Аль-АлусиАн‑Нур · 24:35

Аль-Алуси · Тафсир · на арабском

Ан-Нур 24:35, продолжение

هِيَ الحَدِيدَةُ أوِ الرَّصاصَةُ الَّتِي تَكُونُ فِيها الفَتِيلَةُ في جَوْفِ الزُّجاجَةِ وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّها الحَدِيدَةُ الَّتِي يُعَلَّقُ بِها القِنْدِيلُ وهو كَما تَرى، والمُعَوِّلُ عَلَيْهِ قَوْلُ الجُمْهُورِ، وعَنِ ابْنِ عَطِيَّةَ أنَّهُ أصَحُّ الأقْوالِ وعَلى جَمِيعِها هو لَفْظٌ حَبَشِيٌّ مُعَرَّبٌ كَما قالَ ابْنُ قُتَيْبَةِ والكَلْبِيُّ وغَيْرُهُما، وقِيلَ: رُومِيٌّ مُعَرَّبٌ، وقالَ الزَّجّاجُ كَما في مَجْمَعِ البَيانِ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَرَبِيًّا فَيَكُونُ مُفْعِلَةً والأصْلُ مَشْكُوَّةٌ فَقُلِبَتِ الواوُ ألِفًا لِتَحَرُّكِها وانْفِتاحِ ما قَبْلِها وإلى أنَّ أصْلَ ألِفِها الواوُ ذَهَبَ ابْنُ جِنِّيٍّ واسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِأنَّ العَرَبَ قَدْ نَحَوْا بِها مَنحاةَ الواوِ كَما فَعَلُوا بِالصَّلاةِ.

وقَرَأ الكِسائِيُّ بِرِوايَةِ الدَّوْرِيِّ بِالإمالَةِ ﴿فِيها مِصْباحٌ﴾ سِراجٌ ضَخْمٌ ثاقِبٌ، وقِيلَ الفَتِيلَةُ المُشْتَعِلَةُ ﴿المِصْباحُ في زُجاجَةٍ﴾ في قِنْدِيلٍ مِنَ الزُّجاجِ الصّافِي الأزْهَرِ وضَمُّ الزّايِ لُغَةُ الحِجازِ وكَسْرُها وفَتْحُها لُغَةُ قَيْسٍ، بِالفَتْحِ قَرَأ أبُو رَجاءَ ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ في رِوايَةِ ابْنِ مُجاهِدٍ.

وقَرَأ بَعْضُهم بِالكَسْرِ أيْضًا وكَذا قُرِئَ بِهِما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الزُّجاجَةُ كَأنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ مُضِيءٌ مُتَلَأْلِئٌ كالزَّهْرَةِ في صَفائِهِ وزَهْرَتِهِ مَنسُوبٌ إلى الدُّرِّ فَوَزَنَهُ فِعْلِيٌّ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ أصْلُهُ دَرِئَ بِهَمْزَةِ آخِرِهِ كَما قَرَأ بِهِ حَمْزَةُ وأبُو بَكْرٍ فَقُلِبَتْ ياءً وأُدْغِمَتْ في الياءِ فَوَزَنَهُ فَعِيلَ وهو مِنَ الدَّرْءِ بِمَعْنى الدَّفْعِ فَإنَّهُ يَدْفَعُ الظَّلامَ بِضَوْئِهِ أوْ يَدْفَعُ بَعْضَ ضَوْئِهِ بَعْضًا مِن لَمَعانِهِ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ مِنَ الدَّرْءِ بِمَعْنى الجَرْيِ ولَيْسَ بِذاكَ ومِثْلِهِ ما قِيلَ إنَّهُ مِن دَرَأ إذا طَلَعَ وفاجَأ ولا يَخْفى عَلى المُتَتَبِّعِ أنَّ فَعِيلًا قَلِيلٌ في كَلامِهِمْ فَفي اللُّبابِ فَعِيلٌ غَرِيبٌ لا نَظِيرَ لَهُ إلّا مُرِيقٍ لِحُبِّ المُصْفَرِّ أوْ ما سَمِنَ مِنَ الخَيْلِ وعَلِيَّةٍ وسِرِّيَّةٍ وذُرِّيَّةٍ قالَهُ أبُو عَلِيٍّ، وفي البَحْرِ سُمِعَ أيْضًا مِرِّيخُ الَّذِي في داخِلِ القَرْنِ اليابِسِ وفِيهِ لُغَتانِ ضَمِّ المِيمِ وكَسْرِها. وقالَ الفِراءُ: لَمْ يَسْمَعْ إلّا مُرِيقٌ وهو أعْجَمِيٌّ

صفحة 167

وسِيبَوَيْهُ عَدَّ ذَلِكَ مِن أبْنِيَةِ العَرَبِ ولَمْ يُثْبِتْ بَعْضُهم هَذا الوَزْنَ أصْلًا.

وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: أصِلُ «دَرِئَ» دُرُوءٌ كَسَبُوحٍ فَجُعِلَتِ الضَّمَّةُ كَسْرَةً لِلِاسْتِثْقالِ والواوُ ياءً لِانْكِسارِ ما قَبْلِها كَما قالُوا في عُتُوٍّ عَتى فَوَزْنُهُ فُعُولٌ وكَذا قِيلَ في سِرِّيَّةٍ وذُرِّيَّةٍ، وجَعَلَ بَعْضُهم سِرِّيَّةً مِنَ السِّرِّ وهو النِّكاحُ أوِ الإخْفاءُ والضَّمُّ مِن تَغْيِيراتِ النِّسَبِ فَوَزْنُهُ فِعْلِيَّةٌ كَما في الصِّحاحِ، والأخْفَشُ يَرى أنَّهُ مِنَ السُّرُورِ وقَدْ أُبْدِلَتِ الرّاءُ الأخِيرَةُ ياءً وهو مَعْهُودٌ في الفِعْلِ فَقَدْ قالُوا: تُسُرِّرَتْ جارِيَةٌ وتُسُرِّيَتْ كَما قالُوا: تَظَنَّنَتْ وتَظَنَّيَتْ فَوَزَنَهُ عَلى هَذا كَما قالَ الخَفاجِيُّ فَعَلِيلَةٌ، وجَعَلَ بَعْضُهم ذَرِّيَّةً نِسْبَةً إلى الذَّرِّ عَلى غَيْرِ القِياسِ لِإخْراجِهِمْ كالذَّرِّ مِن ظَهْرِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.

