Аль-АлусиАль‑Бакара · 2:76–79

Аль-Алуси · Тафсир · на арабском

Аль-Бакара 2:76–79

2:76Страница 11

وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعۡضُهُمۡ إِلَىٰ بَعۡضٖ قَالُوٓاْ أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ ٱللَّهُ عَلَيۡكُمۡ لِيُحَآجُّوكُم بِهِۦ عِندَ رَبِّكُمۡۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ ٧٦

Когда они встречали верующих, то говорили: «Мы уверовали». Когда же они оставались наедине друг с другом, то говорили: «Неужели вы расскажете им о том, что открыл вам Аллах, чтобы они могли препираться с вами посредством этого перед вашим Господом? Неужели вы не уразумеете этого?».

﴿وإذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ لَيْسَتْ إثْرَ بَيانِ ما صَدَرَ عَنْ أسْلافِهِمْ لِبَيانِ ما صَدَرَ عَنْهم بِالذّاتِ مِنَ الشَّنائِعِ المُؤَيِّسَةِ عَنْ إيمانِهِمْ مِن نِفاقِ بَعْضٍ، وعِتابِ آخَرِينَ عَلَيْهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى ﴿وقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنهُمْ﴾ إلَخْ، وقِيلَ: مَعْطُوفَةٌ عَلى (يَسْمَعُونَ) وقِيلَ: عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا﴾ عَطْفَ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ، وضَمِيرُ (لَقُوا) لِلْيَهُودِ عَلى طِبْقِ ﴿أنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ﴾ وضَمِيرُ (قالُوا) لِلاقِينَ، لَكِنْ لا يَتَصَدّى الكُلُّ لِلْقَوْلِ حَقِيقَةً، بَلْ بِمُباشَرَةِ مُنافِقِيهِمْ، وسُكُوتِ الباقِينَ، فَهو مِن إسْنادِ ما لِلْبَعْضِ لِلْكُلِّ، ومِثْلُهُ أكْثَرُ مِن أنْ يُحْصى، وهَذا أدْخَلُ كَما قالَ مَوْلانا مُفْتِي الدِّيارِ الرُّومِيَّةِ في تَقْبِيحِ حالِ السّاكِتِينَ أوَّلًا العاتِبِينَ ثانِيًا، لِما فِيهِ مِنَ الدِّلالَةِ عَلى نِفاقِهِمْ، واخْتِلافِ أحْوالِهِمْ، وتَناقُضِ آرائِهِمْ مِن إسْنادِ القَوْلِ إلى المُباشِرِينَ خاصَّةً بِتَقْدِيرِ المُضافِ، أيْ قالَ: مُنافِقُوهم كَما فَعَلَهُ البَعْضُ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ الأوَّلُ لِمُنافِقِي اليَهُودِ كالثّانِي، لِيَتَّحِدَ فاعِلُ الشَّرْطِ والجَزاءُ مُراعاةً لِحَقِّ النَّظْمِ، ويُؤَيِّدُهُ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، وقَتادَةَ في تَفْسِيرِ (وإذا لَقُوا) يَعْنِي مُنافِقِي اليَهُودِ المُؤْمِنِينَ الخُلَّصَ قالُوا، إلّا أنَّ السِّباقَ واللَّحاقَ كَما رَأيْتَ، وسَتَرى يُبْعِدانِ ذَلِكَ، وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْقَعِ (لاقَوْا).

﴿وإذا خَلا بَعْضُهم إلى بَعْضٍ﴾ أيْ إذا انْفَرَدَ بَعْضُ المَذْكُورِينَ وهُمُ السّاكِتُونَ مِنهم بَعْدَ فَراغِهِمْ عَنِ الِاشْتِغالِ بِالمُؤْمِنِينَ مُتَوَجِّهِينَ مُنْضَمِّينَ إلى بَعْضٍ آخَرَ مِنهُمْ، وهم مَن نافَقَ، وهَذا كالنَّصِّ عَلى اشْتِراكِ السّاكِتِينَ في لِقاءِ المُؤْمِنِينَ، إذِ الخُلُوُّ إنَّما يَكُونُ بَعْدَ الِاشْتِغالِ، ولِأنَّ عِتابَهم مُعَلَّقٌ بِمَحْضِ الخُلُوِّ، ولَوْلا إنَّهم حاضِرُونَ عِنْدَ المُقاوَلَةِ لَوَجَبَ أنْ يُجْعَلَ سَماعُهم مِن تَمامِ الشَّرْطِ، ولِأنَّ فِيهِ زِيادَةَ تَشْنِيعٍ لَهم عَلى ما أُوتُوا مِنَ السُّكُوتِ، ثُمَّ العِتابِ، ﴿قالُوا﴾ أيْ أُولَئِكَ البَعْضُ الخالِي مُوَبِّخِينَ لِمُنافِقِيهِمْ عَلى ما صَنَعُوا بِحَضْرَتِهِمْ.

