Аль-АлусиАль‑Бакара · 2:66–69

Аль-Алуси · Тафсир · на арабском

Аль-Бакара 2:66–69

2:66Страница 10

فَجَعَلۡنَٰهَا نَكَٰلٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهَا وَمَا خَلۡفَهَا وَمَوۡعِظَةٗ لِّلۡمُتَّقِينَ ٦٦

Мы сделали это примерным наказанием для них самих и для будущих поколений, а также увещеванием для богобоязненных.

﴿فَجَعَلْناها نَكالا﴾ أيْ كَيْنُونَتَهم

صفحة 284

وصَيْرُورَتَهم قِرَدَةً، أوِ المَسْخَةَ، أوِ العُقُوبَةَ، أوِ الآيَةَ المَدْلُولَ عَلَيْها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ عَلِمْتُمُ﴾ وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْقَرْيَةِ، وقِيلَ: لِلْحِيتانِ، والنَّكالُ واحِدُ الأنْكالِ، وهي القُيُودُ، ونَكَّلَ بِهِ فَعَلَ بِهِ ما يَعْتَبِرُ بِهِ غَيْرُهُ، فَيَمْتَنِعُ عَنْ مِثْلِهِ، ﴿لِما بَيْنَ يَدَيْها وما خَلْفَها﴾ أيْ لِمُعاصِرِيهِمْ، ومَن خَلْفَهُمْ، وهو المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وغَيْرِهِ، ورُوِيَ عَنْهُ أيْضًا (لِما) بِحَضْرَتِها مِنَ القُرى، أيْ أهْلِها، وما تَباعَدَ عَنْها، أوْ لِلْآتِينَ والماضِينَ، وهو المُخْتارُ عِنْدَ جَماعَةٍ، فَكُلٌّ مِن ظَرْفَيِ المَكانِ مُسْتَعارٌ لِلزَّمانِ، و(ما) أُقِيمَتْ مَقامَ (مَن) إمّا تَحْقِيرًا لَهم في مَقامِ العَظَمَةِ والكِبْرِياءِ، أوْ لِاعْتِبارِ الوَصْفِ، فَإنَّ (ما) يُعَبَّرُ بِها عَنِ العُقَلاءِ تَعْظِيمًا إذا أُرِيدَ الوَصْفُ، كَقَوْلِهِ: (سُبْحانَ ما سَخَّرَكُنَّ)، وصَحَّ كَوْنُها نَكالًا لِلْماضِينَ أنَّها ذُكِرَتْ في زُبُرِ الأوَّلِينَ، فاعْتَبَرُوا بِها، وصَحَّتِ الفاءُ لِأنَّ جَعْلَ ذَلِكَ نَكالًا لِلْفَرِيقَيْنِ إنَّما يَتَحَقَّقُ بَعْدَ القَوْلِ والمَسْخِ، أوْ لِأنَّ الفاءَ إنَّما تَدُلُّ عَلى تَرَتُّبِ جَعْلِ العُقُوبَةِ نَكالًا عَلى القَوْلِ، وتَسَبُّبِهِ عَنْهُ، سَواءٌ كانَ عَلى نَفْسِهِ، أوْ عَلى الإخْبارِ بِهِ، فَلا يُنافِي حُصُولَ الِاعْتِبارِ قَبْلَ وُقُوعِ هَذِهِ الواقِعَةِ بِسَبَبِ سَماعِ هَذِهِ القِصَّةِ، وقِيلَ: اللّامُ لامُ الأجَلِ، (وما) عَلى حَقِيقَتِها، والنَّكالُ بِمَعْنى العُقُوبَةِ، لا العِبْرَةِ، والمُرادُ (بِما بَيْنَ يَدَيْها) ما تَقَدَّمَ مِن سائِرِ الذُّنُوبِ قَبْلَ أخْذِ السَّمَكِ، (وبِما خَلْفَها) ما بَعْدَها، والقَوْلُ بِأنَّ المُرادَ جَعَلْنا المَسْخَ عُقُوبَةً لِأجْلِ ذُنُوبِهِمُ المُتَقَدِّمَةِ عَلى المَسْخَةِ، والمُتَأخِّرَةِ عَنْها يَسْتَدْعِي بَقاءَهم مُكَلَّفِينَ بَعْدَ المَسْخِ، ولا يَظْهَرُ ذَلِكَ إلّا عَلى قَوْلِ مُجاهِدٍ، وحَمْلُ الذُّنُوبِ الَّتِي بَعْدَ المَسْخَةِ عَلى السَّيِّئاتِ الباقِيَةِ آثارُها لَيْسَ بِشَيْءٍ، كَما لا يَخْفى، وقَوْلُ أبِي العالِيَةِ: إنَّ المُرادَ (بِما بَيْنَ يَدَيْها) ما مَضى مِنَ الذُّنُوبِ، (وبِما خَلْفَها) مَن يَأْتِي بَعْدُ، والمَعْنى فَجَعَلْناها عُقُوبَةً لِما مَضى مِن ذُنُوبِهِمْ، وعِبْرَةً لِمَن بَعْدَهُمْ، مُنْحَطٌّ مِنَ القَوْلِ جِدًّا لِمَزِيدِ ما فِيهِ مِن تَفْكِيكِ النَّظْمِ والتَّكَلُّفِ، ﴿ومَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ المَوْعِظَةُ ما يُذْكَرُ مِمّا يُلَيِّنُ القَلْبَ ثَوابًا كانَ أوْ عِقابًا، والمُرادُ (بِالمُتَّقِينَ) ما يَعُمُّ كُلَّ مُتَّقٍ مِن كُلِّ أُمَّةٍ، وإلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وقِيلَ: مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وقِيلَ: مِنهُمْ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُمُ اتَّعَظُوا بِذَلِكَ، وخافُوا ارْتِكابَ خِلافَ ما أُمِرُوا بِهِ، ويَحْتَمِلُ أنَّهم وعَظَ بَعْضُهم بَعْضًا بِهَذِهِ الواقِعَةِ، وحَظُّ العارِفِ مِن هَذِهِ القِصَّةِ أنْ يَعْرِفَ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى خَلَقَ النّاسَ لِعِبادَتِهِ، وجَعَلَهم بِحَيْثُ لَوْ أُهْمِلُوا وتُرِكُوا وخُلُّوا بَيْنَهم وبَيْنَ طِباعِهِمْ، لَتَوَغَّلُوا وانْهَمَكُوا في اللَّذّاتِ الجِسْمانِيَّةِ، والغَواشِي الظَّلَمانِيَّةِ لِضَرُوراتِهِمْ لَها، واعْتِيادِهِمْ مِنَ الطُّفُولِيَّةِ عَلَيْها.

والنَّفْسُ كالطِّفْلِ إنْ تُهْمِلْهُ شَبَّ عَلى حُبِّ الرَّضاعِ وإنْ تَفْطِمْهُ يَنْفَطِمِ

فَوَضَعَ اللَّهُ تَعالى العِباداتِ، وفَرَضَ عَلَيْهِمْ تَكْرارَها في الأوْقاتِ المُعَيَّنَةِ، لِيَزُولَ عَنْهم بِها دَرْنُ الطِّباعِ المُتَراكِمِ في أوْقاتِ الغَفَلاتِ، وظُلْمَةِ الشَّواغِلِ العارِضَةِ في أزْمِنَةِ ارْتِكابِ الشَّهَواتِ، وجَعَلَ يَوْمًا مِن أيّامِ الأُسْبُوعِ مَخْصُوصًا لِلِاجْتِماعِ عَلى العِبادَةِ، وإزالَةِ وحْشَةِ التَّفْرِقَةِ، ودَفْعِ ظُلْمَةِ الِاشْتِغالِ بِالأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ، فَوَضَعَ السَّبْتَ لِلْيَهُودِ لِأنَّ عالَمَ الحِسِّ الَّذِي إلَيْهِ دَعْوَةُ اليَهُودِ هو آخِرُ العَوالِمِ، والسَّبْتُ آخِرُ الأُسْبُوعِ، والأحَدُ لِلنَّصارى، لِأنَّ عالَمَ العَقْلِ الَّذِي إلَيْهِ دَعْوَتُهم أوَّلُ العَوالِمِ، ويَوْمُ الأحَدِ أوَّلُ الأُسْبُوعِ، والجُمُعَةُ لِلْمُسْلِمِينَ، لِأنَّهُ يَوْمُ الجَمْعِ، والخَتْمِ فَهو أوْفَقُ بِهِمْ، وألْيَقُ بِحالِهِمْ، فَمَن لَمْ يُراعِ هَذِهِ الأوْضاعَ والمُراقَباتِ أصْلًا زالَ نُورُ اسْتِعْدادِهِ، وطُفِئَ مِصْباحُ فُؤادِهِ، ومُسِخَ كَما مُسِخَ أصْحابُ السَّبْتِ، ومَن غَلَبَ عَلَيْهِ وصْفٌ مِن أوْصافِ الحَيَواناتِ، ورَسَخَ فِيهِ بِحَيْثُ أزالَ اسْتِعْدادَهُ وتَمَكَّنَ في طِباعِهِ، وصارَ صُورَةً ذاتِيَّةً لَهُ، كالماءِ الَّذِي مَنبَعُهُ مَعْدِنُ الكِبْرِيتِ مَثَلًا أُطْلِقَ عَلَيْهِ اسْمُ

صفحة 285

ذَلِكَ الحَيَوانِ، حَتّى كَأنْ صارَ طِباعُهُ طِباعَهُ، ونَفْسُهُ نَفْسَهُ، فَلْيَجْهَدِ المَرْءُ عَلى حِفْظِ إنْسانِيَّتِهِ وتَدْبِيرِ صِحَّتِهِ بِشَرابِ الأدْوِيَةِ الشَّرْعِيَّةِ، والمَعاجِينِ الحُكْمِيَّةِ ولْيَحُثَّ نَفْسَهُ بِالمَواعِظِ الوَعْدِيَّةِ والوَعِيدِيَّةِ.

هِيَ النَّفْسُ إنْ تُهْمَلْ تُلازِمْ خَساسَةً ∗∗∗ وإنْ تَنْبَعِثْ نَحْوَ الفَضائِلِ تَلْهَجُ

2:67Страница 10

وَإِذۡ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوۡمِهِۦٓ إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُكُمۡ أَن تَذۡبَحُواْ بَقَرَةٗۖ قَالُوٓاْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُوٗاۖ قَالَ أَعُوذُ بِٱللَّهِ أَنۡ أَكُونَ مِنَ ٱلۡجَٰهِلِينَ ٦٧

Вот Муса (Моисей) сказал своему народу: «Аллах приказывает вам зарезать корову». Они сказали: «Неужели ты насмехаешься над нами?». Он сказал: «Упаси меня Аллах оказаться одним из невежд».