وقَرَأ قَتادَةُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ والضَّحّاكُ «دَرِيَ» بِفَتْحِ الدّالِّ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ نَصْرِ بْنِ عاصِمٍ وأبِي رَجاءَ وابْنِ المُسَيِّبِ وقَرَأ الزَّهْرِيُّ «دَرِيَ» بِكَسْرِ الرّاءِ وقَرَأ أبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ «دَرِئَ» بِالكَسْرِ والهَمْزَةُ آخِرُهُ، وهو بِناءٌ كَثِيرٌ في الأسْماءِ نَحْوُ سِكِّينٍ وفي الأوْصافِ نَحْوُ سِكِّيرٍ. وقَرَأ قَتادَةُ أيْضًا وأبانُ بْنُ عُثْمانَ وابْنُ المُسَيِّبِ وأبُو رَجاءَ وعَمْرُو بْنِ قائِدٍ والأعْمَشُ ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ «دَرِئَ» بِالهَمْزِ وفَتْحِ الدّالِّ، قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: وهَذا عَزِيزٌ لَمْ يَحْفَظْ مِنهُ إلّا السِّكِّينَةَ بِفَتْحِ السِّينِ وشَدِّ الكافِ في لُغَةٍ حَكاها أبُو زَيْدٍ. وقُرِئَ «دَءْرِي» بِتَقْدِيمِ الهَمْزَةِ ساكِنَةً عَلى الرّاءِ وهي مِن نادِرِ الشَّواذِّ وفي إعادَةِ ( المِصْباحُ والزَّجّاجَةُ ) مُعَرَّفَيْنِ أثَرَ سَبْقِهِما مُنْكَرَيْنِ والإخْبارُ عَنْهُما بِما بَعْدَهُما مَعَ انْتِظامِ الكَلامِ بِأنْ يُقالَ:

كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ في زُجاجَةٍ كَأنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ مِن تَفْخِيمِ شَأْنِهِما ورَفْعِ مَكانَتِهِما بِالتَّفْسِيرِ إثْرَ الإبْهامِ والتَّفْصِيلِ بَعْدَ الإجْمالِ وبِإثْباتِ ما بَعْدَهُما لَهُما بِطَرِيقِ الإخْبارِ المُنْبِئِ عَنِ القَصْدِ الأصْلِيِّ دُونَ الوَصْفِ المَبْنِيِّ عَنِ الإشارَةِ إلى الثُّبُوتِ في الجُمْلَةِ ما لا يَخْفى، والجُمْلَةُ الأُولى في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلى أنَّها صِفَةٌ لِمِصْباحٍ والجُمْلَةُ الثّانِيَةُ في مَحَلِّ الجَرِّ عَلى أنَّها صِفَةٌ لِزُجاجَةٍ واللّامُ مُغْنِيَةٌ كَما في مَجْمَعِ البَيانِ وإرْشادُ العَقْلِ السَّلِيمِ عَنِ الرّابِطِ كَأنَّهُ قِيلَ: فِيها مِصْباحٌ هو في زُجاجَةٍ هي كَأنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ ﴿يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ﴾ أيْ يُبْتَدَأُ إيقادُ المِصْباحِ مِن شَجَرَةٍ ﴿مُبارَكَةٍ﴾ أيْ كَثِيرَةِ المَنافِعِ بِأنْ رَوَيَتَ ذُبالَتُهُ بِزَيْتِها، وقِيلَ إنَّما وُصِفَتْ بِالبَرَكَةِ لِأنَّها تَثْبُتُ في الأرْضِ الَّتِي بارَكَ اللَّهُ تَعالى فِيها لِلْعالَمِينَ، وقِيلَ بارَكَ فِيها سَبْعُونَ نَبِيًّا مِنهم إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿زَيْتُونَةٍ﴾ بَدَلٌ مِن ﴿شَجَرَةٍ﴾ وقالَ أبُو عَلِيٍّ: عَطْفُ بَيانٍ عَلَيْها وقِيلَ بارَكَ فِيها سَبْعُونَ نَبِيًّا مِنهم إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿زَيْتُونَةٍ﴾ بَدَلٌ مِن ﴿شَجَرَةٍ﴾ وقالَ أبُو عَلِيٍّ: عَطْفُ بَيانٍ عَلَيْها وهو مَبْنِيٌّ عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ مِن تَجْوِيزِهِمْ عَطْفِ البَيانِ في النَّكِراتِ، وأمّا البَصْرِيُّونَ فَلا يُجَوِّزُونَهُ إلّا في المَعارِفِ.

وفِي إبْهامِ الشَّجَرَةِ ووَصْفِها بِالبَرَكَةِ ثُمَّ الإبْدالِ عَنْها أوْ بَيانِها تَفْخِيمٌ لِشَأْنِها،

وقَدْ جاءَ في الحَدِيثِ مَدْحُ الزَّيْتِ لِأنَّهُ مِنها، أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حَمِيدٍ في مُسْنَدِهِ. والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ ماجَّةٍ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««اِئْتَدِمُوا بِالزَّيْتِ وادْهِنُوا بِهِ فَإنَّهُ مِن شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ»» .

وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ «عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها أنَّها ذُكِرَ عِنْدِها الزَّيْتُ فَقالَتْ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُ أنْ يُؤْكَلَ ويُدْهَنَ ويُسْعَطَ بِهِ ويَقُولُ إنَّهُ مِن شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ»

وهُوَ في حَدِّ ذاتِهِ مَمْدُوحٌ،

فَفِي الحَدِيثِ أنَّهُ مَصَحَّةٌ مِنَ الباسُورِ

وذَكَرَ لَهُ الأطِبّاءُ مَنافِعَ كَثِيرَةً، «وكانَ ﷺ يَأْكُلُ الخُبْزَ بِهِ» «وأكَلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ اللِّسانَ مَطْبُوخًا بِالشَّعِيرِ وفِيهِ الزَّيْتُ والتَّوابِلُ» فَلْيُحْفَظْ. وقَرَأ الأخَوانِ وأبُو بَكْرٍ والحَسَنُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وقَتادَةُ وابْنُ وثّابٍ وطِلْحَةُ وعِيسى والأعْمَشُ «تُوقَدُ» بِالتّاءِ المُثَنّاةِ مِن فَرْقٍ مُضارِعٍ أوْقَدَتْ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ القائِمَ مَقامَ الفاعِلِ لِلزُّجاجَةِ وإسْنادَ الفِعْلِ إلَيْها قِيلَ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ، وقِيلَ هو

