Аль-АлусиАль Имран · 3:164–166

Аль-Алуси · Тафсир · на арабском

Аль Имран 3:164–166

3:164Страница 71

لَقَدۡ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ إِذۡ بَعَثَ فِيهِمۡ رَسُولٗا مِّنۡ أَنفُسِهِمۡ يَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِهِۦ وَيُزَكِّيهِمۡ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبۡلُ لَفِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٍ ١٦٤

Аллах уже оказал милость верующим, когда отправил к ним Пророка из них самих, который читает им Его аяты, очищает их и обучает их Писанию и мудрости, хотя прежде они находились в очевидном заблуждении.

﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ﴾ أيْ أنْعَمَ وتَفَضَّلَ، وأصْلُ المَنِّ القَطْعُ، وسُمِّيَتِ النِّعْمَةُ مِنَّةً لِأنَّهُ يُقْطَعُ بِها عَنِ البَلِيَّةِ، وكَذا الِاعْتِدادُ بِالصَّنِيعَةِ مَنًّا لِأنَّهُ قَطْعٌ لَها عَنْ وُجُوبِ الشُّكْرِ عَلَيْها، والجُمْلَةُ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ أيْ واللَّهِ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ ﴿عَلى المُؤْمِنِينَ﴾ أيْ مِن قَوْمِهِ أوْ مِنَ العَرَبِ مُطْلَقًا أوْ مِنَ الإنْسِ - وخَيْرُ الثَّلاثَةِ الوَسَطُ - وإلَيْهِ ذَهَبَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها، فَقَدْ أخْرَجَ البَيْهَقِيُّ وغَيْرُهُ عَنْها أنَّها قالَتْ: هَذِهِ لِلْعَرَبِ خاصَّةً - والأوَّلُ خَيْرٌ مِنَ الثّالِثِ، وأيّا ما كانَ فالمُرادُ بِهِمْ عَلى ما قالَ الأجْهُورِيُّ: المُؤْمِنُونَ مِن هَؤُلاءِ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى أوِ الَّذِينَ آلَ أمْرُهم إلى الإيمانِ ﴿إذْ بَعَثَ فِيهِمْ﴾ أيْ بَيْنَهم ﴿رَسُولا﴾ عَظِيمَ القَدْرِ جَلِيلَ الشَّأْنِ ﴿مِن أنْفُسِهِمْ﴾ أيْ مِن نَسَبِهِمْ، أوْ مِن جِنْسِهِمْ عَرَبِيًّا مِثْلَهم أوْ مِن بَنِي آدَمَ لا مَلِكًا ولا جِنِّيًّا، و(إذْ) ظَرْفٌ لِمَنَّ، وهو وإنْ

صفحة 113

كانَ بِمَعْنى الوَقْتِ، لَكِنْ وقَعَ في مَعْرِضِ التَّعْلِيلِ كَما نَصَّ عَلَيْهِ مُعْظَمُ المُحَقِّقِينَ، والجارُّ إمّا مُتَعَلِّقٌ ( بِبَعَثَ ) أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً - لِرَسُولًا - والِامْتِنانُ بِذَلِكَ إمّا لِحُصُولِ الأُنْسِ بِكَوْنِهِ مِنَ الإنْسِ فَيَسْهُلُ التَّلَقِّي مِنهُ وتَزُولُ الوَحْشَةُ والنَّفْرَةُ الطَّبِيعِيَّةُ الَّتِي بَيْنَ الجِنْسَيْنِ المُخْتَلِفَيْنِ، وإمّا لِيَفْهَمُوا كَلامَهُ بِسُهُولَةٍ ويَفْتَخِرُوا عَلى سائِرِ أصْنافِ نَوْعِ بَنِي آدَمَ، وإمّا لِيَفْهَمُوا ويَفْتَخِرُوا ويَكُونُوا واقِفِينَ عَلى أحْوالِهِ في الصِّدْقِ والأمانَةِ فَيَكُونُ ذَلِكَ أقْرَبَ إلى تَصْدِيقِهِ والوُثُوقِ بِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ.

وتَخْصِيصُ المُؤْمِنِينَ بِالِامْتِنانِ مَعَ عُمُومِ نِعْمَةِ البَعْثَةِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْناكَ إلا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ لِمَزِيدِ انْتِفاعِهِمْ عَلى اخْتِلافِ الأقْوالِ فِيهِمْ بِها، ونَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ .

وقُرِئَ (لِمِن مَنِّ اللَّهِ) بِمِنِ الجارَّةِ ومَنَّ المُشَدِّدَةِ النُّونِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ مِثْلِ مَنُّهُ أوْ بَعْثُهُ، وحُذِفَ لِقِيامِ الدَّلالَةِ، وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ تَكُونَ إذْ في مَحَلِّ الرَّفْعِ كَإذا في قَوْلِكَ: أخْطَبُ ما يَكُونُ الأمِيرُ إذا كانَ قائِمًا، بِمَعْنى لِمِن مَنِّ اللَّهِ تَعالى عَلى المُؤْمِنِينَ وقْتُ بَعْثِهِ، ولا يَخْفى عَلَيْكَ أنَّ هَذا يَقْتَضِي أنْ تَكُونَ (إذْ) مُبْتَدَأً والجارُّ والمَجْرُورُ خَبَرًا، (وقَدِ اعْتُرِضَ ذَلِكَ) بِأنَّهُ لَمْ يُعْلَمْ أنَّ أحَدًا مِنَ النَّحْوِيِّينَ قالَ بِوُقُوعِ إذْ كَذَلِكَ، وما في المِثالِ إذا لا إذْ، وهي أيْضًا فِيهِ لَيْسَتْ مُبْتَدَأً أصْلًا، وإنَّما جَوَّزُوا فِيها وجْهَيْنِ: النَّصْبَ عَلى أنَّ الخَبَرَ مَحْذُوفٌ وهي سادَّةٌ مَسَدَّهُ، والرَّفْعَ عَلى أنَّها هي الخَبَرُ، وعَلى الأوَّلِ يَكُونُ الكَلامُ مِن بابِ: جَدَّ جَدُّهُ لِأنَّ الأمِيرَ أخْطَبُ في حالِ القِيامِ لا كَوْنُهُ، وعَلى الثّانِي مِن بابِ: نَهارُهُ صائِمٌ، والوَجْهُ الأوَّلُ هو المَشْهُورُ، وجَوَّزَ الثّانِي عَبْدُ القاهِرِ تَمَسُّكًا بِقَوْلِ بَعْضِهِمْ: أخْطَبُ ما يَكُونُ الأمِيرُ يَوْمَ الجُمُعَةِ بِالرَّفْعِ، فَكَأنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ قاسَ إذْ عَلى إذا والمُبْتَدَأ عَلى الخَبَرِ.