﴿وإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ بَيانُ نَوْعٍ مِن مَساوِيهِمْ مِن غَيْرِ تَعْدِيدِ النِّعَمِ، وصَحَّ العَطْفُ لِأنَّ ذِكْرَ النِّعَمِ سابِقًا كانَ مُشْتَمِلًا عَلى ذِكْرِ المَساوِي أيْضًا مِنَ المُخالَفَةِ لِلْأنْبِياءِ، والتَّكْذِيبِ لَهُمْ، وغَيْرِ ذَلِكَ، وقَدْ يُقالُ: هو عَلى نَمَطِ ما تَقَدَّمَ، لِأنَّ الذَّبْحَ نِعْمَةٌ دُنْيَوِيَّةٌ لِرِفْعَةِ التَّشاجُرِ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ، وأُخْرَوِيَّةٌ لِكَوْنِهِ مُعْجِزَةً لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وكَأنَّ مَوْلانا الإمامَ الرّازِيَّ خَفِيَ عَلَيْهِ ذَلِكَ فَقالَ: إنَّهُ تَعالى لَمّا عَدَّدَ وُجُوهَ إنْعامِهِ عَلَيْهِمْ أوَّلًا خَتَمَ ذَلِكَ بِشَرْحِ بَعْضِ ما وجَّهَ إلَيْهِمْ مِنَ التَّشْدِيداتِ، وجَعَلَ النَّوْعَ الثّانِيَ ما أشارَتْ إلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ، ولَيْسَ بِالبَعِيدِ، وأوَّلُ القِصَّةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فادّارَأْتُمْ فِيها﴾ إلَخْ، وكانَ الظّاهِرُ أنْ يُقالَ: قالَ مُوسى: إذْ قُتِلَ قَتِيلٌ تُنُوزِعَ في قاتِلِهِ، إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِذَبْحِ بَقَرَةٍ هي كَذا وكَذا، وأنْ يُضْرَبَ بِبَعْضِها ذَلِكَ القَتِيلُ، ويُخْبِرَ بِقاتِلِهِ، فَيَكُونَ كَيْتَ وكَيْتَ، إلّا أنَّهُ فُكَّ بَعْضُها وقُدِّمَ، لِاسْتِقْلالِهِ بِنَوْعٍ مِن مَساوِيهِمُ الَّتِي قَصَدَ نَعْيَها عَلَيْهِمْ، وهو الِاسْتِهْزاءُ بِالأمْرِ، والِاسْتِقْصاءُ في السُّؤالِ، وتَرَكُ المُصارَعَةِ إلى الِامْتِثالِ، ولَوْ أُجْرِيَ عَلى النَّظْمِ لَكانَتْ قِصَّةً واحِدَةً، ولَذَهَبَتْ تَثْنِيَةُ التَّقْرِيعِ، وقَدْ وقَعَ في النَّظْمِ مِن فَكِّ التَّرْكِيبِ والتَّرْتِيبِ ما يُضاهِيهِ في بَعْضِ القِصَصِ، وهو مِنَ المَقْلُوبِ المَقْبُولِ لِتَضَمُّنِهِ نُكَتًا، وفَوائِدَ، وقِيلَ: إنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَرْتِيبُ نُزُولِها عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى حَسَبِ تِلاوَتِها، بِأنْ يَأْمُرَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِذَبْحِ البَقَرَةِ، ثُمَّ يَقَعُ القَتْلُ فَيُؤْمَرُوا بِضَرْبِ بَعْضِها، لَكِنَّ المَشْهُورَ خِلافُهُ، والقِصَّةُ أنَّهُ عَمِدَ إخْوانٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ إلى ابْنِ عَمٍّ لَهُما أخِي أبِيهِما، فَقَتَلاهُ لِيَرِثا مالَهُ، وطَرَحاهُ عَلى بابِ مَحَلِّهِمْ، ثُمَّ جاءا يَطْلُبانِ بِدَمِهِ، فَأمَرَ اللَّهُ تَعالى بِذَبْحِ بِقَرَةٍ وضَرْبِهِ بِبَعْضِها لِيَحْيا، ويُخْبِرَ بِقاتِلِهِ، وقِيلَ: كانَ القاتِلُ أخا القَتِيلِ، وقِيلَ: ابْنُ أخِيهِ، ولا وارِثَ لَهُ غَيْرُهُ، فَلَمّا طالَ عَلَيْهِ عُمْرُهُ قَتَلَهُ لِيَرِثَهُ، وقِيلَ: إنَّهُ كانَتْ تَحْتَ رَجُلٍ يُقالُ لَهُ عامِيلُ، بِنْتُ عَمٍّ لا مِثْلَ لَها في بَنِي إسْرائِيلَ في الحُسْنِ والجَمالِ، فَقَتَلَهُ ذُو قَرابَةٍ لَهُ لِيَنْكِحَها، فَكانَ ما كانَ، وقَرَأ الجُمْهُورُ (يَأْمُرُكُمْ) بِضَمِّ الرّاءِ، وعَنْ أبِي عَمْرٍو السُّكُونُ والِاخْتِلاسُ وإبْدالُ الهَمْزَةِ ألِفًا، (وأنْ تَذْبَحُوا) في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي لِيَأْمُرُ، وهو عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ، أيْ بِأنْ تَذْبَحُوا، ﴿قالُوا أتَتَّخِذُنا هُزُوًا﴾ اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا عَمّا يَنْساقُ إلَيْهِ الكَلامُ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا صَنَعُوا، هَلْ سارَعُوا إلى الِامْتِثالِ أمْ لا؟ فَأُجِيبَ بِذَلِكَ، والِاتِّخاذُ كالتَّصْيِيرِ والجَعْلِ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، أصْلُهُما المُبْتَدَأُ والخَبَرُ، (وهُزُوًا) مَفْعُولُهُ الثّانِي، ولِكَوْنِهِ مَصْدَرًا لا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا ثانِيًا لِأنَّهُ خَبَرُ المُبْتَدَإ في الحَقِيقَةِ، وهو اسْمُ ذاتٍ هُنا، فَيُقَدَّرُ مُضافٌ كَمَكانٍ، أوْ أهْلٍ، أوْ يُجْعَلُ بِمَعْنى المَهْزُوءِ بِهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُحِلَّ لَكم صَيْدُ البَحْرِ﴾ أيْ مَصِيدُهُ، أوْ يُجْعَلُ الذّاتُ نَفْسَ المَعْنى مُبالَغَةً كَرَجُلٍ عَدْلٍ، وقَدْ قالُوا ذَلِكَ إمّا بَعْدَ أنْ أمَرَهم مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِذَبْحِ بَقَرَةٍ دُونَ ذِكْرِ الأحْياءِ بِضَرْبِها، وإمّا بَعْدَ أنْ أمَرَهم وذَكَرَ لَهُمُ اسْتِبْعادًا لِما قالَهُ واسْتِخْفافًا بِهِ، كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ الِاسْتِفْهامُ، إذِ المَعْنى أتَسْخَرُ بِنا، فَإنَّ جَوابَكَ لا يُطابِقُ سُؤالَنا، ولا يَلِيقُ، وأيْنَ ما نَحْنُ فِيهِ مِمّا أنْتَ آمِرٌ بِهِ، ولا يَأْبى ذَلِكَ انْقِيادُهم لَهُ، لِأنَّهُ بَعْدَ العِلْمِ بِأنَّهُ جِدٌّ وعَزِيمَةٌ، ومِن هُنا قالَ بَعْضُهم: إنَّ إجابَتَهم نَبِيَّهم حِينَ أخْبَرَهم عَنْ أمْرِ اللَّهِ تَعالى بِأنْ يَذْبَحُوا بَقَرَةً بِذَلِكَ، دَلِيلٌ عَلى سُوءِ اعْتِقادِهِمْ بِنَبِيِّهِمْ، وتَكْذِيبِهِمْ لَهُ

صفحة 286

إذْ لَوْ عَلِمُوا أنَّ ذَلِكَ إخْبارٌ صَحِيحٌ عَنِ اللَّهِ تَعالى لَما اسْتَفْهَمُوا هَذا الِاسْتِفْهامَ، ولا كانُوا أجابُوا هَذا الجَوابَ، فَهم قَدْ كَفَرُوا بِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: كانُوا مُؤْمِنِينَ مُصَدِّقِينَ، ولَكِنْ جَرى هَذا عَلى نَحْوِ ما هم عَلَيْهِ مِن غِلَظِ الطَّبْعِ والجَفاءِ والمَعْصِيَةِ، والعُذْرُ لَهم أنَّهم لَمّا طَلَبُوا مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ تَعْيِينَ القاتِلِ، فَقالَ ما قالَ ورَأوْا ما بَيْنَ السُّؤالِ والجَوابِ، تَوَهَّمُوا أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ داعَبَهُمْ، أوْ ظَنُّوا أنَّ ذَلِكَ يَجْرِي مَجْرى الِاسْتِهْزاءِ، فَأجابُوا بِما أجابُوا، وقِيلَ: اسْتَفْهَمُوا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِرْشادِ لا عَلى وجْهِ الإنْكارِ والعِنادِ، وقَرَأ عاصِمٌ وابْنُ مُحَيْصِنٍ (يَتَّخِذُنا) بِالياءِ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِلَّهِ تَعالى، وقَرَأ حَمْزَةُ وإسْماعِيلُ عَنْ نافِعٍ (هُزْأً) بِالإسْكانِ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِالضَّمِّ، وقَلْبِ الهَمْزَةِ واوًا، والباقُونَ بِالضَّمِّ والهَمْزَةِ، والكُلُّ لُغاتٌ فِيهِ.

﴿قالَ أعُوذُ بِاللَّهِ أنْ أكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ أيْ مِن أنْ أُعَدَّ في عِدادِهِمْ، والجَهْلُ كَما قالَ الرّاغِبُ: لَهُ مَعانٍ: عَدَمُ العِلْمِ، واعْتِقادُ الشَّيْءِ بِخِلافِ ما هو عَلَيْهِ، وفِعْلُ الشَّيْءِ بِخِلافِ ما حَقُّهُ أنْ يُفْعَلَ سَواءٌ اعْتَقَدَ فِيهِ اعْتِقادًا صَحِيحًا، أوْ فاسِدًا، وهَذا الأخِيرُ هو المُرادُ هُنا، وقَدْ نَفاهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْ نَفْسِهِ قَصْدًا إلى نَفْيِ مَلْزُومِهِ الَّذِي رُمِيَ بِهِ، وهو الِاسْتِهْزاءُ عَلى طَرِيقِ الكِنايَةِ، وأُخْرِجَ ذَلِكَ في صُورَةِ الِاسْتِعارَةِ اسْتِفْظاعًا لَهُ، إذِ الهُزْءُ في مَقامِ الإرْشادِ كادَ يَكُونُ كُفْرًا، وما يَجْرِي مَجْراهُ، ووُقُوعُهُ في مَقامِ الِاحْتِقارِ والتَّهَكُّمِ مِثْلُ ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ سائِغٌ شائِعٌ، وفَرْقٌ بَيْنَ المَقامَيْنِ، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ الِاسْتِعاذَةُ بِاللَّهِ تَعالى مِن ذَلِكَ مِن بابِ الأدَبِ، والتَّواضُعِ مَعَهُ سُبْحانَهُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقُلْ رَبِّ أعُوذُ بِكَ مِن هَمَزاتِ الشَّياطِينِ﴾ لِأنَّ الأنْبِياءَ مَعْصُومُونَ عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ، والأوَّلُ أوْلى، وهو المَعْرُوفُ مِن إيرادِ الِاسْتِعاذَةِ في أثْناءِ الكَلامِ، والفَرْقُ بَيْنَ الهُزْءِ والمَزْحِ ظاهِرٌ، فَلا يُنافِي وُقُوعَهُ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ أحْيانًا كَما لا يَخْفى.

2:68Страница 10

قَالُواْ ٱدۡعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَۚ قَالَ إِنَّهُۥ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٞ لَّا فَارِضٞ وَلَا بِكۡرٌ عَوَانُۢ بَيۡنَ ذَٰلِكَۖ فَٱفۡعَلُواْ مَا تُؤۡمَرُونَ ٦٨

Они сказали: «Помолись за нас своему Господу, чтобы Он разъяснил нам, какая она». Он сказал: «Он говорит, что она не старая и не телка, средняя по возрасту между ними. Выполните же то, что вам велено!».

﴿قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ﴾ أيْ سَلْ لِأجْلِنا رَبَّكَ الَّذِي عَوَّدَكَ ما عَوَّدَكَ يُظْهِرُ لَنا ما حالُها وصِفَتُها، فالسُّؤالُ في الحَقِيقَةِ عَنِ الصِّفَةِ، لِأنَّ الماهِيَّةَ ومُسَمّى الِاسْمِ مَعْلُومانِ، ولا ثالِثَ لَهُما، لِتُسْتَعْمَلَ ما فِيهِ، أمّا إذا أُرِيدَ بَقَرَةٌ مُعَيَّنَةٌ فَظاهِرٌ، لِأنَّهُ اسْتِفْسارٌ لِبَيانِ المُجْمَلِ، وإلّا فَلِمَكانِ التَّعَجُّبِ، وتُوِهِّمَ أنَّ مِثْلَ هَذِهِ البَقَرَةِ لا تَكُونُ إلّا مُعَيَّنَةً، والجَوابُ عَلى الأوَّلِ بَيانٌ، وعَلى الثّانِي نَسْخٌ وتَشْدِيدٌ، وهَكَذا الحالُ فِيما سَيَأْتِي مِنَ السُّؤالِ والجَوابِ، وكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ عَلى الأوَّلِ أيْ لِأنَّها لِلسُّؤالِ عَنِ المُمَيَّزِ وصْفًا كانَ أوْ ذاتِيًّا.

وعَلى الثّانِي كَيْفَ؟ لِأنَّها مَوْضُوعَةٌ لِلسُّؤالِ عَنِ الحالِ، (وما) وإنْ سُئِلَ بِها عَنِ الوَصْفِ لَكِنَّهُ عَلى سَبِيلِ النُّدُورِ، وهو إمّا مَجازٌ أوِ اشْتِراكٌ كَما صُرِّحَ بِهِ في المِفْتاحِ، والغالِبُ السُّؤالُ بِها عَنِ الجِنْسِ، فَإنْ أُجْرِيَتْ هُنا عَلى الِاسْتِعْمالِ الغالِبِ نَزَلَ مَجْهُولُ الصِّفَةِ لِكَوْنِهِ عَلى صِفَةٍ لَمْ يُوجَدْ عَلَيْها جِنْسُهُ، وهو إحْياءُ المَيِّتِ بِضَرْبِ بَعْضِهِ مَنزِلَةَ مَجْهُولِ الحَقِيقَةِ، فَيَكُونُ سُؤالًا عَنِ الجِنْسِ تَنْزِيلًا، وعَنِ الصِّفَةِ حَقِيقَةً، وإنْ أُجْرِيَتْ عَلى النّادِرِ لَمْ يُحْتَجْ إلى التَّنْزِيلِ المَذْكُورِ، والقَوْلُ إنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يُجْعَلَ (ما هِيَ) عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ ما حالُها، فَيَكُونُ سُؤالًا عَنْ نَوْعِ حالٍ تَفَرَّعَ عَلَيْهِ هَذِهِ الخاصِّيَّةُ عَلى بُعْدِهِ خالٍ عَنِ اللَّطافَةِ اللّائِقَةِ بِشَأْنِ الكِتابِ العَزِيزِ، (وما) اسْتِفْهامِيَّةُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ (لِهِيَ)، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ (بِيُبَيِّنْ) لِأنَّهُ مُعَلَّقٌ عَنْها، وجازَ فِيهِ ذَلِكَ لِشَبَهِهِ بِأفْعالِ القُلُوبِ، والمَعْنى: ﴿يُبَيِّنْ لَنا﴾ جَوابَ هَذا السُّؤالِ، ﴿قالَ إنَّهُ يَقُولُ إنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ ولا بِكْرٌ﴾ الفارِضُ اسْمٌ لِلْمُسِنَّةِ الَّتِي انْقَطَعَتْ وِلادَتُها مِنَ الكِبَرِ، والفِعْلُ فَرَضَتْ بِفَتْحِ الرّاءِ وضَمِّها، ويُقالُ لِكُلِّ ما قَدُمَ

صفحة 287

وطالَ أمْرُهُ: فارِضٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ:

يا رُبَّ ذِي ضِغْنٍ عَلَيَّ فارِضٌ لَهُ قُرُوءٌ كَقُرُوءِ الحائِضِ

وكَأنَّ المُسِنَّةَ سُمِّيَتْ فارِضًا لِأنَّها فَرَضَتْ سِنَّها أيْ قَطَعَتْها، وبَلَغَتْ آخِرَها، والبِكْرُ اسْمٌ لِلصَّغِيرَةِ، وزادَ بَعْضُهُمُ الَّتِي لَمْ تَلِدْ مِنَ الصِّغَرِ، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هي الَّتِي ولَدَتْ ولَدًا واحِدًا، والبِكْرُ مِنَ النِّساءِ الَّتِي لَمْ يَمَسَّها الرِّجالُ، وقِيلَ: هي الَّتِي لَمْ تَحْمِلْ، والبِكْرُ مِنَ الأوْلادِ الأوَّلُ، ومِنَ الحاجاتِ الأُولى، والبَكْرُ بِفَتْحِ الباءِ الفَتِيُّ مِنَ الإبِلِ، والأُنْثى بَكْرَةٌ، وأصْلُهُ مِنَ التَّقَدُّمِ في الزَّمانِ، ومِنهُ البَكْرَةُ والباكُورَةُ، والِاسْمانِ صِفَةُ (بَقَرَةً)، ولَمْ يُؤْتَ بِالتّاءِ لِأنَّهُما اسْمانِ لِما ذُكِرَ، واعْتَرَضَتْ (لا) بَيْنَ الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ، وكُرِّرَتْ لِوُجُوبِ تَكْرِيرِها مَعَ الخَبَرِ، والنَّعْتِ، والحالِ، إلّا في الضَّرُورَةِ خِلافًا لِلْمُبَرِّدِ، وابْنِ كَيْسانَ كَقَوْلِهِ:

قَهَرْتُ العِدا لا مُسْتَعِينًا بِعُصْبَةٍ ∗∗∗ ولَكِنْ بِأنْواعِ الخَدائِعِ والمَكْرِ

ومَن جَعَلَ ذَلِكَ مِنَ الوَصْفِ بِالجُمَلِ فَقَدَّرَ مُبْتَدَأً أيْ لا هي فارِضٌ ولا بِكْرٌ، فَقَدْ أبْعَدَ، إذِ الأصْلُ الوَصْفُ بِالمُفْرَدِ، والأصْلُ أيْضًا أنْ لا حَذْفَ، وذَكَرَ (يَقُولُ) لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى لا مِن عِنْدِ نَفْسِهِ.

﴿عَوانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ أيْ مُتَوَسِّطَةُ السِّنِّ، وقِيلَ: هي الَّتِي ولَدَتْ بَطْنًا أوْ بَطْنَيْنِ، وقِيلَ: مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، ويُجْمَعُ عَلى فُعَلٍ كَقَوْلِهِ:

طِوالٌ مِثْلُ أعْناقِ الهَوادِي ∗∗∗ نَواعِمُ بَيْنَ أبْكارٍ وعُوَنِ

ويَجُوزُ ضَمُّ عَيْنِ الكَلِمَةِ في الشِّعْرِ، وفائِدَةُ هَذا بَعْدَ ﴿لا فارِضٌ ولا بِكْرٌ﴾ نَفْيُ أنْ تَكُونَ عِجْلًا، أوْ جَنِينًا، وأرادَ مِن ذَلِكَ ما ذُكِرَ مِنَ الوَصْفَيْنِ السّابِقَيْنِ، وبِهَذا صَحَّ الإفْرادُ، وإضافَةُ بَيْنَ إلَيْهِ، فَإنَّهُ لا يُضافُ إلّا إلى مُتَعَدِّدٍ، وكَوْنُ الكَلامِ مِمّا حُذِفَ مِنهُ المَعْطُوفُ لِدِلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ، والتَّقْدِيرُ: عَوانٌ بَيْنَ ذَلِكَ وهَذا، أيِ الفارِضِ والبِكْرِ، فَيَكُونُ نَظِيرَ قَوْلِهِ:

فَما كانَ بَيْنَ الخَيْرِ لَوْ جاءَ سالِمًا ∗∗∗ أبُو حَجَرٍ إلّا لَيالٍ قَلائِلُ

حَيْثُ أرادَ بَيْنَ الخَيْرِ وباعِثِهِ، تَكَلُّفٌ مُسْتَغْنًى عَنْهُ بِما ذُكِرَ، واخْتارَ السَّجاوَنْدِيُّ أنَّ المُرادَ في وسَطِ زَمانِ الصَّلاحِ لِلْعَوانِ، واعْتِدالِهِ تَقُولُ: سافَرْتُ إلى الرُّومِ، وطُفْتُ بَيْنَ ذَلِكَ، فالمُشارُ إلَيْهِ عَوانٌ، وارْتَضاهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ مُدَّعِيًا أنَّهُ أوْلى، لِئَلّا يَفُوتَ مَعْنى بَيْنَ ذَلِكَ، لِأنَّ أهْلَ اللُّغَةِ قالُوا: بَقَرَةٌ عَوانٌ لا فارِضٌ ولا بِكْرٌ، وعَلى الشّائِعِ رُبَّما يَحْتاجُ الأمْرُ إلى تَجْرِيدٍ، كَما لا يَخْفى، ثُمَّ إنَّ عَوْدَ الضَّمائِرِ المَذْكُورَةِ في السُّؤالِ والجَوابِ، وإجْراءُ تِلْكَ الصِّفاتِ عَلى بَقَرَةٍ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِها مُعَيَّنَةٌ، لِأنَّ الأوَّلَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الكَلامَ في البَقَرَةِ المَأْمُورِ بِذَبْحِها، والثّانِي يُفِيدُ أنَّ المَقْصِدَ تَعْيِينُها، وإزالَةُ إبْهامِها بِتِلْكَ الصِّفاتِ، كَما هو شَأْنُ الصِّفَةِ لا أنَّها تَكالِيفُ مُتَغايِرَةٌ، بِخِلافِ ما إذا ذَكَرَ تِلْكَ الصِّفاتِ بِدُونِ الإجْراءِ، وقِيلَ: إنَّها لا فارِضٌ ولا بِكْرٌ، فَإنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ مِنهُ تَبْدِيلَ الحُكْمِ السّابِقِ، والقَوْلَ بِأنَّهم لَمّا تَعَجَّبُوا مِن بَقَرَةٍ مَيِّتَةٍ يُضْرَبُ بِبَعْضِها مَيِّتٌ فَيَحْيا، ظَنُّوها مُعَيَّنَةً خارِجَةً عَمّا عَلَيْهِ الجِنْسُ، فَسَألُوا عَنْ حالِها وصِفَتِها، فَوَقَعَتِ الضَّمائِرُ لِمُعَيَّنَةٍ بِاعْتِقادِهِمْ، فَعُيِّنَتْ تَشْدِيدًا عَلَيْهِمْ، وإنْ لَمْ يَكُنِ المُرادُ مِنها أوَّلَ الأمْرِ مُعَيَّنَةً، لَيْسَ بِشَيْءٍ، لِأنَّهُ حِينَئِذٍ لَمْ تَكُنِ الضَّمائِرُ عائِدَةً إلى ما أُمِرُوا بِذَبْحِها، بَلْ ما اعْتَقَدُوها، والظّاهِرُ خِلافُهُ واللّازِمُ عَلى هَذا تَأْخِيرُ البَيانِ عَنْ وقْتِ الخِطابِ، ولَيْسَ بِمُمْتَنِعٍ، والمُمْتَنِعُ تَأْخِيرُهُ عَنْ وقْتِ الحاجَةِ، إلّا عِنْدَ مَن يُجَوِّزُ