صفحة 168

بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ مِصْباحِها. وقَرَأ الحَسَنُ والسِّلْمِيُّ وقَتادَةُ أيْضًا وابْنُ مُحَيْصِنٍ وسَلامٌ ومُجاهِدٌ وابْنُ أبِي إسْحاقَ والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ «تُوقَدُ» بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ أيْضًا مُضارِعُ تَوَقُّدٍ وأصْلُهُ نَتَوَقَّدُ بِتاءَيْنِ فَخَفَّفَ بِحَذْفِ أحَدِهِما.

وذَكَرَ الخَفاجِيُّ أنَّها قِراءَةُ أبِي عَمْرٍو وابْنُ كَثِيرٍ والإسْنادُ فِيها لِلزُّجاجَةِ عَلى ما مَرَّ. وقَرَأ السِّلْمِيُّ وقَتادَةُ وسَلامٌ أيْضًا «يُوقَدُ» بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ عَلى أنَّهُ مُضارِعُ تَوَقَّدَ أيْضًا، وجاءَ كَذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ وابْنِ مُحَيْصِنٍ، وأصْلُهُ يَتَوَقَّدُ أيِ المِصْباحِ فَحُذِفَتِ التّاءُ وهو غَيْرُ مَعْرُوفٍ مَعَ الياءِ وإنَّما المَعْرُوفُ هو الحَذْفُ عِنْدَ اجْتِماعِ التّاءَيْنِ المُتَماثِلِينَ.

ووَجْهُ ذَلِكَ عَلى ما قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ أنَّهُ شَبَّهَ فِيهِ حَرْفُ مُضارَعَةٍ بِحَرْفِ مُضارَعَةٍ يَعْنِي الياءَ بِالتّاءِ فَعُومِلَ مُعامَلَتَهُ

كَما شُبِّهَتِ التّاءُ والنُّونُ في تَعَدٍّ ونَعُدُّ بِياءِ يُعَدُّ فَحُذِفَ الواوُ مَعَهُما كَما حُذِفَتْ فِيهِ لِوُقُوعِها بَيْنَ ياءٍ وكَسْرَةٍ.

وقُرِئَ «تُوقَدُ» بِالتّاءِ مِن فَوْقٍ عَلى صِيغَةِ الماضِي مِنَ التَّفَعُّلِ والضَّمِيرُ لِلْمِصْباحِ أيِ ابْتِداءٍ تُوقَدُ المِصْباحُ مِن شَجَرَةٍ.

﴿لا شَرْقِيَّةٍ ولا غَرْبِيَّةٍ﴾ أيْ ضاحِيَةٍ لِلشَّمْسِ لا يُظِلُّها جَبَلٌ ولا شَجَرٌ ولا يَحْجُبُها عَنْها شَيْءٌ مِن حِينِ تَطَلُّعُ إلى أنْ تَغْرُبَ وذَلِكَ أحْسَنُ لِزَيْتِها، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وعِكْرِمَةَ وقَتادَةَ والكَلْبِيِّ وهو تَفْسِيرٌ بِلازِمِ المَعْنى أعْنِي بِهِ كَوْنَها بَيْنَ الشَّرْقِ والغَرْبِ. وعَنِ ابْنِ زَيْدٍ أيْ لَيْسَتْ مِن شَجَرِ الشَّرْقِ ولا مَن شَجَرِ الغَرْبِ لِأنَّ ما اخْتَصَّ بِإحْدى الجِهَتَيْنِ كانَ أقَلَّ زَيْتًا وأضْعَفَ ضَوْءًا لَكِنَّها مَن شَجَرِ الشّامِ وهي ما بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ وزَيْتُونُها أجْوَدُ ما يَكُونُ، وقالَ أبُو حَيّانَ في تَذْكِرَتِهِ: المَعْنى لَيْسَتْ في مُشْرِقَةٍ أبَدًا أيْ في مَوْضِعٍ لا يُصِيبُهُ ظِلٌّ ولَيْسَتْ في مَقْناةٍ أبَدًا أيْ في مَوْضِعٍ لا تُصِيبُهُ الشَّمْسُ، وحاصِلُهُ لَيْسَتِ الزَّيْتُونَةُ تُصِيبُها الشَّمْسُ خاصَّةً ولا الظِّلُّ خاصَّةً ولَكِنْ يُصِيبُها هَذا في وقْتٍ وهَذا في وقْتٍ، وقالَ الفِراءُ والزَّجّاجُ: المَعْنى لا شَرْقِيَّةَ فَقَطْ ولا غَرْبِيَّةَ فَقَطْ لَكِنَّها شَرْقِيَّةٌ غَرْبِيَّةٌ أيْ تُصِيبُها الشَّمْسُ عِنْدَ طُلُوعِها وغُرُوبِها، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ قَيْدٍ فَقَطْ بَعْدَ كُلٍّ مِن ( شَرْقِيَّةٍ وغَرْبِيَّةٍ )كَما سَمِعْتَ لِيَتَوَجَّهَ النَّفْيُ إلَيْهِ فَيُفِيدُ التَّرْكِيبُ اجْتِماعَ الأمْرَيْنِ وإلّا فَظاهِرُهُ نَفْيُهُما، وعَنِ المَطْلَعِ أنَّ هَذا كَقَوْلِ الفَرَزْدَقِ:

بِأيْدِي رِجالٍ لَمْ يَشِيمُوا سُيُوفَهم ∗∗∗ ولَمْ تَكْثُرِ القَتْلى بِها حِينَ سَلَّتْ

