Аль-Алуси · Тафсир · на арабском
Аль-Бакара 2:87–89
2:87Страница 13
وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ وَقَفَّيۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِۦ بِٱلرُّسُلِۖ وَءَاتَيۡنَا عِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ ٱلۡبَيِّنَٰتِ وَأَيَّدۡنَٰهُ بِرُوحِ ٱلۡقُدُسِۗ أَفَكُلَّمَا جَآءَكُمۡ رَسُولُۢ بِمَا لَا تَهۡوَىٰٓ أَنفُسُكُمُ ٱسۡتَكۡبَرۡتُمۡ فَفَرِيقٗا كَذَّبۡتُمۡ وَفَرِيقٗا تَقۡتُلُونَ ٨٧
Мы даровали Мусе (Моисею) Писание и отправили вслед за ним череду посланников. Мы даровали Исе (Иисусу), сыну Марьям (Марии), ясные знамения и укрепили его Святым Духом (Джибрилем). Неужели каждый раз, когда посланник приносил вам то, что было вам не по душе, вы проявляли высокомерие, нарекали лжецами одних и убивали других?
﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ بَعْضٍ آخَرَ مِن جِناياتِهِمْ، وتَصْدِيرُهُ بِالجُمْلَةِ القَسَمِيَّةِ لِإظْهارِ كَمالِ الِاعْتِناءِ بِهِ، والإيتاءُ الإعْطاءُ، والكِتابُ التَّوْراةُ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، وهو مَفْعُولٌ ثانٍ (لِآتَيْنا)، وعِنْدَ السُّهَيْلِيِّ مَفْعُولٌ أوَّلُ، والمُرادُ بِإتْيانِها لَهُ إنْزالُها عَلَيْهِ، وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ التَّوْراةَ نَزَلَتْ جُمْلَةً واحِدَةً، فَأمَرَ اللَّهُ تَعالى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِحَمْلِها، فَلَمْ يُطِقْ، فَبَعَثَ بِكُلِّ حَرْفٍ مِنها مَلَكًا، فَلَمْ يُطِيقُوا حَمْلَها، فَخَفَّفَها اللَّهُ تَعالى لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَحَمَلَها، وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ﴿آتَيْنا﴾ إلَخْ، أفْهَمْناهُ ما انْطَوى عَلَيْهِ مِنَ الحُدُودِ والأحْكامِ والأنْباءِ والقِصَصِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا فِيهِ، والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ عِلْمَ الكِتابِ، أوْ فَهْمَهُ، ولَيْسَ بِالظّاهِرِ، ﴿وقَفَّيْنا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ﴾ يُقالُ: قَفاهُ إذا اتَّبَعَهُ، وقَفّاهُ بِهِ إذا أتْبَعَهُ إيّاهُ، مِنَ القَفا، وأصْلُ هَذِهِ الياءِ واوٌ لِأنَّها مَتى وقَعَتْ رابِعَةً أُبْدِلَتْ كَما تَقُولُ: عَرِيتُ مِنَ العَرْوِ، أيْ أرْسَلْناهم عَلى أثَرِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ أرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرى﴾ وكانُوا إلى زَمَنِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ أرْبَعَةَ آلافٍ، وقِيلَ: سَبْعِينَ ألْفًا، وكُلُّهم عَلى شَرِيعَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، مِنهم يُوشَعُ، وشَمْوِيلُ وشَمْعُونُ وداوُدُ، وسُلَيْمانُ واشْعِياءُ، وأرْمِياءُ، وعُزَيْرٌ، وحِزْقِيلُ، وإلْياسُ، واليَسَعُ، ويُونُسُ، وزَكَرِيّا، ويَحْيى وغَيْرُهم عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقَرَأ الحَسَنُ ويَحْيى بْنُ يَعْمَرَ (بِالرُّسْلِ) بِتَسْكِينِ السِّينِ، وهو لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ، والتَّحْرِيكُ لُغَةُ تَمِيمٍ، ﴿وآتَيْنا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ البَيِّناتِ﴾ أيِ الحُجَجَ الواضِحَةَ الدّالَّةَ عَلى نُبُوَّتِهِ، فَتَشْمَلُ كُلَّ مُعْجِزَةٍ أُوتِيَها عَلَيْهِ السَّلامُ، وهو الظّاهِرُ، وقِيلَ: الإنْجِيلُ، وعِيسى أصْلُهُ بِالعِبْرانِيَّةِ إيشُوعُ بِهَمْزَةٍ مُمالَةٍ بَيْنَ بَيْنَ أوْ مَكْسُورَةٍ، ومَعْناهُ السَّيِّدُ، وقِيلَ: المُبارَكُ، فَعُرِّبَ، والنِّسْبَةُ إلَيْهِ عِيسِيٌّ وعِيسَوِيٌّ، وجَمْعُهُ عِيسَوْنَ، بِفَتْحِ السِّينِ، وقَدْ تُضَمُّ، وأفْرَدَهُ عَنِ الرُّسُلِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِتَمَيُّزِهِ عَنْهم لِكَوْنِهِ مِن أُولِي العَزْمِ وصاحِبَ كِتابٍ، وقِيلَ: لِأنَّهُ لَيْسَ مُتَّبِعًا لِشَرِيعَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، حَيْثُ نَسَخَ كَثِيرًا مِن شَرِيعَتِهِ، وأضافَهُ إلى أُمِّهِ رَدًّا عَلى اليَهُودِ، إذْ زَعَمُوا أنَّ لَهُ أبًا، ومَرْيَمُ بِالعِبْرِيَّةِ الخادِمُ، وسُمِّيَتْ أُمُّ عِيسى بِهِ، لِأنَّ أُمَّها نَذَرَتْها لِخِدْمَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ، وقِيلَ: العابِدَةُ، وبِالعَرَبِيَّةِ مِنَ النِّساءِ مَن تُحِبُّ مُحادَثَةَ الرِّجالِ، فَهي كالزِّيرِ مِنَ الرِّجالِ، وهو الَّذِي يُحِبُّ مُحادَثَةَ النِّساءِ، وقِيلَ: ولا يُناسِبُ مَرْيَمَ أنْ يَكُونَ عَرَبِيًّا، لِأنَّها كانَتْ بَرِيَّةً عَنْ مَحَبَّةِ مُحادَثَةِ الرِّجالِ، اللَّهُمَّ إلّا أنْ يُقالَ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ تَمْلِيحًا، كَما يُسَمّى الأسْوَدُ كافُورًا، وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: لا مانِعَ مِن تَسْمِيَتِها بِذَلِكَ بِناءً عَلى أنَّ شَأْنَ مَن تَخْدُمُ مِنَ النِّساءِ ذَلِكَ، وفي القامُوسِ: هي الَّتِي تُحِبُّ مُحادَثَةَ الرِّجالِ، ولا تَفْجُرُ، وعَلَيْهِ لا بَأْسَ بِالتَّسْمِيَةِ، كَما ذَكَرَهُ المَوْلى عِصامٌ، والأوْلى عِنْدِي أنَّ التَّسْمِيَةَ وقَعَتْ بِالعِبْرِيِّ، لا بِالعَرَبِيِّ، بَلْ يَكادُ يَتَعَيَّنُ ذَلِكَ كَما لا يَخْفى عَلى المُنْصِفِ، وعَنِ الأزْهَرِيِّ: المَرْيَمُ المَرْأةُ الَّتِي لا تُحِبُّ مُجالَسَةَ الرِّجالِ، وكَأنَّهُ قِيلَ لَها ذَلِكَ تَشْبِيهًا لَها بِمَرْيَمَ البَتُولِ، ووَزْنُهُ عَرَبِيًّا مَفْعَلٌ، لا فَعِيلًا،
صفحة 317
لِأنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ في الأبْنِيَةِ عَلى المَشْهُورِ، وأثْبَتَهُ الصّاغانِيُّ في الذَّيْلِ، وقالَ: إنَّهُ مِمّا فاتَ سِيبَوَيْهِ، ومِنهُ عَثْيَرٌ لِلْغُبارِ وضَهْيَدٌ بِالمُهْمَلَةِ والمُعْجَمَةِ لِلصُّلْبِ، واسْمُ مَوْضِعٍ، ومَدْيَنُ عَلى القَوْلِ بِأصالَةِ مِيمِهِ، وضَهْيا بِالقَصْرِ، وهي المَرْأةُ الَّتِي لا تَحِيضُ، أوْ لا ثَدْيَ لَها مِنَ المُضاهاةِ، كَأنَّها أُطْلِقَ عَلَيْها ذَلِكَ لِمُشابَهَتِها الرَّجُلَ، وابْنُ جِنِّي يَقُولُ: إنَّ (ضَهْيَدَ) (وعَثْيَرَ) مَصْنُوعانِ، فَلا دِلالَةَ فِيهِما عَلى إثْباتِ فَعْيَلٍ، وذَكَرَ السّالِيكُوتِيُّ أنَّ (عِثْيَرَ) بِمَعْنى الغُبارِ بِكَسْرِ العَيْنِ، وإذا كانَ مَفْعَلًا فَهو أيْضًا عَلى خِلافِ القِياسِ، إذِ القِياسُ إعْلالُهُ بِنَقْلِ حَرَكَةِ الياءِ إلى الرّاءِ وقَلْبِها ألِفًا، نَحْوَ مُباعٍ، لَكِنَّهُ شَذَّ كَما شَذَّ مَدْيَنُ ومَزْيَدُ، وإذا كانَ مِن رامَ يَرِيمُ إذا فارَقَ وبَرِحَ فالقِياسُ كَسْرُ يائِهِ أيْضًا، ﴿وأيَّدْناهُ بِرُوحِ القُدُسِ﴾ أيْ قَوَّيْناهُ بِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وإطْلاقُ رُوحِ القُدُسِ عَلَيْهِ شائِعٌ، فَقَدْ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ القُدُسِ﴾ «وقالَ ﷺ لِحَسّانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ (اهْجُهم ورُوحُ القُدُسِ مَعَكَ)،» ومَرَّةً قالَ لَهُ: «(وجِبْرِيلُ مَعَكَ)،» وقالَ حَسّانُ:
وجِبْرِيلُ ورُوحُ القُدُسِ فِينا ورُوحُ القُدُسِ لَيْسَ لَهُ كِفاءُ
والقُدُسُ الطَّهارَةُ والبَرَكَةُ، أوِ التَّقْدِيسُ، ومَعْناهُ التَّطْهِيرُ، والإضافَةُ مِن إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى الصِّفَةِ لِلْمُبالَغَةِ في الِاخْتِصاصِ، وهي مَعْنَوِيَّةٌ بِمَعْنى اللّامِ، فَإذا أُضِيفَ العِلْمُ كَذَلِكَ يَكُونُ مُؤَوَّلًا بِواحِدٍ مِنَ المُسَمَّيْنِ بِهِ، وقالَ مُجاهِدٌ والرَّبِيعُ: القُدُسُ مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى كالقُدُّوسِ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ إطْلاقَ الرُّوحِ عَلى جِبْرِيلَ مَجازٌ لِأنَّهُ الرِّيحُ المُتَرَدِّدُ في مَخارِقِ الإنْسانِ، ومَعْلُومٌ أنَّ جِبْرِيلَ لَيْسَ كَذَلِكَ، لَكِنَّهُ أُطْلِقَ عَلَيْهِ عَلى سَبِيلِ التَّشْبِيهِ مِن حَيْثُ إنَّ الرُّوحَ سَبَبُ الحَياةِ الجِسْمانِيَّةِ، وجِبْرِيلُ سَبَبُ الحَياةِ المَعْنَوِيَّةِ بِالعُلُومِ، وكَأنَّ هَذا الزَّعْمَ نَشَأ مِن كَثافَةِ رُوحِ الزّاعِمِ، وعَدَمِ تَغَذِّيها بِشَيْءٍ مِنَ العُلُومِ، وخُصَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِذِكْرِ التَّأْيِيدِ بِرُوحِ القُدُسِ، لِأنَّهُ تَعالى خَصَّهُ بِهِ مِن وقْتِ صِباهُ إلى حالِ كِبَرِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إذْ أيَّدْتُكَ بِرُوحِ القُدُسِ تُكَلِّمُ النّاسَ في المَهْدِ وكَهْلا﴾ ولِأنَّهُ حَفِظَهُ حَتّى لَمْ يَدْنُ مِنهُ الشَّيْطانُ، ولِأنَّهُ بالَغَ اثْنا عَشَرَ ألْفَ يَهُودِيٍّ لِقَتْلِهِ، فَدَخَلَ عِيسى بَيْتًا فَرَفَعَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مَكانًا عَلِيًّا، وقِيلَ: الرُّوحُ هُنا اسْمُ اللَّهِ تَعالى الأعْظَمُ الَّذِي كانَ يُحْيِي بِهِ المَوْتى، ورُوِيَ ذَلِكَ كالأوَّلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الإنْجِيلُ، كَما جاءَ في شَأْنِ القُرْآنِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا﴾ وذَلِكَ لِأنَّهُ سَبَبٌ لِلْحَياةِ الأبَدِيَّةِ، والتَّحَلِّي بِالعُلُومِ والمَعارِفِ الَّتِي هي حَياةُ القُلُوبِ، وانْتِظامُ المَعاشِ الَّذِي هو سَبَبُ الحَياةِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وقِيلَ: رُوحُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ نَفْسِهِ، ووَصَفَها بِهِ لِطَهارَتِها عَنْ مَسِّ الشَّيْطانِ، أوْ لِكَرامَتِهِ عَلَيْهِ تَعالى، ولِذَلِكَ أضافَها إلى نَفْسِهِ، أوْ لِأنَّهُ لَمْ يَضُمَّهُ الأصْلابُ ولا أرْحامُ الطَّوامِثِ بَلْ حَصَلَ مِن نَفْخِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ في دِرْعِ أُمِّهِ، فَدَخَلَتِ النَّفْخَةُ في جَوْفِها، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ (القُدْسِ) بِسُكُونِ الدّالِ، حَيْثُ وقَعَ وأبُو حَيْوَةَ (القُدُّوسِ) بِواوٍ.
﴿أفَكُلَّما جاءَكم رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ﴾ مُسَبَّبٌ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا﴾ بِحَيْثُ لا يَتِمُّ الكَلامُ السّابِقُ بِدُونِهِ كالشَّرْطِ بِدُونِ الجَزاءِ، وقَدْ أُدْخِلَتِ الهَمْزَةُ بَيْنَ السَّبَبِ والمُسَبَّبِ لِلتَّوْبِيخِ عَلى تَعْقِيبِهِمْ ذَلِكَ بِهَذا، والتَّعْجِيبُ مِن شَأْنِهِمْ عَلى مَعْنى: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾ وأنْعَمْنا عَلَيْكم بِكَذا وكَذا، لِتَشْكُرُوا بِالتَّلَقِّي بِالقَبُولِ، فَعَكَسْتُمْ بِأنْ كَذَّبْتُمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ابْتِداءُ كَلامٍ، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: أفَعَلْتُمْ ما فَعَلْتُمْ، فَكُلَّما جاءَكُمْ، ثُمَّ المُقَدَّرُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عِبارَةً عَمّا وقَعَ بَعْدَ الفاءِ، فَيَكُونُ العَطْفُ لِلتَّفْسِيرِ، وأنْ يَكُونَ غَيْرُهُ مِثْلَ أكَفَرْتُمُ النِّعْمَةَ واتَّبَعْتُمُ الهَوى، فَيَكُونُ لِحَقِيقَةِ التَّعْقِيبِ، وضُعِّفَ هَذا الِاحْتِمالُ بِما ذَكَرَهُ الرَّضِيُّ
صفحة 318
أنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَجازَ وُقُوعُ الهَمْزَةِ في الكَلامِ قَبْلَ أنْ يَتَقَدَّمَهُ ما كانَ مَعْطُوفًا عَلَيْهِ، ولَمْ تَجِئْ إلّا مَبْنِيَّةً عَلى كَلامٍ مُتَقَدِّمٍ، وفي كَوْنِ الهَمْزَةِ الدّاخِلَةِ عَلى جُمْلَةٍ مَعْطُوفَةٍ بِالواوِ أوِ الفاءِ، أوْ ثُمَّ في مَحَلِّها الأصْلِيِّ، أوْ مُقَدَّمَةً مِن تَأْخِيرٍ حَيْثُ إنَّ مَحَلَّها بَعْدَ العاطِفِ خِلافٌ مَشْهُورٌ بَيْنَ أهْلِ العَرَبِيَّةِ، وبَعْضُ المُحَقِّقِينَ يَحْمِلُها في بَعْضِ المَواضِعِ عَلى هَذا، وفي البَعْضِ عَلى ذَلِكَ بِحَسَبِ مُقْتَضى المَقامِ، ومَساقِ الكَلامِ، والقَلْبُ يَمِيلُ إلَيْهِ، قِيلَ: ولا يَلْزَمُ بُطْلانُ صَدارَةِ الهَمْزَةِ، إذْ لَمْ يَتَقَدَّمْها شَيْءٌ مِنَ الكَلامِ الَّذِي دَخَلَتْ هي عَلَيْهِ، وتَعَلَّقَ مَعْناها بِمَضْمُونِهِ، غايَةُ الأمْرِ أنَّها تَوَسَّطَتْ بَيْنَ كَلامَيْنِ لِإفادَةِ إنْكارِ جَمْعِ الثّانِي مَعَ الأوَّلِ، أوْ لِوُقُوعِهِ بَعْدَهُ مُتَراخِيًا، أوْ غَيْرَ مُتَراخٍ، وهَذا مُرادُ مَن قالَ: إنَّها مُقْحَمَةٌ مَزِيدَةٌ لِتَقْرِيرِ مَعْنى الإنْكارِ، أوِ التَّقْرِيرِ، أيْ مُقْحَمَةٌ عَلى المَعْطُوفِ مَزِيدَةٌ بَعْدَ اعْتِبارِ عَطْفِهِ، ولَمْ يَرِدْ أنَّها صِلَةٌ، (وتَهْوى) مِن هَوِيَ بِالكَسْرِ، إذا أحَبَّ، ومَصْدَرُهُ هَوًى، بِالقَصْرِ، وأمّا هَوى بِالفَتْحِ فَبِمَعْنى سَقَطَ، ومَصْدَرُهُ هُوِيٌّ بِالضَّمِّ، وأصْلُهُ فَعُولٌ فَأُعِلَّ، وقالَ المَرْزُوقِيُّ: هَوى انْقَضَّ انْقِضاضَ النَّجْمِ والطّائِرِ، والأصْمَعِيُّ يَقُولُ: هَوَتِ العُقابُ إذا انْقَضَّتْ لِغَيْرِ الصَّيْدِ، وأهْوَتْ إذا انْقَضَّتْ لِلصَّيْدِ، وحَكى بَعْضُهم أنَّهُ يُقالُ: هَوى يَهْوِي هَوِيًّا بِفَتْحِ الهاءِ، إذا كانَ القَصْدُ مِن أعْلى إلى أسْفَلَ، وهَوى يَهْوِي هُوِيًّا بِالضَّمِّ إذا كانَ مِن أسْفَلَ إلى أعْلى، وما ذَكَرْناهُ أوَّلًا هو المَشْهُورُ، والهَوى يَكُونُ في الحَقِّ وغَيْرِهِ، وإذا أُضِيفَ إلى النَّفْسِ، فالمُرادُ بِهِ الثّانِي في الأكْثَرِ، ومِنهُ هَذِهِ الآيَةُ، وعَبَّرَ عَنِ المَحَبَّةِ بِأنَّ مَدارَ الرَّدِّ والقَبُولِ عِنْدَهم هو المُخالَفَةُ لِأهْواءِ أنْفُسِهِمْ، والمُوافَقَةُ لَها، لا شَيْءَ آخَرَ، ومُتَعَلِّقُ (اسْتَكْبَرْتُمْ) مَحْذُوفٌ، أيْ عَنِ الإيمانِ بِما جاءَ بِهِ مَثَلًا، واسْتَفْعَلَ هُنا بِمَعْنى تَفَعَّلَ.
﴿فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ عَطْفٌ عَلى ﴿اسْتَكْبَرْتُمْ﴾ والفاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ إنْ كانَ التَّكْذِيبُ والقَتْلُ مُرَتَّبَيْنِ عَلى الِاسْتِكْبارِ، ولِلتَّفْصِيلِ إنْ كانا نَوْعَيْنِ مِنهُ، وجَوَّزَ الرّاغِبُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى ﴿وأيَّدْناهُ﴾ ويَكُونُ ﴿أفَكُلَّما﴾ مَعَ ما بَعْدَهُ فَصْلًا بَيْنَهُما عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ، وقَدَّمَ فَرِيقًا في المَوْضِعَيْنِ لِلِاهْتِمامِ، وتَشْوِيقِ السّامِعِ إلى ما فَعَلُوا بِهِمْ، لا لِلْقَصْرِ، وثَمَّ مَحْذُوفٌ: أيْ فَرِيقًا مِنهُمْ، وبَدَأ بِالتَّكْذِيبِ لِأنَّهُ أوَّلُ ما يَفْعَلُونَهُ مِنَ الشَّرِّ، ولِأنَّهُ المُشْتَرِكُ بَيْنَ المُكَذِّبِ والمَقْتُولِ، ونُسِبَ القَتْلُ إلَيْهِمْ مَعَ أنَّ القاتِلَ آباؤُهم لِرِضاهم بِهِ، ولِحُوقِ مَذَمَّتِهِ بِهِمْ، وعَبَّرَ بِالمُضارِعِ حِكايَةً لِلْحالِ الماضِيَةِ، واسْتِحْضارًا لِصُورَتِها لِفَظاعَتِها، واسْتِعْظامِها، أوْ مُشاكَلَةً لِلْأفْعالِ المُضارِعَةِ الواقِعَةِ في الفَواصِلِ، فِيما قَبْلُ، أوْ لِلدِّلالَةِ عَلى أنَّكُمُ الآنَ فِيهِ، فَإنَّكم حَوْلَ قَتْلِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ولَوْلا أنِّي أعْصِمُهُ لَقَتَلْتُمُوهُ، ولِذَلِكَ سَحَرْتُمُوهُ وسَمَّمْتُمْ لَهُ الشّاةَ، فالمُضارِعُ لِلْحالِ، ولا يُنافِيهِ قَتْلُ البَعْضِ، والمُرادُ مِنَ القَتْلِ مُباشَرَةُ الأسْبابِ المُوجِبَةِ لِزَوالِ الحَياةِ سَواءٌ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ، أوْ لا، وقِيلَ: لا حاجَةَ إلى التَّعْمِيمِ، لِأنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قُتِلَ حَقِيقَةً بِالسُّمِّ الَّذِي ناوَلُوهُ عَلى ما وقَعَ في الصَّحِيحِ بِلَفْظِ: «(وهَذا أوانُ وجَدْتُ انْقِطاعَ أبْهَرِي مِن ذَلِكَ السُّمِّ)،» وفِيهِ أنَّهُ لَمْ يَتَحَقَّقْ مِنهُمُ القَتْلُ زَمانَ نُزُولِ الآيَةِ، بَلْ مُباشَرَةُ الأسْبابِ فَلا بُدَّ مِنَ التَّعْمِيمِ.
2:88Страница 13
وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلۡفُۢۚ بَل لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفۡرِهِمۡ فَقَلِيلٗا مَّا يُؤۡمِنُونَ ٨٨
Они сказали: «Сердца наши покрыты завесой (или переполнены знаниями)». О нет, это Аллах проклял их за их неверие. Как же мала их вера!