وانْتَصَرَ بَعْضُهم لِلزَّمَخْشَرِيِّ بِأنَّهُ قَدْ صَرَّحَ جَماعَةٌ مِن مُحَقِّقِي النُّحاةِ بِخُرُوجِ إذْ عَنِ الظَّرْفِيَّةِ فَتَكُونُ مَفْعُولًا بِهِ وبَدَلًا مِنَ المَفْعُولِ، وهَذا في قُوَّةِ تَصْرِيحِهِمْ بِوُقُوعِها مُبْتَدَأً وخَبَرًا مَثَلًا، إذْ هو قَوْلٌ بِتَصَرُّفِها، ومَتى قِيلَ بِهِ كانَتْ جَمِيعُ الأحْوالِ مُسْتَوِيَةً في جَوازِ الإقْدامِ عَلَيْها مِن غَيْرِ تَفْرِقَةٍ بَيْنَ حالٍ وحالٍ إلّا لِمانِعٍ يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ الحالِ فِيها وفي غَيْرِها مِن سائِرِ الأسْماءِ، وهو أمْرٌ آخَرُ وراءَ ما نَحْنُ فِيهِ، نَعَمْ حَكى الشَّلُوبِينُ في شَرْحِ الجَزُولِيَّةِ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّ مَأْخَذَ التَّصَرُّفِ في الظُّرُوفِ هو السَّماعُ، فَإنْ كانَ هَذا حُكْمَ أصْلِ التَّصَرُّفِ فَقَطْ دُونَ أنْواعِهِ ارْتَفَعَ الغُبارُ عَمّا قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِناءً عَلى ما ذَكَرْنا بِلا خَفاءٍ، وإنْ كانَ حُكْمُ الأنْواعِ أيْضًا كَذَلِكَ فَلا يُقْدَمُ عَلى الفاعِلِيَّةِ بِمُجَرَّدِ ثُبُوتِ المَفْعُولِيَّةِ، ولا عَلى الِابْتِدائِيَّةِ بِمُجَرَّدِ ثُبُوتِ الخَبَرِيَّةِ مَثَلًا إلّا بِوُرُودِ سَماعٍ في ذَلِكَ، فَفي صِحَّةِ كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ تَرَدُّدٌ بَيِّنٌ؛ لِأنَّ مُجَرَّدَ تَصْرِيحِهِمْ حِينَئِذٍ بِوُقُوعٍ إذْ مَفْعُولًا وبَدَلًا، وبِوُقُوعِ إذا خَبَرًا مَثَلًا لا يُجْدِي نَفْعًا لِجَوازِ وُرُودِ السَّماعِ بِذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِ كَما لا يَخْفى.

وفِي قِراءَةِ رَسُولِ اللَّهِ وفاطِمَةَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وعَلَيْها وسَلَّمَ (مِن أنْفَسِهِمْ) بِفَتْحِ الفاءِ أيْ مِن أشْرَفِهِمْ لِأنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن أشْرَفِ القَبائِلِ وبُطُونِها وهو أمْرٌ مَعْلُومٌ غَنِيٌّ عَنِ البَيانِ يَنْبَغِي اعْتِقادُهُ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ.

وقَدْ سُئِلَ الشَّيْخُ ولِيُّ الدِّينِ العِراقِيُّ: هَلِ العِلْمُ بِكَوْنِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بَشَرًا ومِنَ العَرَبِ شَرْطٌ في صِحَّةِ الإيمانِ أوْ مِن فُرُوضِ الكِفايَةِ ؟ فَأجابَ بِأنَّهُ شَرْطٌ في صِحَّةِ الإيمانِ ثُمَّ قالَ: فَلَوْ قالَ شَخْصٌ: أُومِنُ بِرِسالَةِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إلى جَمِيعِ الخَلْقِ لَكِنْ لا أدْرِي هَلْ هو مِنَ البَشَرِ أوْ مِنَ المَلائِكَةِ أوْ مِنَ الجِنِّ أوْ لا أدْرِي هَلْ هو مِنَ العَرَبِ أوِ العَجَمِ ؟ فَلا شَكَّ في كُفْرِهِ لِتَكْذِيبِهِ القُرْآنَ وجَحْدِهِ ما تَلَقَّتْهُ قُرُونُ الإسْلامِ خَلَفًا عَنْ سَلَفٍ وصارَ مَعْلُومًا بِالضَّرُورَةِ عِنْدَ الخاصِّ والعامِّ، ولا أعْلَمُ في ذَلِكَ خِلافًا، فَلَوْ كانَ غَبِيًّا لا يَعْرِفُ ذَلِكَ وجَبَ تَعْلِيمُهُ إيّاهُ، فَإنْ جَحَدَهُ بَعْدَ ذَلِكَ حَكَمْنا بِكُفْرِهِ انْتَهى، وهَلْ يُقاسُ اعْتِقادُ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن أشْرَفِ القَبائِلِ والبُطُونِ عَلى ذَلِكَ، فَيَجِبُ ذَلِكَ في صِحَّةِ الإسْلامِ، أوْ لا يُقاسُ، فَحِينَئِذٍ يَصِحُّ إيمانُ مَن لَمْ يَعْرِفْ ذَلِكَ لَكِنَّهُ

صفحة 114

مُنَزِّهٌ تِلْكَ السّاحَةَ العَلِيَّةَ عَنْ كُلِّ وصْمَةٍ ؟ فِيهِ تَأمُّلٌ، والظّاهِرُ الثّانِي وهو الأوْفَقُ بِعَوامِّ المُؤْمِنِينَ.

﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِهِ﴾ إمّا صِفَةٌ أوْ حالٌ أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ وفِيهِ بُعْدٌ أيْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ ما يُوحى إلَيْهِ مِنَ القُرْآنِ بَعْدَ ما كانُوا أهْلَ جاهِلِيَّةٍ لَمْ يَطْرُقْ أسْماعَهم شَيْءٌ مِنَ الوَحْيِ، أوْ بَعْدَ ما كانَ بَعْضُهم كَذَلِكَ وبَعْضُهم مُتَشَوِّقًا إلَيْهِ حَيْثُ أخْبَرَ كِتابُهُ الَّذِي بِيَدِهِ بِنُزُولِهِ وبَشَّرَ بِهِ.

﴿ويُزَكِّيهِمْ﴾ أيْ يَدْعُوهم إلى ما يَكُونُونَ بِهِ زاكِينَ طاهِرِينَ مِمّا كانَ فِيهِمْ مِن دَنَسِ الجاهِلِيَّةِ أوْ مِن خَبائِثِ الِاعْتِقاداتِ الفاسِدَةِ كالِاعْتِقاداتِ الَّتِي كانَ عَلَيْها مُشْرِكُو العَرَبِ وأهْلُ الكِتابَيْنِ، أوْ يَشْهَدُ بِأنَّهم أزْكِياءُ في الدِّينِ، أوْ يَأْخُذُ مِنهُمُ الزَّكاةَ الَّتِي يُطَهِّرُهم بِها، قالَهُ الفَرّاءُ، ولا يَخْفى بُعْدُهُ، ومِثْلُهُ القَرِيبُ إلَيْهِ ﴿ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في ذَلِكَ.

وهَذا التَّعْلِيمُ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ مُتَرَتِّبٌ عَلى التِّلاوَةِ، وإنَّما وسَّطَ بَيْنَهُما التَّزْكِيَةَ الَّتِي هي عِبارَةٌ عَنْ تَكْمِيلِ النَّفْسِ بِحَسَبِ القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ وتَهْذِيبِها المُتَفَرِّعِ عَلى تَكْمِيلِها بِحَسَبِ القُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ الحاصِلِ بِالتَّعْلِيمِ المُتَرَتِّبِ عَلى التِّلاوَةِ لِلْإيذانِ بِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الأُمُورِ المُتَرَتِّبَةِ نِعْمَةٌ جَلِيلَةٌ عَلى حِيالِها مُسْتَوْجِبَةٌ لِلشُّكْرِ، ولَوْ رُوعِيَ تَرْتِيبُ الوُجُودِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبَّنا وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولا مِنهم يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِكَ ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ ويُزَكِّيهِمْ﴾ لَتَبادَرَ إلى الفَهْمِ عَدُّ الجَمِيعِ نِعْمَةً واحِدَةً وهو السِّرُّ في التَّعْبِيرِ عَنِ القُرْآنِ بِالآياتِ تارَةً، وبِالكِتابِ والحِكْمَةِ أُخْرى، رَمْزًا إلى أنَّهُ بِاعْتِبارِ كُلِّ عُنْوانٍ نِعْمَةً عَلى حِدَةٍ، قالَهُ مَوْلانا شَيْخُ الإسْلامِ، وقَدْ يُقالُ: المُرادُ مِن تِلاوَةِ الآياتِ تِلاوَةُ ما يُوحى إلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ، ومِنَ التَّزْكِيَةِ الدُّعاءُ إلى الكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ المُتَضَمِّنَةِ لِلشَّهادَةِ لِلَّهِ تَعالى بِالتَّوْحِيدِ ولِنَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالرِّسالَةِ، وبِتَعْلِيمِ الكِتابِ تَعْلِيمُ ألْفاظِ القُرْآنِ وكَيْفِيَّةُ أدائِهِ لِيَتَهَيَّأ لَهم بِذَلِكَ إقامَةُ عِمادِ الدِّينِ، وبِتَعْلِيمِ الحِكْمَةِ الإيقافُ عَلى الأسْرارِ المَخْبُوءَةِ في خَزائِنِ كَلامِ اللَّهِ تَعالى، وحِينَئِذٍ أمْرُ تَرْتِيبِ هَذِهِ المُتَعاطِفاتِ ظاهِرٌ، إذْ حاصِلُ ذَلِكَ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يُمَهِّدُ سُبُلَ التَّوْحِيدِ ويَدْعُو إلَيْهِ ويَعْلَمُ ما يَلْزَمُ بَعْدَ التَّلَبُّسِ بِهِ، ويَزِيدُ عَلى الزَّبَدِ شَهْدًا، فَتَقْدِيمُ التِّلاوَةِ لِأنَّها مِن بابِ التَّمْهِيدِ، ثُمَّ التَّزْكِيَةُ لِأنَّها بَعْدَهُ وهي أوَّلُ أمْرٍ يَحْصُلُ مِنهُ صِفَةٌ يَتَلَبَّسُ بِها المُؤْمِنُونَ وهي مِن قَبِيلِ التَّخْلِيَةِ المُقَدَّمَةِ عَلى التَّحْلِيَةِ؛ لِأنَّ دَرْءَ المَفاسِدِ أوْلى مِن جَلْبِ المَصالِحِ، ثُمَّ التَّعْلِيمُ لِأنَّهُ إنَّما يُحْتاجُ إلَيْهِ بَعْدَ الإيمانِ، بَقِيُ أمْرُ تَقْدِيمِ التَّعْلِيمِ عَلى التَّزْكِيَةِ في آيَةِ البَقَرَةِ، ولَعَلَّهُ كانَ إيذانًا بِشَرافَةِ التَّحْلِيَةِ كَما أشَرْنا إلَيْهِ هُناكَ فَتَأمَّلْ.

﴿وإنْ كانُوا مِن قَبْلُ﴾ أيْ مِن قَبْلِ بَعْثَةِ الرَّسُولِ ﴿لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (164) ظاهِرٍ (وإنْ) هي المُخَفَّفَةُ، واللّامُ هي الفارِقَةُ، والمَعْنى إنَّ الشَّأْنَ كانُوا مِن قَبْلِ إلَخْ.

وإلى هَذا ذَهَبَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ وذَكَرَ مِثْلَهُ مَكِّيٌّ إلّا أنَّهُ قالَ: التَّقْدِيرُ وإنَّهم كانُوا مِن قَبْلُ، فَجُعِلَ اسْمُها ضَمِيرًا عائِدًا عَلى المُؤْمِنِينَ، قالَ أبُو حَيّانَ: وكِلا الوَجْهَيْنِ لا نَعْرِفُ نَحْوِيًّا ذَهَبَ إلَيْهِ، وإنَّما تَقَرَّرَ عِنْدَنا في كُتُبِ النَّحْوِ، ومِنَ الشُّيُوخِ أنَّكَ إذا قُلْتَ: إنَّ زَيْدًا قائِمٌ ثُمَّ خَفَّفْتَ فَمَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ فِيها وجْهانِ: أحَدُهُما: جَوازُ الإعْمالِ ويَكُونُ حالَها، وهي مُخَفَّفَةٌ كَحالِها وهي مُشَدَّدَةٌ إلّا أنَّها لا تَعْمَلُ في مُضْمَرٍ، ومَنَعَ ذَلِكَ الكُوفِيُّونَ، وهم مَحْجُوجُونَ بِالسَّماعِ الثّابِتِ مِن لِسانِ العَرَبِ.

والوَجْهُ الثّانِي: وهو الأكْثَرُ عِنْدَهم أنْ تُهْمَلَ فَلا تَعْمَلُ لا في ظاهِرٍ ولا مُضْمَرٍ لا مَلْفُوظٍ ولا مُقَدَّرٍ البَتَّةَ، فَإنْ ولِيَها جُمْلَةٌ اسْمِيَّةٌ ارْتَفَعَتْ بِالِابْتِداءِ والخَبَرِ، ولَزِمَتِ اللّامُ في ثانِي مَصْحُوبَيْها إنْ لَمْ يُنْفَ، وفي أوَّلِهِما إنْ تَأخَّرَ فَتَقُولُ: إنَّ زَيْدٌ لِقائِمٌ ومَدْلُولُهُ مَدْلُولُ إنَّ زَيْدًا قائِمٌ، وإنْ ولِيَها جُمْلَةٌ فِعْلِيَّةٌ فَلا بُدَّ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ أنْ تَكُونَ مِن نَواسِخِ الِابْتِداءِ، وإنْ جاءَ الفِعْلُ مِن غَيْرِها فَهو شاذٌّ لا يُقاسُ عَلَيْهِ عِنْدَ جُمْهُورِهِمْ.

صفحة 115

وأجابَ الحَلَبِيُّ عَمَّنْ قَدَّرَ الشَّأْنَ بِأنَّهُ تَفْسِيرُ مَعْنًى لا بَيانُ إعْرابٍ، وقالَ عِصامُ المِلَّةِ: إنَّ مَن قالَ: إنَّ الشَّأْنَ لَمْ يُرِدْ تَقْدِيرَ ضَمِيرِ الشَّأْنِ بَلْ جَعَلَ الجُمْلَةَ حالًا بِتَأْوِيلِ القِصَّةِ ذَلِكَ لِئَلّا يَخْتَلِفَ زَمانُ الحالِ، والعامِلُ فَإنَّ زَمانَ الكَوْنِ في ضَلالٍ مُبِينٍ قَبْلَ زَمانِ التَّعْلِيمِ لَكِنْ كَوْنُ القِصَّةِ ذَلِكَ مُسْتَمِرٌّ، ثُمَّ قالَ: وهَذا تَأْوِيلٌ شائِعٌ مَشْهُورٌ في الحالِ الَّذِي يَتَقَدَّمُ زَمانُ تَحَقُّقِهِ زَمانَ تَحَقُّقِ العامِلِ فاحْفَظْهُ ولا تَلْفِظْهُ انْتَهى.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ ما ذَكَرَهُ الحَلَبِيُّ خِلافُ الظّاهِرِ، وكَلامُ عِصامِ المِلَّةِ مَنظُورٌ فِيهِ لِأنَّ المُناسِبَ لِما ذَكَرَهُ عَلى تَقْدِيرِ تَعَيُّنِهِ تَقْدِيرَ الشَّأْنِ قَبْلَ - أنْ - لا بَعْدَها كَما لا يَخْفى، وجَوَّزَ بَعْضُهم كَوْنَ الجُمْلَةِ مُسْتَأْنَفَةً لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ، والأكْثَرُونَ عَلى الحالِيَّةِ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فَهي مُبَيِّنَةٌ لِكَمالِ النِّعْمَةِ وتَمامِها.

3:165Страница 71

أَوَلَمَّآ أَصَٰبَتۡكُم مُّصِيبَةٞ قَدۡ أَصَبۡتُم مِّثۡلَيۡهَا قُلۡتُمۡ أَنَّىٰ هَٰذَاۖ قُلۡ هُوَ مِنۡ عِندِ أَنفُسِكُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ١٦٥

Когда несчастье постигло вас после того, как вы причинили вдвое большее несчастье, вы сказали: «Откуда все это?». Скажи: «От вас самих». Воистину, Аллах способен на всякую вещь.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿أوَلَمّا أصابَتْكم مُصِيبَةٌ قَدْ أصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أنّى هَذا﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ مَسُوقٌ لِإبْطالِ بَعْضِ ما نَشَأ مِنَ الظُّنُونِ الفاسِدَةِ إثْرَ إبْطالِ بَعْضٍ آخَرَ، والهَمْزَةُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّقْرِيرِ، والواوُ عاطِفَةٌ لِمَدْخُولِها عَلى مَحْذُوفٍ قَبْلَها، و(لَمّا) ظَرْفٌ بِمَعْنى حِينَ مُضافَةٌ إلى ما بَعْدَها مُسْتَعْمَلَةٌ في الشَّرْطِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الفارِسِيُّ وهو الصَّحِيحُ عِنْدَ جَمْعٍ مِنَ المُحَقِّقِينَ، وناصِبُها (قُلْتُمْ) وهو الجَزاءُ و﴿قَدْ أصَبْتُمْ﴾ في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ - لِمُصِيبَةٍ - وجَعْلُهُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ يَحْتاجُ إلى تَكَلُّفٍ مُسْتَغْنًى عَنْهُ، والمُرادُ بِالمُصِيبَةِ ما أصابَهم يَوْمَ أُحُدٍ مِن قَتْلِ سَبْعِينَ مِنهم - وبِمِثْلَيْها - ما أصابَ المُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ مِن قَتْلِ سَبْعِينَ مِنهم وأسْرِ سَبْعِينَ، وجُعِلَ ذَلِكَ مِثْلَيْنِ بِجَعْلِ الأسْرِ كالقَتْلِ أوْ لِأنَّهم كانُوا قادِرِينَ عَلى القَتْلِ وكانَ مَرْضى اللَّهِ تَعالى، فَعَدَمُهُ كانَ مِن عِنْدِهِمْ، فَتَرْكُهُ مَعَ القُدْرَةِ لا يُنافِي الإصابَةَ.

وقِيلَ: المُرادُ بِالمِثْلَيْنِ المِثْلانِ في الهَزِيمَةِ لا في عَدَدِ القَتْلى، وذَلِكَ لِأنَّ المُسْلِمِينَ هَزَمُوا الكُفّارَ يَوْمَ بَدْرٍ وهَزَمُوهم أيْضًا يَوْمَ أُحُدٍ أوَّلَ الأمْرِ، وعَلَيْهِ يَكُونُ المُرادُ بِالمُصِيبَةِ هَزِيمَةُ الكُفّارِ لِلْمُسْلِمِينَ بَعْدَ أنْ فارَقُوا المَرْكَزَ، و﴿أنّى هَذا﴾ جُمْلَةٌ اسْمِيَّةٌ مُقَدِّمَةُ الخَبَرِ، والمَعْنى مِن أيْنَ هَذا لا كَيْفَ هَذا لِدَلالَةِ الجَوابِ مَفْعُولِ القَوْلِ، وقِيلَ (أنّى) مَنصُوبَةٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ –لَأصابَنا- المُقَدَّرُ، و(هَذا) فاعِلٌ لَهُ، والجُمْلَةُ مَقُولُ قُلْتُمْ، وتَوْسِيطُ الظَّرْفِ وما يَتَعَلَّقُ بِهِ بَيْنَهُ وبَيْنَ الهَمْزَةِ مَعَ أنَّهُ المَقْصُودُ إنْكارُهُ والمَعْطُوفُ بِالواوِ حَقِيقَةً لِتَأْكِيدِ النَّكِيرِ وتَشْدِيدِ التَّقْرِيعِ، فَإنَّ فِعْلَ القَبِيحِ في غَيْرِ وقْتِهِ أقْبَحُ. والإنْكارُ عَلى فاعِلِهِ أدْخَلُ، والمَعْنى أحِينَ نالَكم مِنَ المُشْرِكِينَ نِصْفُ ما قَدْ نالَهم مِنكم قَبْلَ ذَلِكَ رَجَعْتُمْ وقُلْتُمْ مِن أيْنَ هَذا ونَحْنُ مُسْلِمُونَ نُقاتِلُ غَضَبًا لِلَّهِ تَعالى وفِينا رَسُولُهُ، وهَؤُلاءِ مُشْرِكُونَ أعْداءُ اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ ﷺ، أوْ قَدْ وعَدَنا اللَّهُ تَعالى النَّصْرَ ؟ وإلَيْهِ ذَهَبَ الجُبّائِيُّ، وهَذا عَلى تَقْدِيرِ تَوْجِيهِ الإنْكارِ والتَّقْرِيعِ إلى صُدُورِ ذَلِكَ القَوْلِ عَنْهم في ذَلِكَ الوَقْتِ خاصَّةً بِناءً عَلى عَدَمِ كَوْنِهِ مَظِنَّةً لَهُ داعِيًا إلَيْهِ، بَلْ عَلى كَوْنِهِ داعِيًا إلى عَدَمِهِ، فَإنَّ كَوْنَ مُصِيبَةِ عَدُوِّهِمْ مِثْلَيْ مُصِيبَتِهِمْ مِمّا يُهَوِّنُ الخَطْبَ ويُورِثُ السَّلْوَةَ، أوْ أفَعَلْتُمْ ما فَعَلْتُمْ مِنَ الفَشَلِ والتَّنازُعِ أوِ الخُرُوجِ مِنَ المَدِينَةِ والإلْحاحِ عَلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ولَمّا أصابَتْكم غائِلَةُ ذَلِكَ قُلْتُمْ (أنّى هَذا) وهَذا عَلى تَقْدِيرِ تَوْجِيهِ الإنْكارِ لِاسْتِبْعادِهِمُ الحادِثَةَ مَعَ مُباشَرَتِهِمْ لِسَبَبِها، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْطُوفُ عَلَيْهِ القَوْلُ إشارَةً إلى أنَّ قَوْلَهم كانَ غَيْرَ واحِدٍ بَلْ قالُوا أقْوالًا لا يَنْبَغِي أنْ يَقُولُوها.

وذَهَبَ جَماعَةٌ إلى أنَّ المَعْطُوفَ عَلَيْهِ ما مَضى مِن قَوْلِهِ تَعالى ( لَقَدْ صَدَقَكُمُ الله وعْده ) إلى هُنا، ولِلتَّعَلُّقِ بِقِصَّةٍ واحِدَةٍ لَمْ يَتَخَلَّلْ بَيْنَهُما أجْنَبِيٌّ لِيَكُونَ القَوْلُ بِذَلِكَ بَعِيدًا كَما ادَّعاهُ أبُو حَيّانَ، والهَمْزَةُ حِينَئِذٍ مُتَخالَّةٌ بَيْنَ المُتَعاطِفَيْنِ لِلتَّقْرِيرِ بِمَعْنى التَّثْبِيتِ أوِ الحَمْلِ عَلى الإقْرارِ والتَّقْرِيعِ عَلى مَضْمُونِ المَعْطُوفِ، والمَعْنى أكانَ مِنَ اللَّهِ تَعالى الوَعْدُ بِالنَّصْرِ بِشَرْطِ الصَّبْرِ والتَّقْوى فَحِينَ فَشِلْتُمْ وتَنازَعْتُمْ وعَصَيْتُمْ وأصابَكُمُ اللَّهُ تَعالى بِما أصابَكم ﴿قُلْتُمْ أنّى هَذا﴾

صفحة 116

والجُمْهُورُ عَلى أنَّ الهَمْزَةَ مُقَدَّمَةٌ مِن تَأْخِيرٍ، والواوَ أصْلُها التَّقْدِيمُ، وهو مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ وغَيْرِهِ، والجُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِيَّةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها واخْتارَ هَذا في البَحْرِ، وإسْنادُ الإصابَةِ إلى المُصِيبَةِ مَجازٌ، وإلى المُخاطَبِينَ حَقِيقَةٌ، ولَمْ يُؤْتَ بِالِاسْنادَيْنِ مِن بابٍ واحِدٍ زِيادَةً في التَّقْرِيعِ، وتَذْكِيرُ اسْمِ الإشارَةِ في ﴿أنّى هَذا﴾ مُراعاةً لِمَعْنى المُصِيبَةِ المُشارِ إلَيْها وهو المَشْهُورُ، أوْ لِما أنَّ إشارَتَهم لَيْسَتْ إلّا لِما شاهَدُوهُ في المَعْرَكَةِ مِن حَيْثُ هو هو مِن غَيْرِ أنْ يَخْطُرَ بِبالِهِمْ تَسْمِيَتُهُ بِاسْمٍ ما، فَضْلًا عَنْ تَسْمِيَتِهِ بِاسْمِ المُصِيبَةِ، وإنَّما هي عِنْدَ الحِكايَةِ، وفي الآيَةِ عَلى ما قِيلَ: جَوابٌ ضِمْنِيٌّ عَنِ اسْتِبْعادِهِمْ تِلْكَ الإصابَةَ، يَعْنِي أنَّ أحْوالَ الدُّنْيا لا تَدُومُ عَلى حالَةٍ واحِدَةٍ، فَإذا أصَبْتُمْ مِنهم مِثْلَ ما أصابُوا مِنكم وزِيادَةً، فَما وجْهُ الِاسْتِبْعادِ ؟ لَكِنْ صَرَّحَ بِجَوابٍ آخَرَ يُبْرِئُ العَلِيلَ ويَشْفِي الغَلِيلَ، وتَطَأْطَأُ مِنهُ الرُّءُوسُ، فَقالَ سُبْحانَهُ: ﴿قُلْ﴾ يا مُحَمَّدُ في جَوابِ سُؤالِهِمُ الفاسِدِ ﴿هُوَ﴾ أيْ هَذا الَّذِي أصابَكم كائِنٌ ﴿مِن عِنْدِ أنْفُسِكُمْ﴾ أيْ أنَّها السَّبَبُ لَهُ حَيْثُ خالَفَ الرُّماةُ أمْرَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِتَرْكِهِمُ المَرْكَزَ وحَرَصُوا عَلى الغَنِيمَةِ فَعاقَبَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، أوْ حَيْثُ إنَّكم قَدِ اخْتَرْتُمْ قَبْلَ أنْ يُقْتَلَ مِنكم سَبْعُونَ في مُقابَلَةِ الفِداءِ الَّذِي أخَذْتُمُوهُ مِن أُسارى بَدْرٍ، وعُزِيَ هَذا إلى الحَسَنِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ والنَّسائِيُّ وآخَرُونَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ قالَ: «جاءَ جِبْرِيلُ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ إنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ كَرِهَ ما فَعَلَ قَوْمُكَ في أخْذِهِمُ الأُسارى، وقَدْ أمَرَكَ أنْ تُخَيِّرَهم بَيْنَ أمْرَيْنِ: إمّا أنْ يُقَدَّمُوا فَتَضْرِبَ أعْناقَهم، وإمّا أنْ يَأْخُذُوا الفِداءَ عَلى أنْ يُقْتَلَ مِنهم عِدَّتُهم، فَدَعا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ النّاسَ فَذَكَرَ لَهم ذَلِكَ، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ عَشائِرُنا وإخْوانُنا نَأْخُذُ فِداءَهم نَتَقَوّى بِهِ عَلى قِتالِ عَدُوِّنا، ويُسْتَشْهَدُ مِنّا عِدَّتُهم فَلَيْسَ ذَلِكَ ما نَكْرَهُ، فَقُتِلَ مِنهم يَوْمَ أُحُدٍ سَبْعُونَ رَجُلًا عِدَّةُ أُسارى أهْلِ بَدْرٍ، أوْ حَيْثُ اخْتَرْتُمُ الخُرُوجَ مِنَ المَدِينَةِ ولَمْ تَبْقَوْا حَتّى تُقاتِلُوا المُشْرِكِينَ فِيها»، قالَهُ الرَّبِيعُ وغَيْرُهُ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ: «ذُكِرَ لَنا أنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ لِأصْحابِهِ يَوْمَ أُحُدٍ حِينَ قَدِمَ أبُو سُفْيانَ والمُشْرِكُونَ: إنّا في جَنَّةٍ حَصِينَةٍ - يَعْنِي بِذَلِكَ المَدِينَةَ - فَدَعُوا القَوْمَ يَدْخُلُوا عَلَيْنا نُقاتِلُهم، فَقالَ لَهُ ناسٌ مِنَ الأنْصارِ: إنّا نَكْرَهُ أنْ نَقْتُلَ في طُرُقِ المَدِينَةِ، وقَدْ كُنّا نَمْتَنِعُ مِن ذَلِكَ في الجاهِلِيَّةِ فَبِالإسْلامِ أحَقُّ أنْ نَمْتَنِعَ، فابْرُزْ بِنا إلى القَوْمِ، فانْطَلَقَ فَلَبِسَ لَأْمَتَهُ فَتَلاوَمَ القَوْمُ فَقالُوا: عَرَضَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بِأمْرٍ وعَرَضْتُمْ بِغَيْرِهِ، اذْهَبْ يا حَمْزَةُ فَقُلْ لَهُ أمْرُنا لِأمْرِكَ تَبَعٌ، فَأتى حَمْزَةُ، فَقالَ لَهُ: إنَّهُ لَيْسَ لِنَبِيٍّ إذا لَبِسَ لَأْمَتَهُ أنْ يَضَعَها حَتّى يُناجِزَ، وإنَّهُ سَيَكُونُ فِيكم مُصِيبَةٌ، قالُوا: يا نَبِيَّ اللَّهِ خاصَّةً أوْ عامَّةً ؟ قالَ: سَتَرَوْنَها»، واعْتُرِضَ هَذا القَوْلُ بِأنَّهُ يَأْباهُ أنَّ الوَعْدَ بِالنَّصْرِ كانَ بَعْدَ اخْتِيارِ الخُرُوجِ، وأنَّ عَمَلَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بِمُوجَبِهِ قَدْ رَفَعَ الخَطَرَ عَنْهُ، وخَفَّفَ جِنايَتَهم فِيهِ عَلى أنَّ اخْتِيارَ الخُرُوجِ والإصْرارَ عَلَيْهِ كانَ مِمَّنْ أكْرَمَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِالشَّهادَةِ يَوْمَئِذٍ، وأيْنَ هم مِنَ التَّفَوُّهِ بِمِثْلِ هَذِهِ الكَلِمَةِ ؟ وأُجِيبَ بِأنَّ الإباءَ المَذْكُورَ في حَيِّزِ المَنعِ كَيْفَ والنَّصْرُ المَوْعُودُ كانَ مَشْرُوطًا بِما يَعْلَمُ اللَّهُ تَعالى عَدَمَ حُصُولِهِ، وبِأنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، وإنْ كانَ قَدْ عَمِلَ بِمُوجَبِهِ، لَكِنْ لَمْ تَكُنْ نَفْسُهُ الكَرِيمَةُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مُنْبَسِطَةً لِذَلِكَ، ولا قَلْبُهُ الشَّرِيفُ مائِلًا إلَيْهِ، وكَأنَّ سِهامَ الأقْدارِ نَفَذَتْ حِينَ خالَفُوا رَأْيَهُ السّامِيَ، وعَدَلُوا عَنِ الوُرُودِ مِن عَذْبِ بَحْرِ عَقْلِهِ الطّامِيِّ كَما يُرْشِدُكَ إلى ذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَعْدَ أنْ لَبِسَ لَأْمَتَهُ: ”وإنَّهُ سَيَكُونُ فِيكم مُصِيبَةٌ“ وقَوْلُهُ في جَوابِ الِاسْتِفْهامِ عَنْها: خاصَّةً أوْ عامَّةً ؟ ”سَتَرَوْنَها“ فَإنَّ ذَلِكَ كالصَّرِيحِ في عَدَمِ الرِّضا والفَصِيحِ في اسْتِيجابِ ذَلِكَ الِاخْتِيارِ نُزُولَ القَضاءِ، وبِأنَّ الخِطابَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ هو مِن عِنْدِ أنْفُسِكُمْ﴾ لَيْسَ نَصًّا في أنَّ المُتَسَبِّبِينَ هُمُ المُتَفَوِّهُونَ بِتِلْكَ

صفحة 117

الكَلِمَةِ لِيَضُرَّ اسْتِشْهادُ المُخْتارِينَ لِلْخُرُوجِ في المَقْصُودِ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ مِن قَبِيلِ قَوْلِكَ لِقَبِيلَةٍ: أنْتُمْ قَتَلْتُمْ فُلانًا، والقاتِلُ مِنهم أُناسٌ مَخْصُوصُونَ لَمْ يُوجَدُوا وقْتَ الخِطابِ، ومِثْلُ ذَلِكَ كَثِيرٌ في المُحاوَراتِ، عَلى أنَّ كَوْنَ مُصِيبَةِ المُتَفَوِّهِينَ هي قَتْلُ أُولَئِكَ المُسْتَشْهَدِينَ نَصٌّ في التَّأسُّفِ عَلَيْهِمْ، فَيُناسِبُهُ التَّعْرِيضُ بِهِمْ بِنِسْبَةِ القُصُورِ إلَيْهِمْ لِيَهُونَ هَذا التَّأسُّفُ، ولِيَعْلَمُوا أنَّ شُؤْمَ الِانْحِرافِ عَنْ سَمْتِ إرادَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَعُمُّ الكَبِيرَ والصَّغِيرَ، بَلْ رُبَّما يُقالُ: إنَّ اسْتِشْهادَ أُولَئِكَ المُصِرِّينَ شاهِدٌ عَلى أنَّهم هُمُ الَّذِينَ كانُوا سَبَبًا في تِلْكَ المُصِيبَةِ، ولِهَذا اسْتَشُهِدُوا لِيَذْهَبُوا إلى رَبِّهِمْ عَلى أحْسَنِ حالٍ.

هَذا ولا يَخْفى أنَّ هَذا الجَوابَ لا يَخْلُو عَنْ تَكَلُّفٍ، وكَأنَّ الدّاعِيَ إلَيْهِ أنَّ الذّاهِبِينَ إلى تَفْسِيرِ ﴿مِن عِنْدِ أنْفُسِكُمْ﴾ بِالخُرُوجِ مِنَ المَدِينَةِ وتَبَعِيَّةِ أبِي سُفْيانَ وقَوْمِهِ جَماعَةٌ أجِلّاءُ يَبْعُدُ نِسْبَةُ الغَلَطِ إلَيْهِمْ، فَقَدْ أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ، وابْنُ جُرَيْجٍ، وأخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ مِن طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ فَتَدَبَّرْ.

﴿إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (165) ومِن جُمْلَتِهِ النَّصْرُ عِنْدَ المُوافَقَةِ، والخِذْلانُ عِنْدَ المُخالَفَةِ، وحَيْثُ خالَفْتُمْ أصابَكم سُبْحانَهُ بِما أصابَكم، والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها داخِلٌ تَحْتِ الأمْرِ، وقِيلَ: المُرادُ مِنها تَطْيِيبُ أنْفُسِهِمْ ومَزْجُ مَرارَةِ التَّقْرِيعِ بِحَلاوَةِ الوَعْدِ أيْ أنَّهُ سُبْحانَهُ قادِرٌ عَلى نُصْرَتِكم بَعْدُ لِأنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٍ، فَلا تَيْأسُوا مِن رَوْحِ اللَّهِ، واعْتِناءً بِشَأْنِ التَّطْيِيبِ وإرْشادًا لَهم إلى حَقِيقَةِ الحالِ فِيما سَألُوا عَنْهُ، وبَيانًا لِبَعْضِ ما فِيهِ مِنَ الحِكَمِ.

3:166Страница 72

وَمَآ أَصَٰبَكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡتَقَى ٱلۡجَمۡعَانِ فَبِإِذۡنِ ٱللَّهِ وَلِيَعۡلَمَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١٦٦

То, что постигло вас в тот день, когда встретились две армии при Ухуде, произошло с дозволения Аллаха для того, чтобы Он узнал верующих

ورَفْعًا لِما عَسى أنْ يُتَوَهَّمَ مِنَ الجَوابِ مِنِ اسْتِقْلالِهِمْ في وُقُوعِ الحادِثَةِ رَجَعَ إلى خِطابِهِمْ بِرَفْعِ الواسِطَةِ وجَوابِ سُؤالِهِمْ بِأبْسَطِ عِبارَةٍ فَقالَ سُبْحانَهُ: ﴿وما أصابَكُمْ﴾ أيُّها المُؤْمِنُونَ مِنَ النَّكْبَةِ بِقَتْلِ مَن قُتِلَ مِنكم ﴿يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ﴾ أيُّ جَمْعُكم وجَمْعُ أعْدائِكُمُ المُشْرِكِينَ، والمُرادُ بِذَلِكَ اليَوْمِ يَوْمُ أُحُدٍ، وقَوْلُ بَعْضِهِمْ - لا يَبْعُدُ أنْ يُرادَ بِهِ يَوْمُ أُحُدٍ، ويَوْمُ بَدْرٍ - بَعِيدٌ جِدًّا ﴿فَبِإذْنِ اللَّهِ﴾ أيْ بِإرادَتِهِ، وقِيلَ: بِتَخْلِيَتِهِ، و(ما) اسْمٌ مَوْصُولٌ بِمَعْنى الَّذِي في مَحَلِّ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، وجُمْلَةُ (أصابَكُمْ) صِلَتُهُ، وبِإذْنِ اللَّهِ: خَبَرُهُ.

والمُرادُ بِإذْنِ اللَّهِ يَكُونُ ويَحْصُلُ، ودُخُولُ الفاءِ لِتَضَمُّنِ مَعْنى الشَّرْطِ، ووَجْهُ السَّبَبِيَّةِ لَيْسَ بِظاهِرٍ إذِ الإصابَةُ لَيْسَتْ سَبَبًا لِلْإرادَةِ ولا لِلتَّخْلِيَةِ، بَلِ الأمْرُ بِالعَكْسِ فَهو مِن قَبِيلِ ﴿وما بِكم مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ أيْ ذَلِكَ سَبَبٌ لِلْإخْبارِ بِكَوْنِهِ مِنَ اللَّهِ؛ لِأنَّ قَيْدَ الأوامِرِ قَدْ يَكُونُ لِلْمَطْلُوبِ وقَدْ يَكُونُ لِلطّالِبِ، وكَذا الإخْبارُ، وإلى هَذا ذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ، وادَّعى السَّمِينُ أنَّ في الكَلامِ إضْمارًا أيْ فَهو بِإذْنِ اللَّهِ، ودُخُولُ الفاءِ لِما تَقَدَّمَ، ثُمَّ قالَ: وهَذا مُشْكِلٌ عَلى ما قَرَّرَهُ الجُمْهُورُ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ عِنْدَهم دُخُولُ هَذِهِ الفاءِ زائِدَةً في الخَبَرِ إلّا بِشُرُوطٍ، مِنها أنْ تَكُونَ الصِّلَةُ مُسْتَقْبَلَةً في المَعْنى، وذَلِكَ لِأنَّ الفاءَ إنَّما دَخَلَتْ لِلشَّبَهِ بِالشَّرْطِ، والشَّرْطُ إنَّما يَكُونُ في الِاسْتِقْبالِ لا في الماضِي، فَلَوْ قُلْتَ: الَّذِي أتانِي أمْسِ فَلَهُ دِرْهَمٌ لَمْ يَصِحَّ، و(أصابَكُمْ) هُنا ماضٍ مَعْنًى كَما أنَّهُ ماضٍ لَفْظًا؛ لِأنَّ القِصَّةَ ماضِيَةٌ فَكَيْفَ جازَ دُخُولُ هَذِهِ الفاءِ ؟ وأجابُوا عَنْهُ بِأنَّهُ يُحْمَلُ عَلى التَّبَيُّنِ أيْ وما يَتَبَيَّنُ إصابَتُهُ إيّاكم فَهو بِإذْنِ اللَّهِ كَما تَأوَّلُوا ﴿وإنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ﴾ بِذَلِكَ، ثُمَّ قالَ: وإذا صَحَّ هَذا التَّأْوِيلُ فَلْيُجْعَلْ (ما) هُنا شَرْطًا صَرِيحًا، وتَكُونُ الفاءُ داخِلَةً وُجُوبًا لِكَوْنِها واقِعَةً جَوابًا لِلشَّرْطِ انْتَهى، ولا يَخْفى ما فِيهِ.

﴿ولِيَعْلَمَ المُؤْمِنِينَ﴾ (166) عَطْفٌ عَلى بِإذْنِ اللَّهِ، مِن عَطْفِ السَّبَبِ عَلى المُسَبَّبِ، والمُرادُ لِيَظْهَرَ لِلنّاسِ ويَثْبُتَ لَدَيْهِمْ إيمانُ المُؤْمِنِ.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English