﴿أتُحَدِّثُونَهم بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ تُخْبِرُونَ المُؤْمِنِينَ بِما بَيَّنَهُ اللَّهُ تَعالى لَكم خاصَّةً مِن نَعْتِ نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، أوْ مِن أخْذِ العُهُودِ عَلى أنْبِيائِكم بِتَصْدِيقِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ونُصْرَتِهِ، والتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِالفَتْحِ لِلْإيذانِ بِأنَّهُ سِرٌّ مَكْتُومٌ، وبابٌ مُغْلَقٌ، وفي الآيَةِ إشارَةٌ إلى أنَّهم لَمْ يَكْتَفُوا بِقَوْلِهِمْ: آمَنّا، بَلْ عَلَّلُوهُ بِما ذُكِرَ، وإنَّما لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ تَعْوِيلًا عَلى شَهادَةِ التَّوْبِيخِ، ومِنَ النّاسِ مَن جَوَّزَ كَوْنَ هَذا التَّوْبِيخِ مِن جِهَةِ المُنافِقِينَ لِأعْقابِهِمْ وبَقاياهُمُ الَّذِينَ لَمْ يُنافِقُوا، وحِينَئِذٍ يَكُونُ البَعْضُ الَّذِي هو فاعِلُ (خَلا) عِبارَةً عَنِ المُنافِقِينَ، وفِيهِ وضْعُ المُظْهَرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ تَكْثِيرًا لِلْمَعْنى، والِاسْتِفْهامُ إنْكارٌ، ونَهْيٌ عَنِ التَّحْدِيثِ في الزَّمانِ المُسْتَقْبَلِ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وإنْ جَلَّ قائِلُهُ، اللَّهُمَّ إلّا أنْ يَكُونَ فِيهِ رِوايَةٌ صَحِيحَةٌ ودُونَ ذَلِكَ خَرْطُ القَتادِ.

﴿لِيُحاجُّوكم بِهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالتَّحْدِيثِ دُونَ الفَتْحِ، خِلافًا لِمَن تَكَلَّفَ لَهُ، والمُرادُ تَأْكِيدُ النَّكِيرِ، وتَشْدِيدُ التَّوْبِيخِ، فَإنَّ التَّحْدِيثَ، وإنْ كانَ مُنْكَرًا في نَفْسِهِ لَكِنَّهُ لِهَذا الغَرَضِ مِمّا لا يَكادُ يَصْدُرُ عَنِ العاقِلِ، والمُفاعَلَةُ هُنا غَيْرُ مُرادَةٍ، والمُرادُ لِيَحْتَجُّوا بِهِ عَلَيْكُمْ، إلّا أنَّهُ إنَّما أتى بِها لِلْمُبالَغَةِ، وذَكَرَ ابْنُ تَمْجِيدٍ أنَّهُ لَوْ ذَهَبَ أحَدٌ