﴿وقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿اسْتَكْبَرْتُمْ﴾ أوْ عَلى ﴿كَذَّبْتُمْ﴾ فَتَكُونُ تَفْسِيرًا لِلِاسْتِكْبارِ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فِيهِ التِفاتٌ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ إعْراضًا عَنْ مُخاطَبَتِهِمْ، وإبْعادًا لَهم عَنْ عِزِّ الحُضُورُ، والقائِلُونَ هُمُ المَوْجُودُونَ في عَصْرِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، والغُلْفُ جَمْعُ أغْلَفَ كَأحْمَرَ، وحُمْرٍ، وهو الَّذِي لا يَفْقَهُ، قِيلَ: وأصْلُهُ ذُو الغُلْفَةِ الَّذِي لَمْ يُخْتَنْ، أوْ جَمْعُ غُلافٍ، ويُجْمَعُ عَلى غُلُفٍ بِضَمَّتَيْنِ أيْضًا، وبِهِ قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ، وأرادُوا عَلى الأوَّلِ قُلُوبُنا مُغَشّاةٌ بِأغْشِيَةٍ خَلْقِيَّةٍ مانِعَةٍ عَنْ نُفُوذِ ما جِئْتَ بِهِ فِيها، وهَذا كَقَوْلِهِمْ: ﴿قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ﴾
صفحة 319
قَصَدُوا بِهِ إقْناطَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَنِ الإجابَةِ، وقَطْعَ طَمَعِهِ عَنْهم بِالكُلِّيَّةِ، وقِيلَ: مُغَشّاةٌ بِعُلُومٍ مِنَ التَّوْراةِ تَحْفَظُها أنْ يَصِلَ إلَيْها ما تَأْتِي بِهِ، أوْ بِسَلامَةٍ مِنَ الفِطْرَةِ كَذَلِكَ، وعَلى الثّانِي أنَّها أوْعِيَةُ العِلْمِ، فَلَوْ كانَ ما تَقُولُهُ حَقًّا وصِدْقًا لَوَعَتْهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ، أوْ مَمْلُوءَةٌ عِلْمًا، فَلا تَسَعُ بَعْدُ شَيْئًا، فَنَحْنُ مُسْتَغْنُونَ بِما عِنْدَنا عَنْ غَيْرِهِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، وقِيلَ: أرادُوا أنَّها أوْعِيَةُ العِلْمِ، فَكَيْفَ يَحِلُّ لَنا اتِّباعُ الأُمِّيِّ، ولا يَخْفى بُعْدُهُ.
﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾ رَدٌّ لِما قالُوهُ، وتَكْذِيبٌ لَهم فِيما زَعَمُوهُ، والمَعْنى أنَّها خُلِقَتْ عَلى فِطْرَةِ التَّمَكُّنِ مِنَ النَّظَرِ الصَّحِيحِ المُوصِلِ إلى الحَقِّ، لَكِنَّ اللَّهَ تَعالى أبْعَدَهُمْ، وأبْطَلَ اسْتِعْدادَهُمُ الخَلْقِيَّ لِلنَّظَرِ الصَّحِيحِ بِسَبَبِ اعْتِقاداتِهِمُ الفاسِدَةِ وجَهالاتِهِمُ الباطِلَةِ الرّاسِخَةِ في قُلُوبِهِمْ، أوْ أنَّها لَمْ تَأْبَ قَبُولَ ما تَقُولُهُ لِعَدَمِ كَوْنِهِ حَقًّا وصِدْقًا، بَلْ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ طَرَدَهم وخَذَلَهم بِكُفْرِهِمْ، فَأصَمَّهم وأعْمى أبْصارَهُمْ، أوْ أنَّ اللَّهَ تَعالى أقْصاهم عَنْ رَحْمَتِهِ، فَأنّى لَهُمُ ادِّعاءُ العِلْمِ الَّذِي هو أجَلُّ آثارِها، ويُعْلَمُ مِن هَذِهِ الوُجُوهِ كَيْفِيَّةُ الرَّدُّ عَلى ما قِيلَ قَبْلُ مِنَ الوُجُوهِ، ﴿فَقَلِيلا ما يُؤْمِنُونَ﴾ الفاءُ لِسَبَبِيَّةِ اللَّعْنِ، لِعَدَمِ الإيمانِ، وقَلِيلًا نُصِبَ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ إيمانًا قَلِيلًا، وهو إيمانُهم بِبَعْضِ الكِتابِ، (وما) مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ مَعْنى القِلَّةِ لا نافِيَةٌ، لِأنَّ ما في حَيِّزِها لا يَتَقَدَّمُها، ولِأنَّهُ وإنْ كانَ بِمَعْنى لا يُؤْمِنُونَ قَلِيلًا فَضْلًا عَنِ الكَثِيرِ، لَكِنْ رُبَّما يُتَوَهَّمُ لا سِيَّما مَعَ التَّقْدِيمِ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ قَلِيلًا، بَلْ كَثِيرًا، ولا مَصْدَرِيَّةَ لِاقْتِضائِها رَفْعَ القَلِيلِ بِأنْ يَكُونَ خَبَرًا، والمَصْدَرُ المُعَرَّفُ بِالإضافَةِ مُبْتَدَأٌ، والتَّقْدِيرُ فَإيمانُهم قَلِيلٌ، وجَوَّزَ بَعْضُهم كَوْنَها نافِيَةً بِناءً عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ مِن جَوازِ تَقَدُّمِ ما في حَيِّزِها عَلَيْها، ولَمْ يُبالِ بِالتَّوَهُّمِ، وآخَرُونَ كَوْنَها مَصْدَرِيَّةً، والمَصْدَرُ فاعِلُ (قَلِيلًا)، وكانُوا مُقَدَّرَةٌ في نَظْمِ الكَلامِ، فَتَكُونُ عَلى طِرازِ ﴿كانُوا قَلِيلا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ﴾ ولا يَخْفى ما فِيهِ مِنَ التَّكَلُّفِ، وجُوِّزَ انْتِصابُ (قَلِيلًا) عَلى الحالِ، إمّا مِن ضَمِيرِ الإيمانِ، أوْ مِن فاعِلِ (يُؤْمِنُونَ)، والتَّقْدِيرُ: فَيُؤْمِنُونَهُ أيِ الإيمانَ في حالِ قِلَّتِهِ، وهو المَرْوِيُّ عَنْ سِيبَوَيْهِ، أوْ فَيُؤْمِنُونَ حالَ كَوْنِهِمْ جَمْعًا قَلِيلًا، أيِ المُؤْمِنُ مِنهم قَلِيلٌ، وهو المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وطَلْحَةَ، وقَتادَةَ، ولِذا جُوِّزَ كَوْنُهُ نَعْتًا لِلزَّمانِ، أيْ زَمانًا قَلِيلًا، وهو زَمانُ الِاسْتِفْتاحِ، أوْ بُلُوغِ الرُّوحِ التَّراقِيَ، أوْ ما قالُوا ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلى الَّذِينَ آمِنُوا وجْهَ النَّهارِ واكْفُرُوا آخِرَهُ﴾ وأوْلى الوُجُوهِ أوَّلُها، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالإيمانِ المَعْنى اللُّغَوِيُّ، والقِلَّةُ مُقابِلُ الكَثْرَةِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى العَدَمِ، وكَأنَّهُ أخَذَهُ مِن كَلامِ الواقِدِيِّ لا قَلِيلًا ولا كَثِيرًا، واعْتَرَضَهُ في البَحْرِ بِأنَّ القِلَّةَ بِمَعْنى النَّفْيِ، وإنْ صَحَّتْ، لَكِنْ في غَيْرِ هَذا التَّرْكِيبِ، لِأنَّ قَلِيلًا انْتَصَبَ بِالفِعْلِ المُثْبَتِ، فَصارَ نَظِيرَ قُمْتُ قَلِيلًا، أيْ قِيامًا قَلِيلًا، ولا يَذْهَبُ ذاهِبٌ إلى أنَّكَ إذا أتَيْتَ بِفِعْلٍ مُثْبَتٍ وجَعَلْتَ قَلِيلًا صِفَةً لِمَصْدَرِهِ، يَكُونُ المَعْنى في المُثْبَتِ الواقِعِ عَلى صِفَةٍ أوْ هَيْئَةٍ انْتِفاءَ ذَلِكَ المُثْبَتِ رَأْسًا، وعَدَمَ وُقُوعِهِ بِالكُلِّيَّةِ، وإنَّما الَّذِي نَقَلَ النَّحْوِيُّونَ أنَّهُ قَدْ يُرادُ بِالقِلَّةِ النَّفْيُ المَحْضُ في قَوْلِهِمْ: أقَلُّ رَجُلٍ يَقُولُ ذَلِكَ، وقَلَّما يَقُومُ زَيْدٌ، فَحَمْلُها هُنا عَلى ذَلِكَ لَيْسَ بِصَحِيحٍ، ولَيْتَ شِعْرِي أيُّ مَعْنًى لِقَوْلِنا يُؤْمِنُونَ إيمانًا مَعْدُومًا، وما نَقَلَ الكِسائِيُّ عَنِ العَرَبِ أنَّهم يَقُولُونَ: مَرَرْنا بِأرْضٍ قَلِيلًا ما تُنْبِتُ، ويُرِيدُونَ لا تُنْبِتُ شَيْئًا، فَإنَّما ذَلِكَ لِأنَّ قَلِيلًا حالٌ مِنَ الأرْضِ، وإنْ كانَ نَكِرَةً، وما مَصْدَرِيَّةٌ، والتَّقْدِيرُ: قَلِيلًا إنْباتُها، فَلا مانِعَ فِيهِ مِن حَمْلِ القِلَّةِ عَلى العَدَمِ، وأيْنَ ما نَحْنُ فِيهِ مِن ذاكَ، اللَّهُمَّ إلّا عَلى بَعْضِ الوُجُوهِ المَرْجُوحَةِ، لَكِنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ غَيْرُ قائِلٍ بِهِ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ ذَلِكَ عَلى طَرِيقِ الكِنايَةِ، فَإنَّ قِلَّةَ الشَّيْءِ تَسْتَتْبِعُ عَدَمَهُ في أكْثَرِ الأوْقاتِ، لا عَلى أنَّ لَفْظَ القِلَّةِ مُسْتَعْمَلٌ بِمَعْنى العَدَمِ، فَإنَّهُ هُنا قَوْلٌ بارِدٌ جِدًّا، ولَوْ أوْقَدَ عَلَيْهِ الواقِدِيُّ ألْفَ سَنَةٍ
2:89Страница 14
وَلَمَّا جَآءَهُمۡ كِتَٰبٞ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٞ لِّمَا مَعَهُمۡ وَكَانُواْ مِن قَبۡلُ يَسۡتَفۡتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَآءَهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِۦۚ فَلَعۡنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ ٨٩
К ним явилось от Аллаха Писание, подтверждающее правдивость того, что было у них. Прежде они молили о победе над неверующими. Когда же к ним явилось то, что они узнали, они отказались уверовать в него. Да пребудет проклятие Аллаха над неверующими!