إذْ مَعْناهُ شامُوا سُيُوفَهم وأكْثَرُوا بِها القَتْلى، وتَعَقُّبُهُ في الكَشْفِ بِأنَّهُ لا اسْتِدْلالَ بِالبَيْتِ عَلى ذَلِكَ لِجَوازِ أنْ يُرِيدَ لَمْ يَشِيمُوا غَيْرَ مُكَثَّرِي القَتْلى عَلى الحالِ وإفادَتُهُ المَعْنى المَذْكُورِ واضِحَةٌ حِينَئِذٍ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها في دَوْحَةٍ أحاطَتْ بِها فَلَيْسَتْ مُنْكَشِفَةً لا مِن جِهَةِ الشَّرْقِ ولا مِن جِهَةِ الغَرْبِ، وتَعَقَّبَ بِأنَّ هَذا لا يَصِحُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ لِأنَّها إذا كانَتْ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَسُدَّ جَناها، وعَنِ الحَسَنِ أنَّ هَذا مَثَلٌ ولَيْسَتْ مِن شَجَرِ الدُّنْيا إذْ لَوْ كانَتْ في الدُّنْيا لَكانَتْ شَرْقِيَّةً أوْ غَرْبِيَّةً، وعَنْ عِكْرِمَةَ أنَّها مِن شَجَرِ الجَنَّةِ ولَعَلَّهُ إنَّما جَزَمَ بِذَلِكَ لِما ذَكَرَ الحَسَنُ ولا يَخْفى ما فِيهِ، وقَرَأ الضَّحّاكُ «لا شَرْقِيَّةَ ولا غَرْبِيَّةَ» بِالرَّفْعِ أيْ هي لا شَرْقِيَّةَ ولا غَرْبِيَّةَ.

وقالَ أبُو حَيّانَ: أيْ لا هي شَرْقِيَّةٌ ولا غَرْبِيَّةٌ، ولَعَلَّ ما ذَكَرْنا أوْلى، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِزَيْتُونَةٍ.

﴿يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ ولَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ﴾ أيْ هو في الصَّفاءِ والإنارَةِ بِحَيْثُ يَكادُ يُضِيءُ بِنَفْسِهِ مِن غَيْرِ مِساسِ نارٍ أصْلًا، وكَلِمَةُ ( لَوْ ) في أمْثالِ هَذِهِ المَواقِعِ لَيْسَتْ لِبَيانِ انْتِفاءِ الشَّيْءِ لِانْتِفاءِ غَيْرِهِ في الزَّمانِ الماضِي فَلا يُلاحَظُ لَها جَوابٌ قَدْ حُذِفَ ثِقَةً بِدَلالَةِ ما قَبْلِها عَلَيْهِ مُلاحَظَةٌ قَصْدِيَّةٌ إلّا عِنْدَ القَصْدِ إلى بَيانِ الإعْرابِ عَلى القَواعِدِ الصِّناعِيَّةِ بَلْ هي لِبَيانِ تَحَقُّقِ ما يُفِيدُهُ الكَلامُ السّابِقُ مِنَ الحُكْمِ المُوجِبِ أوِ المَنفِيِّ عَلى كُلِّ حالٍ

صفحة 169

مَفْرُوضٍ مِنَ الأحْوالِ المُقارِنَةِ لَهُ إجْمالًا بِإدْخالِها عَلى أبْعَدِها مِنهُ، والواوُ الدّاخِلَةُ عَلَيْها لِعَطْفِ الجُمْلَةِ المَذْكُورَةِ عَلى جُمْلَةٍ مَحْذُوفَةٍ مُقابِلَةٍ لَها عِنْدَ الجَزُولِيِّ ومَن وافَقَهُ، ومَجْمُوعُ الجُمْلَتَيْنِ في حَيِّزِ النَّصْبِ عَلى الحالِيَّةِ مِنَ المُسْتَكِنِّ في الفِعْلِ المُوجِبِ أوِ المَنفِيِّ، وتَقْدِيرُ الآيَةِ الكَرِيمَةِ يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ لَوْ مَسَّتْهُ نارٌ ولَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ أيْ يُضِيءُ كائِنًا عَلى كُلِّ حالٍ مِن وُجُودِ شَرْطِ الإضاءَةِ وعَدَمِهِ، وحُذِفَتِ الجُمْلَةُ الأوْلى حَسْبَما هو المُطَّرِدُ في البابِ ثِقَةً بِدَلالَةِ الثّانِيَةِ عَلَيْها دَلالَةً واضِحَةً.

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الواوُ لِلْحالِ ومُقْتَضاهُ أنَّ ( لَوْ ) مَعَ ما بَعْدَها حالٌ فالتَّقْدِيرُ والحالُ لَوْ كانَ أوْ لَمْ يَكُنْ كَذا أيْ مَفْرُوضًا ثُبُوتُهُ أوِ انْتِفاؤُهُ، لَكِنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ ومِثْلُهُ المَرْزُوقِيُّ يُقَدِّرُ ولَوْ كانَ الحالُ كَذا. وتَعَقَّبَ ذَلِكَ بِأنَّ أدَواتِ الشَّرْطِ لا تَصْلُحُ لِلْحالِيَّةِ لِأنَّها تَقْتَضِي عَدَمَ التَّحَقُّقِ والحالُ يَقْتَضِي خِلافَهُ. والتَزَمَ لِذَلِكَ أنَّهُ انْسَلَخَ عَنْها الشَّرْطِيَّةَ وأنَّها مُؤَوَّلَةٌ بِالحالِ كَما أنَّ الحالَ تَكُونُ في مَعْنى الشَّرْطِ نَحْوِ لِأفْعَلَنَّهُ كائِنًا ما كانَ أيْ إنْ كانَ هَذا أوْ غَيْرُهُ ولِذا لا تَحْتاجُ إلى الجَزاءِ أصْلًا، وإنَّما قَدَّرَ الحالَ بَعْدَ لَوْ عَلى ما قِيلَ: إشارَةٌ إلى أنَّهُ قَصَدَ إلى جَعْلِ الجُمْلَةِ حالًا قَبْلَ دُخُولِ الشَّرْطِ المُنافِي لَهُ ثُمَّ دَخَلَتْ ( لَوْ ) تَنْبِيهًا عَلى أنَّها حالٌ غَيْرُ مُحَقِّقَةٍ واعْتَرَضَ الرَّضِيُّ لِلْقَوْلِ بِأنَّها عاطِفَةٌ بِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَوَقَعَ التَّصْرِيحُ بِالمَعْطُوفِ عَلَيْهِ في الِاسْتِعْمالِ ولَيْسَ كَذَلِكَ وذَهَبَ إلى أنَّها اعْتِراضِيَّةٌ.

