Аль-Алуси · Тафсир · на арабском
Аль-Ахзаб 33:56, продолжение
وقِيلَ: تَجِبُ كُلَّما ذُكِرَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وبِهِ قالَ جَمْعٌ مِنَ الحَنَفِيَّةِ مِنهُمُ الطَّحاوِيُّ، وعِبارَتُهُ تَجِبُ كُلَّما سُمِعَ ذِكْرُهُ مِن غَيْرِهِ أوْ ذِكْرُهُ بِنَفْسِهِ، وجَمْعٌ مِنَ الشّافِعِيَّةِ مِنهُمُ الإمامُ الحَلِيمِيُّ والأُسْتاذُ أبُو إسْحاقَ الإسْفَرايْنِيُّ والشَّيْخُ أبُو حامِدٍ الإسْفَرايْنِيُّ، وجَمْعٌ مِنَ المالِكِيَّةِ مِنهُمُ الطَّرْطُوشِيُّ وابْنُ العَرَبِيِّ والفاكِهانِيُّ وبَعْضُ الحَنابِلَةِ قِيلَ وهو مَبْنِيٌّ عَلى القَوْلِ الضَّعِيفِ في الأُصُولِ أنَّ الأمْرَ المُطْلَقَ يُفِيدُ التَّكْرارَ ولَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ لَهُ أدِلَّةٌ أُخْرى كالأحادِيثِ الَّتِي فِيها الدُّعاءُ بِالرَّغْمِ والأبْعادِ والشَّقاءِ والوَصْفِ بِالبُخْلِ والجَفاءِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَقْتَضِي الوَعِيدَ وهو عِنْدَ الأكْثَرِ مِن عَلاماتِ الوُجُوبِ.
واعْتَرَضَ هَذا القَوْلَ كَثِيرُونَ بِأنَّهُ مُخالِفٌ لِلْإجْماعِ المُنْعَقِدِ قَبْلَ قائِلِهِ إذْ لَمْ يُعْرَفْ عَنْ صَحابِيٍّ ولا
صفحة 82
تابِعِيٍّ وبِأنَّهُ يَلْزَمُ عَلى عُمُومِهِ أنْ لا يَتَفَرَّغَ السّامِعُ لِعِبادَةٍ أُخْرى، وأنَّها تَجِبُ عَلى المُؤَذِّنِ وسامِعِهِ والقارِئِ المارِّ بِذِكْرِهِ والمُتَلَفِّظِ بِكَلِمَتَيِ الشَّهادَةِ، وفِيهِ مِنَ الحَرَجِ ما جاءَتِ الشَّرِيعَةُ السَّمْحَةُ بِخِلافِهِ، وبِأنَّ الثَّناءَ عَلى اللَّهِ تَعالى كُلَّما ذُكِرَ أحَقُّ بِالوُجُوبِ ولَمْ يَقُولُوا بِهِ، وبِأنَّهُ لا يُحْفَظُ عَنْ صَحابِيٍّ أنَّهُ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْكَ، وبِأنَّ تِلْكَ الأحادِيثَ المُحْتَجَّ بِها لِلْوُجُوبِ خَرَجَتْ مَخْرَجَ المُبالِغَةِ في تَأكُّدِ ذَلِكَ وطَلَبِهِ وفي حَقِّ مَنِ اِعْتادَ تَرْكَ الصَّلاةِ دَيْدَنًا.
ويُمْكِنُ التَّقَصِّي عَنْ جَمِيعِ ذَلِكَ، أمّا الأوَّلُ فَلِأنَّ القائِلِينَ بِالوُجُوبِ مِن أئِمَّةِ النَّقْلِ فَكَيْفَ يَسَعُهم خَرْقُ الإجْماعِ عَلى أنَّهُ لا يَكْفِي في الرَّدِّ عَلَيْهِمْ كَوْنَهُ لَمْ يُحْفَظْ عَنْ صَحابِيٍّ أوْ تابِعِيٍّ وإنَّما يَتِمُّ الرَّدُّ إنْ حُفِظَ إجْماعٌ مُصَرِّحٌ بِعَدَمِ الوُجُوبِ كَذَلِكَ وأنِّي بِهِ، وأمّا الثّانِي فَمَمْنُوعٌ بَلْ يُمْكِنُ التَّفَرُّغُ لِعِباداتٍ أُخَرَ، وأمّا الثّالِثُ فَلِلْقائِلِينَ بِالوُجُوبِ اِلْتِزامُهُ ولَيْسَ فِيهِ حَرَجٌ، وأمّا الرّابِعُ فَلِأنَّ جَمْعًا صَرَّحُوا بِالوُجُوبِ في حَقِّهِ تَعالى أيْضًا، وأمّا الخامِسُ فَلِأنَّهُ ورَدَ في عِدَّةِ طُرُقٍ عَنْ عِدَّةٍ مِنَ الصَّحابَةِ أنَّهم لَمّا قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ قالُوا: صَلّى اللَّهُ عَلَيْكَ، وأمّا السّادِسُ فَلِأنَّ حَمْلَ الأحادِيثِ عَلى ما ذُكِرَ لا يَكْفِي إلّا مَعَ بَيانِ سَنَدِهِ ولَمْ يُبَيِّنُوهُ، ثُمَّ القائِلُونَ بِالوُجُوبِ كَما ذَكَرَ أكْثَرُهم عَلى أنَّ ذَلِكَ فَرْضُ عَيْنٍ عَلى كُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ وبَعْضُهم عَلى أنَّهُ فَرْضُ كِفايَةٍ.
واخْتَلَفُوا أيْضًا هَلْ يَتَكَرَّرُ الوُجُوبُ بِتَكَرُّرِ ذِكْرِهِ ﷺ في المَجْلِسِ الواحِدِ، وفي بَعْضِ شُرُوحِ الهِدايَةِ يَكْفِي مَرَّةً عَلى الصَّحِيحِ، وقالَ صاحِبُ المُجْتَبى: يَتَكَرَّرُ وفي تَكَرُّرِ ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى لا يَتَكَرَّرُ، وفَرَّقَ هو وغَيْرُهُ بَيْنَهُما بِما فِيهِ نَظَرٌ ويُمْكِنُ الفَرْقُ بِأنَّ حُقُوقَ اللَّهِ تَعالى مَبْنِيَّةٌ عَلى المُسامَحَةِ والتَّوْسِعَةِ وحُقُوقَ العِبادِ مَبْنِيَّةٌ عَلى المُشاحَّةِ والتَّضْيِيقِ ما أمْكَنَ، والقَوْلُ بِأنَّها أيْضًا حَقُّ اللَّهِ تَعالى لِأمْرِهِ بِها سُبْحانَهُ ناشِئٌ مِن عَدَمِ فَهْمِ المُرادِ بِحَقِّهِ تَعالى.