صفحة 320
﴿ولَمّا جاءَهم كِتابٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ وهو القُرْآنُ، وتَنْكِيرُهُ لِلتَّعْظِيمِ، ووَصْفُهُ لِلتَّشْرِيفِ والإيذانِ بِأنَّهُ جَدِيرٌ بِأنْ يُقْبَلَ ما فِيهِ، ويُتَّبَعَ، لِأنَّهُ مِن خالِقِهِمْ، وإلَهِهِمُ النّاظِرِ في مَصالِحِهِمْ، والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى ”قالُوا قُلُوبَنا غَلَّفَ“ أيْ وكَذَّبُوا لَمّا جاءَهم إلَخْ، ﴿مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ﴾ مِن كِتابِهِمْ، أيْ نازِلٌ حَسْبَما نُعِتَ أوْ مُطابِقٌ لَهُ، ومُصَدِّقٌ صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِكِتابٍ، وقُدِّمَتِ الأُولى عَلَيْها لِأنَّ الوَصْفَ بِكَيْنُونَتِهِ مِن عِنْدِهِ تَعالى آكَدٌ، ووَصْفُهُ بِالتَّصْدِيقِ ناشِئٌ عَنْها، وجَعَلَهُ مُصَدِّقًا لِكِتابِهِمْ لا مُصَدِّقًا بِهِ إشارَةً إلى أنَّهُ بِمَنزِلَةِ الواقِعِ، ونَفْسُ الأمْرِ لِكِتابِهِمْ، لِكَوْنِهِ مُشْتَمِلًا عَلى الإخْبارِ عَنْهُ، مُحْتاجًا في صِدْقِهِ إلَيْهِ، وإلى أنَّهُ بِإعْجازِهِ مُسْتَغْنٍ عَنْ تَصْدِيقِ الغَيْرِ، وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ (مُصَدِّقًا) بِالنَّصْبِ، وبِهِ قَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وهو حِينَئِذٍ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَقِرِّ في الظَّرْفِ، أوْ مِن (كِتابٌ)، لِتَخْصِيصِهِ بِالوَصْفِ المُقَرِّبِ لَهُ مِنَ المَعْرِفَةِ، واحْتِمالُ أنَّ الظَّرْفَ لُغَةً مُتَعَلِّقٌ (بِجاءَ) بَعِيدٌ، فَلا يَضُرُّ، عَلى أنَّ سِيبَوَيْهِ جَوَّزَ مَجِيءَ الحالِ مِنَ النَّكِرَةِ بِلا شَرْطٍ، ﴿وكانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ نَزَلَتْ في بَنِي قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ كانُوا يَسْتَفْتِحُونَ عَلى الأوْسِ والخَزْرَجِ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَبْلَ مَبْعَثِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وقَتادَةُ، والمَعْنى: يَطْلُبُونَ مِنَ اللَّهِ تَعالى أنْ يَنْصُرَهم بِهِ عَلى المُشْرِكِينَ، كَما رَوى السُّدِّيُّ أنَّهم كانُوا إذا اشْتَدَّ الحَرْبُ بَيْنَهم وبَيْنَ المُشْرِكِينَ أخْرَجُوا التَّوْراةَ ووَضَعُوا أيْدِيَهم عَلى مَوْضِعِ ذِكْرِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وقالُوا: اللَّهُمَّ إنّا نَسْألُكَ بِحَقِّ نَبِيِّكَ الَّذِي وعَدْتَنا أنْ تَبْعَثَهُ في آخِرِ الزَّمانِ أنْ تَنْصُرَنا اليَوْمَ عَلى عَدُوِّنا، فَيُنْصَرُونَ، فالسِّينُ لِلطَّلَبِ، والفَتْحُ مَعْنًى النَّصْرُ بِواسِطَةِ (عَلى)، أوْ يَفْتَحُونَ عَلَيْهِمْ مِن قَوْلِهِمْ: فَتَحَ عَلَيْهِ إذا عَلَّمَهُ، ووَقَفَهُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أتُحَدِّثُونَهم بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ يُعَرِّفُونَ المُشْرِكِينَ أنَّ نَبِيًّا يُبْعَثُ مِنهُمْ، وقَدْ قَرُبَ زَمانُهُ، فالسِّينُ زائِدَةٌ لِلْمُبالَغَةِ، كَأنَّهم فَتَحُوا بَعْدَ طَلَبِهِ مِن أنْفُسِهِمْ، والشَّيْءُ بَعْدَ الطَّلَبِ أبْلَغُ، وهو مِن بابِ التَّجْرِيدِ، جَرَّدُوا مِن أنْفُسِهِمْ أشْخاصًا وسَألُوهُمُ الفَتْحَ كَقَوْلِهِمُ: اسْتَعْجَلَ، كَأنَّهُ طَلَبَ العَجَلَةَ مِن نَفْسِهِ، ويُؤَوَّلُ المَعْنى إلى يا نَفْسُ عَرِّفِي المُشْرِكِينَ أنَّ نَبِيًّا يُبْعَثُ مِنهُمْ، وقِيلَ: يَسْتَفْتِحُونَ بِمَعْنى يَسْتَخْبِرُونَ عَنْهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، هَلْ وُلِدَ مَوْلُودٌ صِفَتُهُ كَذا وكَذا، نَقَلَهُ الرّاغِبُ وغَيْرُهُ، وما قِيلَ: إنَّهُ لا يَتَعَدّى بِعَلى، لا يُسْمَعُ بِمُجَرَّدِ التَّشَهِّي.
﴿فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ كَنّى عَنِ الكِتابِ المُتَقَدِّمِ بِما عَرَفُوا، لِأنَّ مَعْرِفَةَ مَن أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَعْرِفَةٌ لَهُ، والِاسْتِفْتاحُ بِهِ اسْتِفْتاحٌ بِهِ، وإيرادُ المَوْصُولِ دُونَ الِاكْتِفاءِ بِالإضْمارِ لِبَيانِ كَمالِ مُكابَرَتِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وما قَدْ يُعَبَّرُ بِها عَنْ صِفاتِ مَن يَعْقِلُ، وبَعْضُهم فَسَّرَهُ بِالحَقِّ إشارَةً إلى وجْهِ التَّعْبِيرِ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ (بِما) وهو أنَّ المُرادَ بِهِ الحَقُّ لا خُصُوصِيَّةُ ذاتِهِ المُطَهَّرَةِ، وعِرْفانُهم ذَلِكَ حَصَلَ بِدِلالَةِ المُعْجِزاتِ والمُوافَقَةِ لِما نُعِتَ في كِتابِهِمْ، فَإنَّهُ كالصَّرِيحِ عِنْدَ الرّاسِخِينَ، فَلا