Аль-АлусиАль‑Анкабут · 29:23–31

Аль-Алуси · Тафсир · на арабском

Аль-Анкабут 29:23–31

29:23Страница 398

وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَلِقَآئِهِۦٓ أُوْلَٰٓئِكَ يَئِسُواْ مِن رَّحۡمَتِي وَأُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ٢٣

Те, которые не веруют в знамения Аллаха и во встречу с Ним, потеряли надежду на Мою милость. Именно им уготованы мучительные страдания.

﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ﴾ أيْ بِدَلائِلِهِ التَّكْوِينِيَّةِ والتَّنْزِيلِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى ذاتِهِ وصِفاتِهِ وأفْعالِهِ، فَيَدْخُلُ فِيها النَّشْأةُ الأُولى الدّالَّةُ عَلى صِحَّةِ البَعْثِ والآياتُ النّاطِقَةُ بِهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وتَخْصِيصُها بِدَلائِلَ وحْدانِيَّتِهِ تَعالى لا يُناسِبُ المَقامَ﴿ولِقائِهِ﴾ الَّذِي تَنْطِقُ بِهِ تِلْكَ الآياتُ ﴿أُولَئِكَ﴾ المَوْصُوفُونَ بِما ذَكَرَ مِنَ الكُفْرِ بِآياتِهِ تَعالى ولِقائِهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿يَئِسُوا مِن رَحْمَتِي﴾ أيْ يَيْأسُونَ مِنها يَوْمَ القِيامَةِ عَلى أنَّهُ وعِيدٌ، وإلّا فالكافِرُ لا يُوصَفُ بِاليَأْسِ في الدُّنْيا لِأنَّهُ لا رَجاءَ لَهُ، وصِيغَةُ الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى التَّحَقُّقِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ إظْهارَ مُبايَنَةِ حالِهِمْ وحالِ المُؤْمِنِينَ لِأنَّ حالَ المُؤْمِنِ الرَّجاءُ والخَشْيَةُ وحالَ الكافِرِ الِاغْتِرارُ واليَأْسُ فَهو لا يَخْطِرُ بِبالِهِ رَجاءً ولا خَوْفًا؛ إنَّ أخْطَرَ المَخُوفِ بِبالِهِ كانَ حالُهُ اليَأْسَ بَدَلَ الخَوْفِ وإنَّ أخْطَرَ المَرْجُوِّ كانَ حالُهُ الِاغْتِرارَ بَدَلَ الرَّجاءِ، فَكَأنَّهُ تَنْصِيصٌ عَلى كُفْرِهِمْ وتَعْرِيفٌ لِحالِهِمْ، وأنْ يَكُونَ الكَلامُ عَلى الِاسْتِعارَةِ. شُبِّهُوا بِالآيِسِينَ مِنَ الرَّحْمَةِ وهُمُ الَّذِينَ ماتُوا عَلى الكُفْرِ لِأنَّهُ ما دامَتِ الحَياةُ لا يَتَحَقَّقُ اليَأْسُ مِنِ الرَّحْمَةِ لِرَجاءِ الإيمانِ، أوْ مِن قُدِّرَ آيِسًا مِنَ الرَّحْمَةِ عَلى الفَرْضِ دَلالَةً عَلى تَوَغُّلِهِمْ في الكُفْرِ وعَدَمِ ارْعِوائِهِمْ وقَرَأ الذِّمارِيُّ وأبُو جَعْفَرٍ، «يَيْسُوا» بِغَيْرِ هَمْزٍ بَلْ بِياءٍ بَدَلَ الهَمْزَةِ ﴿وأُولَئِكَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ في تَكْرِيرِ اسْمِ الإشارَةِ وتَكْرِيرِ الإسْنادِ وتَنْكِيرِ العَذابِ ووَصْفُهُ بِالألِيمِ مِنِ الدَّلالَةِ عَلى فَظاعَةِ حالِهِمْ ما لا يَخْفى لَكِنْ قالَ الإمامُ: إنَّهُ تَعالى أضافَ الرَّحْمَةَ إلى نَفْسِهِ عَزَّ وجَلَّ دُونَ العَذابِ لِيُؤْذِنَ بِأنَّ رَحْمَتَهُ جَلَّ وعَلا سَبَقَتْ غَضَبَهُ سُبْحانَهُ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ في الآيَةِ عَلى هَذا دَلالَةً عَلى سُوءِ حالِهِمْ أيْضًا لِإفادَتِها أنَّهم حُرِمُوا تِلْكَ الرَّحْمَةَ العَظِيمَةَ بِما ارْتَكَبُوهُ مِنَ العَظائِمِ

29:24Страница 399

فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوۡمِهِۦٓ إِلَّآ أَن قَالُواْ ٱقۡتُلُوهُ أَوۡ حَرِّقُوهُ فَأَنجَىٰهُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلنَّارِۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ ٢٤

В ответ его народ лишь сказал: «Убейте его или сожгите!». Но Аллах спас его из огня. Воистину, в этом - знамения для верующих людей.

﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ﴾ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ كانَ واسْمُها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا أنْ قالُوا اقْتُلُوهُ أوْ حَرِّقُوهُ﴾ .

وقَرَأ الحَسَنُ وسالِمٌ الأفْطَسُ بِالرَّفْعِ عَلى العَكْسِ، وقَدْ مَرَّ ما فِيهِ في نَظائِرِهِ، والمُرادُ بِالقَتْلِ ما كانَ بِسَيْفٍ ونَحْوِهِ فَتَظْهَرُ مُقابَلَةُ الإحْراقِ لَهُ، ولا حاجَةَ إلى جَعْلٍ أوْ بِمَعْنى بَلْ، والآمِرُونَ بِذَلِكَ إمّا بَعْضُهم لِبَعْضٍ أوْ كُبَرائِهِمْ قالُوا لِأتْباعِهِمْ: اقْتُلُوهُ فَتَسْتَرِيحُوا مِنهُ عاجِلًا أوْ حَرِّقُوهُ بِالنّارِ فَإمّا أنْ يَرْجِعَ إلى دِينِكم إذا مَضَّتْهُ

صفحة 150

النّارُ وإمّا أنْ يَمُوتَ بِها إنْ أصَرَّ عَلى قَوْلِهِ ودِينِهِ، وأيًّا ما كانَ فَفِيهِ إسْنادُ ما لِلْبَعْضِ إلى الكُلِّ، وجاءَ هُنا التَّرْدِيدُ بَيْنَ قَتْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وإحْراقِهِ فَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ مِن قائِلِينَ ناسٌ أشارُوا بِالقَتْلِ وناسٌ بِالإحْراقِ، وفي اقْتَرَبَ قالُوا حَرِّقُوهُ اقْتَصَرُوا عَلى أحَدِ الشَّيْئَيْنِ وهو الَّذِي فَعَلُوهُ رَمَوْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في النّارِ ولَمْ يَقْتُلُوهُ ثُمَّ إنَّهُ لَيْسَ المُرادُ أنَّهم لَمْ يَصْدُرْ عَنْهم بِصَدَدِ الجَوابِ عَنْ حُجَجِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ إلّا هَذِهِ المَقالَةُ الشَّنِيعَةُ كَما هو المُتَبادَرُ مِن ظاهِرِ النَّظْمِ الكَرِيمِ، بَلْ إنَّ ذَلِكَ هو الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ جَوابُهم بَعْدَ اللَّتِيا والَّتِي في المَرَّةِ الأخِيرَةِ، وإلّا فَقَدَ صَدَرَ عَنْهم مِنَ الخُرافاتِ والأباطِيلِ ما لا يُحْصى ﴿فَأنْجاهُ اللَّهُ مِنَ النّارِ﴾ الفاءُ فَصِيحَةٌ أيْ فَألْقَوْهُ في النّارِ فَأنْجاهُ اللَّهُ تَعالى مِنها بِأنَّ جَعَلَها سُبْحانَهُ عَلَيْهِ بَرْدًا وسَلامًا حَسْبَما بَيَّنَ في مَواضِعَ أُخَرَ، وقَدْ مَرَّ بَيانُ كَيْفِيَّةِ إلْقائِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ فِيها وإنْجائِهِ تَعالى إيّاهُ مِنها، وكانَ ذَلِكَ في كَوْثى مِن سَوادِ الكُوفَةِ، وكَوْنُهُ في المَكانِ المَشْهُورِ اليَوْمَ مِن أرْضِ الرَّها وعِنْدَهُ صُورَةُ المَنجَنِيقِ وماءٌ فِيهِ سَمَكٌ لا يُصْطادُ ولا يُؤْكَلُ حُرْمَةً لَهُ لا أصْلُ لَهُ ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيْ في إنْجائِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنها ﴿لآياتٍ﴾ بَيِّنَةً عَجِيبَةً وهي حِفْظُهُ تَعالى إيّاهُ مِن حَرِّها وإخْمادِها في زَمانٍ يَسِيرٍ وإنْشاءِ رَوْضٍ في مَكانِها.

وعَنْ كَعْبٍ أنَّهُ لَمْ يَحْتَرِقْ بِالنّارِ إلّا الحَبَلُ الَّذِي أوْثَقُوهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهِ، ولَوْلا وُقُوعُ اسْمِ الإشارَةِ في أثْناءِ القِصَّةِ لَكانَ الأوْلى كَوْنَهُ إشارَةً إلى ما تَضَمَّنَتْهُ ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ خَصَّهم بِالذِّكْرِ لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِالفَحْصِ عَنْها، والتَّأمُّلِ فِيها.

29:25Страница 399

وَقَالَ إِنَّمَا ٱتَّخَذۡتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ أَوۡثَٰنٗا مَّوَدَّةَ بَيۡنِكُمۡ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ ثُمَّ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يَكۡفُرُ بَعۡضُكُم بِبَعۡضٖ وَيَلۡعَنُ بَعۡضُكُم بَعۡضٗا وَمَأۡوَىٰكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّٰصِرِينَ ٢٥

Он сказал: «Вы стали поклоняться идолам вместо Аллаха только из-за любви (или ради любви) друг к другу в мирской жизни. Но потом, в День воскресения, одни из вас станут отвергать и проклинать других. Вашим пристанищем будет Огонь, и не будет у вас защитников».

﴿وقالَ﴾ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ مُخاطِبًا لَهم بَعْدَ أنْ أنْجاهُ اللَّهُ تَعالى مِنِ النّارِ.

﴿إنَّما اتَّخَذْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ أوْثانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكم في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ أيْ لِتَتَوادُّوا بَيْنَكم وتَتَواصَلُوا لِاجْتِماعِكم عَلى عِبادَتِها واتِّفاقِكم عَلَيْها وائْتِلافِكم كَما يَتَّفِقُ النّاسُ عَلى مَذْهَبٍ فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبَ تَحابِّهِمْ وتَصادُقِهِمْ، فالمَفْعُولُ لَهُ غايَةٌ مُتَرَتِّبَةٌ عَلى الفِعْلِ ومَعْلُولٌ لَهُ في الخارِجِ، أوِ المَعْنى إنَّ مَوَدَّةَ بَعْضِكم بَعْضًا هي الَّتِي دَعَتْكم إلى اتِّخاذِها بِأنْ رَأيْتُمْ بَعْضَ مَن (تَوَدُّونَهُ) اتَّخَذَها فاتَّخَذْتُمُوها مُوافَقَةً لَهُ لِمَوَدَّتِكم إيّاهُ، وهَذا كَما يَرى الإنْسانُ مَن يَوَدُّهُ يَفْعَلُ شَيْئًا فَيَفْعَلُهُ ﴿مَوَدَّةَ﴾ لَهُ، فالمَفْعُولُ لَهُ عَلى هَذا عِلَّةٌ باعِثَةٌ عَلى الفِعْلِ ولَيْسَ مَعْلُولًا لَهُ في الخارِجِ، والمُرادُ نَفْيُ أنْ يَكُونَ فِيها نَفْعٌ أوْ ضُرٌّ وأنَّ الدّاعِيَ لِاتِّخاذِها رَجاءُ النَّفْعِ أوْ خَوْفُ الضُّرِّ، وكَأنَّهُ لَمْ يُعْتَبَرْ ما جَعَلُوهُ عِلَّةً لِاتِّخاذِها عِلَّةً وهو ما أشارُوا إلَيْهِ في قَوْلِهِمْ: ﴿ما (نَعْبُدُهم إلا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾ [الزُّمَرِ: 3] لِلْإشارَةِ إلى أنَّ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ أمْرًا مَوْهُومًا لا حَقِيقَةَ لَهُ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ عِلَّةً باعِثَةً وسَبَبًا حامِلًا لِمَن لَهُ أدْنى عَقْلٍ.

وقالَ بَعْضُهُمْ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُخاطَبُونَ في هَذِهِ الآيَةِ أُناسًا مَخْصُوصِينَ، والقائِلُونَ: ﴿ما (نَعْبُدُهم إلا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾ أُناسًا غَيْرَهُمْ، وقِيلَ: (إنَّ) الأوْثانَ أوَّلُ ما اتُّخِذَتْ بِسَبَبِ المَوَدَّةِ، وذَلِكَ أنَّهُ كانَ أُناسٌ صالِحُونَ فَماتُوا وأسِفَ عَلَيْهِمْ أهْلُ زَمانِهِمْ فَصَوَّرُوا أحْجارًا بِصُوَرِهِمْ حُبًّا لَهم فَكانُوا يُعَظِّمُونَها في الجُمْلَةِ ولَمْ يَزَلْ تَعْظِيمُها يَزْدادُ جِيلًا فَجِيلًا حَتّى عُبِدَتْ، فالآيَةُ إشارَةٌ إلى ذَلِكَ، والمَعْنى إنَّما اتَّخَذَ أسْلافُكم مِن دُونِ اللَّهِ أوْثانًا إلَخْ، ومَثَلُهُ في القُرْآنِ الكَرِيمِ كَثِيرٌ، وثانِي مَفْعُولَيِ اتَّخَذْتُمْ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ آلِهَةً.

وقالَ مَكِّيٌّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اتَّخِذْ مُتَعَدِّيًا إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ سَيَنالُهم غَضَبٌ﴾ [الأعْرافِ: 152] ورُدَّ بِأنَّهُ مِمّا حُذِفَ مَفْعُولُهُ الثّانِي أيْضًا، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَوَدَّةَ هو المَفْعُولَ الثّانِيَ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ ذاتَ مَوَدَّةِ وكَوْنُها ذاتَ مَوَدَّةٍ بِاعْتِبارِ كَوْنِها سَبَبَ المَوَدَّةِ، وظاهِرُ كَلامِ الكَشّافِ أنَّ المُضافَ المَحْذُوفَ

صفحة 151

هُوَ لَفْظُ سَبَبٍ، وقَدْ يُسْتَغْنى عَنِ التَّقْدِيرِ بِتَأْوِيلِ مَوَدَّةٍ بِمَوْدُودَةٍ، أوْ بِجَعْلِها نَفْسَ المَوَدَّةِ مُبالَغَةً، واعْتُرِضَ جَعْلُ مَوَدَّةِ المَفْعُولِ الثّانِي بِأنَّهُ مَعْرِفَةٌ بِالإضافَةِ إلى المُضافِ إلى الضَّمِيرِ والمَفْعُولُ الأوَّلُ نَكِرَةٌ وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ لِأنَّهُما في الأصْلِ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ. وأُجِيبُ بِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن غَيْرِ جَوازِ ذَلِكَ في أصْلِهِما عَدَمُ جَوازِهِ فِيهِما، وإذا سَلِمَ اللُّزُومُ فَلا يَسْلَمُ كَوْنُ المَفْعُولِ الثّانِي هُنا مَعْرِفَةً بِالإضافَةِ لِما أنَّها عَلى الِاتِّساعِ فَهي مِن قَبِيلِ الإضافَةِ اللَّفْظِيَّةِ الَّتِي لا تُفِيدُ تَعْرِيفًا وإنَّما تُفِيدُ تَخْفِيفًا في اللَّفْظِ، كَذا قِيلَ: وهو كَما تَرى.

وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ «مَوَدَّةً» بِالنَّصْبِ والتَّنْوِينِ بَيْنَكم بِالنَّصْبِ، والوَجْهُ أنَّ مَوَدَّةً مَنصُوبٌ عَلى أحَدِ الوَجْهَيْنِ السّابِقَيْنِ و«بَيْنَكُمْ» مَنصُوبٌ بِهِ أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لَهُ، وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ ورُوَيْسٌ «مَوَدَّةُ بَيْنِكُمْ» بِرَفْعِ مَوَدَّةُ مُضافَةً إلى بَيْنِ وخَفْضِ بَيْنِ بِالإضافَةِ، وخَرَجَ الرَّفْعُ عَلى أنَّ مَوَدَّةُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هي مَوَدَّةٌ عَلى أحَدِ التَّأْوِيلاتِ المَعْرُوفَةِ والجُمْلَةُ صِفَةُ أوْثانًا، وجُوِّزَ كَوْنُها المَفْعُولَ الثّانِيَ أوْ عَلى أنَّها خَبَرُ إنَّ عَلى أنَّ ما مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ إنَّ اتِّخاذَكُمْ، أوْ مَوْصُولَةٌ قَدْ حُذِفَ عائِدُها وهو المَفْعُولُ الأوَّلُ، أيْ إنَّ الَّذِي اتَّخَذْتُمُوهُ مِن دُونِ اللَّهِ أوْثانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ، ويَجْرِي فِيهِ التَّأْوِيلاتُ الَّتِي أشَرْنا إلَيْها.

وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ الأصْمَعِيِّ والأعْشى عَنْ أبِي بَكْرٍ «مَوَدَّةُ» بِالرَّفْعِ والتَّنْوِينِ «بَيْنَكُمْ» بِالنَّصْبِ، ووَجْهُ كُلِّ مَعْلُومٍ مِمّا مَرَّ. ورُوِيَ عَنْ عاصِمٍ «مَوَدَّةُ» بِالرَّفْعِ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ و«بَيْنَكُمْ» بِفَتْحِ النُّونِ، جَعَلَهُ مَبْنِيًّا لِإضافَتِهِ إلى لازِمِ البَنّاءِ فَمَحَلُّهُ الجَرُّ بِإضافَةِ مَوَدَّةِ إلَيْهِ، ولِذا سَقَطَ التَّنْوِينُ مِنها. وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِي الحَياةِ الدُّنْيا﴾ عَلى هَذِهِ القِراءاتِ والأوْجُهُ فِيها أوْجُهٌ مِنَ الإعْرابِ ذَكَرَها أبُو البَقاءِ. الأوَّلُ: أنْ يَتَعَلَّقَ بِاتَّخَذْتُمْ عَلى جَعْلِ ما كافَّةً ونَصْبِ مَوَدَّةَ لا عَلى جَعْلِها مَوْصُولَةً أوْ مَصْدَرِيَّةً، ورَفَعَ مَوَدَّةُ لِئَلّا يُؤَدِّيَ إلى الفَصْلِ بَيْنَ المَوْصُولِ وما في حَيِّزِ الصِّلَةِ بِالخَبَرِ. الثّانِي: أنْ يَتَعَلَّقَ بِنَفْسِ مَوَدَّةٍ إذا لَمْ يُجْعَلْ بَيْنَ صِفَةٍ لَها بِناءً عَلى أنَّ المَصْدَرَ إذا وُصِفَ لا يَعْمَلُ مُطْلَقًا، وأجازَ ابْنُ عَطِيَّةَ هَذا التَّعَلُّقَ وإنْ جَعَلَ بَيْنَ صِفَةً لِما أنَّهُ يَتَّسِعُ بِالظَّرْفِ ما لَمْ يَتَّسِعْ في غَيْرِهِ، فَيَجُوزُ عَمَلُ المَصْدَرِ بِهِ بَعْدَ الوَصْفِ. الثّالِثُ: أنْ يَتَعَلَّقَ بِنَفْسِ بَيْنَكم لِأنَّ مَعْناهُ اجْتِماعُكم أوْ وصْلُكم. الرّابِعُ: أنْ يُجْعَلَ حالًا مِن بَيْنِكم لِتَعَرُّفِهِ بِالإضافَةِ. وتَعَقَّبَ أبُو حَيّانَ هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ بَعْدَ نَقْلِهِما عَنْ أبِي البَقاءِ كَما ذَكَرْنا بِأنَّهُما إعْرابانِ لا يَتَعَقَّلانِ. الخامِسُ: أنْ يُجْعَلَ صِفَةً ثانِيَةً لِمَوَدَّةَ إذا نُوِّنَتْ وجُعِلَ بَيْنِكم صِفَةٌ لَها، وأجازَ ذَلِكَ مَكِّيٌّ وأبُو حَيّانَ أيْضًا. السّادِسُ: أنْ يَتَعَلَّقَ بِمَوَدَّةَ ويَجْعَلَ بَيْنَكم ظَرْفًا مُتَعَلِّقًا بِها أيْضًا، وعَمِلَ مَوَدَّةَ في ظَرْفَيْنِ لِاخْتِلافِهِما. السّابِعُ: أنْ يُجْعَلَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في بَيْنَكم إذا جُعِلَ وصْفًا لِمَوَدَّةً والعامِلُ الظَّرْفُ لِأنَّ العامِلَ في ذِي الحالِ هو العامِلُ في الحالِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ العامِلُ مَوَدَّةً لِذَلِكَ. وقالَ مَكِّيٌّ: لِأنَّكَ قَدْ وصَفْتَها ومَعْمُولُ المَصْدَرِ مُتَّصِلٌ بِهِ فَيَكُونُ قَدْ فَرَّقْتَ بَيْنَ الصِّلَةِ والمَوْصُولِ بِالصِّفَةِ. وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قَرَأ «إنَّما اتَّخَذْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ أوْثانًا إنَّما مَوَدَّةُ بَيْنِكم في الحَياةِ الدُّنْيا» بِزِيادَةِ «إنَّما» بَعْدَ أوْثانًا ورَفْعِ «مَوَدَّةُ» بِلا تَنْوِينٍ وجَرِّ بَيْنِ بِالإضافَةِ وخَرَجَتْ عَلى أنَّ مَوَدَّةَ مُبْتَدَأٌ وفي الحَياةِ الدُّنْيا خَبَرُهُ، والمَعْنى إنَّما تَوادُّكم عَلَيْها أوْ مَوَدَّتُكم إيّاها كائِنٌ أوْ كائِنَةٌ في الحَياةِ الدُّنْيا ﴿ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ يَتَبَدَّلُ الحالُ حَيْثُ ﴿يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ﴾ وهُمُ العَبَدَةُ ﴿بِبَعْضٍ﴾ وهُمُ الأوْثانُ ﴿ويَلْعَنُ بَعْضُكم بَعْضًا﴾ أيْ يَلْعَنُ كُلُّ فَرِيقٍ مِنكم ومِنَ الأوْثانِ حَيْثُ يُنْطِقُها اللَّهُ تَعالى الفَرِيقَ

صفحة 152

الآخَرَ، وفِيهِ تَغْلِيبُ الخِطابِ وضَمِيرُ العُقَلاءِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الخِطابُ لِلْعَبَدَةِ لا غَيْرَ، والمُرادُ بِكَفَرَ بَعْضُهم بِبَعْضٍ التَّناكُرُ أيْ ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَظْهَرُ التَّناكُرُ والتَّلاعُنُ بَيْنَكم أيَّتُها العَبَدَةُ لِلْأوْثانِ.

﴿ومَأْواكُمُ النّارُ﴾ أيْ هي مَنزِلُكُمُ الَّذِي تَأْوُونَ إلَيْهِ ولا تَرْجِعُونَ مِنهُ أبَدًا.

﴿وما لَكم مِن ناصِرِينَ﴾ يُخَلِّصُونَكم مِنها كَما خَلَّصَنِي رَبِّي مِنَ النّارِ الَّتِي ألْقَيْتُمُونِي فِيها، وجَمْعُ النّاصِرِينَ لِوُقُوعِهِ في مُقابَلَةِ الجَمْعِ، أيْ ما لِأحَدٍ مِنكم مِن ناصِرٍ أصْلًا

29:26Страница 399

۞ فَـَٔامَنَ لَهُۥ لُوطٞۘ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّيٓۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٢٦

В него уверовал Лут (Лот), и Ибрахим (Авраам) сказал: «Я собираюсь совершить переселение ради своего Господа. Воистину, Он - Могущественный, Мудрый».

﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ أيْ صَدَّقَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في جَمِيعِ مَقالاتِهِ أوْ بِنُبُوَّتِهِ حِينَ ادَّعاها لا أنَّهُ صَدَّقَهُ فِيما دَعا إلَيْهِ مِنَ التَّوْحِيدِ ولَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ قَبْلُ، فَإنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مُتَنَزِّهًا عَنِ الكُفْرِ، وما قِيلَ: إنَّهُ آمَنَ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ رَأى النّارَ لَمْ تَحْرُقْهُ ضَعِيفُ رِوايَةٍ وكَذا دِرايَةٍ، لِأنَّهُ بِظاهِرِهِ يَقْتَضِي عَدَمَ إيمانِهِ قَبِلَ وهو غَيْرُ لائِقٍ بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وحَمَلَهُ بَعْضُهم عَلى نَحْوِ ما ذَكَرْنا أوْ عَلى أنْ يُرادَ بِالإيمانِ الرُّتْبَةُ العالِيَةُ مِنها وهي الَّتِي لا يَرْتَقِي إلَيْها إلّا الأفْرادُ، ولُوطٌ عَلى ما في جامِعِ الأُصُولِ ابْنُ أخِيهِ هارانَ بْنِ تارَحَ، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّهُ ابْنُ أُخْتِهِ بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ ﴿وقالَ﴾ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ: كَما ذَهَبَ إلَيْهِ قَتادَةَ والنَّخَعِيُّ وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ولَيْسَ بِشَيْءٍ لِما يَلْزَمُ عَلَيْهِ مِنَ التَّفْكِيكِ، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا كانَ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ؟ فَقِيلَ: قالَ ﴿إنِّي مُهاجِرٌ﴾ أيْ مِن قَوْمِي ﴿إلى رَبِّي﴾ أيْ إلى الجِهَةِ الَّتِي أمَرَنِي رَبِّي بِالهِجْرَةِ إلَيْها، وقِيلَ: إلى حَيْثُ لا أُمْنَعُ عِبادَةَ رَبِّي، وقِيلَ: المَعْنى مُهاجِرُ مَن خالَفَنِي مِن قَوْمِي مُتَقَرِّبًا إلى رَبِّي ﴿إنَّهُ﴾ عَزَّ وجَلَّ ﴿هُوَ العَزِيزُ﴾ الغالِبُ عَلى أمْرِهِ فَيَمْنَعُنِي مِن أعْدائِي ﴿الحَكِيمُ﴾ الَّذِي لا يَفْعَلُ فِعْلًا إلّا وفِيهِ حِكْمَةٌ ومَصْلَحَةٌ فَلا يَأْمُرُنِي إلّا بِما فِيهِ صَلاحِي.

رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ هاجَرَ مِن كَوْثى مِن سَوادِ الكُوفَةِ مَعَ لُوطًا وسارَّةَ ابْنَةِ عَمِّهِ إلى حَرّانَ، ثُمَّ مِنها إلى الشّامِ فَنَزَلَ قَرْيَةً مِن أرْضِ فِلَسْطِينَ، ونَزَلَ لُوطٌ سَذُومَ وهي المُؤْتَفِكَةُ عَلى مَسِيرَةِ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ مِن قَرْيَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِما السَّلامُ، وكانَ عُمْرُهُ إذْ ذاكَ عَلى ما في الكَشّافِ والبَحْرِ خَمْسًا وسَبْعِينَ سَنَةً، وهو أوَّلُ مَن هاجَرَ في اللَّهِ تَعالى

29:27Страница 399

وَوَهَبۡنَا لَهُۥٓ إِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ وَجَعَلۡنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ ٱلنُّبُوَّةَ وَٱلۡكِتَٰبَ وَءَاتَيۡنَٰهُ أَجۡرَهُۥ فِي ٱلدُّنۡيَاۖ وَإِنَّهُۥ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ٢٧

Мы даровали ему Исхака (Исаака) и Йакуба (Иакова), а его потомству - пророчество и Писание. Мы даровали ему его награду в этом мире, а в Последней жизни он будет в числе праведников.

﴿ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ﴾ ولَدًا ونافِلَةً حِينَ أيِسَ مِن عَجُوزٍ عاقِرٍ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلُ ولا حاجَةَ إلى عَطْفِها عَلى مُقَدَّرٍ كَأصْلَحْنا أمْرَهُ، ولَمْ يَذْكُرْ سُبْحانَهُ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، قِيلَ لِأنَّ المَقامَ مَقامَ الِامْتِنانِ وذِكْرَ الإحْسانِ وذَلِكَ بِإسْحاقَ ويَعْقُوبَ لِما أشَرْنا إلَيْهِ بِخِلافِ إسْماعِيلَ وقِيلَ لِأنَّهُ لا يُناسِبُ ذِكْرَهُ هاهُنا لِأنَّهُ ابْتُلِيَ بِفِراقِهِ ووَضْعِهِ بِمَكَّةَ مَعَ أُمِّهِ دُونَ أنِيسٍ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ذُكِرَ ضِمْنًا وتَلْوِيحًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا في ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ والكِتابَ﴾ ولَمْ يُصَرِّحْ بِهِ لِشُهْرَةِ أمْرِهِ وعُلُوِّ قَدْرِهِ، هَذا مَعَ أنَّ المُخاطَبَ نَبِيُّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وهو مِن أوْلادِهِ وأعْلَمُ بِهِ، والمُرادُ بِالكِتابِ جِنْسُهُ المُتَناوِلُ لِلْكُتُبِ الأرْبَعَةِ ﴿وآتَيْناهُ أجْرَهُ﴾ عَلى ما عَمِلَ لَنا ﴿فِي الدُّنْيا﴾ قالَ مُجاهِدٌ:

بِإنْجائِهِ مِنَ النّارِ ومِنَ المَلِكِ الجَبّارِ والثَّناءِ الحَسَنِ عَلَيْهِ بِحَيْثُ يَتَوَلّاهُ كُلُّ أُمَّةٍ، وضَمَّ إلى ذَلِكَ ابْنَ جُرَيْجٍ الوَلَدَ الَّذِي قَرَّتْ بِهِ عَيْنُهُ.

وقَدْ يُضَمُّ إلى ذَلِكَ أيْضًا اسْتِمْرارُ النُّبُوَّةِ في ذُرِّيَّتِهِ، وقالَ السُّدِّيُّ: إنَّ ذَلِكَ إراءَتُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مَكانَهُ مِنَ الجَنَّةِ، وقالَ بَعْضُهُمْ: هو التَّوْفِيقُ لِعَمَلِ الآخِرَةِ، وقِيلَ: هو الصَّلاةُ عَلَيْهِ إلى آخِرِ الدَّهْرِ، وقالَ الماوَرْدِيُّ:

صفحة 153

هُوَ بَقاءُ ضِيافَتِهِ عِنْدَ قَبْرِهِ ولَيْسَ ذَلِكَ لِنَبِيٍّ غَيْرِهِ، ولا يَخْفى حالُ بَعْضِ هَذِهِ الأقْوالِ، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ المُرادَ آتَيْناهُ أجْرَهُ بِمُقابَلَةِ هِجْرَتِهِ إلَيْنا، وعَلَيْهِ لا يَصِحُّ عَدُّ الإنْجاءِ مِنَ النّارِ مِنَ الأجْرِ بَلْ يُعَدُّ إعْطاءُ الوَلَدِ والذُّرِّيَّةِ الطَّيِّبَةِ واسْتِمْرارُ النُّبُوَّةِ فِيهِمْ ونَحْوُهُ ذَلِكَ مِمّا كانَ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ الهِجْرَةِ مِنَ الأجْرِ، وعَطْفُ هَذا وما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ أيْ لَفي عِدادِ الكامِلِينَ في الصَّلاحِ مِنَ التَّعْمِيمِ بَعْدَ التَّخْصِيصِ، بِأنَّهُ لَمّا عَدَّدَ ما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِ مِنَ النِّعَمِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ قالَ سُبْحانَهُ: وجَمَعْنا لَهُ مَعَ ما ذَكَرَ خَيْرَ الدّارَيْنِ

29:28Страница 399

وَلُوطًا إِذۡ قَالَ لِقَوۡمِهِۦٓ إِنَّكُمۡ لَتَأۡتُونَ ٱلۡفَٰحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنۡ أَحَدٖ مِّنَ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٢٨

Вот Лут (Лот) сказал своему народу: «Воистину, вы совершаете мерзость, которую не совершал до вас никто из миров.

﴿ولُوطًا﴾ عَطْفٌ عَلى إبْراهِيمَ أوْ عَلى نُوحًا والكَلامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ﴾ كالَّذِي في القِصَّةِ السّابِقَةِ.

﴿إنَّكم لَتَأْتُونَ الفاحِشَةَ﴾ الفِعْلَةَ البالِغَةَ في القُبْحِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ «أئِنَّكُمْ» عَلى الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ: ﴿ما (سَبَقَكم بِها مِن أحَدٍ مِن العالَمِينَ﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِكَمالِ قُبْحِها، فَإنَّ إجْماعَ جَمِيعِ أفْرادِ العالَمِينَ عَلى التَّحاشِي عَنْها لَيْسَ إلّا لِكَوْنِها مِمّا تَشْمَئِزُّ مِنهُ الطِّباعُ السَّلِيمَةُ وتَنْفِرُ مِنهُ النُّفُوسُ الكَرِيمَةُ، وجَوَّزَ أبُو حَيّانَ كَوْنَ الجُمْلَةِ حالًا مِن ضَمِيرِ تَأْتُونَ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّكم لَتَأْتُونَ الفاحِشَةَ مُبْتَدِعِينَ لَها غَيْرَ مَسْبُوقِينَ بِها

29:29Страница 399

أَئِنَّكُمۡ لَتَأۡتُونَ ٱلرِّجَالَ وَتَقۡطَعُونَ ٱلسَّبِيلَ وَتَأۡتُونَ فِي نَادِيكُمُ ٱلۡمُنكَرَۖ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوۡمِهِۦٓ إِلَّآ أَن قَالُواْ ٱئۡتِنَا بِعَذَابِ ٱللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ٢٩

Неужели вы вожделеете мужчин, перекрываете дороги и совершаете предосудительное на своих сборищах?». В ответ его народ лишь сказал: «Нашли на нас мучения от Аллаха, если ты - один из тех, кто говорит правду».

﴿أإنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ﴾ أيْ تَنْكِحُونَهم ﴿وتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ﴾ أيْ وتَقْطَعُونَ الطَّرِيقَ بِسَبَبِ تَكْلِيفِ الغُرَباءِ والمارَّةِ تِلْكَ الفِعْلَةِ القَبِيحَةِ وإتْيانِهِمْ كُرْهًا أوْ وتَقْطَعُونَ سَبِيلَ النَّسْلِ بِالإعْراضِ عَنِ الحَرْثِ وإتْيانِ ما لَيْسَ بِحَرْثٍ، وقِيلَ: تَقْطَعُونَ الطَّرِيقَ بِالقَتْلِ وأخْذِ المالِ، وقِيلَ:

تَقْطَعُونَهُ بِقُبْحِ الأُحْدُوثَةِ ﴿وتَأْتُونَ﴾ أيْ تَفْعَلُونَ ﴿فِي نادِيكُمُ﴾ أيْ في مَجْلِسِكُمُ الَّذِي تَجْتَمِعُونَ فِيهِ، وهو اسْمُ جِنْسٍ إذْ أنْدِيَتُهم في مَجالِسِهِمْ كَثِيرَةٌ، ولا يُسَمّى نادِيًا إلّا إذا كانَ فِيهِ أهْلُهُ فَإذا نامُوا عَنْهُ لَمْ يُطْلَقْ عَلَيْهِ نادٍ ﴿المُنْكَرَ﴾

أخْرَجَ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والطَّبَرانِيُّ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ وغَيْرُهم عَنْ أُمِّ هانِئٍ بِنْتِ أبِي طالِبٍ قالَتْ: ««سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعالى: ﴿وتَأْتُونَ في نادِيكُمُ المُنْكَرَ﴾ فَقالَ: كانُوا يَجْلِسُونَ بِالطَّرِيقِ فَيَخْذِفُونَ أبْناءَ السَّبِيلِ ويَسْخَرُونَ مِنهم»، وعَنْ مُجاهِدٍ ومَنصُورٍ والقاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ وقَتادَةَ وابْنِ زَيْدٍ هو إتْيانُ الرِّجالِ في مَجالِسِهِمْ يَرى بَعْضُهم بَعْضًا، وعَنْ مُجاهِدٍ أيْضًا هو لَعِبُ الحَمامِ وتَطْرِيفُ الأصابِعِ بِالحِنّاءِ والصَّفِيرُ والخَذْفُ ونَبْذُ الحَياءِ في جَمِيعِ أُمُورِهِمْ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ هو تَضارُطُهم وتَصافُعُهم فِيها، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ هو الخَذْفُ بِالحَصى والرَّمْيُ وبِالبَنادِقِ والفَرْقَعَةُ ومَضْغُ العَلَكِ والسِّواكِ بَيْنَ النّاسِ وحَلُّ الإزارِ والسِّبابُ والفُحْشُ في المِزاحِ ولَمْ يَأْتِ في قِصَّةِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ دَعا قَوْمَهُ إلى عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى كَما جاءَ في قِصَّةِ إبْراهِيمَ وكَذا في قِصَّةِ شُعَيْبٍ الآتِيَةِ لِأنَّ لُوطًا كانَ مِن قَوْمِ إبْراهِيمَ وفي زَمانِهِ وقَدْ سَبَقَهُ إلى الدُّعاءِ لِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى وتَوْحِيدِهِ واشْتَهَرَ أمْرُهُ عِنْدَ الخَلْقِ فَذَكَرَ لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلامُ ما اخْتَصَّ بِهِ مِنَ المَنعِ مِنَ الفاحِشَةِ وغَيْرِها، وأمّا إبْراهِيمُ وشُعَيْبٌ عَلَيْهِما السَّلامُ فَجاءا بَعْدَ انْقِراضِ مَن كانَ يَعْبُدُ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ ويَدْعُو إلَيْهِ سُبْحانَهُ فَلِذَلِكَ دَعا كُلٌّ مِنهُما قَوْمَهُ إلى عِبادَتِهِ تَعالى كَذا في البَحْرِ.

﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلا أنْ قالُوا ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ أيْ فِيما تَعِدُنا مِن نُزُولِ العَذابِ عَلى ما في الكَشّافِ وغَيْرِهِ، وهَذا ظاهِرٌ في أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ أوْعَدَهم بِالعَذابِ، وقِيلَ: أيْ في دَعْوى اسْتِحْقاقِنا العَذابَ عَلى ما نَحْنُ عَلَيْهِ المَفْهُومَةِ مِنِ التَّوْبِيخِ المَعْلُومِ مِنَ الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ،

صفحة 154

وقِيلَ: أيْ في دَعْوى اسْتِقْباحِ ذَلِكَ النّاطِقِ بِها كَلامُكَ وهَذا الجَوابُ صَدَرَ عَنْهم في المَرَّةِ الأُولى مِن مَرّاتِ مَواعِظِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وما في سُورَةِ الأعْرافِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلا أنْ قالُوا أخْرِجُوهم مِن قَرْيَتِكُمْ﴾ [الأعْرافِ: 82] الآيَةَ وما في سُورَةِ النَّمْلِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلا أنْ قالُوا أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِن قَرْيَتِكُمْ﴾ [النَّمْلِ: 56] الآيَةَ فَقَدْ صَدَرَ عَنْهم بَعْدَ هَذِهِ المَرَّةِ فَلا مُنافاةَ بَيْنَ الحَصْرِ هُنا والحَصْرِ هُناكَ، قالَهُ أبُو حَيّانَ وتَبِعَهُ أبُو السُّعُودِ. وتُعُقِّبَ بِأنَّ هَذا التَّعْيِينَ يَحْتاجُ إلى تَوْقِيفٍ. وأُجِيبُ بِأنَّ مَضْمُونَيِ الجَوابَيْنِ يُشْعِرانِ بِالتَّقَدُّمِ والتَّأخُّرِ، وذَلِكَ أنَّ ﴿ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ مِن بابِ التَّكْذِيبِ والسُّخْرِيَةِ وهو أوْفَقُ بِأوائِلِ المَواعِظِ والتَّوْبِيخاتِ (وأخْرِجُوهم مِن قَرْيَتِكُمْ) ونَحْوُهُ مِن بابِ التَّعْذِيبِ والِانْتِقامِ، وهو أنْسَبُ بِأنْ يَكُونَ بَعْدَ تَكَرُّرِ الوَعْظِ والتَّوْبِيخِ المُوجِبِ لِضَجَرِهِمْ ومَزِيدِ تَألُّمِهِمْ مَعَ قُدْرَتِهِمْ عَلى التَّشَفِّي، وهَذا القَدْرُ يَكْفِي لِدَعْوى التَّقَدُّمِ والتَّأخُّرِ، وقِيلَ في دَفْعِ المُنافاةِ بَيْنَ الحَصْرَيْنِ: إنَّ ما هُنا جَوابُ قَوْمِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لَهُ إذْ نَصَحَهُمْ، وما هُناكَ جَوابُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ إذْ تَشاوَرُوا في أمْرِهِ، وقِيلَ: إنَّ أحَدَ الجَوابَيْنِ صَدَرَ عَنْ كِبارِ قَوْمِهِ وأُمَرائِهِمْ والآخَرُ صَدَرَ عَنْ غَيْرِهِمْ، وظاهِرُ صَنِيعِ بَعْضِ الأجِلَّةِ يَقْتَضِي اخْتِيارَ أنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنَ الحَصْرَيْنِ بِالإضافَةِ إلى الجَوابِ الَّذِي يَرْجُوهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في مُتابَعَتِهِ فَتَأمَّلْ.

29:30Страница 399

قَالَ رَبِّ ٱنصُرۡنِي عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡمُفۡسِدِينَ ٣٠

Он сказал: «Господи! Помоги мне одержать верх над людьми, распространяющими нечестие!».

﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي﴾ أيْ بِإنْزالِ العَذابِ المَوْعُودِ ﴿عَلى القَوْمِ المُفْسِدِينَ﴾ بِابْتِداعِ الفاحِشَةِ وسَنِّها فِيما بَعْدَهم والإصْرارِ عَلَيْها واسْتِعْجالِ العَذابِ بِطَرِيقِ السُّخْرِيَةِ، وإنَّما وصَفَهم بِذَلِكَ مُبالَغَةً في اسْتِنْزالِ العَذابِ

29:31Страница 400

وَلَمَّا جَآءَتۡ رُسُلُنَآ إِبۡرَٰهِيمَ بِٱلۡبُشۡرَىٰ قَالُوٓاْ إِنَّا مُهۡلِكُوٓاْ أَهۡلِ هَٰذِهِ ٱلۡقَرۡيَةِۖ إِنَّ أَهۡلَهَا كَانُواْ ظَٰلِمِينَ ٣١

Когда Наши посланцы прибыли к Ибрахиму (Аврааму) с радостной вестью, они сказали: «Мы собираемся погубить жителей этого селения. Воистину, его жители являются беззаконниками».

﴿ولَمّا جاءَتْ رُسُلُنا إبْراهِيمَ بِالبُشْرى﴾ أيِ البِشارَةِ بِالوَلَدِ والنّافِلَةِ ﴿قالُوا﴾ أيْ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ في تَضاعِيفِ الكَلامِ ﴿إنّا مُهْلِكُو أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ﴾ أيْ قَرْيَةِ سَذُومَ وهي أكْبَرُ قُرى قَوْمِ لُوطٍ وفِيها نَشَأتِ الفاحِشَةُ أوَّلًا عَلى ما قِيلَ، ولِذا خُصَّتْ بِالذِّكْرِ، وفي الإشارَةِ بِهَذِهِ إشارَةٌ إلى أنَّها كانَتْ قَرِيبَةً مِن مَحَلِّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وإضافَةُ ﴿مُهْلِكُو﴾ إلى ﴿أهْلِ﴾ لَفْظِيَّةٌ لِأنَّ المَعْنى عَلى الِاسْتِقْبالِ، وجُوِّزَ كَوْنُها مَعْنَوِيَّةً لِتَنْزِيلِ ذَلِكَ مَنزِلَةَ الماضِي لِقَصْدِ التَّحْقِيقِ والمُبالَغَةِ ﴿إنَّ أهْلَها كانُوا ظالِمِينَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْإهْلاكِ بِإصْرارِهِمْ عَلى الظُّلْمِ وتَمادِيهِمْ في فُنُونِ الفَسادِ وأنْواعِ المَعاصِي، والتَّأْكِيدُ في المَوْضِعَيْنِ لِلِاعْتِناءِ بِشَأْنِ الخَبَرِ وقالَ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ أهْلَها﴾ دُونَ إنَّهم مَعَ أنَّهُ أظْهَرُ وأخْصَرُ تَنْصِيصًا عَلى اتِّفاقِهِمْ عَلى الفَسادِ كَما اخْتارَهُ الخَفاجِيُّ.

وقالَ بَعْضُ المُدَقِّقِينَ: إنْ ذَلِكَ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ مَنشَأً فَسادِ جِبِلَّتِهِمْ خُبْثُ طِينَتِهِمْ، فَفِيهِ إشارَةٌ خَفِيَّةٌ إلى أنَّ المُرادَ مِن أهْلِ القَرْيَةِ مَن نَشَأ فِيها فَلا يَتَناوَلُ لُوطًا عَلَيْهِ السَّلامُ، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ يَبْعُدُ كُلَّ البُعْدِ خَفاؤُها لَوْ كانَتْ عَلى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كَما هو ظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى:

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English