صفحة 288

التَّكْلِيفَ بِالمُحالِ، ولَيْسَ بِلازِمٍ، إذْ لا دَلِيلَ عَلى أنَّ الأمْرَ هُنا لِلْفَوْرِ، حَتّى يُتَوَهَّمَ ذَلِكَ، ومِنَ النّاسِ مَن أنْكَرُوا ذَلِكَ، وادَّعَوْا أنَّ المُرادَ بِها بَقَرَةٌ مِن نَوْعِ البَقَرِ، بِلا تَعْيِينٍ، وكانَ يَحْصُلُ الِامْتِثالُ لَوْ ذَبَحُوا أيَّ بَقَرَةٍ كانَتْ، إلّا أنَّها انْقَلَبَتْ مَخْصُوصَةً بِسُؤالِهِمْ، وإلَيْهِ ذَهَبَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ التَّفْسِيرِ، وتَمَسَّكُوا بِظاهِرِ اللَّفْظِ، فَإنَّهُ مُطْلَقٌ، فَيُتْرَكُ عَلى إطْلاقِهِ مَعَ ما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، مَوْقُوفًا، (لَوْ ذَبَحُوا أيَّ بَقَرَةٍ أرادُوا لَأجْزَأتْهُمْ، ولَكِنْ شَدَّدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ فَشَدَّدَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ)، وأخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ في سُنَنِهِ عَنْ عِكْرِمَةَ مَرْفُوعًا مُرْسَلًا، وبِأنَّهُ لَوْ كانَتْ مُعَيَّنَةً لَما عَنَّفَهم عَلى التَّمادِي، وزَجَرَهم عَنِ المُراجَعَةِ إلى السُّؤالِ، واللّازِمُ حِينَئِذٍ النَّسْخُ قَبْلَ الفِعْلِ بِناءً عَلى مَذْهَبِ مَن يَقُولُ: الزِّيادَةُ عَلى الكِتابِ نَسْخٌ كَجَماهِيرِ الحَنَفِيَّةِ القائِلِينَ بِأنَّ الأمْرَ المُطْلَقَ يَتَضَمَّنُ التَّخْيِيرَ، وهو حُكْمٌ شَرْعِيٌّ، والتَّقْيِيدُ يَرْفَعُهُ، وهو جائِزٌ، بَلْ واقِعٌ كَما في حَدِيثِ فَرْضِ الصَّلاةِ لَيْلَةَ المِعْراجِ، والمُمْتَنِعُ النَّسْخُ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنَ الِاعْتِقادِ بِالِاتِّفاقِ، لِأنَّهُ بَداءٌ، وقَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنَ الفِعْلِ عِنْدَ المُعْتَزِلَةِ، ولَيْسَ بِلازِمٍ عَلى ما قِيلَ، عَلى أنَّهُ قِيلَ: يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: لَيْسَ ذَلِكَ بِنَسْخٍ، لِأنَّ البَقَرَةَ المُطْلَقَةَ مُتَناوِلَةٌ لِلْبَقَرَةِ المَخْصُوصَةِ، وذَبْحَ البَقَرَةِ المَخْصُوصَةِ ذَبْحٌ لِلْبَقَرَةِ مُطْلَقًا، فَهو امْتِثالٌ لِلْأمْرِ الأوَّلِيِّ، فَلا يَكُونُ نَسْخًا، واعْتُرِضَ عَلى كَوْنِ التَّخْيِيرِ حُكْمًا شَرْعِيًّا إلَخْ، بِالمَنعِ مُسْتَنِدًا بِأنَّ الأمْرَ المُطْلَقَ إنَّما يَدُلُّ عَلى إيجابِ ماهِيَّةٍ مِن حَيْثُ هي بِلا شَرْطٍ، لَكِنْ لَمّا لَمْ تَتَحَقَّقْ إلّا في ضِمْنِ فَرْدٍ مُعَيَّنٍ جاءَ التَّخْيِيرُ عَقْلًا مِن غَيْرِ دِلالَةِ النَّصِّ عَلَيْهِ، وإيجابُ الشَّيْءِ لا يَقْتَضِي إيجابَ مُقَدِّمَتِهِ العَقْلِيَّةِ، إذِ المُرادُ بِالوُجُوبِ الوُجُوبُ الشَّرْعِيُّ، ومِنَ الجائِزِ أنْ يُعاقَبَ المُكَلَّفُ عَلى تَرْكِ ما يَشْمَلُهُ مُقَدِّمَةٌ عَقْلِيَّةٌ، ولا يُعاقَبُ عَلى تَرْكِ المُقَدِّمَةِ، ونُسِبَ هَذا الِاعْتِراضُ لِمَوْلانا القاضِي في مَنهِيّاتِهِ، وفِيهِ تَأمُّلٌ، وذَكَرَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ تَحْقِيقَ هَذا المَقامِ أنَّهُ إنْ كانَ المُرادُ بِالبَقَرَةِ المَأْمُورِ بِذَبْحِها مُطْلَقَ البَقَرَةِ، أيَّ بَقَرَةٍ كانَتْ، فالنَّسْخُ جائِزٌ، لِأنَّ شَرْطَ النَّسْخِ التَّمَكُّنُ مِنَ الِاعْتِقادِ، وهو حاصِلٌ بِلا رَيْبٍ، وإنْ كانَ البَقَرَةَ المُعَيَّنَةَ، فَلا يَجُوزُ النَّسْخُ لِعَدَمِ التَّمَكُّنِ مِنَ الِاعْتِقادِ حِينَئِذٍ، لِأنَّهُ إنَّما حَصَلَ بَعْدَ الِاسْتِفْسارِ، فاخْتِلافُ العُلَماءِ في جَوازِ النَّسْخِ وعَدَمِهِ في هَذا المَقامِ مِن بابِ النِّزاعِ اللَّفْظِيِّ، فَتَدَبَّرْ، ﴿فافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ﴾ أيْ مِن ذَبْحِ البَقَرَةِ، ولا تُكَرِّرُوا السُّؤالَ، ولا تَتَعَنَّتُوا، وهَذِهِ الجُمْلَةُ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مِن قَوْلِ اللَّهِ تَعالى لَهُمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مِن قَوْلِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، حَرَّضَهم عَلى امْتِثالِ ما أُمِرُوا بِهِ، شَفَقَةً مِنهُ عَلَيْهِمْ، (وما) مَوْصُولَةٌ، والعائِدُ مَحْذُوفٌ، أيْ ما تُؤْمَرُونَهُ بِمَعْنى: ما تُؤْمَرُونَ بِهِ، وقَدْ شاعَ حَذْفُ الجارِّ في هَذا الفِعْلِ حَتّى لَحِقَ بِالمُتَعَدِّي إلى مَفْعُولَيْنِ، فالمَحْذُوفُ مِن أوَّلِ الأمْرِ هو المَنصُوبُ، وأجازَ بَعْضُهم أنْ تَكُونَ (ما) مَصْدَرِيَّةً، أيْ فافْعَلُوا أمْرَكُمْ، ويَكُونُ المَصْدَرُ بِمَعْنى المَفْعُولِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ خَلَقَكم وما تَعْمَلُونَ﴾ عَلى أحَدِ الوَجْهَيْنِ، وفِيهِ بُعْدٌ، لِأنَّ ذَلِكَ في الحاصِلِ بِالسَّبْكِ قَلِيلٌ، وإنَّما كَثُرَ في صِيغَةِ المَصْدَرِ.

2:69Страница 10

قَالُواْ ٱدۡعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوۡنُهَاۚ قَالَ إِنَّهُۥ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٞ صَفۡرَآءُ فَاقِعٞ لَّوۡنُهَا تَسُرُّ ٱلنَّٰظِرِينَ ٦٩

Они сказали: «Помолись за нас своему Господу, чтобы Он разъяснил нам, какой она масти». Он сказал: «Он говорит, что эта корова светло-желтого цвета. Она радует смотрящих на нее».