يَرُدُّ أنَّ نَعْتَ الرَّسُولِ في التَّوْراةِ إنْ كانَ مَذْكُورًا عَلى التَّعْيِينِ فَكَيْفَ يُنْكِرُونَهُ، فَإنَّهُ مَذْكُورٌ بِالتَّواتُرِ، وإلّا فَلا عِرْفانَ لِلِاشْتِباهِ عَلى أنَّ الإيرادَ في غايَةِ السُّقُوطِ، لِأنَّ الآيَةَ مُساقَةٌ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهُمْ﴾ أيْ جَحَدُوهُ مَعَ عِلْمِهِمْ بِهِ، وهَذا أبْلَغُ في ذَمِّهِمْ، (وكَفَرُوا) جَوابٌ (لِما) الأُولى، (ولِما) الثّانِيَةِ تَكْرِيرٌ لَها، لِطُولِ العَهْدِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أتَوْا ويُحِبُّونَ أنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهم بِمَفازَةٍ مِنَ العَذابِ﴾ وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ المُبَرِّدُ، وقالَ الفَرّاءُ: (لِما) الثّانِيَةِ مَعَ جَوابِها جَوابُ الأُولى، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدايَ﴾ إلَخْ، وعَلى الوَجْهَيْنِ يَكُونُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وكانُوا مِن قَبْلُ﴾ جُمْلَةً حالِيَّةً بِتَقْدِيرِ: قَدْ مُقَرِّرَةً، واخْتارَ الزَّجّاجُ والأخْفَشُ أنَّ جَوابَ الأُولى
صفحة 321
مَحْذُوفٌ، أيْ كَذَّبُوا بِهِ مَثَلًا، وعَلَيْهِ يَكُونُ ﴿وكانُوا مِن قَبْلُ﴾ إلَخْ، مَعَ ما عُطِفَ عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا جاءَهُمْ﴾ مِنَ الشَّرْطِ والجَزاءِ جُمْلَةً مَعْطُوفَةً عَلى ”لَمّا جاءَهم“ بَعْدَ تَمامِها، تَدُلُّ الأُولى عَلى مُعامَلَتِهِمْ مَعَ الكِتابِ المُصَدِّقِ، والثّانِيَةُ مَعَ الرَّسُولِ المُسْتَفْتَحِ بِهِ، وارْتَضاهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ لِما في الأُولى مِن لُزُومِ التَّأْكِيدِ، والتَّأْسِيسُ أوْلى مِنهُ، واسْتِعْمالُ الفاءِ لِلتَّراخِي الرُّتَبِيِّ، فَإنَّ مَرْتَبَةَ المُؤَكِّدِ بَعْدَ مَرْتَبَةِ المُؤَكَّدِ، ولِما في الثّانِي مِن دُخُولِ الفاءِ في جَوابِ (لَمّا) مَعَ أنَّهُ ماضٍ، وهو قَلِيلٌ جِدًّا، حَتّى لَمْ يُجَوِّزْهُ البَصْرِيُّونَ، ولَوْ جُوِّزَ وُقُوعُها زائِدَةً (فَلَمّا) لا تُجابُ بِمِثْلِها، لا يُقالُ: لَمّا جاءَ زَيْدٌ لَمّا قَعَدَ عَمْرٌو أكْرَمْتُكَ، بَلْ هو كَما تَرى تَرْكِيبٌ مَعْقُودٌ في لِسانِهِمْ مَعَ خُلُوِّ الوَجْهَيْنِ عَنْ فائِدَةٍ عَظِيمَةٍ، وهو بَيانُ سُوءِ مُعامَلَتِهِمْ مَعَ الرَّسُولِ، واسْتِلْزامُهُما جَعْلَ (وكانُوا) حالًا، واخْتارَ أبُو البَقاءِ إنَّ (كَفَرُوا) جَوابٌ (لِما) الأُولى، والثّانِيَةِ، ولا حَذْفَ، لِأنَّ مُقْتَضاهُما واحِدٌ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ، كَجَعْلِ ﴿فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الكافِرِينَ﴾ جَوابًا لِلْأُولى، وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ، واللّامُ في (الكافِرِينَ) لِلْعَهْدِ، أيْ عَلَيْهِمْ، ووَضْعُ المُظْهَرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِلْإشْعارِ بِأنَّ حُلُولَ اللَّعْنَةِ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ، كَما أنَّ الفاءَ لِلْإيذانِ بِتَرَتُّبِها عَلَيْهِ، وجُوِّزَ كَوْنُها لِلْجِنْسِ، ويَدْخُلُونَ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، واعْتُرِضَ بِأنَّ دِلالَةَ العامِّ مُتَساوِيَةٌ، فَلَيْسَ فِيها شَيْءٌ أوَّلُ ولا أسْبَقُ مِن شَيْءٍ، والجَوابُ أنَّ المُرادَ دُخُولًا قَصْدِيًّا، لِأنَّ الكَلامَ سِيقَ بِالأصالَةِ فِيهِمْ، ويَكُونُ ذَلِكَ مِنَ الكِنايَةِ الإيمائِيَّةِ، ويُصارُ إلَيْها، إذا كانَ المَوْصُوفُ مُبالِغًا في ذَلِكَ الوَصْفِ، ومُنْهَمِكًا فِيهِ، حَتّى إذا ذُكِرَ خَطَرُ ذَلِكَ الوَصْفِ بِالبالِ كَقَوْلِهِمْ لِمَن يَقْتَنِي رَذِيلَةً ويُصِرُّ عَلَيْها: أنا إذا نَظَرْتُكَ خَطَرَ بِبالِي سِبابُكَ، وسِبابُ كُلِّ مَن هو مِن أبْناءِ جِنْسِكَ، فاليَهُودُ لَمّا بالَغُوا في الكُفْرِ والعِنادِ وكِتْمانِ أمْرِ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ونَعى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ ذَلِكَ، صارَ الكُفْرُ كَأنَّهُ صِفَةٌ غَيْرُ مُفارِقَةٍ لِذِكْرِهِمْ، وكانَ هَذا الكَلامُ لازِمًا لِذِكْرِهِمْ، ورَدِيفَهُ، وأنَّهم أوْلى النّاسِ دُخُولًا فِيهِ لِكَوْنِهِمْ تَسَبَّبُوا اسْتِجْلابَ هَذا القَوْلِ في غَيْرِهِمْ، وجَعَلَ السَّكّاكِيُّ مِن هَذا القَبِيلِ قَوْلَهُ:
إذا اللَّهُ لَمْ يَسْقِ إلّا الكِراما فَيَسْقِي وُجُوهَ بَنِي حَنْبَلِ
فَإنَّهُ في إفادَةِ كَرَمِ بَنِي حَنْبَلٍ، كَما تَرى لا خَفاءَ فِيهِ،
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии