اسْتِباحَةِ الدِّماءِ المَعْصُومَةِ والفُرُوجِ المُحْصَنَةِ وأخْذِ الأمْوالِ مِن غَيْرِ حَلِّها ومَنعِ الحُقُوقِ عَنْ أهْلِها وتَبْدِيلِ الأحْكامِ والحُكْمِ بِغَيْرِ ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى نَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ

صفحة 108

والسَّلامُ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ القَبائِحِ العِظامِ والمَخازِي الجِسامِ الَّتِي لا تَكادُ تُنْسى ما دامَتِ اللَّيالِي والأيّامُ، وجاءَ لَعْنُهم في القُرْآنِ إمّا عَلى الخُصُوصِ كَما زَعَمَتْهُ الشِّيعَةُ أوْ عَلى العُمُومِ كَما نَقُولُ، فَقَدْ قالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ وقالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إنْ تَوَلَّيْتُمْ أنْ تُفْسِدُوا في الأرْضِ وتُقَطِّعُوا أرْحامَكُمْ﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأصَمَّهم وأعْمى أبْصارَهُمْ﴾ إلى آياتٍ أُخَرَ ودُخُولُهم في عُمُومٍ ذَلِكَ يَكادُ يَكُونُ دُخُولًا أوَّلِيًّا، لَكِنْ لا يَخْفى أنَّ هَذا لا يُسَوِّغُ عِنْدَ أكْثَرِ أهْلِ السُّنَّةِ لَعْنَ واحِدٍ مِنهم بِخُصُوصِهِ؛ فَقَدْ صَرَّحُوا أنَّهُ لا يَجُوزُ لَعْنُ كافِرٍ بِخُصُوصِهِ ما لَمْ يَتَحَقَّقْ مَوْتُهُ عَلى الكُفْرِ كَفِرْعَوْنَ ونَمْرُودَ فَكَيْفَ مَن لَيْسَ كافِرًا، وادَّعى السِّراجُ البُلْقِينِيُّ جَوازَ لَعْنِ العاصِي المُعَيَّنِ ونَوَّرَ دَعَواهُ بِحَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ: ««إذا دَعا الرَّجُلُ امْرَأتَهُ إلى فِراشِهِ فَأبَتْ أنْ تَجِيءَ فَباتَ غَضْبانَ لَعَنَتْها المَلائِكَةُ حَتّى تُصْبِحَ»».

وقالَ ولَدُهُ الجَلالُ: بَحَثْتُ مَعَ والِدِي في ذَلِكَ بِاحْتِمالِ أنْ يَكُونَ لَعْنُ المَلائِكَةِ لَها بِالعُمُومِ بِأنْ يَقُولَ: لَعَنَ اللَّهُ تَعالى مَن باتَتْ مُهاجِرَةً فِراشَ زَوْجِها ولَوِ اسْتُدِلَّ لِذَلِكَ بِخَبَرِ مُسْلِمٍ «أنَّهُ ﷺ مَرَّ بِحِمارٍ وُسِمَ بِوَجْهِهِ فَقالَ: «لَعَنَ اللَّهُ تَعالى مَن فَعَلَ هَذا»» لَكانَ أظْهَرَ.

إذِ الإشارَةُ بِهَذا صَرِيحَةٌ في لَعْنِ مُعَيَّنٍ إلّا أنْ يُؤَوَّلَ بِأنَّ المُرادَ فاعِلُ جِنْسِ ذَلِكَ لا فاعِلُ هَذا المُعَيَّنِ وفِيهِ ما فِيهِ، واسْتَدَلَّ بَعْضُ مَن وافَقَهُ لِذَلِكَ أيْضًا بِما صَحَّ أنَّهُ ﷺ قالَ: ««اللَّهُمَّ العَنْ رِعْلًا وذَكْوانَ وعُصَيَّةَ عَصَوُا اللَّهَ تَعالى ورَسُولَهُ»».

فَإنَّ فِيهِ لَعْنَ أقْوامٍ بِأعْيانِهِمْ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ يَجُوزُ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلِمَ مَوْتَهم أوْ مَوْتَ أكْثَرِهِمْ عَلى الكُفْرِ فَلَمْ يَلْعَنْ إلّا مَن عَلِمَ مَوْتَهُ عَلَيْهِ وهو كَما تَرى، ولا يَخْفى أنَّ تَفْسِيرَ الآيَةِ بِما ذُكِرَ غَيْرُ ظاهِرِ المُلاءَمَةِ لِلسِّياقِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِصِحَّةِ الأحادِيثِ، وقِيلَ: الشَّجَرَةُ المَلْعُونَةُ مَجازٌ عَنْ أبِي جَهْلٍ وكانَ فِتْنَةً وبَلاءً عَلى المُسْلِمِينَ لَعَنَهُ اللَّهُ تَعالى، وقِيلَ: مَجازٌ عَنِ اليَهُودِ الَّذِينَ تَظاهَرُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولَعْنُهم في القُرْآنِ ظاهِرٌ، وفِتْنَتُهم أنَّهم كانُوا يَنْتَظِرُونَ بِعْثَتَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَلَمّا بُعِثَ كَفَرُوا بِهِ وقالُوا: لَيْسَ هو الَّذِي كُنّا نَنْتَظِرُهُ فَثَبَّطُوا كَثِيرًا مِنَ النّاسِ بِمَقالَتِهِمْ عَنِ الإسْلامِ.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English