ويَجُوزُ الِاعْتِراضُ في آخِرِ الكَلامِ والمَقْصُودُ مِنهُ التَّأْكِيدُ. وأُجِيبَ عَنِ اعْتِراضِهِ بِأنَّ ظُهُورَ تَرَتُّبِ الجَزاءِ عَلى المَعْطُوفِ عَلَيْهِ أغْنى عَنْ ذِكْرِهِ حَتّى كانَ ذِكْرُهُ تَكْرارًا، وبِالجُمْلَةِ الَّذِي عَطَفَ عَلَيْهِ الأكْثَرُونَ وارْتَضَوْهُ كَوْنُها عاطِفَةً، ويَجْعَلُ مَجْمُوعَ الجُمْلَتَيْنِ في مَوْضِعِ الحالِ عَلى ما سَمِعْتُ يَنْدَفِعُ ما يَتَوَهَّمُ مِن أنْ كادَ تَنافِي اعْتِبارِ العَطْفِ هُنا فَتَأمَّلْ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ «يَمْسَسْهُ» بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ وحَسَّنَهُ الفَصْلُ وكَوْنُ الفاعِلِ غَيْرَ حَقِيقِيِّ التَّأْنِيثِ ﴿نُورٌ عَلى نُورٌ﴾ أيْ هو نُورٌ عَظِيمٌ كائِنٌ عَلى نُورٍ عَلى أنْ يَكُونَ ﴿نُورُ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لَهُ مُؤَكِّدَةً لِما أفادَهُ التَّنْكِيرُ مِنَ الفَخامَةِ، والجُمْلَةُ فَذْلَكَةٌ لِلتَّمْثِيلِ وتَصْرِيحٌ بِما حَصَلَ مِنهُ وتَمْهِيدٌ لِما يَعْقُبُهُ فالمُرادُ مِنَ الضَّمِيرِ النُّورُ الَّذِي مَثَّلَتْ صِفَتَهُ العَظِيمَةَ الشَّأْنِ بِما سَمِعْتَ لا النُّورُ المُشَبَّهُ بِهِ وحَمْلُهُ عَلَيْهِ لا يَلِيقُ كَما قِيلَ بِشَأْنِ التَّنْزِيلِ الجَلِيلِ، ولَيْسَ مَعْنى كَوْنِهِ نُورًا فَوْقَ نُورٍ أنَّهُ نُورٌ واحِدٌ مُعَيَّنٌ أوْ غَيْرُ مُعَيَّنٍ فَوْقَ نُورٍ آخَرَ مِثْلِهِ ولا أنَّهُ مَجْمُوعُ نُورَيْنِ اثْنَيْنِ فَقَطْ بَلْ إنَّهُ نُورٌ مُتَضاعِفٌ مِن غَيْرِ تَحْدِيدٍ لِتَضاعُفِهِ بِحَدٍّ مُعَيَّنٍ وتَحْدِيدِ مَراتِبِ تُضاعِفِ ما مَثَّلَ بِهِ مِن نُورِ المِشْكاةِ بِما ذَكَرَ لِكَوْنِهِ أقْصى مَراتِبِ تَضاعُفِهِ عادَةً فَإنَّ المِصْباحَ إذا كانَ في مَكانٍ مُتَضايِقٍ كالمِشْكاةِ كانَ أضْوَأ لَهُ وأجْمَعُ لِنُورِهِ بِسَبَبِ انْضِمامِ الشُّعاعِ المُنْعَكِسِ مِنهُ إلى أصْلِ الشُّعاعِ بِخِلافِ المَكانِ المُتَّسِعِ فَإنَّ الضَّوْءَ يَنْبَثُّ فِيهِ ويَنْتَشِرُ والقِنْدِيلُ أعُونُ شَيْءٍ عَلى زِيادَةِ الإنارَةِ وكَذَلِكَ الزَّيْتُ وصَفاؤُهُ ولَيْسَ وراءَ هَذِهِ المَراتِبِ مِمّا يَزِيدُ نُورُها إشْراقًا ويَمُدُّهُ بِإضاءَةِ مَرْتَبَةٍ أُخْرى عادَةً.

والظّاهِرُ عِنْدِي أنَّ التَّشْبِيهَ الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن تَشْبِيهِ المَعْقُولِ وهو نُورُهُ تَعالى بِمَعْنى أدِلَّتِهِ سُبْحانَهُ لَكِنَّ مِن حَيْثُ إنَّها أدِلَّةٌ أوِ القُرْآنُ أوِ التَّوْحِيدُ والشَّرائِعُ وما دَلَّ عَلَيْهِ بِدَلِيلِ السَّمْعِ والعَقْلِ أوِ الهُدى أوْ نَحْوِ ذَلِكَ بِالمَحْسُوسِ وهو نُورِ المِشْكاةِ المُبالَغِ في نَعْتِهِ وأنَّهُ لَيْسَ في المُشَبَّهِ بِهِ أجْزاءٌ يَنْتَزِعُ مِنها الشَّبَهَ لِيَبْنِيَ عَلَيْهِ أنَّهُ مُرَكَّبٌ أوْ مُفَرَّقٌ، وذَكَرَ أنَّهُ إذا كانَ المُرادُ تَشْبِيهُ النُّورِ بِمَعْنى الهُدى الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ الآياتُ المُبَيِّناتُ