صفحة 300

إلى المُشارَكَةِ بَيْنَ المُحْتَجِّ والمُحْتَجِّ عَلَيْهِ بِأنْ يَكُونَ مِن جانِبٍ احْتِجاجٌ، ومَن جانِبٍ آخَرَ سَماعٌ، لَكانَ لَهُ وجْهٌ كَما في بايَعْتُ زَيْدًا، وقَدْ تَقَدَّمَ ما يَنْفَعُكَ هُنا، فَتَذَكَّرْ، واللّامُ هَذِهِ لامُ كَيْ، والنَّصْبُ بِأنْ مُضْمَرَةٍ بَعْدَها، أوْ بِها، وهي مُفِيدَةٌ لِلتَّعْلِيلِ، ولَعَلَّهُ هُنا مَجازٌ، لِأنَّ المُحَدِّثِينَ لَمْ يَحُومُوا حَوْلَ ذَلِكَ الغَرَضِ، لَكِنَّ فِعْلَهم ذَلِكَ لَمّا كانَ مُسْتَتْبِعًا لَهُ البَتَّةَ جُعِلُوا كَأنَّهم فاعِلُونَ لَهُ إظْهارًا لِكَمالِ سَخافَةِ عُقُولِهِمْ، ورَكاكَةِ أرائِهِمْ، وضَمِيرُ (بِهِ) راجِعٌ إلى ﴿بِما فَتَحَ اللَّهُ﴾ عَلى ما يَقْتَضِيهِ الظّاهِرُ، ﴿عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ أيْ في كِتابِهِ وحُكْمِهِ، وهو عِنْدَ عِصابَةٍ بَدَلٌ مِن (بِهِ) ومَعْنى كَوْنِهِ بَدَلًا مِنهُ أنَّ عامِلَهُ الَّذِي هو نائِبٌ عَنْهُ بَدَلٌ مِنهُ، إمّا بَدَلُ الكُلِّ، إنْ قَدَّرَ صِيغَةَ اسْمِ الفاعِلِ، أوْ بَدَلُ اشْتِمالٍ إنْ قَدَّرَ مَصْدَرًا، وفائِدَتُهُ بَيانُ جِهَةِ الِاحْتِجاجِ بِما فَتَحَ اللَّهُ تَعالى، فَإنَّ الِاحْتِجاجَ بِهِ يُتَصَوَّرُ عَلى وُجُوهٍ شَتّى، كَأنَّهُ قِيلَ: لِيُحاجُّوكم بِهِ بِكَوْنِهِ في كِتابِهِ، أيْ يَقُولُوا: إنَّهُ مَذْكُورٌ في كِتابِهِ الَّذِي آمَنتُمْ بِهِ، وبِما ذُكِرَ يَظْهَرُ وجْهُ الجَمْعِ بَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى: (بِهِ) أيْ بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ وانْدَفَعَ ما قِيلَ، لا يَصِحُّ جَعْلُهُ بَدَلًا لِوُجُوبِ اتِّحادِ البَدَلِ والمُبْدَلِ مِنهُ في الإعْرابِ، وها هُنا لَيْسَ كَذَلِكَ لِكَوْنِ الثّانِي ظَرْفًا، والأوَّلِ مَفْعُولًا بِهِ بِالواسِطَةِ، وقِيلَ: المَعْنى: بِما عِنْدَ رَبِّكُمْ، فَيَكُونُ الظَّرْفُ حالًا مِن ضَمِيرِ (بِهِ)، وفائِدَتُهُ التَّصْرِيحُ بِكَوْنِ الِاحْتِجاجِ بِأمْرٍ ثابِتٍ عِنْدَهُ تَعالى، وإنْ كانَ مُسْتَفادًا مِن كَوْنِهِ بِما فَتَحَ اللَّهُ تَعالى، وقِيلَ: عِنْدَ ذِكْرِ رَبِّكُمْ، فالكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، والمُرادُ مِنَ الذِّكْرِ الكِتابُ، وجَعْلُ المُحاجَّةِ بِما فَتَحَ اللَّهُ تَعالى بِاعْتِبارِ أنَّهُ في الكِتابِ مُحاجَّةٌ عِنْدَهُ تَوَسُّعًا، وهَذِهِ الأقْوالَ مَبْنِيَّةٌ عَلى أنَّ المُرادَ بِالمُحاجَّةِ في الدُّنْيا، وهو ظاهِرٌ لِأنَّها دارُ المُحاجَّةِ، والتَّأْوِيلُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ وقِيلَ: عِنْدَ رَبِّكم عَلى ظاهِرِهِ، والمُحاجَّةُ يَوْمَ القِيامَةِ، واعْتُرِضَ بِأنَّ الإخْفاءَ لا يَدْفَعُ هَذِهِ المُحاجَّةَ لِأنَّهُ إمّا لِأجْلِ أنْ لا يَطَّلِعَ المُؤْمِنُونَ عَلى ما يَحْتَجُّونَ بِهِ، وهو حاصِلٌ لَهم بِالوَحْيِ، أوْ لِيَكُونَ لِلْمُحْتَجِّ عَلَيْهِمْ طَرِيقٌ إلى الإنْكارِ، وإذًا لا يُمْكِنُ عِنْدَهُ تَعالى يَوْمَ القِيامَةِ، ولا يُظَنُّ بِأهْلِ الكِتابِ أنَّهم يَعْتَقِدُونَ أنَّ إخْفاءً ما في الكِتابِ في الدُّنْيا يَدْفَعُ المُحاجَّةَ، بِكَوْنِهِ فِيهِ في العُقْبى، لِأنَّهُ اعْتِقادٌ مِنهم بِأنَّهُ تَعالى لا يَعْلَمُ ما أنْزَلَ في كِتابِهِ، وهم بُرَآءُ مِنهُ، والقَوْلُ بِأنَّ المُرادَ لِيُحاجُّوكم يَوْمَ القِيامَةِ، وعِنْدَ المَسائِلِ، فَيَكُونُ زائِدًا في ظُهُورِ فَضِيحَتِكُمْ، وتَوْبِيخِكُمْ، عَلى رُؤُوسِ الأشْهادِ في المَوْقِفِ العَظِيمِ، فَكانَ القَوْمُ يَعْتَقِدُونَ أنَّ ظُهُورَ ذَلِكَ في الدُّنْيا يَزِيدُ ذَلِكَ في الآخِرَةِ، لِلْفَرْقِ بَيْنَ مَنِ اعْتَرَفَ، وكَتَمَ، وبَيْنَ مَن ثَبَتَ عَلى الإنْكارِ، أوْ بِأنَّ المُحاجَّةَ بِأنَّكم بَلَّغْتُمْ وخالَفْتُمْ تَنْدَفِعُ بِالإخْفاءِ، يَرُدُّ عَلَيْهِ أنَّ الإخْفاءَ حِينَئِذٍ إنَّما يَدْفَعُ الِاحْتِجاجَ بِإقْرارِهِمْ، لا بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، عَلى أنَّ المَدْفُوعَ في الوَجْهِ الأوَّلِ زِيادَةُ التَّوْبِيخِ والفَضِيحَةِ، لا المُحاجَّةُ، وقِيلَ: (عِنْدَ رَبِّكُمْ) بِتَقْدِيرِ (مِن عِنْدِ رَبِّكُمْ) وهو مَعْمُولٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ وهو مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يُرْتَكَبَ في فَصِيحِ الكَلامِ، وجَوَّزَ الدّامِغانِيُّ أنْ يَكُونَ عِنْدَ لِلزُّلْفى، أيْ لِيُحاجُّوكم بِهِ مُتَقَرِّبِينَ إلى اللَّهِ تَعالى، وهو بَعِيدٌ أيْضًا، كَقَوْلِ بَعْضِ المُتَأخِّرِينَ: إنَّهُ يُمْكِنُ أنْ تُجْعَلَ المُحاجَّةُ بِهِ عِنْدَ الرَّبِّ عِبارَةً عَنِ المُباهَلَةِ في تَحَقُّقِ ما يُحَدِّثُونَهُ، وعَلَيْهِ تَكُونُ المُحاجَّةُ عَلى مُقْتَضى المُفاعَلَةِ، وعِنْدِي أنَّ رُجُوعَ ضَمِيرِ (بِهِ) (لِما فَتَحَ اللَّهُ) مِن حَيْثُ إنَّهُ مُحَدَّثٌ بِهِ، وجُعِلَ القَيْدُ هو المَقْصُودُ، أوْ لِلتَّحْدِيثِ المَفْهُومِ مِن (أتُحَدِّثُونَهُمْ)، وحَمْلُ ﴿عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ عَلى يَوْمِ القِيامَةِ، والتِزامُ أنَّ الإخْفاءَ يَدْفَعُ هَذا الِاحْتِجاجَ لَيْسَ بِالبَعِيدِ، إلّا أنَّ أحَدًا لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ، ولَعَلَّهُ أوْلى مِن بَعْضِ الوُجُوهِ، فَتَدَبَّرْ، ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ عَطْفٌ إمّا عَلى ﴿أتُحَدِّثُونَهُمْ﴾ والفاءُ لِإفادَةِ تَرَتُّبِ عَدَمِ عَقْلِهِمْ عَلى تَحْدِيثِهِمْ، وإمّا عَلى مُقَدَّرٍ، أيْ ألا تَتَأمَّلُونَ فَلا تَعْقِلُونَ، والجُمْلَةُ مُؤَكِّدَةٌ لِإنْكارِ التَّحْدِيثِ، وهو مِن تَمامِ