﴿قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها قالَ إنَّهُ يَقُولُ إنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها تَسُرُّ النّاظِرِينَ﴾ إسْنادُ البَيانِ في كُلِّ مَرَّةٍ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لِإظْهارِ كَمالِ المُساعَدَةِ في إجابَةِ مَسْؤُولِهِمْ، وصِيغَةُ الِاسْتِقْبالِ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ، والفُقُوعُ أشَدُّ ما يَكُونُ مِنَ الصُّفْرَةِ، وأبْلَغُهُ، والوَصْفُ بِهِ لِلتَّأْكِيدِ، كَأمْسِ الدّابِرِ، وكَذا في قَوْلِهِمْ: أبْيَضُ ناصِعٌ، وأسْوَدُ حالِكٌ، وأحْمَرُ قانٍ، وأخْضَرُ ناضِرٌ، (ولَوْنُها) مَرْفُوعٌ بِـ(فاقِعٌ)، ولَمْ يَكْتَفِ بِقَوْلِهِ: صَفْراءُ فاقِعَةٌ، لِأنَّهُ أرادَ تَأْكِيدَ نِسْبَةِ الصُّفْرَةِ، فَحَكَمَ عَلَيْها أنَّها صَفْراءُ، ثُمَّ حَكَمَ عَلى اللَّوْنِ أنَّهُ شَدِيدُ الصُّفْرَةِ، فابْتَدَأ أوَّلًا بِوَصْفِ البَقَرَةِ بِالصُّفْرَةِ، ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ بِوَصْفِ اللَّوْنِ بِها، فَكَأنَّهُ قالَ: هي صَفْراءُ ولَوْنُها شَدِيدُ الصُّفْرَةِ، وعَنِ الحَسَنِ: سَوْداءُ

صفحة 289

شَدِيدَةُ السَّوادِ، ولا يَخْفى أنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ، لِأنَّ الصُّفْرَةَ وإنِ اسْتَعْمَلَها العَرَبُ بِهَذا المَعْنى نادِرًا كَما أطْلَقُوا الأسْوَدَ عَلى الأخْضَرِ، لَكِنَّهُ في الإبِلِ خاصَّةً، عَلى ما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿جِمالَتٌ صُفْرٌ﴾ لِأنَّ سَوادَ الإبِلِ تَشُوبُهُ صُفْرَةٌ، وتَأْكِيدُهُ بِالفُقُوعِ يُنافِيهِ، لِأنَّهُ مِن وصْفِ الصُّفْرَةِ في المَشْهُورِ، نَعَمْ ذُكِرَ في اللُّمَعِ أنَّهُ يُقالُ: أصْفَرُ فاقِعٌ، وأحْمَرُ فاقِعٌ، ويُقالُ في الألْوانِ كُلِّها فاقِعٌ وناصِعٌ، إذا أُخْلِصَتْ، فَعَلَيْهِ لا يَرُدُّ ما ذُكِرَ، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: إنَّ الصُّفْرَةَ اسْتُعِيرَتْ هُنا لِلسَّوادِ، وكَذا فاقِعٌ لِشَدِيدِ السَّوادِ، وهو تَرْشِيحٌ، ويُجْعَلُ سَوادُهُ مِن جِهَةِ البَرِيقِ واللَّمَعانِ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وجَوَّزَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ لَوْنُها مُبْتَدَأً، وخَبَرُهُ إمّا فاقِعٌ أوِ الجُمْلَةُ بَعْدَهُ، والتَّأْنِيثُ عَلى أحَدِ مَعْنَيَيْنِ، أحَدُهُما لِكَوْنِهِ أُضِيفَ إلى مُؤَنَّثٍ، كَما قالُوا: ذَهَبَتْ بَعْضُ أصابِعِهِ، والثّانِي أنَّهُ يُرادُ بِهِ المُؤَنَّثُ إذْ هو الصُّفْرَةُ، فَكَأنَّهُ قالَ: صُفْرَتُها تَسُرُّ النّاظِرِينَ، ولا يَخْفى بُعْدُ ذَلِكَ، والسُّرُورُ أصْلُهُ لَذَّةٌ في القَلْبِ عِنْدَ حُصُولِ نَفْعٍ أوْ تَوَقُّعِهِ أوْ رُؤْيَةِ أمْرٍ مُعْجِبٍ رائِقٍ، وأمّا نَفْسُهُ فانْشِراحٌ مُسْتَبْطِنٌ فِيهِ، وبَيْنَ السُّرُورِ والحُبُورِ والفَرَحِ تَقارُبٌ، لَكِنَّ السُّرُورَ هو الخالِصُ المُنْكَتِمُ سُمِّيَ بِذَلِكَ اعْتِبارًا بِالإسْرارِ، والحُبُورُ ما يُرى حَبَرُهُ، أيْ أثَرُهُ في ظاهِرِ البَشَرَةِ، وهُما يُسْتَعْمَلانِ في المَحْمُودِ، وأمّا الفَرَحُ فَما يَحْصُلُ بَطَرًا وأشَرًا، ولِذَلِكَ كَثِيرًا ما يُذَمُّ كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ﴾ والمُرادُ بِهِ هُنا عِنْدَ بَعْضٍ الإعْجابُ مَجازًا لِلُزُومِهِ لَهُ غالِبًا، والجُمْلَةُ صِفَةُ البَقَرَةِ، أيْ تُعْجِبُ النّاظِرِينَ إلَيْها، وجُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ يُشِيرُونَ إلى أنَّ الصُّفْرَةَ مِنَ الألْوانِ السّارَّةِ، ولِهَذا كانَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ يَرْغَبُ في النِّعالِ الصُّفْرِ، ويَقُولُ: (مَن لَبِسَ نَعْلًا أصْفَرَ قَلَّ هَمُّهُ)، ونَهى ابْنُ الزُّبَيْرِ، ويَحْيى بْنُ أبِي كَثِيرٍ عَنْ لِباسِ النِّعالِ السُّودِ لِأنَّها تَغُمُّ، وقُرِئَ (يَسُرُّ) بِالياءِ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ (لَوْنُها) مُبْتَدَأً، (ويَسُرُّ) خَبَرَهُ، ويَكُونَ (فاقِعٌ) صِفَةٌ تابِعَةٌ لِصَفْراءَ، عَلى حَدِّ قَوْلِهِ:

وإنِّي لِأسْقِي الشِّرْبَ صَفْراءَ فاقِعًا كَأنَّ ذَكِيَّ المِسْكِ فِيها يُفَتَّقُ

إلّا أنَّهُ قَلِيلٌ، حَتّى قِيلَ: بابُهُ الشِّعْرُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ (لَوْنُها) فاعِلًا بِـ(فاقِعٌ)، (ويَسُرُّ) إخْبارٌ مُسْتَأْنَفٌ.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English