صفحة 170

فَهُوَ مِنَ التَّشْبِيهِ المُرَكَّبِ العَقْلِيِّ وقَدْ شَبَّهَ فِيهِ الهَيْئَةَ المُنْتَزَعَةَ بِأُخْرى فَإنَّ النُّورَ وإنْ كانَ لَفْظُهُ مُفْرَدًا دالَّ عَلى مُتَعَدِّدٍ وكَذا إذا كانَ المُرادُ تَشْبِيهُ ما نُورِ اللَّهِ تَعالى بِهِ قَلْبُ المُؤْمِنِ مِنَ المَعارِفِ والعُلُومِ بِنُورِ المِشْكاةِ المُنْبَثِّ فِيها مِن مِصْباحِها، وفي الحَواشِي الطَّيِّبَةِ الطَّيْبِيَّةِ بَعْدَ اخْتِيارِ أنَّ المُرادَ بِالنُّورِ الهِدايَةِ بِوَحْيٍ يُنَزِّلُهُ ورَسُولٍ يَبْعَثُهُ ما هو ظاهِرٌ في أنَّ التَّشْبِيهَ مِنَ التَّشْبِيهِ المُفَرَّقِ بَلْ صَرَّحَ بِذَلِكَ أخِيرًا، واسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِأنَّ التَّكْرِيرَ في الآيَةِ يَسْتَدْعِي ذَلِكَ وقَدْ أطالَ الكَلامَ في هَذا المَقامِ، ومِنهُ أنَّ المُشَبَّهاتِ المُناسِبَةَ عَلى هَذا المَعْنى صَدْرُ الرَّسُولِ ﷺ وقَلْبُهُ الشَّرِيفُ واللَّطِيفَةُ الرَّبّانِيَّةُ فِيهِ والقُرْآنُ وما يَتَأثَّرُ مِنهُ القَلْبُ عِنْدَ اسْتِمْدادِهِ. والتَّفْصِيلُ أنَّهُ شَبَّهَ صَدْرَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالمِشْكاةِ لِأنَّهُ كالكُوَّةِ ذُو وجْهَيْنِ فَمِن وجْهٍ يَقْتَبِسُ النُّورَ مِنَ القَلْبِ المُسْتَنِيرِ ومِن آخَرَ يَفِيضُ ذَلِكَ النُّورُ المُقْتَبَسُ عَلى الخَلْقِ وذَلِكَ لِاسْتِعْدادِهِ بِانْشِراحِهِ مَرَّتَيْنِ مَرَّةً في صِباهُ وأُخْرى عِنْدَ إسْرائِهِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ فَهو عَلى نُورٍ مِن رَبِّهِ﴾ [الزَّمْرُ: 22] وهَذا تَشْبِيهٌ صَحِيحٌ قَدِ اشْتُهِرَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، رَوى مُحْيِي السُّنَّةِ عَنْ كَعْبٍ هَذا مِثْلُ ضَرْبِهِ اللَّهُ تَعالى لِنَبِيِّهِ ﷺ المِشْكاةَ صَدْرِهِ والزَّجّاجَةَ قَلْبِهِ والمِصْباحَ فِيهِ النُّبُوَّةُ والشَّجَرَةُ المُبارَكَةُ شَجَرَةُ النُّبُوَّةِ، ورَوى الإمامُ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّ المِشْكاةَ صَدْرُ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والزَّجّاجَةُ قَلْبُهُ والمِصْباحُ ما في قَلْبِهِ مِنَ الدِّينِ، وفي حَقائِقِ السِّلْمِيِّ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخَزّازِ المِشْكاةُ حَوْفُ مُحَمَّدٍ ﷺ والزَّجّاجَةُ قَلْبُهُ الشَّرِيفُ والمِصْباحُ النُّورُ الَّذِي فِيهِ، وشَبَّهَ قَلْبَهُ صَلَواتُ اللَّهِ تَعالى وسَلامُهُ عَلَيْهِ بِالزَّجّاجَةِ المَنعُوتَةِ بِالكَوْكَبِ الدُّرِّيِّ لِصَفائِهِ وإشْراقِهِ وخُلُوصِهِ عَنْ كَدَوْرَةِ الهَوى ولَوَثِ النَّفْسِ الأمّارَة وانْعِكاسِ نُورِ اللَّطِيفَةِ إلَيْهِ. وشُبِّهَتِ اللَّطِيفَةُ القُدْسِيَّةُ المُزْهِرَةُ في القَلْبِ بِالمِصْباحِ الثّاقِبِ.

أخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ في مُسْنَدِهِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «القُلُوبُ أرْبَعَةٌ قَلْبٌ أجْوَدُ فِيهِ مِثْلُ السِّراجِ يُزْهِرُ- وفِيهِ- أمّا القَلْبُ الأجْوَدُ فَقَلْبُ المُؤْمِنِ سِراجُهُ فِيهِ نُورُهُ»» الحَدِيثُ،

وشَبَّهَ نَفْسَ القُرْآنِ بِالشَّجَرَةِ المُبارَكَةِ لِثَباتِ أصْلِها وتَشَعُّبِ فَرَوْعِها وتَأدِّيها إلى ثَمَراتٍ لا نِهايَةَ لَها قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةً أصْلُها ثابِتٌ وفَرْعُها في السَّماءِ﴾ ﴿تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإذْنِ رَبِّها﴾ [إبْراهِيمُ: 24، 25] الآيَةُ. ورَوى مُحْيِي السُّنَّةِ عَنِ الحَسَنِ وابْنِ زَيْدٍ الشَّجَرَةَ المُبارَكَةَ شَجَرَةُ الوَحْيِ يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ تَكادُ حُجَّةُ القُرْآنِ تَتَّضِحُ وإنْ لَمْ تُقْرَأْ. وشَبَّهَ ما يَسْتَمِدُّهُ نُورُ قَلْبِهِ الشَّرِيفِ صَلَواتُ اللَّهِ تَعالى وسَلامُهُ عَلَيْهِ مِنَ القُرْآنِ وابْتِداءُ تَقْوِيَتِهِ مِنهُ بِالزَّيْتِ الصّافِي قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ ولَكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مِن نَشاءُ مِن عِبادِنا﴾ [الشُّورى: 52] فَكَما جَعَلَ سُبْحانَهُ القُرْآنَ سَبَبَ تَوَقُّدِهِ مِنهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ جَعَلَ ضَوْءَهُ مُسْتَفادًا مِنِ انْعِكاسِ نُورِ اللَّطِيفَةِ إلَيْهِ في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿ولَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ﴾ .

والمَعْنى عَلى ما ذَكَرَ في إنْسانِ العَيْنِ يَكادُ سِرُّ القُرْآنِ يَظْهَرُ لِلْخَلْقِ قَبْلَ دَعْوَةِ النَّبِيِّ ﷺ وفِيهِ مَسْحَةٌ مِن مَعْنى قَوْلِهِ:

رَقَّ الزُّجاجُ ورَقَّتِ الخَمْرُ ∗∗∗ فَتَشابَها وتَشاكَلَ الأمْرُ

فَكَأنَّما خَمْرٌ ولا قَدْحٌ ∗∗∗ وكَأنَّما قَدْحٌ ولا خَمْرُ

ومِنهُ وُصِفَتِ الشَّجَرَةُ بِكَوْنِها لا شَرْقِيَّةَ ولا غَرْبِيَّةَ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ تَشْبِيهُ فُؤادِهِ ﷺ بِالكَوْكَبِ الدُّرِّيِّ وأنَّ الشَّجَرَةَ المُبارَكَةَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ. ومَعْنى لا شَرْقِيَّةَ ولا غَرْبِيَّةَ أنَّهُ لَيْسَ بِنَصْرانِيٍّ فَيُصَلِّي نَحْوَ المَشْرِقِ ولا يَهُودِيٍّ فَيُصَلِّي نَحْوَ المَغْرِبِ. والزَّيْتُ الصّافِي دِينُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَدْ يُقالُ عَلى تَفْرِيقِ التَّشْبِيهِ لَكِنَّ

صفحة 171

عَلى مُشَرِّعٍ آخَرَ شَبَّهَ القُرْآنَ بِالمِصْباحِ عَلى ما سَبَقَ ونَفْسَهُ ﷺ الزَّكِيَّةَ الطّاهِرَةَ بِالشَّجَرَةِ لِكَوْنِها نابِتَةً مِن أرْضِ الدِّينِ مُتَشَعِّبَةً فُرُوعُها إلى سَماءِ الإيمانِ مُتَدَلِّيَةً أثْمارُها إلى فَضاءِ الإخْلاصِ والإحْسانِ وذَلِكَ لِاسْتِقامَتِها بِمُقْتَضى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ﴾ [هُودُ: 112] غَيْرُ مائِلَةٍ إلى طَرَفَيِ الإفْراطِ والتَّفْرِيطِ وذَلِكَ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا شَرْقِيَّةٍ ولا غَرْبِيَّةٍ﴾ ويُشْبِهُ ما مَحْضَ مِن تِلْكَ الثَّمَراتِ بَعْدَ التَّصْفِيَةِ التّامَّةِ لِلتَّهْيِئَةِ وقَبُولِ الآثارِ بِالزَّيْتِ الصّافِي لِوُفُورِ قُوَّةِ اسْتِعْدادِها لِلِاسْتِضاءَةِ لِلدُّهْنِيَّةِ القابِلَةِ لِلِاشْتِعالِ، ومِن ثَمَّ خُصَّتْ شَجَرَةُ الزَّيْتُونِ لِأنَّ لُبَّ ثَمَرَتِها الزَّيْتُ الَّذِي تَشْتَعِلُ بِهِ المَصابِيحُ، وخَصَّ هَذا الدَّهْنُ لِمَزِيدِ إشْراقِهِ مَعَ قِلَّةِ الدُّخانِ يَكادُ زَيْتُ اسْتِعْدادِهِ صَلَواتُ اللَّهِ تَعالى وسَلامُهُ عَلَيْهِ لِصَفائِهِ وزَكائِهِ يُضِيءُ ولَوْ لَمْ يَمْسَسْهُ نُورُ القُرْآنِ، رَوى البَغْوِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ تَكادُ مَحاسِنُ مُحَمَّدٍ ﷺ تَظْهَرُ لِلنّاسِ قَبْلَ أنْ يُوحى إلَيْهِ، قالَ ابْنُ رَواحَةَ:

لَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ آياتٌ مُبَيِّنَةٌ ∗∗∗ كانَتْ بَداهَتُهُ تُنَبِّيكَ عَنْ خَبَرِهِ

وفِي حَقائِقِ السِّلْمِيِّ مَثَلُ نُورِهِ في عَبْدِهِ المُخْلِصِ والمُشَكّاةِ القَلْبُ والمِصْباحُ النُّورُ الَّذِي قُذِفَ فِيهِ والمَعْرِفَةُ تُضِيءُ في قَلْبِ العارِفِ بِنُورِ التَّوْفِيقِ يُوقِدُ مِن شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ يُضِيءُ عَلى شَخْصٍ مُبارَكٍ تَتَبَيَّنُ أنْوارٌ باطِنَةٌ عَلى آدابٍ ظاهِرَةٍ وحُسْنُ مُعامَلَتِهِ زَيْتُونَةٌ لا شَرْقِيَّةَ ولا غَرْبِيَّةَ جَوْهَرَةٌ صافِيَةٌ لا لَها حَظٌّ في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ لِاخْتِصاصِها بِمُوالاةِ العَزِيزِ الغَفّارِ وتَفَرُّدِها بِالفَرْدِ الجَبّارِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وجَعَلَ بَعْضُهُمُ التَّشْبِيهَ مِنَ المُرَكَّبِ الوَهْمِيِّ بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ مِنَ النُّورِ المُشَبَّهِ الهُدى مِن حَيْثُ إنَّهُ مَحْفُوفٌ بِظُلُماتِ أوْهامِ النّاسِ وخَيالاتِهِمْ.

وكانَ الظّاهِرُ عَلى هَذا دُخُولُ الكافِ عَلى المِصْباحِ دُونَ المِشْكاةِ المُشْتَمِلَةِ عَلَيْهِ، ومِن هُنا قِيلَ إنَّ في الآيَةِ قَلْبًا، ووَجَّهَ بَعْضُهم دُخُولَها عَلى المِشْكاةِ بِأنَّ المُشْتَمِلَ مُقَدَّمٌ عَلى المُشْتَمِلِ عَلَيْهِ في رَأْيِ العَيْنِ فَقَدَّمَ لَفَظا ودَخَلَ الكافُ عَلَيْهِ رِعايَةً لِذَلِكَ، وقِيلَ إنَّهُ عَلى هَذا أيْضًا تَشْبِيهٌ مُفَرَّقٌ لِأنَّهُ شَبَّهَ الهُدى بِالمِصْباحِ والجَهالاتِ بِظُلْمِ اسْتَلْزَمَتْها وهو كَما تَرى.