وقِيلَ: إنَّها تَجِبُ في القُعُودِ آخِرَ الصَّلاةِ بَيْنَ التَّشَهُّدِ وسَلامِ التَّحَلُّلِ وهَذا هو مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ الَّذِي صَحَّ عَنْهُ.
ونَقَلَ الأسْنَوِيُّ أنَّ لَهُ قَوْلًا آخَرَ إنَّها سُنَّةٌ في الصَّلاةِ لَمْ يَعْتَبِرْهُ أجِلَّةُ أصْحابِهِ ووافَقَهُ عَلى ذَلِكَ جَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ مِن بَعْدِهِمْ وفُقَهاءُ الأمْصارِ، فَمِنَ الصَّحابَةِ اِبْنُ مَسْعُودٍ فَقَدْ صَحَّ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: يَتَشَهَّدُ الرَّجُلُ في الصَّلاةِ ثُمَّ يُصَلِّي عَلى النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ يَدْعُو لِنَفْسِهِ، وأبُو مَسْعُودٍ البَدْرِيُّ وابْنُ عُمَرَ فَقَدْ صَحَّ عَنْهُما أنَّهُ لا تَكُونُ صَلاةٌ إلّا بِقِراءَةٍ وتَشَهُّدٍ وصَلاةٍ عَلى النَّبِيِّ ﷺ فَإنْ نَسِيتَ مِن ذَلِكَ شَيْئًا فاسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ بَعْدَ السَّلامِ، ومِنَ التّابِعِينَ الشَّعْبِيُّ فَقَدْ صَحَّ عَنْهُ كُنّا نَعْلَمُ التَّشَهُّدَ فَإذا قالَ: وأنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورَسُولُهُ يَحْمَدُ رَبَّهُ ويُثْنِي عَلَيْهِ ثُمَّ يُصَلِّي عَلى النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ يَسْألُ حاجَتَهُ، وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْهُ مَن لَمْ يُصَلِّ عَلى النَّبِيِّ ﷺ في التَّشَهُّدِ فَلْيُعِدْ صِلاتَهُ أوْ قالَ: لا تُجْزِئُ صِلاتُهُ، والإمامُ أبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدٌ الباقِرُ فَقَدْ رَوى البَيْهَقِيُّ عَنْهُ نَحْوَ ما ذُكِرَ عَنِ الشَّعْبِيِّ، وصَوَّبَهُ الدّارَقُطْنِيُّ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ ومُقاتِلٌ بَلْ قالَ الحافِظُ اِبْنُ حَجَرٍ: لَمْ أرَ عَنْ أحَدٍ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ التَّصْرِيحَ بِعَدَمِ الوُجُوبِ إلّا ما نُقِلَ عَنِ إبْراهِيمَ النَّخْعِيِّ وهَذا يُشْعِرُ بِأنَّ غَيْرَهُ كانَ قائِلًا بِالوُجُوبِ، ومِن فُقَهاءِ الأمْصارِ أحْمَدُ فَإنَّهُ جاءَ عَنْهُ رِوايَتانِ والظّاهِرُ أنَّ رِوايَةَ الوُجُوبِ هي الأخِيرَةُ فَإنَّهُ قالَ: كُنْتُ أتَهَيَّبُ ذَلِكَ ثُمَّ تَبَيَّنْتُ فَإذا الصَّلاةُ عَلى النَّبِيِّ ﷺ واجِبَةٌ وإسْحاقُ بْنُ راهَوَيْهِ فَقَدْ قالَ في آخِرِ الرِّوايَتَيْنِ عَنْهُ: إذا تَرَكَها عَمْدًا بَطَلَتْ صَلاتُهُ أوْ سَهْوًا رَجَوْتُ أنْ تُجْزِئَهُ وهو قَوْلٌ عِنْدَ المالِكِيَّةِ اِخْتارَهُ اِبْنُ العَرَبِيِّ مِنهم ولَعَلَّهُ لازِمٌ لِلْقائِلِينَ بِوُجُوبِها كُلَّما ذُكِرَ ﷺ لِتَقَدُّمِ ذِكْرِهِ في التَّشَهُّدِ إلّا أنَّ وُجُوبَها بَعْدَ التَّشَهُّدِ لِذَلِكَ لا يَسْتَلْزِمُ كَوْنَها شَرْطًا لِصِحَّةِ الصَّلاةِ إلّا أنَّهُ يُرَدُّ عَلى القائِلِينَ بِأنَّ الشّافِعِيَّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ شَذَّ في قَوْلِهِ بِالوُجُوبِ، وأمّا دَلِيلُهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عَلى ذَلِكَ فَمَذْكُورٌ في الأُمِّ، وقَدِ اِسْتَدَلَّ لَهُ
صفحة 83
أصْحابُهُ بِعِدَّةِ أحادِيثَ مِنها الصَّحِيحُ ومِنها الضَّعِيفُ وألَّفُوا الرَّسائِلَ في الِانْتِصارِ لَهُ والرَّدِّ عَلى مَن شَنَّعَ عَلَيْهِ كابْنِ جَرِيرٍ وابْنِ المُنْذِرِ والخَطابِيِّ والطَّحاوِيِّ وغَيْرِهِمْ، وأنا أرى التَّشْنِيعَ عَلى مِثْلِ هَذا الإمامِ شَنِيعًا والتَّعَصُّبَ مَعَ قِلَّةِ التَّتَبُّعِ أمْرًا فَظِيعًا، والكَلامُ في السَّلامِ كالكَلامِ في الصَّلاةِ.
وقَدْ صَرَّحَ اِبْنُ فارِسٍ اللُّغَوِيُّ بِأنَّهُما سِيّانِ في الفَرْضِيَّةِ لِأنَّ كُلًّا مِنهُما مَأْمُورٌ بِهِ في الآيَةِ والأمْرُ لِلْوُجُوبِ حَقِيقَةً إلّا إذا ورَدَ ما يَصْرِفُهُ عَنْهُ. وأفْضَلُ الكَيْفِيّاتِ في الصَّلاةِ عَلَيْهِ ﷺ ما عَلَّمَهُ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِأصْحابِهِ بَعْدَ سُؤالِهِمْ إيّاهُ لِأنَّهُ لا يَخْتارُ ﷺ لِنَفْسِهِ إلّا الأشْرَفَ والأفْضَلَ، ومِن هُنا قالَ النَّوَوِيُّ في (اَلرَّوْضَةِ): لَوْ حَلَفَ لَيُصَلِّيَنَّ عَلى النَّبِيِّ ﷺ أفْضَلَ الصَّلاةِ لَمْ يَبِرَّ إلّا بِتِلْكَ الكَيْفِيَّةِ، ووَجَّهَهُ السُّبْكِيُّ بِأنَّ مَن أتى بِها فَقَدْ صَلّى الصَّلاةَ المَطْلُوبَةَ بِيَقِينٍ وكانَ لَهُ الخَيْرُ الوارِدُ في أحادِيثِ الصَّلاةِ كَذَلِكَ، ونَقَلَ الرّافِعِيُّ عَنِ المَرْوَزِيِّ أنَّهُ يَبِرُّ بِـ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّدٍ كُلَّما ذَكَرَكَ الذّاكِرُونَ وكُلَّما سَها عَنْهُ الغافِلُونَ، وقالَ القاضِي حُسَيْنٌ: طَرِيقُ البِرِّ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ كَما هو أهْلُهُ ومُسْتَحَقُّهُ، واخْتارَ البارِزِيُّ أنَّ الأفْضَلَ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وعَلى آلِ مُحَمَّدٍ أفْضَلَ صَلَواتِكَ وعَدَدَ مَعْلُوماتِكَ، وقالَ الكَمالَ بْنُ الهُمامِ: كُلَّما ذُكِرَ مِنَ الكَيْفِيّاتِ مَوْجُودٌ في اللَّهُمَّ صَلِّ أبَدًا أفْضَلَ صَلَواتِكَ عَلى سَيِّدِنا عَبْدِكَ ونَبِيِّكَ ورَسُولِكَ مُحَمَّدٍ وآلِهِ وسَلِّمْ عَلَيْهِ تَسْلِيمًا وزِدْهُ شَرَفًا وتَكْرِيمًا وأنْزِلْهُ المَنزِلَ المُقَرَّبَ عِنْدَكَ يَوْمَ القِيامَةِ، واخْتارَ اِبْنُ حَجَرٍ الهَيْتَمِيُّ غَيْرَ ذَلِكَ، ونَقَلَ اِبْنُ عَرَفَةَ عَنِ اِبْنِ عَبْدِ السَّلامِ أنَّهُ لا بُدَّ في السَّلامِ عَلَيْهِ ﷺ أنْ يَزِيدَ تَسْلِيمًا كَأنْ يَقُولُ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وسَلِّمْ تَسْلِيمًا أوْ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ تَسْلِيمًا، وكَأنَّهُ أخَذَ بِظاهِرِ ما في الآيَةِ ولَيْسَ أخْذًا صَحِيحًا كَما يَظْهَرُ بِأدْنى تَأمُّلٍ، ونُقِلَ عَنْ جَمْعٍ مِنَ الصَّحابَةِ ومَن بَعْدَهم أنَّ كَيْفِيَّةَ الصَّلاةِ عَلَيْهِ ﷺ لا يُوقَفُ فِيها مَعَ المَنصُوصِ وأنَّ مَن رَزَقَهُ اللَّهُ تَعالى بَيانًا فَأبانَ عَنِ المَعانِي بِالألْفاظِ الفَصِيحَةِ المَبانِي الصَّرِيحَةِ المَعانِي مِمّا يُعْرِبُ عَنْ كَمالِ شَرَفِهِ ﷺ وعَظِيمِ حُرْمَتِهِ فَلَهُ ذَلِكَ، واحْتُجَّ لَهُ بِما أخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ ماجَهْ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ اِبْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: إذا صَلَّيْتُمْ عَلى النَّبِيِّ ﷺ فَأحْسِنُوا الصَّلاةَ عَلَيْهِ فَإنَّكم لا تَدْرُونَ لَعَلَّ ذَلِكَ يُعْرَضُ عَلَيْهِ قالُوا: فَعَلِّمْنا، قالَ: قُولُوا اللَّهُمَّ اِجْعَلْ صَلَواتِكَ ورَحْمَتَكَ وبَرَكاتِكَ عَلى سَيِّدِ المُرْسَلِينَ وإمامِ المُتَّقِينَ وخاتَمِ النَّبِيِّينَ مُحَمَّدٍ عَبْدِكَ ورَسُولِكَ إمامِ الخَيْرِ وقائِدِ الخَيْرِ ورَسُولِ الرَّحْمَةِ، اللَّهُمَّ اِبْعَثْهُ مَقامًا مَحْمُودًا يَغْبِطُهُ بِهِ الأوَّلُونَ والآخِرُونَ، اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وعَلى آلِ مُحَمَّدٍ كَما صَلَّيْتَ عَلى إبْراهِيمَ وآلِ إبْراهِيمَ إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ.
وفِي قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ وسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ رَمْزٌ خَفِيٌ فِيما أرى إلى مَطْلُوبِيَّةِ تَحْسِينِ الصَّلاةِ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حَيْثُ أتى بِهِ كَلامًا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ شَطْرًا مِنَ البَحْرِ الكامِلِ، فَتَدَبَّرْهُ فَإنِّي أظُنُّ أنَّهُ نَفِيسٌ.
واسْتَدَلَّ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى بِالآيَةِ عَلى كَراهَةِ إفْرادِ الصَّلاةِ عَنِ السَّلامِ وعَكْسِهِ لِوُرُودِ الأمْرِ بِهِما مَعًا فِيها ووافَقَهُ عَلى ذَلِكَ بَعْضُهُمْ، واعْتُرِضَ بِأنَّ أحادِيثَ التَّعْلِيمِ تُؤْذِنُ بِتَقَدُّمِ تَعْلِيمِ التَّسْلِيمِ عَلى تَعْلِيمِ الصَّلاةِ فَيَكُونُ قَدْ أفْرَدَ التَّسْلِيمَ مَرَّةً قَبْلَ الصَّلاةِ في التَّشَهُّدِ، ورُدَّ بِأنَّ الإفْرادَ في ذَلِكَ الزَّمَنِ لا حُجَّةَ فِيهِ لِأنَّهُ لَمْ يَقَعْ مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَصْدًا كَيْفَ والآيَةُ ناصَّةٌ عَلَيْهِما وإنَّما يُحْتَمَلُ أنَّهُ عَلَّمَهُمُ السَّلامَ وظَنَّ أنَّهم يَعْلَمُونَ الصَّلاةَ فَسَكَتَ عَنْ تَعْلِيمِهِمْ إيّاها فَلَمّا سَألُوهُ أجابَهم ﷺ لِذَلِكَ وهو كَما تَرى، وذَكَرَ العَلّامَةُ اِبْنُ حَجَرٍ الهَيْتَمِيُّ أنَّ الحَقَّ أنَّ المُرادَ بِالكَراهَةِ خِلافُ الأوْلى إذْ لَمْ يُوجَدُ مُقْتَضِيها مِنَ النَّهْيِ المَخْصُوصِ، ونَقَلَ الحَمَوِيُّ مِن أصْحابِنا عَنْ مُنْيَةِ المُفْتِي أنَّهُ لا يُكْرَهُ عِنْدَنا إفْرادُ أحَدِهِما عَنِ الآخَرِ ثُمَّ قالَ نَقْلًا عَنِ العَلّامَةِ
صفحة 84
مَيْرِكٍ، وهَذا الخِلافُ في حَقِّ نَبِيِّنا ﷺ وأمّا غَيْرُهُ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَلا خِلافَ في عَدَمِ كَراهَةِ الإفْرادِ لِأحَدٍ مِنَ العُلَماءِ ومَنِ اِدَّعى ذَلِكَ فَعَلَيْهِ أنْ يُورِدَ نَقْلًا صَرِيحًا ولا يَجِدَ إلَيْهِ سَبِيلًا اِنْتَهى.
وصَرَّحَ بَعْضُهم أنَّ الكَراهَةَ عِنْدَ مَن يَقُولُ بِها إنَّما هي في الإفْرادِ لَفْظًا وأمّا الإفْرادُ خَطًّا كَما وقَعَ في الأُمِّ فَلا كَراهَةَ فِيهِ، وعِنْدِي أنَّ الِاسْتِدْلالَ بِالآيَةِ عَلى كَراهَةِ الإفْرادِ حَسْبَما سَمِعْتَ في غايَةِ الضَّعْفِ إذْ قُصارى ما تَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّ كُلًّا مِنَ الصَّلاةِ والتَّسْلِيمِ مَأْمُورٌ بِهِ مُطْلَقًا ولا تَدُلُّ عَلى الأمْرِ بِالإتْيانِ بِهِما في زَمانٍ واحِدٍ كَأنْ يُؤْتى بِهِما مَجْمُوعَيْنِ مَعْطُوفًا أحَدُهُما عَلى الآخَرِ فَمَن صَلّى بُكْرَةً وسَلَّمَ عَشِيًّا مَثَلًا فَقَدِ اِمْتَثَلَ الأمْرَ فَإنَّها نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ( أقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ ) و﴿اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ ﴿وسَبِّحُوهُ﴾ [اَلْأحْزابِ: 42] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأوامِرِ المُتَعاطِفَةِ، نَعَمْ دَرَجَ أكْثَرُ السَّلَفِ عَلى الجَمْعِ بَيْنَهُما فَلا أسْتَحْسِنُ العُدُولَ عَنْهُ مَعَ ما في ذِكْرِ السَّلامِ بَعْدَ الصَّلاةِ مِنَ السَّلامَةِ مِن تَوَهُّمٍ لا يَكادُ يَعْرِضُ إلّا لِلْأذْهانِ السَّقِيمَةِ كَما لا يَخْفى.
وفِي دُخُولِهِ ﷺ في الخِطابِ بِ (يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا) هُنا خِلافٌ فَقالَ بَعْضُهم بِالدُّخُولِ، وقَدْ صَرَّحَ بَعْضُ أجِلَّةِ الشّافِعِيَّةِ بِوُجُوبِ الصَّلاةِ عَلَيْهِ ﷺ في صَلاتِهِ وذَكَرَ أنَّهُ ﷺ كانَ يُصَلِّي عَلى نَفْسِهِ خارِجَها كَما هو ظاهِرُ أحادِيثَ «كَقَوْلِهِ ﷺ حِينَ ضَلَّتْ ناقَتُهُ وتَكَلَّمَ مُنافِقٌ فِيها «إنَّ رَجُلًا مِنَ المُنافِقِينَ شَمَتَ أنْ ضَلَّتْ ناقَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ»» وقَوْلِهِ حِينَ عَرَضَ عَلى المُسْلِمِينَ رَدَّ ما أخَذَهُ مِن أبِي العاصِ زَوْجِ اِبْنَتِهِ زَيْنَبَ قَبْلَ إسْلامِهِ ««وإنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَألَتْنِي»» الحَدِيثَ، فَذَكَرَ التَّصْلِيَةَ والتَّسْلِيمَ عَلى نَفْسِهِ بَعْدَ ذِكْرِهِ، واحْتِمالُ أنَّ ذَلِكَ في الحَدِيثَيْنِ مِنَ الرّاوِي بَعِيدٌ جِدًّا اه.
وتَوَقَّفَ بَعْضُهم في دُخُولِهِ مِن حَيْثُ إنَّ قَرِينَةَ سِياقِ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ إلى هُنا ظاهِرَةٌ في اِخْتِصاصِ هَذا الحَكَمِ بِالمُؤْمِنِينَ دُونَهُ ﷺ، ونُظِرَ فِيهِ بِأنَّ ما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ صَرِيحٌ في اِخْتِصاصِهِ بِالمُؤْمِنِينَ وأمّا هي فَلا قَرِينَةَ فِيها عَلى الِاخْتِصاصِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ لِلْأُصُولِيِّينَ في دُخُولِهِ ﷺ في نَحْوِ هَذِهِ الصِّيغَةِ أقْوالًا، عَدَمُهُ مُطْلَقًا وهو شاذٌّ، ودُخُولُهُ مُطْلَقًا وهو الأصَحُّ عَلى ما قالَ جَمْعٌ، والدُّخُولُ إلّا فِيما صَدَرَ بِأمْرِهِ بِالتَّبْلِيغِ نَحْوَ (قُلْ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا)، وأنا أُعَوِّلُ عَلى الدُّخُولِ إلّا إذا وُجِدَتْ قَرِينَةٌ عَلى عَدَمِ الدُّخُولِ سَواءٌ كانَتِ الأمْرَ بِالتَّبْلِيغِ أوَّلًا، وهاهُنا السِّباقُ والسِّياقُ قَرِينَتانِ عَلى عَدَمِ الدُّخُولِ فِيما يَظْهَرُ.
وعَبَّرَ بِاَلَّذِينِ آمَنُوا دُونَ النّاسِ الشّامِلِ لِلْكَفّارِ، قِيلَ: إشارَةٌ إلى أنَّ الصَّلاةَ عَلَيْهِ ﷺ مِن أجَلِّ الوَسائِلِ وأنْفَعِها والكافِرُ لا وسِيلَةَ لَهُ فَلَمْ يُؤْتَ بِلَفْظٍ يَشْمَلُهُ، ومُخاطَبَةُ الكَفّارِ بِالفُرُوعِ عَلى القَوْلِ بِها بِالنِّسْبَةِ لِعِقابِهِمْ عَلَيْها في الآخِرَةِ فَحَسْبُ عَلى أنَّ مَحَلَّ تَكْلِيفِهِمْ بِها حَيْثُ أجْمَعَ عَلَيْها، ومِن ثَمَّ اِسْتَثْنى مِن مُخاطَبَتِهِمْ بِها مُعامَلَتَهُمِ الفاسِدَةَ ونَحْوَها.
ولَعَلَّ الأوْلى أنَّ التَّعْبِيرَ بِذَلِكَ لِما ذُكِرَ مَعَ اِقْتِضاءِ السِّياقِ لَهُ، وفي نِداءِ المُؤْمِنِينَ بِهَذا الأُسْلُوبِ مِن حَثِّهِمْ عَلى اِمْتِثالِ الأمْرِ ما لا يَخْفى، والأمْرُ بِالصَّلاةِ والتَّسْلِيمِ مِن خَواصِّ هَذِهِ الأُمَّةِ فَلَمْ تُؤْمَرْ أُمَّةٌ غَيْرُها بِالصَّلاةِ والتَّسْلِيمِ عَلى نَبِيِّها.
وكانَ ذَلِكَ عَلى ما نُقِلَ عَنْ أبِي ذَرٍّ الهَرَوِيِّ في السَّنَةِ الثّانِيَةِ مِنَ الهِجْرَةِ، وقِيلَ: كانَ في لَيْلَةِ الإسْراءِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الآيَةَ مَدَنِيَّةٌ، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّها لَمّا نَزَلَتْ قالَ أبُو بَكْرٍ: ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ خَيْرًا إلّا أشْرَكَنا فِيهِ فَنَزَلَتْ ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكم ومَلائِكَتُهُ﴾ وحِكْمَةُ تَغايُرِ أُسْلُوبَيِ الآيَتَيْنِ ظاهِرَةٌ عَلى المُتَأمِّلِ، والصَّلاةُ مِنّا عَلى الأنْبِياءِ ما عَدا نَبِيِّنا عَلَيْهِ وعَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ جائِزَةٌ بِلا كَراهَةٍ، فَقَدْ جاءَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلى ما قالَهُ المَجْدُ اللُّغَوِيُّ ««إذا صَلَّيْتُمْ عَلى المُرْسَلِينَ فَصَلُّوا عَلَيَّ مَعَهم فَإنِّي رَسُولٌ مِنَ المُرْسَلِينَ»،» وفي لَفْظٍ ««إذا سَلَّمْتُمْ عَلَيَّ فَسَلِّمُوا عَلى المُرْسَلِينَ»». ولِلْأوَّلِ طَرِيقٌ أُخْرى إسْنادُها حَسَنٌ جَيِّدٌ لَكِنَّهُ مُرْسَلٌ.
صفحة 85
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ والقاضِي إسْماعِيلُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في (شُعَبِ الإيمانِ) عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««صَلُّوا عَلى أنْبِياءِ اللَّهِ ورُسُلِهِ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى بَعَثَهم كَما بَعَثَنِي»».
وهُوَ وإنَّ جاءَ مِن طُرُقٍ ضَعِيفَةٍ يُعْمَلُ بِهِ في مِثْلِ هَذا المَطْلَبِ كَما لا يَخْفى، وأمّا ما حُكِيَ عَنْ مالِكٍ مِن أنَّهُ لا يُصَلّى عَلى غَيْرِ نَبِيِّنا ﷺ مِنَ الأنْبِياءِ فَأوَّلَهُ أصْحابُهُ بِأنَّ مَعْناهُ إنّا لَمْ نَتَعَبَّدْ بِالصَّلاةِ عَلَيْهِمْ كَما تَعَبَّدْنا بِالصَّلاةِ عَلَيْهِ ﷺ.
والصَّلاةُ عَلى المَلائِكَةِ قِيلَ لا يُعْرَفُ فِيها نَصٌّ وإنَّما تُؤْخَذُ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ المَذْكُورِ آنِفًا إذا ثَبَتَ أنَّ اللَّهَ تَعالى سَمّاهم رُسُلًا.
وأمّا الصَّلاةُ عَلى غَيْرِ الأنْبِياءِ والمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَقَدِ اِضْطَرَبَتْ فِيها أقْوالُ العُلَماءِ فَقِيلَ تَجُوزُ مُطْلَقًا قالَ القاضِي عِياضٌ وعَلَيْهِ عامَّةُ أهْلِ العِلْمِ واسْتَدَلَّ لَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكم ومَلائِكَتُهُ﴾ وبِما صَحَّ مِن قَوْلِهِ ﷺ: ««اَللَّهُمَّ صَلِّ عَلى آلِ أبِي أوْفى»» وقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وقَدْ رَفَعَ يَدَيْهِ: ««اَللَّهُمَّ اِجْعَلْ صَلَواتِكَ ورَحْمَتَكَ عَلى آلِ سَعْدِ بْنِ عُبادَةَ»»
وصَحَّحَ اِبْنُ حِبّانَ خَبَرَ ««إنَّ اِمْرَأةً قالَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ: صَلِّ عَلَيَّ وعَلى زَوْجِي فَفَعَلَ»» وفي خَبَرِ مُسْلِمٍ ««أنَّ المَلائِكَةَ تَقُولُ لِرُوحِ المُؤْمِنِ: صَلّى اللَّهُ عَلَيْكَ وعَلى جَسَدِكَ»» وبِهِ يُرَدُّ عَلى الخَفاجِيِّ قَوْلُهُ في (شَرْحِ الشِّفاءِ) صَلاةُ المَلائِكَةِ عَلى الأُمَّةِ لا تَكُونُ إلّا بِتَبَعِيَّتِهِ ﷺ، وقِيلَ لا تَجُوزُ مُطْلَقًا، وقِيلَ لا تَجُوزُ اِسْتِقْلالًا وتَجُوزُ تَبَعًا فِيما ورَدَ فِيهِ النَّصُّ كالآلِ أوْ ما أُلْحِقَ بِهِ كالأصْحابِ، واخْتارَهُ القُرْطُبِيُّ وغَيْرُهُ وقِيلَ تَجُوزُ تَبَعًا مُطْلَقًا ولا تَجُوزُ اِسْتِقْلالًا ونُسِبَ إلى أبِي حَنِيفَةَ وجَمْعٍ.
وفِي (تَنْوِيرِ الأبْصارِ) ولا يُصَلّى عَلى غَيْرِ الأنْبِياءِ والمَلائِكَةِ إلّا بِطَرِيقِ التَّبَعِ وهو مُحْتَمِلٌ لِكَراهَةِ الصَّلاةِ بِدُونِ تَبَعٍ تَحْرِيمًا ولِكَراهَتِها تَنْزِيهًا ولِكَوْنِها خِلافَ الأوْلى لَكِنْ ذَكَرَ البِيرِيُّ مِنَ الحَنَفِيَّةِ مَن صَلّى عَلى غَيْرِهِمْ أثِمَ وكُرِهَ وهو الصَّحِيحُ، وفي رِوايَةٍ عَنْ أحْمَدَ كَراهَةُ ذَلِكَ اِسْتِقْلالًا، ومَذْهَبُ الشّافِعِيَّةِ أنَّهُ خِلافُ الأوْلى وقالَ اللَّقانِيُّ: قالَ القاضِي عِياضٌ الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ المُحَقِّقُونَ وأمِيلُ إلَيْهِ ما قالَهُ مالِكٌ وسُفْيانُ واخْتارَهُ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ الفُقَهاءِ والمُتَكَلِّمِينَ أنَّهُ يَجِبُ تَخْصِيصُ النَّبِيِّ ﷺ وسائِرِ الأنْبِياءِ بِالصَّلاةِ والتَّسْلِيمِ كَما يُخْتَصُّ اللَّهُ سُبْحانَهُ عِنْدَ ذِكْرِهِ بِالتَّقْدِيسِ والتَّنْزِيهِ ويُذْكَرُ مِن سِواهم بِالغُفْرانِ والرِّضا كَما قالَ تَعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ورَضُوا عَنْهُ﴾ [اَلتَّوْبَةِ: 100] ﴿يَقُولُونَ رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ولإخْوانِنا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالإيمانِ﴾ [اَلْحَشْرِ: 10] وأيْضًا فَهو أمْرٌ لَمْ يَكُنْ مَعْرُوفًا في الصَّدْرِ الأوَّلِ وإنَّما أحْدَثَهُ الرّافِضَةُ في بَعْضِ الأئِمَّةِ، والتَّشَبُّهُ بِأهْلِ البِدَعِ مَنهِيٌّ عَنْهُ فَتَجِبُ مُخالَفَتُهُمِ اِنْتَهى. ولا يَخْفى أنَّ كَراهَةَ التَّشَبُّهِ بِأهْلِ البِدَعِ مُقَرَّرَةٌ عِنْدَنا أيْضًا لَكِنْ لا مُطْلَقًا بَلْ في المَذْمُومِ وفِيما قُصِدَ بِهِ التَّشَبُّهَ بِهِمْ فَلا تَغْفُلْ.
وجاءَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ أوْ صَحِيحٍ أنَّهُ كَتَبَ لِعامِلِهِ: أنَّ ناسًا مِنَ القُصّاصِ قَدْ أحْدَثُوا في الصَّلاةِ عَلى حُلَفائِهِمْ ومَوالِيهِمْ عِدْلَ صَلاتِهِمْ عَلى النَّبِيِّ ﷺ فَإذا جاءَكَ كِتابِي هَذا فَمُرْهم أنْ تَكُونَ صَلاتُهم عَلى النَّبِيِّينَ خاصَّةً ودُعاؤُهم لِلْمُسْلِمِينَ عامَّةً ويَدْعُوا ما سِوى ذَلِكَ.
وصَحَّ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: لا تَنْبَغِي الصَّلاةُ مِن أحَدٍ عَلى أحَدٍ إلّا عَلى النَّبِيِّ ﷺ. وفي رِوايَةٍ عَنْهُ ما أعْلَمُ الصَّلاةَ تَنْبَغِي عَلى أحَدٍ مِن أحَدٍ إلّا عَلى النَّبِيِّ ﷺ ولَكِنْ يُدْعى لِلْمُسْلِمِينَ والمُسْلِماتِ بِالِاسْتِغْفارِ، وكِلاهُما يَحْتَمِلُ الكَراهَةَ والحُرْمَةَ.
واسْتَدَلَّ المانِعُونَ بِأنَّ لَفْظَ الصَّلاةِ صارَ شِعارًا لِعِظَمِ الأنْبِياءِ وتَوْقِيرِهِمْ فَلا تُقالُ لِغَيْرِهِمُ اِسْتِقْلالًا وإنْ صَحَّ كَما لا يُقالُ مُحَمَّدٌ عَزَّ وجَلَّ وإنْ كانَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ
صفحة 86
والسَّلامُ عَزِيزًا جَلِيلًا لِأنَّ هَذا الثَّناءَ صارَ شِعارًا لِلَّهِ تَعالى فَلا يُشارِكُ فِيهِ غَيْرَهُ.
وأجابُوا عَمّا مَرَّ بِأنَّهُ صَدَرَ مِنَ اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ولَهُما أنْ يَخُصّا مَن شاءا بِما شاءا ولَيْسَ ذَلِكَ لِغَيْرِهِما إلّا بِإذْنِهِما ولَمْ يَثْبُتْ عَنْهُما إذْنٌ في ذَلِكَ، ومِن ثَمَّ قالَ أبُو اليَمَنِ اِبْنُ عَساكِرَ لَهُ ﷺ أنْ يُصَلِّيَ عَلى غَيْرِهِ مُطْلَقًا لِأنَّهُ حَقُّهُ ومَنصِبُهُ فَلَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ كَيْفَ شاءَ بِخِلافِ أُمَّتِهِ إذْ لَيْسَ لَهم أنْ يُؤْثِرُوا غَيْرَهُ بِما هو لَهُ، لَكِنْ نازَعَ فِيهِ صاحِبُ المُعْتَمَدِ مِنَ الشّافِعِيَّةِ بِأنَّهُ لا دَلِيلَ عَلى الخُصُوصِيَّةِ، وحَمَلَ البَيْهَقِيُّ القَوْلَ بِالمَنعِ عَلى ما إذا جَعَلَ ذَلِكَ تَعْظِيمًا وتَحِيَّةً وبِالجَوازِ عَلَيْها إذا كانَ دُعاءً وتَبَرُّكًا، واخْتارَ بَعْضُ الحَنابِلَةِ أنَّ الصَّلاةَ عَلى الآلِ مَشْرُوعَةٌ تَبَعًا وجائِزَةٌ اِسْتِقْلالًا وعَلى المَلائِكَةِ وأهْلِ الطّاعَةِ عُمُومًا جائِزَةٌ أيْضًا وعَلى مُعَيَّنِ شَخْصٍ أوْ جَماعَةٍ مَكْرُوهَةٌ ولَوْ قِيلَ بِتَحْرِيمِها لَمْ يَبْعُدْ سِيَّما إذا جُعِلَ ذَلِكَ شِعارًا لَهُ وحْدَهُ دُونَ مُساوِيهِ ومَن هو خَيْرٌ مِنهُ كَما تَفْعَلُ الرّافِضَةُ بِعَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ ولا بَأْسَ بِها أحْيانًا كَما صَلّى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى المَرْأةِ وزَوْجِها وكَما صَلّى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى عَلِيٍّ وعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما لَمّا دَخَلَ عَلَيْهِ وهو مُسَجًّى، ثُمَّ قالَ: وبِهَذا التَّفْصِيلِ تَتَّفِقُ الأدِلَّةُ، وأنْتَ تَعْلَمُ اِتِّفاقَها بِغَيْرِ ما ذُكِرَ.
والسَّلامُ عِنْدَ كَثِيرٍ فِيما ذُكِرَ وفي (شَرْحِ الجَوْهَرَةِ) لِلِّقْيانِيِّ نَقْلًا عَنِ الإمامِ الجُوَيْنِيِّ أنَّهُ في مَعْنى الصَّلاةِ فَلا يُسْتَعْلَمُ في الغائِبِ ولا يُفْرَدُ بِهِ غَيْرُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَلا يُقالُ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ بَلْ يُقالُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وسَواءٌ في هَذا الأحْياءُ والأمْواتُ إلّا في الحاضِرِ فَيُقالُ السَّلامُ أوْ سَلامٌ عَلَيْكَ أوْ عَلَيْكم وهَذا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ اِنْتَهى. وفي حِكايَةِ الإجْماعِ عَلى ذَلِكَ نَظَرٌ.
وفِي (اَلدُّرِّ المَنضُودِ) السَّلامُ كالصَّلاةِ فِيما ذُكِرَ إلّا إذا كانَ لِحاضِرٍ أوْ تَحِيَّةً لِحَيٍّ غائِبٍ، وفَرَّقَ آخَرُونَ بِأنَّهُ يُشْرَعُ في حَقِّ كُلِّ مُؤْمِنٍ بِخِلافِ الصَّلاةِ، وهو فَرْقٌ بِالمُدَّعى فَلا يُقْبَلُ، ولا شاهِدَ في السَّلامِ عَلَيْنا وعَلى عِبادِ اللَّهِ الصّالِحِينَ لِأنَّهُ وارِدٌ في مَحَلٍّ مَخْصُوصٍ ولَيْسَ غَيْرُهُ في مَعْناهُ عَلى أنَّ ما فِيهِ وقَعَ تَبَعًا لا اِسْتِقْلالًا.
وحَقَّقَ بَعْضُهم فَقالَ ما حاصِلُهُ مَعَ زِيادَةٍ عَلَيْهِ: السَّلامُ الَّذِي يَعُمُّ الحَيَّ والمَيِّتَ هو الَّذِي يُقْصَدُ بِهِ التَّحِيَّةُ كالسَّلامِ عِنْدَ تَلاقٍ أوْ زِيارَةِ قَبْرٍ وهو مُسْتَدْعٍ لِلرَّدِّ وُجُوبُ كِفايَةٍ أوْ عَيْنٌ بِنَفْسِهِ في الحاضِرِ ورَسُولِهِ أوْ كِتابِهِ في الغائِبِ، وأمّا السَّلامُ الَّذِي يُقْصَدُ بِهِ الدُّعاءُ مِنّا بِالتَّسْلِيمِ مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلى المَدْعُوِّ لَهُ سَواءٌ كانَ بِلَفْظِ غَيْبَةٍ أوْ حُضُورٍ فَهَذا هو الَّذِي اُخْتُصَّ بِهِ ﷺ عَنِ الأُمَّةِ فَلا يُسَلَّمُ عَلى غَيْرِهِ مِنهم إلّا تَبَعًا كَما أشارَ إلَيْهِ التَّقِيُّ السُّبْكِيُّ في (شِفاءِ الغَرامِ)، وحِينَئِذٍ فَقَدْ أشْبَهَ قَوْلُنا عَلَيْهِ السَّلامُ قَوْلَنا عَلَيْهِ الصَّلاةُ مِن حَيْثُ أنَّ المُرادَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَفِيهِ إشْعارٌ بِالتَّعْظِيمِ الَّذِي في الصَّلاةِ مِن حَيْثُ الطَّلَبُ لِأنْ يَكُونَ المُسَلَّمُ عَلَيْهِ اللَّهَ تَعالى كَما في الصَّلاةِ وهَذا النَّوْعُ مِنَ السَّلامِ هو الَّذِي اِدَّعى الحَلِيمِيُّ كَوْنَ الصَّلاةِ بِمَعْناهُ، اِنْتَهى.