صفحة 301

كَلامِ اللّائِمِينَ، ومَفْعُولُهُ إمّا ما ذُكِرَ أوَّلًا، أوْ لا مَفْعُولَ لَهُ، وهو أبْلَغُ، وقِيلَ: هو خِطابٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِلْمُؤْمِنِينَ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَتَطْمَعُونَ﴾، والمَعْنى: أفَلا تَعْقِلُونَ حالَ هَؤُلاءِ اليَهُودِ، وأنْ لا مَطْمَعَ في إيمانِهِمْ، وهم عَلى هَذِهِ الصِّفاتِ الذَّمِيمَةِ، والأخْلاقِ القَبِيحَةِ، ويُبْعِدُهُ قَوْلُهُ تَعالى:

2:77Страница 12

أَوَلَا يَعۡلَمُونَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعۡلِنُونَ ٧٧

Неужели они не знают, что Аллаху ведомо все, что они скрывают и обнародуют?

﴿أوَلا يَعْلَمُونَ﴾ فَإنَّهُ تَجْهِيلٌ لَهم مِنهُ تَعالى فِيما حَكى عَنْهُمْ، فَيَكُونُ تَوْسِيطُ خِطابِ المُؤْمِنِينَ في أثْنائِهِ مِن قَبِيلِ الفَصْلِ بَيْنَ الشَّجَرَةِ ولِحائِها، عَلى أنَّ في تَخْصِيصِ الخِطابِ بِالمُؤْمِنِينَ تَعَسُّفًا ما، وفي تَعْمِيمِهِ لِلنَّبِيِّ ﷺ سُوءُ أدَبٍ كَما لا يَخْفى، والِاسْتِفْهامُ فِيهِ لِلْإنْكارِ مَعَ التَّقْرِيعِ، لِأنَّ أهْلَ الكِتابِ كانُوا عالِمِينَ بِإحاطَةِ عِلْمِهِ تَعالى، والمَقْصُودُ بَيانُ شَناعَةِ فِعْلِهِمْ بِأنَّهم يَفْعَلُونَ ما ذُكِرَ مَعَ عِلْمِهِمْ.

﴿أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ﴾ وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ الآتِيَ بِالمَعْصِيَةِ مَعَ العِلْمِ بِكَوْنِها مَعْصِيَةً أعْظَمُ وِزْرًا، والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَنْساقُ إلَيْهِ الذِّهْنُ، والضَّمِيرُ لِلْمُوَبَّخِينَ، أيْ أيَلُومُونَهم عَلى التَّحْدِيثِ المَذْكُورِ مَخافَةَ المُحاجَّةِ، ولا يَعْلَمُونَ ما ذُكِرَ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْمُنافِقِينَ فَقَطْ، أوْ لَهم ولِلْمُوَبَّخِينَ، أوْ لِآبائِهِمُ المُحَرِّفِينَ، والظّاهِرُ حَمْلُ ما في المَوْضِعَيْنِ عَلى العُمُومِ، ويَدْخُلُ فِيهِ الكُفْرُ الَّذِي أسَرُّوهُ، والإيمانُ الَّذِي أعْلَنُوهُ، واقْتَصَرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ عَلَيْهِما، وقِيلَ: العَداوَةُ والصَّداقَةُ، وقِيلَ: صِفَتُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، الَّتِي في التَّوْراةِ المُنَزَّلَةِ، والصِّفَةُ الَّتِي أظْهَرُوها افْتِراءً عَلى اللَّهِ تَعالى، وقَدَّمَ سُبْحانَهُ الإسْرارَ عَلى الإعْلانِ، إمّا لِأنَّ مَرْتَبَةَ السِّرِّ مُتَقَدِّمَةٌ عَلى مَرْتَبَةِ العَلَنِ، إذْ ما مِن شَيْءٍ يُعْلَنُ إلّا وهو أوْ مَبادِيهِ قَبْلَ ذَلِكَ مُضْمَرٌ في القَلْبِ، يَتَعَلَّقُ بِهِ الإسْرارُ غالِبًا، فَتَعَلُّقُ عِلْمِهِ تَعالى بِحالَتِهِ الأُولى مُتَقَدِّمٌ عَلى تَعَلُّقِهِ بِحالَتِهِ الثّانِيَةِ، وإمّا لِلْإيذانِ بِافْتِضاحِهِمْ، ووُقُوعِ ما يَحْذَرُونَهُ مِن أوَّلِ الأمْرِ، وإمّا لِلْمُبالَغَةِ في بَيانِ شُمُولِ عِلْمِهِ المُحِيطِ بِجَمِيعِ الأشْياءِ، كانَ عِلْمُهُ بِما يُسِرُّونَ أقْدَمَ مِنهُ بِما يُعْلِنُونَهُ مَعَ كَوْنِهِما في الحَقِيقَةِ عَلى السَّوِيَّةِ، فَإنَّ عِلْمَهُ تَعالى لَيْسَ بِطَرِيقِ حُصُولِ الصُّورَةِ، بَلْ وُجُودُ كُلِّ شَيْءٍ في نَفْسِهِ عِلْمٌ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ تَعالى، وفي هَذا المَعْنى لا يَخْتَلِفُ الحالُ بَيْنَ الأشْياءِ البارِزَةِ، ولا الكامِنَةِ، وعَكْسُ الأمْرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ تُبْدُوا ما في أنْفُسِكم أوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكم بِهِ اللَّهُ﴾ لِأنَّ الأصْلَ فِيما تَتَعَلَّقُ المُحاسَبَةُ بِهِ هو الأُمُورُ البادِيَةُ دُونَ الخافِيَةِ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ (أوَ لا تَعْلَمُونَ)، بِالتّاءِ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ خِطابًا لِلْمُؤْمِنِينَ، أوْ خِطابًا لَهُمْ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أعْرَضَ عَنْ خِطابِهِمْ، وأعادَ الضَّمِيرَ إلى الغَيْبَةِ إهْمالًا لَهُمْ، ويَكُونُ ذَلِكَ مِن بابِ الِالتِفاتِ.