ومِنَ النّاسِ مَن جَعَلَ التَّشْبِيهَ مُفَرَّقًا لَكِنْ بَنى كَلامَهُ عَلى ما أسَّسَهُ الفَلاسِفَةُ فَجَعَلَ النُّورَ المُشَبَّهَ ما مَنَحَ اللَّهُ تَعالى بِهِ عِبادَهُ مِنَ القُوى الخَمْسِ الدَّراكَةِ المُتَرَتِّبَةِ الَّتِي نِيطَ بِها المَعاشُ وهي القُوَّةُ الحَسّاسَةُ أعْنِي الحِسَّ المُشْتَرِكَ الَّذِي يُدْرِكُ المَحْسُوساتِ بِجَواسِيسِ الحَواسِّ الخَمْسِ الظّاهِرَةِ والقُوَّةِ الخَيالِيَّةِ الَّتِي تَحْفَظُ صُوَرَ تِلْكَ المَحْسُوساتِ لِتَعَرُّضِها عَلى القُوَّةِ العَقْلِيَّةِ مَتى شاءَ والقُوَّةُ العَقْلِيَّةُ المُدْرِكَةُ لِلْحَقائِقِ الكُلِّيَّةِ والقُوَّةُ الفِكْرِيَّةُ الَّتِي تَأْخُذُ المَعارِفَ العَقْلِيَّةَ فَتُؤَلِّفُها عَلى وجْهٍ يَحْصُلُ بِهِ العِلْمُ بِالمَجْهُولاتِ والقُوَّةُ القُدْسِيَّةُ الَّتِي يَخْتَصُّ بِها الأنْبِياءُ والأوْلِياءُ وتَنْجَلِي فِيها لَوائِحُ الغَيْبِ وأسْرارُ المَلَكُوتِ، وجَعَلَ ما في حَيِّزِ الكافِ عِبارَةً عَنْ أُمُورٍ شَبَّهَ بِكُلٍّ مِنها واحِدٌ مِن هَذِهِ الخَمْسِ فَقالَ: شَبَّهْتُ القُوَّةَ الحَسّاسَةَ بِالمِشْكاةِ مِن حَيْثُ إنَّ مَحَلَّها تَجْوِيفٌ في مُقَدَّمِ الدِّماغِ كالكُوَّةِ تَضَعُ فِيهِ الحَواسَّ الظّاهِرَةَ ما تَحُسُّ بِهِ وبِذَلِكَ يُضِيءُ، وشَبَّهَتِ القُوَّةَ الخَيالِيَّةَ بِالزَّجّاجَةِ مِن حَيْثُ إنَّها تَقْبَلُ الصُّوَرَ المُدْرَكَةَ مِنَ الجَوانِبِ كَما تَقْبَلُ الزَّجّاجَةُ الأنْوارَ الحِسِّيَّةَ مِنَ الجَوانِبِ ومِن حَيْثُ إنَّها تَضْبُطُ الأنْوارَ العَقْلِيَّةَ وتَحْفَظُها كَما تَحْفَظُ الزَّجّاجَةُ الأنْوارَ الحِسِّيَّةَ، ومِن حَيْثُ إنَّها تَسْتَنِيرُ بِما يَشْتَمِلُ عَلَيْها مِنَ المَعْقُولاتِ، وشُبِّهَتِ القُوَّةُ العَقْلِيَّةُ بِالمِصْباحِ لِإضاءَتِها بِالإدْراكاتِ والمَعارِفِ وشُبِّهَتِ القُوَّةُ الفِكْرِيَّةُ بِالشَّجَرَةِ المُبارَكَةِ مِن حَيْثُ إنَّها تُؤَدِّي إلى نَتائِجَ كَثِيرَةٍ هي بِمَنزِلَةِ ثَمَراتِ الشَّجَرَةِ، واعْتُبِرَتْ زَيْتُونَةً لِأنَّ لَها فَضِيلَةً عَلى سائِرِ الأشْجارِ مِن حَيْثُ إنَّ لُبِّ ثَمَرَتِها

صفحة 172

هُوَ الزَّيْتُ الَّذِي لَهُ مَنافِعُ جَمَّةٌ، مِنها أنَّهُ مادَّةُ المَصابِيحِ والأنْوارِ الحِسِّيَّةِ ولَهُ مِن بَيْنِ سائِرِ الأدْهانِ خاصَّةً زِيادَةُ الإشْراقِ وقِلَّةُ الدُّخانِ، واعْتِبارَ وصْفٍ ﴿لا شَرْقِيَّةٍ ولا غَرْبِيَّةٍ﴾ في جانِبِ المُشَبَّهِ مِن حَيْثُ إنَّ القُوَّةَ الفِكْرِيَّةَ مُجَرَّدَةٌ عَنِ اللَّواحِقِ الجِسْمِيَّةِ أوْ مِن حَيْثُ إنَّ انْتِفاعَها لَيْسَ مُخْتَصًّا بِجانِبِ الصُّوَرِ ولا بِجانِبِ المَعانِي، وشُبِّهَتِ القُوَّةُ القُدْسِيَّةُ بِالزَّيْتِ الَّذِي يَكادُ يُضِيءُ مِن غَيْرِ أنْ تَمْسَسْهُ نارٌ مِن حَيْثُ إنَّها لِكَمالِ صَفائِها وشِدَّةِ اسْتِعْدادِها لا تَحْتاجُ إلى تَعْلِيمٍ أوْ تَفَكُّرٍ. واعْتَرَضَ بِأنَّ حَقَّ النَّظْمِ الكَرِيمِ عَلى هَذا أنْ يُقالَ: مِثْلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ وزُجاجَةٍ ومِصْباحٍ وشَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ وزَيْتٍ يَكادُ يُضِيءُ ولَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ حَتّى يُفِيدَ تَشْبِيهَ كُلِّ واحِدٍ بِكُلِّ واحِدٍ. وأُجِيبُ بِأنَّهُ لَمّا كانَ كُلٌّ مِن هَذِهِ الحَواسِّ يَأْخُذُ ما يُدْرِكُهُ مِمّا قَبْلَهُ كَما يَأْخُذُ المَظْرُوفَ مِن ظَرْفِهِ أشارَ سُبْحانَهُ إلى ذَلِكَ بِأداةِ الظَّرْفِيَّةِ دَلالَةً عَلى بَدِيعِ صُنْعِهِ سُبْحانَهُ وحِكْمَتِهِ جَلَّ شَأْنُهُ.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English