Аль-АлусиАль‑Бакара · 2:41–44

Аль-Алуси · Тафсир · на арабском

Аль-Бакара 2:41–44

2:41Страница 7

وَءَامِنُواْ بِمَآ أَنزَلۡتُ مُصَدِّقٗا لِّمَا مَعَكُمۡ وَلَا تَكُونُوٓاْ أَوَّلَ كَافِرِۭ بِهِۦۖ وَلَا تَشۡتَرُواْ بِـَٔايَٰتِي ثَمَنٗا قَلِيلٗا وَإِيَّٰيَ فَٱتَّقُونِ ٤١

Уверуйте в то, что Я ниспослал в подтверждение того, что есть у вас, и не становитесь первыми, кто отказался уверовать в это. Не продавайте Мои знамения за ничтожную цену и Меня одного бойтесь.

﴿وآمِنُوا بِما أنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، وظاهِرُهُ أنَّهُ

صفحة 244

أمْرٌ لِبَنِي إسْرائِيلَ، وقِيلَ: نَزَلَتْ في كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ وأصْحابِهِ عُلَماءِ اليَهُودِ ورُؤَسائِهِمْ، فَهو أمْرٌ لَهُمْ، وأفْرَدَ سُبْحانَهُ الإيمانَ بَعْدَ انْدِراجِهِ في ﴿وأوْفُوا بِعَهْدِي﴾ بِمَجْمُوعِ الأمْرِ بِهِ، والحَثِّ عَلَيْهِ المُسْتَفادِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ﴾ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ المَقْصُودُ، والعُمْدَةُ لِلْوَفاءِ بِالعُهُودِ، (وما) مَوْصُولَةٌ، (وأنْزَلْتُ) صِلَتُهُ، والعائِدُ مَحْذُوفٌ، أيْ أنْزَلْتُهُ، (ومُصَدِّقًا) حالٌ إمّا مِنَ المَوْصُولِ، أوْ مِن ضَمِيرِهِ المَحْذُوفِ، واللّامُ في (لِما) مُقَوِّيَةٌ، والمُرادُ بِما أنْزَلْتُ القُرْآنُ، وفي التَّعْبِيرِ عَنْهُ بِذَلِكَ تَعْظِيمٌ لِشَأْنِهِ، والمُرادُ (بِما مَعَكُمُ) التَّوْراةُ، والتَّعْبِيرُ عَنْها بِذَلِكَ لِلْإيذانِ بِعِلْمِهِمْ بِتَصْدِيقِهِ لَها، فَإنَّ المَعِيَّةَ مَئِنَّةٌ لِتَكْرارِ المُراجَعَةِ إلَيْها، والوُقُوفِ عَلى تَضاعِيفِها المُؤَدِّي إلى العِلْمِ بِكَوْنِهِ مُصَدِّقًا لَها، ومَعْنى تَصْدِيقِهِ لَها أنَّهُ نازِلٌ حَسْبَما نَعَتَ فِيها، أوْ مُطابِقٌ لَها في أصْلِ الدِّينِ، والمِلَّةِ، أوْ لِما لَمْ يُنْسَخْ كالقَصَصِ، والمَواعِظِ، وبَعْضِ المُحَرَّماتِ كالكَذِبِ، والزِّنا، والرِّبا، أوْ لِجَمِيعِ ما فِيها، والمُخالَفَةُ في بَعْضِ جُزْئِيّاتِ الأحْكامِ الَّتِي هي لِلْأمْراضِ القَلْبِيَّةِ كالأدْوِيَةِ الطِّبِّيَّةِ لِلْأمْراضِ البَدَنِيَّةِ المُخْتَلِفَةِ بِحَسَبِ الأزْمانِ والأشْخاصِ لَيْسَتْ بِمُخالَفَةٍ في الحَقِيقَةِ، بَلْ هي مُوافَقَةٌ لَها مِن حَيْثُ إنَّ كُلًّا مِنها حَقٌّ في عَصْرِهِ مُتَضَمِّنٌ لِلْحِكْمَةِ الَّتِي يَدُورُ عَلَيْها فَلَكُ التَّشْرِيعِ، ولَيْسَ في التَّوْراةِ ما يَدُلُّ عَلى أبَدِيَّةِ أحْكامِها المَنسُوخَةِ حَتّى يُخالِفَها ما يَنْسَخُها، بَلْ إنَّ نُطْقَها بِصِحَّةِ القُرْآنِ النّاسِخِ لَها نُطْقٌ بِنَسْخِها، وانْتِهاءِ وقْتِها الَّذِي شُرِعَتْ لِلْمَصْلَحَةِ فِيهِ، ولَيْسَ هَذا مِنَ البَداءِ في شَيْءٍ، كَما يَتَوَهَّمُونَ، فَإذَنِ المُخالَفَةُ في تِلْكَ الأحْكامِ المَنسُوخَةِ إنَّما هو اخْتِلافُ العَصْرِ حَتّى لَوْ تَأخَّرَ نُزُولُ المُتَقَدِّمِ لَنَزَلَ عَلى وفْقِ المُتَقَدِّمِ، ولَوْ تَقَدَّمَ نُزُولُ المُتَأخِّرِ لَوافَقَ المُتَقَدِّمَ، وإلى ذَلِكَ يُشِيرُ ما أخْرَجَهُ الإمامُ أحْمَدُ، وغَيْرُهُ عَنْ جابِرٍ «أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ حِينَ قَرَأ بَيْنَ يَدَيْهِ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ شَيْئًا مِنَ التَّوْراةِ: (لَوْ كانَ مُوسى حَيًّا لَما وسِعَهُ إلّا اتِّباعِي)،» وفي رِوايَةِ الدّارِمِيِّ: «(والَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ بَدا لَكم مُوسى فاتَّبَعْتُمُوهُ وتَرَكْتُمُونِي لَضَلَلْتُمْ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ، ولَوْ كانَ حَيًّا وأدْرَكَ نُبُوَّتِي لاتَّبَعَنِي)،» وتَقْيِيدُ المُنَزَّلِ بِكَوْنِهِ مُصَدِّقًا لَما مَعَهم لِتَأْكِيدِ وُجُوبِ الِامْتِثالِ، فَإنَّ إيمانَهم بِما مَعَهم يَقْتَضِي الإيمانَ بِما يُصَدِّقُهُ قَطْعًا، ومِنَ النّاسِ مَن فَسَّرَ المُنَزَّلَ بِالكِتابِ، والرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وما مَعَهم بِالتَّوْراةِ والإنْجِيلِ، ولَيْسَ فِيهِ كَثِيرُ بُعْدٍ، إلّا أنَّ البَعِيدَ مِن وجْهٍ جَعْلُ مُصَدِّقًا حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المَرْفُوعِ، والأبْعَدُ جَعْلُ (ما) مَصْدَرِيَّةً، ومُصَدِّقًا حالٌ مِن ما الثّانِيَةِ، وأبْعَدُ مِنهُ جَعْلُهُ حالًا مِنَ المَصْدَرِ المُقَدَّرِ.