2:78Страница 12

وَمِنۡهُمۡ أُمِّيُّونَ لَا يَعۡلَمُونَ ٱلۡكِتَٰبَ إِلَّآ أَمَانِيَّ وَإِنۡ هُمۡ إِلَّا يَظُنُّونَ ٧٨

Среди них есть неграмотные люди, которые не знают Писания, а лишь верят пустым мечтам и делают предположения.

﴿ومِنهم أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الكِتابَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِبَيانِ قَبائِحِ جَهَلَةِ اليَهُودِ، إثْرَ بَيانِ شَنائِعِ الطَّوائِفِ السّالِفَةِ، وقِيلَ: عَطْفٌ عَلى ﴿وقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنهُمْ﴾ وعَلَيْهِ الجَمْعُ، وقِيلَ: عَلى ﴿وإذا لَقُوا﴾ واخْتارَ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ أنَّهُ وهَذا الَّذِي عُطِفَ عَلَيْهِ اعْتِراضٌ وقَعَ في البَيْنِ لِبَيانِ أصْنافِ اليَهُودِ اسْتِطْرادًا لِأُولَئِكَ المُحَرِّفِينَ، والأُمِّيُّونَ جَمْعُ أُمِّيٍّ، وهو كَما في المُغْرِبِ: مَن لا يَكْتُبُ ولا يَقْرَأُ، مَنسُوبٌ إلى أُمَّةِ العَرَبِ الَّذِينَ كانُوا لا يَكْتُبُونَ، ولا يَقْرَؤُونَ، أوْ إلى الأُمِّ، بِمَعْنى أنَّهُ كَما ولَدَتْهُ أُمُّهُ، أوْ إلى أُمِّ القُرى، لِأنَّ أهْلَها لا يَكْتُبُونَ غالِبًا، والمُرادُ أنَّهم جَهَلَةٌ، والكِتابُ التَّوْراةُ كَما يَقْتَضِيهِ سِباقُ النَّظْمِ، وسِياقُهُ، فاللّامُ فِيهِ إمّا لِلْعَهْدِ، أوْ أنَّهُ مِنَ الأعْلامِ الغالِبَةِ، وجَعْلُهُ مَصْدَرَ كَتَبَ كِتابًا، واللّامُ لِلْجِنْسِ بَعِيدٌ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ (أُمِيُّونَ) بِالتَّخْفِيفِ، ﴿إلا أمانِيَّ﴾ جَمْعُ أُمْنِيَّةٍ، وأصْلُها أُمْنُونَةٌ أُفْعُولَةٌ، وهو في الأصْلِ ما يُقَدِّرُهُ الإنْسانُ في نَفْسِهِ مِن مُنى، إذا قَدَّرَ، ولِذَلِكَ تُطْلَقُ عَلى الكَذِبِ وعَلى ما يُتَمَنّى، وما يُقْرَأُ، والمَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم أنَّ الأمانِيَّ هُنا الأكاذِيبُ، إلّا أكاذِيبَ أخَذُوها تَقْلِيدًا مِن شَياطِينِهِمُ المُحَرِّفِينَ، وقِيلَ: إلّا ما هم عَلَيْهِ مِن أمانِيِّهِمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَعْفُو عَنْهُمْ، ويَرْحَمُهُمْ، ولا يُؤاخِذُهم بِخَطاياهم

صفحة 302

وأنَّ آبائَهُمُ الأنْبِياءَ يَشْفَعُونَ لَهُمْ، وقِيلَ: إلّا مَواعِيدَ مُجَرَّدَةً سَمِعُوها مِن أحْبارِهِمْ، مِن أنَّ الجَنَّةَ لا يَدْخُلُها إلّا مَن كانَ هُودًا، وأنَّ النّارَ لا تَمَسُّهم إلّا أيّامًا مَعْدُودَةً، واخْتارَهُ أبُو مُسْلِمٍ، والِاسْتِثْناءُ عَلى ذَلِكَ مُنْقَطِعٌ، لِأنَّ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الأباطِيلِ أوْ سَمِعُوهُ مِنَ الأكاذِيبِ لَيْسَ مِنَ الكِتابِ، وقِيلَ: إلّا ما يَقْرَؤُونَ قِراءَةً عادِيَّةً عَنْ مَعْرِفَةِ المَعْنى، وتَدَبُّرِهِ، فالِاسْتِثْناءُ حِينَئِذٍ مُتَّصِلٌ بِحَسَبِ الظّاهِرِ، وقِيلَ: مُنْقَطِعٌ أيْضًا، إذْ لَيْسَ ما يُتْلى مِن جِنْسِ عِلْمِ الكِتابِ، واعْتُرِضَ هَذا الوَجْهُ بِأنَّهُ لا يُناسِبُ تَفْسِيرَ الآتِي بِما في المُغْرِبِ، وأُجِيبَ بِأنَّ مَعْناهُ أنَّهُ لا يَقْرَأُ مِنَ الكِتابِ ولا يَعْلَمُ الخَطَّ، وإمّا عَلى سَبِيلِ الأخْذِ مِنَ الغَيْرِ، فَكَثِيرًا ما يَقْرَؤُونَ مِن غَيْرِ عِلْمٍ بِالمَعانِي، ولا بِصُوَرِ الحُرُوفِ، وفِيهِ تَكَلُّفٌ، إذْ لا يُقالُ لِلْحافِظِ الأعْمى: إنَّهُ أُمِّيٌّ، نَعَمْ إذا فُسِّرَ الأُمِّيُّ بِمَن لا يُحْسِنُ الكِتابَةَ والقِراءَةَ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ جَمْعٌ لا يُنافِي أنْ يَكْتُبَ، ويَقْرَأ في الجُمْلَةِ، واسْتُدِلَّ عَلى ذَلِكَ بِما رَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَوْمَ صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ أخَذَ الكِتابَ، ولَيْسَ يُحْسِنُ الكَتْبَ، فَكَتَبَ هَذا ما قاضى عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ» إلَخْ، ومَن فَسَّرَ الأُمِّيَّ بِما تَقَدَّمَ أوَّلَ الحَدِيثِ بِأنْ كَتَبَ فِيهِ بِمَعْنى أمَرَ بِالكِتابَةِ، وأطالَ بَعْضُ شُرّاحِ الحَدِيثِ الكَلامَ في هَذا المَقامِ، ولَيْسَ هَذا مَحَلَّهُ.

وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، والأعْرَجُ، وابْنُ جَمّازٍ، عَنْ نافِعٍ، وهارُونَ، عَنْ أبِي عَمْرٍو (أمانِيَ) بِالتَّخْفِيفِ، ﴿وإنْ هم إلا يَظُنُّونَ﴾ الِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ، والمُسْتَثْنى مَحْذُوفٌ أُقِيمَتْ صِفَتُهُ مَقامَهُ، أيْ ما هم إلّا قَوْمٌ قُصارى أمْرِهِمُ الظَّنُّ مِن غَيْرِ أنْ يَصِلُوا إلى مَرْتَبَةِ العِلْمِ، فَأنّى يُرْجى مِنهُمُ الإيمانُ المُؤَسَّسُ عَلى قَواعِدِ اليَقِينِ، وقَدْ يُطْلَقُ الظَّنُّ عَلى ما يُقابِلُ العِلْمَ اليَقِينِيَّ عَنْ دَلِيلٍ قاطِعٍ سَواءٌ قُطِعَ بِغَيْرِ دَلِيلٍ، أوْ بِدَلِيلٍ غَيْرِ صَحِيحٍ، أوْ لَمْ يُقْطَعْ، فَلا يُنافِي نِسْبَةَ الظَّنِّ إلَيْهِمْ، إنْ كانُوا جازِمِينَ.

2:79Страница 12

فَوَيۡلٞ لِّلَّذِينَ يَكۡتُبُونَ ٱلۡكِتَٰبَ بِأَيۡدِيهِمۡ ثُمَّ يَقُولُونَ هَٰذَا مِنۡ عِندِ ٱللَّهِ لِيَشۡتَرُواْ بِهِۦ ثَمَنٗا قَلِيلٗاۖ فَوَيۡلٞ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتۡ أَيۡدِيهِمۡ وَوَيۡلٞ لَّهُم مِّمَّا يَكۡسِبُونَ ٧٩

Горе тем, которые пишут Писание собственными руками, а затем говорят: «Это - от Аллаха», - чтобы купить за это ничтожную цену. Горе им за то, что написали их руки! Горе им за то, что они приобретают!

﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتابَ بِأيْدِيهِمْ﴾ الوَيْلُ مَصْدَرٌ لا فِعْلَ لَهُ مِن لَفْظِهِ، وما ذُكِرَ مِن قَوْلِهِمْ: والَ مَصْنُوعٌ كَما في البَحْرِ، ومِثْلُهُ ويْحٌ، ووَيْبٌ، ووَيْسٌ، ووَيْهٌ، وعَوْلٌ، ولا يُثَنّى ولا يُجْمَعُ، ويُقالُ: ويْلَةٌ ويُجْمَعُ عَلى ويْلاتٍ، وإذا أُضِيفَ فالأحْسَنُ فِيهِ النَّصْبُ، ولا يَجُوزُ غَيْرُهُ عِنْدَ بَعْضٍ، وإذا أفْرَدْتَهُ اخْتِيرَ الرَّفْعُ، ومَعْناهُ الفَضِيحَةُ والحَسْرَةُ، وقالَ الخَلِيلُ: شِدَّةُ الشَّرِّ، وابْنُ المُفَضَّلِ: الحُزْنُ، وغَيْرُهُما: الهَلَكَةُ، وقالَ الأصْمَعِيُّ: هي كَلِمَةُ تَفَجُّعٍ، وقَدْ تَكُونُ تَرَحُّمًا، ومِنهُ: «(ويْلُ أُمِّهِ، مِسْعَرَ حَرْبٍ)،» ووَرَدَ مِن طُرُقٍ صَحَّحَها الحُفّاظُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهُ قالَ: «(الوَيْلُ وادٍ في جَهَنَّمَ يَهْوِي بِهِ الكافِرُ أرْبَعِينَ خَرِيفًا، قَبْلَ أنْ يَبْلُغَ قَعْرَهُ)،» وفي بَعْضِ الرِّواياتِ: «(إنَّهُ جَبَلٌ فِيها)،» وإطْلاقُهُ عَلى ذَلِكَ إمّا حَقِيقَةٌ شَرْعِيَّةٌ، وإمّا مَجازٌ لُغَوِيٌّ، مِن إطْلاقِ لَفْظِ الحالِّ عَلى المَحَلِّ، ولا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ حَقِيقَةً لُغَوِيَّةً، لِأنَّ العَرَبَ تَكَلَّمَتْ بِهِ في نَظْمِها ونَثْرِها قَبْلَ أنْ يَجِيءَ القُرْآنُ، ولَمْ تُطْلِقْهُ عَلى ذَلِكَ، وعَلى كُلِّ حالٍ هو هُنا مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ (لِلَّذِينَ)، فَإنْ كانَ عِلْمًا لِما في الخَبَرِ، فَظاهِرٌ، وإلّا فالَّذِي سَوَّغَ الِابْتِداءَ بِهِ كَوْنُهُ دُعاءً، وقَدْ حُوِّلَ عَنِ المَصْدَرِ المَنصُوبِ لِلدِّلالَةِ عَلى الدَّوامِ والثَّباتِ، ومِثْلُهُ يَجُوزُ فِيهِ ذَلِكَ، لِأنَّهُ غَيْرُ مُخْبَرٍ عَنْهُ، وقِيلَ: لِتَخَصُّصِ النَّكِرَةِ فِيهِ بِالدّاعِي كَما تَخَصَّصَ سَلامٌ في (سَلامٌ عَلَيْكَ) بِالمُسَلِّمِ، فَإنَّ المَعْنى: سَلامِي عَلَيْكَ، وكَذَلِكَ المَعْنى ها هُنا: دُعائِي عَلَيْهِمْ بِالهَلاكِ ثابِتٌ لَهُمْ، والكِتابَةُ مَعْرُوفَةٌ، وذَكَرَ الأيْدِيَ تَأْكِيدًا لِدَفْعِ تَوَهُّمِ المَجازِ، ويُقالُ: أوَّلُ مَن كَتَبَ بِالقَلَمِ إدْرِيسُ، وقِيلَ: آدَمُ عَلَيْهِما السَّلامُ، والمُرادُ بِالكِتابِ المُحَرَّفُ، وقَدْ رُوِيَ أنَّهم كَتَبُوا في التَّوْراةِ ما يَدُلُّ عَلى خِلافِ صُورَةِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وبَثُّوها في سُفَهائِهِمْ، وفي العَرَبِ، وأخْفَوْا تِلْكَ النُّسَخَ الَّتِي كانَتْ عِنْدَهم بِغَيْرِ تَبْدِيلٍ، وصارُوا إذا سُئِلُوا عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُونَ: ما هَذا هو المَوْصُوفُ عِنْدَنا في التَّوْراةِ، ويُخْرِجُونَ التَّوْراةَ المُبْدَّلَةَ، ويَقْرَؤُونَها، ويَقُولُونَ: هَذِهِ التَّوْراةُ الَّتِي أُنْزِلَتْ مِن عِنْدِ اللَّهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ

صفحة 303

المُرادُ بِهِ ما كَتَبُوهُ مِنَ التَّأْوِيلاتِ الزّائِغَةِ، ورَوَّجُوهُ عَلى العامَّةِ، وقَدْ قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: ما انْفَكَّ كِتابٌ مُنَزَّلٌ مِنَ السَّماءِ مِن تَضَمُّنِ ذِكْرِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ولَكِنْ بِإشارَةٍ لا يَعْرِفُها إلّا العالِمُونَ، ولَوْ كانَ مُتَجَلِّيًا لِلْعَوامِّ لَما عُوتِبَ عُلَماؤُهم في كِتْمانِهِ، ثُمَّ ازْدادَ ذَلِكَ غُمُوضًا بِنَقْلِهِ مِن لِسانٍ إلى لِسانٍ، وقَدْ وُجِدَ في التَّوْراةِ ألْفاظٌ إذا اعْتَبَرْتَها وجَدْتَها دالَّةً عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِتَعْرِيضٍ هو عِنْدَ الرّاسِخِينَ جَلِيٌّ، وعِنْدَ العامَّةِ خَفِيٌّ، فَعَمِدَ إلى ذَلِكَ أحْبارٌ مِنَ اليَهُودِ، فَأوَّلُوهُ، وكَتَبُوا تَأْوِيلاتِهِمُ المُحَرَّفَةَ بِأيْدِيهِمْ، ثُمَّ يَقُولُونَ: هَذا مِن عِنْدِ اللَّهِ، إعْظامًا لِشَأْنِهِ، وتَمْكِينًا لَهُ في قُلُوبِ أتْباعِهِمُ الأُمِّيِّينَ، (وثُمَّ) لِلتَّراخِي الرُّتَبِيِّ، فَإنَّ نِسْبَةَ المُحَرَّفِ والتَّأْوِيلِ الزّائِغِ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ صَرِيحًا أشَدُّ شَناعَةً مِن نَفْسِ التَّحْرِيفِ والتَّأْوِيلِ، والإشارَةُ إمّا إلى الجَمِيعِ، أوْ إلى الخُصُوصِ.

﴿لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ أيْ لِيُحَصِّلُوا بِما أشارُوا إلَيْهِ غَرَضًا مِن أغْراضِ الدُّنْيا الدَّنِيئَةِ، وهو وإنْ جَلَّ أقَلُّ قَلِيلٍ بِالنِّسْبَةِ إلى ما اسْتَوْجَبُوهُ مِنَ العَذابِ الدّائِمِ، وحُرِمُوهُ مِنَ الثَّوابِ المُقِيمِ، وهو عِلَّةٌ لِلْقَوْلِ كَما في البَحْرِ، ولا أرى في الآيَةِ دَلِيلًا عَلى المَنعِ مِن أخْذِ الأُجْرَةِ عَلى كِتابَةِ المَصاحِفِ، ولا عَلى كَراهِيَةِ بَيْعِها، والأعْمَشُ تَأوَّلَ الآيَةَ واسْتَدَلَّ بِها عَلى الكَراهَةِ، وطَرْفُ المُنْصِفِ أعْمى عَنْ ذَلِكَ، نَعَمْ ذَهَبَ إلى الكَراهَةِ جَمْعٌ مِنهُمُ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وبِهِ قالَ بَعْضُ الأئِمَّةِ، لَكِنْ لا أظُنُّهم يَسْتَدِلُّونَ بِهَذِهِ الآيَةِ، وتَمامُ البَحْثِ في مَحَلِّهِ.

﴿فَوَيْلٌ لَهم مِمّا كَتَبَتْ أيْدِيهِمْ ووَيْلٌ لَهم مِمّا يَكْسِبُونَ﴾ الفاءُ لِتَفْصِيلِ ما أُجْمِلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ﴾ إلَخْ، حَيْثُ يَدُلُّ عَلى ثُبُوتِ الوَيْلِ لِلْمَوْصُوفِينَ بِما ذُكِرَ لِأجْلِ اتِّصافِهِمْ بِهِ، بِناءً عَلى التَّعْلِيقِ بِالوَصْفِ مِن غَيْرِ دِلالَةٍ عَلى أنَّ ثُبُوتَهُ لِأجْلِ مَجْمُوعِ ما ذُكِرَ أوَّلًا، بَلْ كَلِّ واحِدٍ، فَبَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ويْلٌ لَهم إلَخْ، مَعَ ما فِيهِ مِنَ التَّنْصِيصِ بِالعِلَّةِ، ولا يَخْفى ما في هَذا الِإجْمالِ والتَّفْصِيلِ مِنَ المُبالَغَةِ في الوَعِيدِ والزَّجْرِ والتَّهْوِيلِ.

(ومِن) تَعْلِيلِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ(ويْلٌ)، أوْ بِالِاسْتِقْرارِ في الخَبَرِ، (وما) قِيلَ: مَوْصُولَةٌ اسْمِيَّةٌ، والعائِدُ مَحْذُوفٌ، أيْ كَتَبَتْهُ، وقِيلَ: مَصْدَرِيَّةٌ، الأوَّلُ أدْخَلُ في الزَّجْرِ عَنْ تَعاطِي المُحَرَّفِ، والثّانِي في الزَّجْرِ عَنِ التَّحْرِيفِ، (وما) الثّانِيَةُ مِثْلُها، ورَجَّحَ بَعْضُهُمُ المَصْدَرِيَّةَ في المَوْضِعَيْنِ لَفْظًا ومَعْنًى لِعَدَمِ تَقْدِيرِ العائِدِ، ولِأنَّ مَكْسُوبَ العَبْدِ حَقِيقَةً فِعْلُهُ الَّذِي يُعاقَبُ عَلَيْهِ ويُثابُ، وذَكَرَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ التَّحْقِيقَ أنَّ العَبْدَ كَما يُعاقَبُ عَلى نَفْسِ فِعْلِهِ يُعاقَبُ عَلى أثَرِ فِعْلِهِ، لِإفْضائِهِ إلى حَرامٍ آخَرَ، وهو هُنا يُفْضِي إلى إضْلالِ الغَيْرِ، وأكْلِ الحَرامِ، وغايَرَ بَيْنَ الآيَتَيْنِ بِأنَّهُ بَيَّنَ في الأُولى اسْتِحْقاقَهُمُ العِقابَ بِنَفْسِ الفِعْلِ، وفي الثّانِيَةِ اسْتِحْقاقَهم لَهُ بِأثَرِهِ، ولِذا جاءَ بِالفاءِ، ولا يَخْفى أنَّهُ كَلامٌ خالٍ عَنِ التَّحْقِيقِ، كَما لا يَخْفى عَلى أرْبابِ التَّدْقِيقِ، ومِمّا ذَكَرْنا ظَهَرَ فائِدَةُ ذِكْرِ الوَيْلِ ثَلاثَ مَرّاتٍ، وقِيلَ: فائِدَتُهُ أنَّ اليَهُودَ جَنَوْا ثَلاثَ جِناياتٍ: تَغْيِيرَ صِفَةِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، والِافْتِراءَ عَلى اللَّهِ تَعالى، وأخْذَ الرِّشْوَةَ، فَهُدِّدُوا بِكُلِّ جِنايَةٍ بِالوَيْلِ، وكَأنَّهُ جَعَلَ الفائِدَةَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ﴾ إلى آخِرِ المَعْطُوفِ كَما في خَبَرِ «(لا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ قَوْمًا فَيَخُصَّ نَفْسَهُ بِالدُّعاءِ)» وهو عَلى بُعْدِهِ لا يَظْهَرُ عَلَيْهِ وجْهُ إيرادِ الفاءِ في الثّانِي، ثُمَّ الظّاهِرُ أنَّ مَفْعُولَ الكَسْبِ خاصٌّ، وهو ما دَلَّ عَلَيْهِ سِياقُ الآيَةِ، وقِيلَ: المُرادُ بِـ(ما يَكْسِبُونَ) جَمِيعُ الأعْمالِ السَّيِّئَةِ، لِيَشْمَلَ القَوْلَ، ولا يَخْفى بُعْدُهُ، وعَدَمَ التَّعَرُّضِ لِلْقَوْلِ لِما أنَّهُ مِن مَبادِي تَرْوِيجِ ”ما كَتَبَتْ أيْدِيهمْ“ والآيَةُ نَزَلَتْ في أحْبارِ اليَهُودِ الَّذِينَ خافُوا أنْ تَذْهَبَ رِياسَتُهم بِإبْقاءِ صِفَةِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى حالِها، فَغَيَّرُوها، وقِيلَ: خافَ مُلُوكُهم عَلى مَلِكِهِمْ، إذا آمَنَ النّاسُ، فَرَشَوْهم فَحَرَّفُوا

صفحة 304

والقَوْلُ بِأنَّها نَزَلَتْ في الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا بِنَبِيٍّ، ولَمْ يَتَّبِعُوا كِتابًا، بَلْ كَتَبُوا بِأيْدِيهِمْ كِتابًا، وحَلَّلُوا فِيهِ ما اخْتارُوا، وحَرَّمُوا ما اخْتارُوا، وقالُوا: هَذا مِن عِنْدِ اللَّهِ، غَيْرُ مَرْضِيٍّ، كالقَوْلِ بِأنَّها نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْحٍ، كاتِبِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، كانَ يُغَيِّرُ القُرْآنَ، فارْتَدَّ،

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English