﴿ولا تَكُونُوا أوَّلَ كافِرٍ بِهِ﴾ أيْ لا تُسارِعُوا إلى الكُفْرِ بِهِ، فَإنَّ وظِيفَتَكم أنْ تَكُونُوا أوَّلَ مَن آمَنَ بِهِ لِما أنَّكم تَعْرِفُونَ حَقِيقَةَ الأمْرِ وحَقِّيَّتَهُ، وقَدْ كُنْتُمْ مِن قَبْلُ تَقُولُونَ إنّا نَكُونُ أوَّلَ مَن يَتَّبِعُهُ، فَلا تَضَعُوا مَوْضِعَ ما يَتَوَقَّعُ فِيكُمْ، ويَجِبُ مِنكم ما يَبْعُدُ صُدُورُهُ عَنْكُمْ، ويَحْرُمُ عَلَيْكم مِن كَوْنِكم أوَّلَ كافِرٍ بِهِ، (وأوَّلُ) في المَشْهُورِ أفْعَلُ لِقَوْلِهِمْ: هَذا أوَّلُ مِنكَ، ولا فِعْلَ لَهُ، لِأنَّ فاءَهُ وعَيْنَهُ واوٌ، وقَدْ دَلَّ الِاسْتِقْراءُ عَلى انْتِفاءِ الفِعْلِ لِما هو كَذَلِكَ، وإنْ وُجِدَ فَنادِرٌ، وما في الشّافِيَةِ مِن أنَّهُ مِن ووَلَ، بَيانٌ لِلْفِعْلِ المُقَدَّرِ، وقِيلَ: أصْلُهُ أوْألُ، مِن وألَ وأْوَلًا إذا لَجَأ، ثُمَّ خُفِّفَ بِإبْدالِ الهَمْزَةِ واوًا، ثُمَّ الإدْغامُ وهو تَخْفِيفٌ غَيْرُ قِياسِيٍّ، والمُناسَبَةُ الِاشْتِقاقِيَّةُ أنَّ الأوَّلَ الحَقِيقِيَّ أعْنِي ذاتَهُ تَعالى مَلْجَأٌ لِلْكُلِّ، وإنْ قُلْنا: وألَ بِمَعْنى تَبادَرَ، فالمُناسَبَةُ أنَّ التَّبادُرَ سَبَبُ الأوَّلِيَّةِ، وقِيلَ: أوْألَ مِن آلَ بِمَعْنى رَجَعَ، والمُناسَبَةُ الِاشْتِقاقِيَّةُ عَلى قِياسِ ما ذُكِرَ سابِقًا، وإنَّما لَمْ يُجْمَعْ عَلى أواوِلَ لِاسْتِثْقالِهِمُ اجْتِماعَ الواوَيْنِ بَيْنَهُما ألِفُ الجَمْعِ، وقالَ الدُّرَيْدِيُّ: هو فَوْعَلٌ فَقُلِبَتِ الواوُ الأُولى هَمْزَةً، وأُدْغِمَتْ، واوُ فَوْعَلٍ في عَيْنِ الفِعْلِ، ويُبْطِلُهُ ظاهِرًا مَنعُ الصَّرْفِ، وهو خَبَرٌ عَنْ ضَمِيرِ الجَمْعِ، ولا بُدَّ هُنا عِنْدَ الجُمْهُورِ مِن تَأْوِيلِ المُفَضَّلِ عَلَيْهِ، بِجَعْلِهِ مُفْرَدًا لِلَفْظٍ جَمَعَ المَعْنى، أيْ أوَّلَ فَرِيقٍ مَثَلًا، أوْ تَأْوِيلُ المُفَضَّلِ أيْ لا يُمْكِنُ كُلُّ واحِدٍ مِنكُمْ، والمُرادُ عُمُومُ السَّلْبِ

صفحة 245

كَما في ﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلافٍ﴾ وبَعْضُ النّاسِ لا يُوجِبُ في مِثْلِ هَذا المُطابَقَةَ بَيْنَ النَّكِرَةِ الَّتِي أُضِيفَ إلَيْها أفْعَلُ التَّفْضِيلِ وما جَرى هو عَلَيْهِ، بَلْ يَجُوزُ الوَجْهانِ عِنْدَهُ كَما في قَوْلِهِ:

وإذا هم طَعِمُوا فَألْأمُ طاعِمٍ وإذا هم جاعُوا فَشَرُّ جِياعِ

ومَن أوْجَبَ أوَّلَ البَيْتِ كالآيَةِ، ونَهْيُهم عَنِ التَّقَدُّمِ في الكُفْرِ بِهِ مَعَ أنَّ مُشْرِكِي العَرَبِ أقْدَمُ مِنهم لِما أنَّ المُرادَ التَّعْرِيضُ، فَأوَّلُ الكافِرِينَ غَيْرُهُمْ، أوْ ﴿ولا تَكُونُوا أوَّلَ كافِرٍ﴾ مِن أهْلِ الكِتابِ، والخِطابُ لِلْمَوْجُودِينَ في زَمانِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، بَلْ لِلْعُلَماءِ مِنهُمْ، وقَدْ يُقالُ الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى ما مَعَكُمْ، والمُرادُ مِن ﴿ولا تَكُونُوا أوَّلَ كافِرٍ﴾ بِما مَعَكُمْ، لا تَكُونُوا أوَّلَ كافِرٍ مِمَّنْ كَفَرَ بِما مَعَهُ، ومُشْرِكُو مَكَّةَ، وإنْ سَبَقُوهم في الكُفْرِ بِما يُصَدِّقُ القُرْآنُ حَيْثُ سَبَقُوا بِالكُفْرِ بِهِ، وهو مُسْتَلْزِمٌ لِذَلِكَ، لَكِنْ لَيْسُوا مِمَّنْ كَفَرَ بِما مَعَهُ، والفَرْقُ بَيْنَ لُزُومِ الكُفْرِ والتِزامِهِ غَيْرُ بَيِّنٍ، إلّا أنَّهُ يَخْدِشُ هَذا الوَجْهَ، إنَّ هَذا واقِعٌ في مُقابَلَةِ ﴿وآمِنُوا بِما أنْزَلْتُ﴾ فَيَقْتَضِي اتِّحادَ مُتَعَلِّقِ الكُفْرِ والإيمانِ، وقِيلَ: يُقَدَّرُ في الكَلامِ مِثْلٌ، وقِيلَ: يُقَدَّرُ ولا تَكُونُوا أوَّلَ كافِرٍ وآخِرَهُ، وقِيلَ: أوَّلُ زائِدَةٌ، والكُلُّ بَعِيدٌ، وبِحَمْلِ التَّعْرِيضِ عَلى سَبِيلِ الكِنايَةِ يَظْهَرُ وجْهُ التَّقْيِيدِ بِالأوَّلِيَّةِ، وقِيلَ: إنَّها مُشاكَلَةٌ لِقَوْلِهِمْ: إنّا نَكُونُ أوَّلَ مَن يَتَّبِعُهُ، وقَدْ يُقالُ: إنَّها بِمَعْنى السَّبْقِ وعَدَمِ التَّخَلُّفِ، فافْهَمْ، ﴿ولا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلا﴾ الِاشْتِراءُ مَجازٌ عَنِ الِاسْتِبْدالِ لِاخْتِصاصِهِ بِالأعْيانِ إمّا بِاسْتِعْمالِ المُقَيَّدِ في المُطْلَقِ كالمِرْسَنِ في الأنْفِ، أوْ تَشْبِيهِ الِاسْتِبْدالِ المَذْكُورِ في كَوْنِهِ مَرْغُوبًا فِيهِ بِالِاشْتِراءِ الحَقِيقِيِّ، والكَلامُ عَلى الحَذْفِ، أيْ لا تَسْتَبْدِلُوا بِالإيمانِ بِآياتِي والِاتِّباعِ لَها حُظُوظَ الدُّنْيا الفانِيَةِ القَلِيلَةِ المُسْتَرْذَلَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى حُظُوظِ الآخِرَةِ، وما أعَدَّ اللَّهُ تَعالى لِلْمُؤْمِنِينَ مِنَ النَّعِيمِ العَظِيمِ الأبَدِيِّ، والتَّعْبِيرُ عَنْ ذَلِكَ بِالثَّمَنِ مَعَ كَوْنِهِ مُشْتَرًى لا مُشْتَرًى بِهِ لِلدِّلالَةِ عَلى كَوْنِهِ كالثَّمَنِ في الِاسْتِرْذالِ والِامْتِهانِ، فَفِيهِ تَقْرِيعٌ وتَجْهِيلٌ قَوِيٌّ حَيْثُ إنَّهم قَلَبُوا القَضِيَّةَ، وجَعَلُوا المَقْصُودَ آلَةً، والآلَةَ مَقْصُودَةً، وإغْرابٌ لَطِيفٌ حَيْثُ جُعِلَ المُشْتَرى ثَمَنًا بِإطْلاقِ الثَّمَنِ عَلَيْهِ، ثُمَّ جُعِلَ الثَّمَنُ مُشْتَرًى بِإيقاعِهِ بَدَلًا لِما جَعَلَهُ ثَمَنًا بِإدْخالِ الباءِ عَلَيْهِ، فَإنْ قِيلَ: الِاشْتِراءُ بِمَعْنى الِاسْتِبْدالِ بِالإيمانِ بِالآياتِ إنَّما يَصِحُّ إذا كانُوا مُؤْمِنِينَ بِها، ثُمَّ تَرَكُوا ذَلِكَ لِلْحُظُوظِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وهم بِمَعْزِلٍ عَنِ الإيمانِ، أُجِيبَ بِأنَّ مَبْنى ذَلِكَ عَلى أنَّ الإيمانَ بِالتَّوْراةِ الَّذِي يَزْعُمُونَهُ إيمانٌ بِالآياتِ، كَما أنَّ الكُفْرَ بِالآياتِ كُفْرٌ بِالتَّوْراةِ، فَيَتَحَقَّقُ الِاسْتِبْدالُ، ومِنَ النّاسِ مَن جَعَلَ الآياتِ كِنايَةً عَنِ الأوامِرِ والنَّواهِي الَّتِي وقَفُوا عَلَيْها في أمْرِ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ التَّوْراةِ والكُتُبِ الإلَهِيَّةِ، أوْ ما عَلِمُوهُ مِن نَعْتِهِ الجَلِيلِ وخُلُقِهِ العَظِيمِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقَدْ كانُوا يَأْخُذُونَ كُلَّ عامٍ شَيْئًا مَعْلُومًا مِن زُرُوعِ أتْباعِهِمْ وضُرُوعِهِمْ ونُقُودِهِمْ فَخافُوا إنْ بَيَّنُوا ذَلِكَ لَهم وتابَعُوهُ ﷺ أنْ يَفُوتَهم ذَلِكَ، فَضَلُّوا، وأضَلُّوا، وقِيلَ: كانَ مُلُوكُهم يُدِرُّونَ عَلَيْهِمُ الأمْوالَ لِيَكْتُمُوا ويُحَرِّفُوا، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ، وقَدِ اسْتَدَلَّ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ بِالآيَةِ عَلى مَنعِ جَوازِ أخْذِ الأُجْرَةِ عَلى تَعْلِيمِ كِتابِ اللَّهِ تَعالى، والعِلْمِ، ورُوِيَ في ذَلِكَ أيْضًا أحادِيثُ لا تَصِحُّ، وقَدْ صَحَّ أنَّهم قالُوا: «يا رَسُولَ اللَّهِ، أنَأْخُذُ عَلى التَّعْلِيمِ أجْرًا، فَقالَ: (إنَّ خَيْرَ ما أخَذْتُمْ عَلَيْهِ أجْرًا كِتابُ اللَّهِ تَعالى)»، وقَدْ تَظافَرَتْ أقْوالُ العُلَماءِ عَلى جَوازِ ذَلِكَ، وإنْ نُقِلَ عَنْ بَعْضِهِمُ الكَراهَةُ، ولا دَلِيلَ في الآيَةِ عَلى ما ادَّعاهُ هَذا الذّاهِبُ كَما لا يَخْفى، والمَسْألَةُ مُبَيَّنَةٌ في الفُرُوعِ.

﴿وإيّايَ فاتَّقُونِ﴾ بِالإيمانِ واتِّباعِ الحَقِّ، والإعْراضِ عَنِ الِاشْتِراءِ بِآياتِ اللَّهِ تَعالى الثَّمَنَ القَلِيلَ، والعَرَضَ الزّائِلَ، وإنَّما ذُكِرَ في الآيَةِ الأُولى (فارْهَبُونِ) وهُنا (فاتَّقُونِ) لِأنَّ الرَّهْبَةَ دُونَ التَّقْوى، فَحَيْثُما خاطَبَ الكافَّةَ عالِمَهم ومُقَلِّدَهُمْ، وحَثَّهم عَلى ذِكْرِ النِّعْمَةِ الَّتِي يَشْتَرِكُونَ فِيها، أمَرَهم بِالرَّهْبَةِ الَّتِي تُورِثُ التَّقْوى ويَقَعُ فِيها الِاشْتِراكُ

صفحة 246

ولِذا قِيلَ: الخَشْيَةُ مِلاكُ الأمْرِ كُلِّهِ، وحَيْثُما أرادَ بِالخِطابِ فِيما بَعْدُ العُلَماءَ مِنهُمْ، وحَثَّهم عَلى الإيمانِ ومُراعاةِ الآياتِ أمَرَهم بِالتَّقْوى الَّتِي أوَّلُها تَرْكُ المَحْظُوراتِ، وآخِرُها التَّبَرِّي مِمّا سِوى غايَةِ الغاياتِ، ولَيْسَ وراءَ عَبّادانَ قَرْيَةٌ.

2:42Страница 7

وَلَا تَلۡبِسُواْ ٱلۡحَقَّ بِٱلۡبَٰطِلِ وَتَكۡتُمُواْ ٱلۡحَقَّ وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٤٢

Не облекайте истину в ложь и не скрывайте истину, тогда как вы знаете ее.

﴿ولا تَلْبِسُوا الحَقَّ بِالباطِلِ﴾ هَذا النَّهْيُ مَعَ ما بَعْدَهُ مَعْطُوفٌ عَلى مَجْمُوعِ الآيَةِ الَّتِي قَبْلَهُ، وهي قَوْلُهُ تَعالى: وآمِنُوا إلَخْ، وهَذا كَما قالُوا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ الأوَّلُ والآخِرُ والظّاهِرُ والباطِنُ﴾ إنَّ مَجْمُوعَ الوَصْفَيْنِ الأخِيرَيْنِ بَعْدَ اعْتِبارِ التَّعاطُفِ مَعْطُوفٌ عَلى مَجْمُوعِ الأوَّلَيْنِ كَذَلِكَ، ويَجُوزُ العَطْفُ عَلى جُمْلَةٍ واحِدَةٍ مِنَ الجُمَلِ السّابِقَةِ، إلّا أنَّ المُناسَبَةَ عَلى الأوَّلِ أشَدُّ، والمُلاءَمَةَ أتَمُّ، واللَّبْسُ بِفَتْحِ اللّامِ الخَلْطُ، وفِعْلُهُ لَبَسَ مِن بابِ ضَرَبَ، ويَكُونُ بِمَعْنى الِاشْتِباهِ، إمّا بِالِاشْتِراكِ أوِ الحَقِيقَةِ والمَجازِ: والباءُ إمّا لِلتَّعْدِيَةِ، أوْ لِلِاسْتِعانَةِ، واللّامُ في الحَقِّ والباطِلِ لِلْعَهْدِ، أيْ لا تَخْلِطُوا الحَقَّ المُنَزَّلَ في التَّوْراةِ بِالباطِلِ الَّذِي اخْتَرَعْتُمُوهُ وكَتَبْتُمُوهُ، أوْ: لا تَجْعَلُوا ذَلِكَ مُلْتَبِسًا مُشْتَبِهًا غَيْرَ واضِحٍ لا يُدْرِكُهُ النّاسُ بِسَبَبِ الباطِلِ، وذِكْرِهِ، ولَعَلَّ الأوَّلَ أرْجَحُ لِأنَّهُ أظْهَرُ وأكْثَرُ، لا لِأنَّ جَعْلَ وُجُودِ الباطِلِ سَبَبًا لِالتِباسِ الحَقِّ لَيْسَ أوْلى مِنَ العَكْسِ، لِما أنَّهُ لَمّا كانَ المَذْمُومُ هو التِباسَ الحَقِّ بِالباطِلِ، وإنْ لَزِمَهُ العَكْسُ، وكانَ هَذا طارِئًا عَلى ذَلِكَ اسْتَحَقَّ الأوْلَوِيَّةَ الَّتِي نُفِيَتْ، ﴿وتَكْتُمُوا الحَقَّ﴾ مَجْزُومٌ بِالعَطْفِ عَلى ﴿تَلْبِسُوا﴾ فالنَّهْيُ عَنْ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الفِعْلَيْنِ، وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى إضْمارِ أنْ، وهو عِنْدَ البَصْرِيِّينَ عَطْفٌ عَلى مَصْدَرٍ مُتَوَهَّمٍ، ورَوى الجَرْمِيُّ إنَّ النَّصْبَ بِنَفْسِ الواوِ، وهي عِنْدَهم بِمَعْنى مَعَ، وتُسَمّى واوُ الجَمْعِ وواوَ الصَّرْفِ، لِأنَّها مَصْرُوفٌ بِها الفِعْلُ عَنِ العَطْفِ، والمُرادُ لا يَكُنْ مِنكم لَبْسُ الحَقِّ عَلى مَن سَمِعَهُ، وكِتْمانُ الحَقِّ وإخْفاؤُهُ عَمَّنْ لَمْ يَسْمَعْهُ، والقَصْدُ أنْ يَنْعى عَلَيْهِمْ سُوءَ فِعْلِهِمُ الَّذِي هو الجَمْعُ بَيْنَ أمْرَيْنِ كُلٌّ مِنهُما مُسْتَقِلٌّ بِالقُبْحِ، ووُجُوبِ الِانْتِهاءِ، وطَرِيقٍ واسِعٍ إلى الإضْلالِ والإغْواءِ، وحَيْثُ كانَ التَّلْبِيسُ بِالنِّسْبَةِ إلى مَن سَمِعَ، والكِتْمانُ إلى مَن لَمْ يَسْمَعِ انْدَفَعَ السُّؤالُ بِأنَّ النَّهْيَ عَنِ الجَمْعِ بَيْنَ شَيْئَيْنِ إنَّما يَتَحَقَّقُ إذا أمْكَنَ افْتِراقُهُما في الجُمْلَةِ، ولَيْسَ لَبْسُ الحَقِّ بِالباطِلِ مَعَ كِتْمانِ الحَقِّ كَذَلِكَ ضَرُورَةَ أنَّ لَبْسَ الحَقِّ بِالباطِلِ كِتْمانٌ لَهُ، وكَرَّرَ الحَقُّ إمّا لِأنَّ المُرادَ بِالأخِيرِ لَيْسَ عَيْنَ الأوَّلِ بَلْ هو نَعْتُ النَّبِيِّ ﷺ خاصَّةً، وإمّا لِزِيادَةِ تَقْبِيحِ المَنهِيِّ عَنْهُ، إذْ في التَّصْرِيحِ بِاسْمِ الحَقِّ ما لَيْسَ في ضَمِيرِهِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ (وتَكْتُمُونَ) وخُرِّجَتْ عَلى أنَّ الجُمْلَةَ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ وأنْتُمْ تَكْتُمُونَ أوْ كاتِمِينَ، وفي جَوازِ اقْتِرانِ الحالِ المُصَدَّرَةِ بِالمُضارِعِ بِالواوِ قَوْلانِ، ولَيْسَ لِلْمانِعِ دَلِيلٌ يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ، وهَذِهِ الحالُ عِنْدَ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ لازِمَةٌ، والتَّقْيِيدُ لِإفادَةِ التَّعْلِيلِ كَما فِي: لا تَضْرِبْ زَيْدًا وهو أخُوكَ، وعَلَيْهِ يَكُونُ المُرادُ بِكِتْمانِ الحَقِّ ما يَلْزَمُ مِن لَبْسِ الحَقِّ بِالباطِلِ، لا إخْفائِهِ عَمَّنْ لا يَسْمَعُ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ النَّهْيِ عَلى مَذْهَبِ مَن يَرى جَوازَ ذَلِكَ، وهو سِيبَوَيْهِ وجَماعَةٌ، ولا يُشْتَرَطُ التَّناسُبُ في عَطْفِ الجُمَلِ، ﴿وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، ومَفْعُولُ تَعْلَمُونَ، مَحْذُوفٌ اقْتِصارًا، أيْ وأنْتُمْ مِن ذَوِي العِلْمِ، ولا يُناسِبُ مَن كانَ عالِمًا أنْ يَتَّصِفَ بِالحالِ الَّذِي أنْتُمْ عَلَيْهِ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ الحَذْفُ لِلِاخْتِصارِ، أيْ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّكم لابِسُونَ كاتِمُونَ، أوْ تَعْلَمُونَ صِفَتَهُ أوِ البَعْثَ والجَزاءَ، والمَقْصُودُ مِن تَقْيِيدِ النَّهْيِ بِالعِلْمِ زِيادَةُ تَقْبِيحِ حالِهِمْ، لِأنَّ الإقْدامَ عَلى هاتِيكَ الأشْياءِ القَبِيحَةِ مَعَ العِلْمِ بِما ذُكِرَ، أفْحَشُ مِنَ الإقْدامِ عَلَيْها مَعَ الجَهْلِ، ولَيْسَ مَن يَعْلَمُ كَمَن لا يَعْلَمُ، وجَوَّزَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنَّ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةً، وإنْ كانَتْ ثُبُوتِيَّةً عَلى ما قَبْلَها مِن جُمْلَةِ النَّهْيِ، وإنْ لَمْ تَكُنْ مُناسِبَةً في الإخْبارِ، وهي عِنْدَهُ شَهادَةٌ عَلَيْهِمْ بِعِلْمِ حَقٍّ مَخْصُوصٍ في أمْرِ النَّبِيِّ

صفحة 247

صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ولَيْسَتْ شاهِدَةً بِالعِلْمِ عَلى الإطْلاقِ، إذْ هم بِمَراحِلَ عَنْهُ، واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ العالِمَ بِالحَقِّ يَجِبُ عَلَيْهِ إظْهارُهُ، ويَحْرُمُ عَلَيْهِ كِتْمانُهُ بِالشُّرُوطِ المَعْرُوفَةِ لَدى العُلَماءِ،

2:43Страница 7

وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱرۡكَعُواْ مَعَ ٱلرَّٰكِعِينَ ٤٣

Совершайте намаз, выплачивайте закят и кланяйтесь вместе с кланяющимися.

﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ﴾ المُرادُ بِهِما سَواءٌ كانَتِ اللّامُ لِلْعَهْدِ أوْ لِلْجِنْسِ صَلاةُ المُسْلِمِينَ وزَكاتُهُمْ، لِأنَّ غَيْرَهُما مِمّا نَسَخَهُ القُرْآنُ مُلْتَحِقٌ بِالعَدَمِ، والزَّكاةُ في الأصْلِ النَّماءُ والطَّهارَةُ، ونُقِلَتْ شَرْعًا لِإخْراجٍ مَعْرُوفٍ، فَإنْ نُقِلَتْ مِنَ الأوَّلِ فَلِأنَّها تَزِيدُ بَرَكَةَ المالِ، وتُفِيدُ النَّفْسَ فَضِيلَةُ الكَرَمِ، أوْ لِأنَّها تَكُونُ في المالِ النّامِي، وإنْ نُقِلَتْ مِنَ الثّانِي فَلِأنَّها تُطَهِّرُ المالَ مِنَ الخَبَثِ، والنَّفْسَ مِنَ البُخْلِ، واسْتَدَلَّ بِالآيَةِ حَيْثُ كانَتْ خِطابًا لِلْيَهُودِ مَن قالَ: إنَّ الكُفّارَ مُخاطَبُونَ بِالفُرُوعِ، واحْتِمالُ أنْ يَكُونَ الأمْرُ فِيها بِقَبُولِ الصَّلاةِ المَعْرُوفَةِ والزَّكاةِ والإيمانِ بِهِما، أوْ أنْ يَكُونَ أمْرًا لِلْمُسْلِمِينَ كَما قالَهُ الشَّيْخُ أبُو مَنصُورٍ، خِلافُ الظّاهِرِ، فَلا يُنافِي الِاسْتِدْلالَ بِالظّاهِرِ، وقَدَّمَ الأمْرَ بِالصَّلاةِ لِشُمُولِ وُجُوبِها، ولِما فِيها مِنَ الإخْلاصِ والتَّضَرُّعِ لِلْحَضْرَةِ، وهي أفْضَلُ العِباداتِ البَدَنِيَّةِ، وقَرَنَها بِالزَّكاةِ لِأنَّها أفْضَلُ العِباداتِ المالِيَّةِ، ثُمَّ مَن قالَ: لا يَجُوزُ تَأْخِيرُ بَيانِ المُجْمَلِ عَنْ وقْتِ الخِطابِ قالَ: إنَّما جاءَ هَذا بَعْدَ أنْ بَيَّنَ أرْكانَ ذَلِكَ وشَرائِطَهُ، ومَن قالَ بِجَوازِهِ، قالَ بِجَوازِ أنْ يَكُونَ الأمْرُ لِقَصْدِ أنْ يُوَطِّنَ السّامِعُ نَفْسَهُ كَما يَقُولُ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ: إنِّي أُرِيدُ أنْ آمُرَكَ بِشَيْءٍ فَلا بُدَّ أنْ تَفْعَلَهُ، ﴿وارْكَعُوا مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ أيْ صَلُّوا مَعَ المُصَلِّينَ، وعَبَّرَ بِالرُّكُوعِ عَنِ الصَّلاةِ احْتِرازًا عَنْ صَلاةِ اليَهُودِ، فَإنَّها لا رُكُوعَ فِيها، وإنَّما قَيَّدَ ذَلِكَ بِكَوْنِهِ مَعَ الرّاكِعِينَ لِأنَّ اليَهُودَ كانُوا يُصَلُّونَ وُحْدانًا، فَأُمِرُوا بِالصَّلاةِ جَماعَةً لِما فِيها مِنَ الفَوائِدِ ما فِيها، واسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُهم عَلى وُجُوبِها، ومَن لَمْ يَقُلْ بِهِ حَمَلَ الأمْرَ عَلى النَّدْبِ، أوِ المَعِيَّةَ عَلى المُوافَقَةِ، وإنْ لَمْ يَكُونُوا مَعَهُمْ، وقِيلَ: الرُّكُوعُ الخُضُوعُ والِانْقِيادُ لِما يَلْزَمُهم مِنَ الشَّرْعِ، قالَ الأضْبَطُ السَّعْدِيُّ:

لا تُذِلَّ الفَقِيرَ عَلَّكَ أنْ تَرْكَعَ يَوْمًا والدَّهْرُ قَدْ رَفَعَهُ

ولَعَلَّ الأمْرَ بِهِ حِينَئِذٍ بَعْدَ الأمْرِ بِالزَّكاةِ لِما أنَّها مَظِنَّةُ تَرَفُّعٍ، فَأُمِرُوا بِالخُضُوعِ لِيَنْتَهُوا عَنْ ذَلِكَ، إلّا أنَّ الأصْلَ في إطْلاقِ الشَّرْعِ المَعانِي الشَّرْعِيَّةُ، وفي المُرادِ بِالرّاكِعِينَ قَوْلانِ: فَقِيلَ: النَّبِيُّ ﷺ وأصْحابُهُ، وقِيلَ: الجِنْسُ، وهو الظّاهِرُ،

* * *

ومِن بابِ الإشارَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَلْبِسُوا الحَقَّ﴾ إلَخْ، أيْ لا تَقْطَعُوا عَلى أنْفُسِكم طَرِيقَ الوُصُولِ إلى الحَقِّ بِالباطِلِ الَّذِي هو تَعَلُّقُ القَلْبِ بِالسِّوى، فَإنَّ أصْدَقَ كَلِمَةٍ قالَها شاعِرٌ كَلِمَةُ لَبِيدٍ

ألا كُلُّ شَيْءٍ ما خَلا اللَّهَ باطِلُ

﴿وتَكْتُمُوا الحَقَّ﴾ بِالتِفاتِكم إلى غَيْرِهِ سُبْحانَهُ، وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّهُ لَيْسَ لِغَيْرِهِ وُجُودٌ حَقِيقِيٌّ، أوْ لا تَخْلِطُوا صِفاتِهِ تَعالى الثّابِتَةَ الحَقَّةَ بِالباطِلِ الَّذِي هو صِفاتُ نُفُوسِكُمْ، ولا تَكْتُمُوها بِحِجابِ صِفاتِ النَّفْسِ، وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ مِن عِلْمِ تَوْحِيدِ الأفْعالِ أنَّ مَصْدَرَ الفِعْلِ هو الصِّفَةُ، فَكَما لَمْ تُسْنِدُوا الفِعْلَ إلى غَيْرِهِ لا تُثْبِتُوا صِفَتَهُ لِغَيْرِهِ، وأقِيمُوا الصَّلاةَ بِمُراقَبَةِ القُلُوبِ وآتُوا الزَّكاةَ أيْ بالِغُوا في تَزْكِيَةِ النَّفْسِ عَنِ الصِّفاتِ الذَّمِيمَةِ، لِتَحْصُلَ لَكُمُ التَّحْلِيَةُ بَعْدَ التَّخْلِيَةِ، أوْ أدُّوا زَكاةَ الهِمَمِ، فَإنَّ لَها زَكاةً كَزَكاةِ النِّعَمِ، بَلْ إنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ زَكاةً كَما قِيلَ:

كُلُّ شَيْءٍ لَهُ زَكاةٌ تُؤَدّى وزَكاةُ الجَمالِ رَحْمَةُ مِثْلِي

(وارْكَعُوا) أيِ اخْضَعُوا لِما يَفْعَلُ بِكُمُ المَحْبُوبُ، فالخُضُوعُ عَلامَةُ الرِّضا الَّذِي هو مِيراثُ تَجَلِّي الصِّفاتِ العُلى، وحاصِلُهُ ارْضَوْا بِقَضائِي عِنْدَ مُطالَعَةِ صِفاتِي، فَإنَّ لِي أحْبابًا لِسانُ حالِ كُلٍّ مِنهم يَقُولُ:

وتَعْذِيبُكم عَذْبٌ لَدَيَّ وجَوْرُكم ∗∗∗ عَلَيَّ بِما يَقْضِي الهَوى لَكم عَدْلُ

2:44Страница 7

۞ أَتَأۡمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلۡبِرِّ وَتَنسَوۡنَ أَنفُسَكُمۡ وَأَنتُمۡ تَتۡلُونَ ٱلۡكِتَٰبَۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ ٤٤

Неужели вы станете призывать людей к добродетели, предав забвению самих себя, ведь вы же читаете Писание? Неужели вы не образумитесь?

ثُمَّ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَهم بِفِعْلِ الخَيْرِ شُكْرًا لِما خَصَّهم بِهِ مِنَ النِّعَمِ حَرَّضَهم عَلى ذَلِكَ مِن مَأْخَذٍ آخَرَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

صفحة 248

﴿أتَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبِرِّ وتَنْسَوْنَ أنْفُسَكُمْ﴾ والهَمْزَةُ فِيهِ لِلتَّقْرِيرِ مَعَ تَوْبِيخٍ وتَعْجِيبٍ، والبِرُّ سَعَةُ المَعْرُوفِ، والخَيْرُ، ومِنهُ البَرُّ والبَرِّيَّةُ لِلسَّعَةِ، ويَتَناوَلُ كُلَّ خَيْرٍ، والنِّسْيانُ كَما في البَحْرِ السَّهْوُ الحادِثُ بَعْدَ العِلْمِ، والمُرادُ بِهِ هُنا التَّرْكُ، لِأنَّ أحَدًا لا يَنْسى نَفْسَهُ بَلْ يَحْرِمُها، ويَتْرُكُها كَما يَتْرُكُ الشَّيْءَ المَنسِيَّ مُبالَغَةً في عَدَمِ المُبالاةِ، والغَفْلَةِ، فَما يَنْبَغِي أنْ يَفْعَلَهُ، وقَدْ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما في أحْبارِ المَدِينَةِ، كانُوا يَأْمُرُونَ سِرًّا مَن نَصَحُوهُ بِاتِّباعِ مُحَمَّدٍ ﷺ، ولا يَتَّبِعُونَهُ، وقِيلَ: إنَّهم كانُوا يَأْمُرُونَ بِالصَّدَقَةِ، ولا يَتَصَدَّقُونَ، فالمُرادُ بِالبَرِّ هُنا إمّا الإيمانُ أوِ الإحْسانُ، وتَرَكَهُ بَعْضُهم عَلى ظاهِرِهِ مُتَناوِلًا كُلَّ خَيْرٍ عَلى ما قالَ السُّدِّيُّ: إنَّهم كانُوا يَأْمُرُونَ النّاسَ بِطاعَةِ اللَّهِ تَعالى، ويَنْهَوْنَهم عَنْ مَعْصِيَتِهِ، وهم كانُوا يَتْرُكُونَ الطّاعَةَ، ويَقْدَمُونَ عَلى المَعْصِيَةِ، والتَّوْبِيخُ لَيْسَ عَلى أمْرِ النّاسِ بِالبِرِّ نَفْسِهِ، بَلْ لِمُقارَنَتِهِ بِالنِّسْيانِ المَذْكُورِ، ﴿وأنْتُمْ تَتْلُونَ الكِتابَ﴾ أيِ التَّوْراةَ، والجُمْلَةُ حالٌ مِن فاعِلِ أتَأْمُرُونَ، والمُرادُ التَّبْكِيتُ وزِيادَةُ التَّقْبِيحِ، ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ أصْلُ هَذا الكَلامِ ونَحْوِهِ عِنْدَ الجُمْهُورِ كانَ بِتَقْدِيمِ حَرْفِ العَطْفِ عَلى الهَمْزَةِ، لَكِنْ لَمّا كانَ لِلْهَمْزَةِ صَدْرُ الكَلامِ قُدِّمَتْ عَلى حَرْفِ العَطْفِ، وبَعْضُهم ذَهَبَ إلى أنَّهُ لا تَقْدِيمَ، ولا تَأْخِيرَ، ويُقَدَّرُ بَيْنَ الهَمْزَةِ وحَرْفِ العَطْفِ ما يَصِحُّ العَطْفُ عَلَيْهِ، والعَقْلُ في الأصْلِ المَنعُ والإمْساكُ، ومِنهُ عِقالُ البَعِيرِ سُمِّيَ بِهِ النُّورُ الرُّوحانِيُّ الَّذِي بِهِ تُدْرِكُ النُّفُوسُ العُلُومَ الضَّرُورِيَّةَ والنَّظَرِيَّةَ، لِأنَّهُ يَحْبِسُ عَنْ تَعاطِي ما يَقْبُحُ، ويَعْقِلُ عَلى ما يَحْسُنُ، والفِعْلُ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مُطْلَقًا، أُجْرِيَ مَجْرى اللّازِمِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُتَعَدِّيًا مُقَدَّرًا لِمَفْعُولٍ، والمَعْنى: أفَلا عَقْلَ لَكم يَمْنَعُكم عَمّا تَعْلَمُونَ سُوءَ خاتِمَتِهِ، ووَخامَةَ عاقِبَتِهِ، أوْ أفَلا تَعْقِلُونَ قُبْحَ صَنِيعِكم شَرْعًا لِمُخالَفَةِ ما تَتْلُونَهُ في التَّوْراةِ، وعَقْلًا لِكَوْنِهِ جَمْعًا بَيْنَ المُتَنافِيَيْنِ، فَإنَّ المَقْصُودَ مِنَ الأمْرِ بِالبِرِّ الإحْسانُ والِامْتِثالُ والزَّجْرُ عَنِ المَعْصِيَةِ، ونِسْيانُهم أنْفُسَهم يُنافِي كُلَّ هَذِهِ الأغْراضَ، ولا نِزاعَ في كَوْنِ قُبْحِ الجَمْعِ بَيْنَ ذَلِكَ عَقْلًا بِمَعْنى كَوْنِهِ باطِلًا، فَعَلى هَذا لا حُجَّةَ لِلْمُعْتَزِلَةِ في الآيَةِ عَلى القُبْحِ العَقْلِيِّ الَّذِي يَزْعُمُونَهُ، بَلْ قَدِ ادَّعى بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّها دَلِيلٌ عَلى خِلافِ ما ذَهَبُوا إلَيْهِ، لِأنَّهُ سُبْحانَهُ رَتَّبَ التَّوْبِيخَ عَلى ما صَدَرَ مِنهم بَعْدَ تِلاوَةِ الكِتابِ، وكَذا لا حُجَّةَ فِيها لِمَن زَعَمَ أنَّهُ لَيْسَ لِلْعاصِي أنْ يَأْمُرَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهى عَنِ المُنْكَرِ، لِأنَّ التَّوْبِيخَ عَلى جَمْعِ الأمْرَيْنِ بِالنَّظَرِ لِلثّانِي فَقَطْ، لا مَنعِ الفاسِقِ عَنِ الوَعْظِ، فَإنَّ النَّهْيَ عَنِ المُنْكَرِ لازِمٌ، ولَوْ لِمُرْتَكِبِهِ، فَإنَّ تَرْكَ النَّهْيِ ذَنْبٌ وارْتِكابُهُ ذَنْبٌ آخَرُ، وإخْلالُهُ بِأحَدِهِما لا يَلْزَمُ مِنهُ الإخْلالُ بِالآخَرِ، ثُمَّ إنَّ هَذا التَّوْبِيخَ والتَّقْرِيعَ وإنْ كانَ خِطابًا لِبَنِي إسْرائِيلَ إلّا أنَّهُ عامٌّ مِن حَيْثُ المَعْنى لِكُلِّ واعِظٍ، يَأْمُرُ، ولا يَأْتَمِرُ، ويَزْجُرُ ولا يَنْزَجِرُ، يُنادِي النّاسَ البِدارَ البِدارَ، ويَرْضى لِنَفْسِهِ التَّخَلُّفَ، والبَوارَ، ويَدْعُو الخَلْقَ إلى الحَقِّ، ويَنْفِرُ عَنْهُ، ويُطالِبُ العَوامَّ بِالحَقائِقِ، ولا يُشَمُّ رِيحُها مِنهُ، وهَذا هو الَّذِي يُبْدَأُ بِعَذابِهِ قَبْلَ عَبَدَةِ الأوْثانِ، ويُعَظَّمُ ما يَلْقى لِوُفُورِ تَقْصِيرِهِ يَوْمَ لا حاكِمَ إلّا المَلِكُ الدَّيّانُ.

وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ واسِعٍ قالَ: بَلَغَنِي أنَّ أُناسًا مِن أهْلِ الجَنَّةِ اطَّلَعُوا عَلى ناسٍ مِن أهْلِ النّارِ، فَقالُوا لَهم: قَدْ كُنْتُمْ تَأْمُرُونَنا بِأشْياءَ عَمِلْناها فَدَخَلْنا الجَنَّةَ، قالُوا: كُنّا نَأْمُرُكم بِها، ونُخالِفُ إلى غَيْرِها، هَذا ومِنَ النّاسِ مَن جَعَلَ هَذا الخِطابَ لِلْمُؤْمِنِينَ، وحَمَلَ الكِتابَ عَلى القُرْآنِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مِن تَلْوِينِ الخِطابِ كَما في ﴿يُوسُفُ أعْرِضْ عَنْ هَذا واسْتَغْفِرِي﴾ والظّاهِرُ يُبْعِدُهُ،

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English