واخْتُلِفَ في جَوازِ الدُّعاءِ لَهُ ﷺ بِالرَّحْمَةِ فَذَهَبَ اِبْنُ عَبْدِ البَرِّ إلى مَنعِ ذَلِكَ، ورُدَّ بِوُرُودِهِ في الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ، مِنها وهو أصَحُّها حَدِيثُ التَّشَهُّدِ السَّلامُ عَلَيْكَ أيُّها النَّبِيُّ ورَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ، ومِنها قَوْلُ الأعْرابِيِّ: اللَّهُمَّ اِرْحَمْنِي ومُحَمَّدًا، وتَقْرِيرُهُ ﷺ لِذَلِكَ، وقَوْلُهُ ﷺ: ««اَللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ رَحْمَةً مِن عِنْدَكَ اللَّهُمَّ أرْجُو رَحْمَتَكَ يا حَيُّ يا قَيُّومُ بِرَحْمَتِكَ أسْتَغِيثُ»،» وفي خُطْبَةِ رِسالَةِ الشّافِعِيِّ ما لَفْظُهُ ﷺ: ورَحِمَ وكَرَّمَ.
نَعَمْ، قَضِيَّةُ كَلامِهِ كَحَدِيثِ التَّشَهُّدِ أنَّ مَحَلَّ الجَوازِ إنْ ضُمَّ إلَيْهِ لَفْظُ الصَّلاةِ أوِ السَّلامِ وإلّا لَمْ يَجُزْ، وقَدْ أخَذَ بِهِ جَمْعٌ مِنهُمُ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ بَلْ نَقَلَهُ القاضِي عِياضٌ في الإكْمالِ عَنِ الجُمْهُورِ، قالَ القُرْطُبِيُّ: وهو الصَّحِيحُ، وجَزَمَ
صفحة 87
بِعَدَمِ جَوازِهِ مُنْفَرِدًا الغَزالِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ فَقالَ: لا يَجُوزُ تَرَحُّمٌ عَلى النَّبِيِّ ويَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكم كَدُعاءِ بَعْضِكم بَعْضًا﴾ [اَلنُّورِ: 63] والصَّلاةُ وإنْ كانَتْ بِمَعْنى الرَّحْمَةِ إلّا أنَّ الأنْبِياءَ خُصُّوا بِها تَعْظِيمًا لَهم وتَمْيِيزًا لِمَرْتَبَتِهِمُ الرَّفِيعَةِ عَلى غَيْرِهِمْ عَلى أنَّها في حَقِّهِمْ لَيْسَتْ بِمَعْنى مُطْلَقِ الرَّحْمَةِ بَلِ المُرادُ بِها ما هو أخَصُّ مِن ذَلِكَ كَما سَمِعْتَ فِيما تَقَدَّمَ.
نَعَمْ، ظاهِرُ قَوْلِ الأعْرابِيِّ السّابِقِ وتَقْرِيرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَهُ الجَوازُ ولَوْ بِدُونِ اِنْضِمامِ صَلاةٍ أوْ سَلامٍ.
قالَ اِبْنُ حَجَرٍ الهَيْتَمِيُّ: وهو الَّذِي يَتَّجِهُ وتَقْرِيرُهُ المَذْكُورُ خاصٌّ فَيُقَدَّمُ عَلى العُمُومِ الَّذِي اِقْتَضَتْهُ الآيَةُ ثُمَّ قالَ: ويَنْبَغِي حَمْلُ قَوْلِ مَن قالَ لا يَجُوزُ ذَلِكَ عَلى أنَّ مُرادَهم نَفْيُ الجَوازِ المُسْتَوِي الطَّرَفَيْنِ فَيُصَدَّقُ بِأنَّ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ أوْ خِلافُ الأوْلى، وذَكَرَ زَيْنُ الدِّينِ في بَحْرِهِ أنَّهُمُ اِتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ لا يُقالُ اِبْتِداءً رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى، وأنا أقُولُ: الَّذِي يَنْبَغِي أنْ لا يُقالَ ذَلِكَ اِبْتِداءً.
وقالَ الطَّحْطاوِيُّ في حَواشِيهِ عَلى الدُّرِّ المُخْتارِ: ويَنْبَغِي أنْ لا يَجُوزُ غَفَرَ اللَّهُ تَعالى لَهُ أوْ سامَحَهُ لِما فِيهِ مِن إيهامِ النَّقْصِ، وهو الَّذِي أمِيلُ إلَيْهِ وإنْ كانَ الدُّعاءُ بِالمَغْفِرَةِ لا يَسْتَلْزِمُ وُجُوبَ ذَنْبٍ بَلْ قَدْ يَكُونُ بِزِيادَةِ دَرَجاتٍ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ اِسْتِغْفارُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في اليَوْمِ واللَّيْلَةِ مِائَةَ مَرَّةٍ، وكَذا الدُّعاءُ بِها لِلْمَيِّتِ الصَّغِيرِ في صَلاةِ الجِنازَةِ، ومِثْلُ ذَلِكَ فِيما يَظْهَرُ عَفا اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وإنْ وقَعَ في القُرْآنِ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى لَهُ أنْ يُخاطِبَ عَبْدَهُ بِما شاءَ.
وأرى حُكْمَ التَّرَحُّمِ عَلى المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ كَحُكْمِ التَّرَحُّمِ عَلَيْهِ ﷺ، ومَنِ اُخْتُلِفَ في نُبُوَّتِهِ كَلُقْمانَ يُقَلْ فِيهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أوْ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلى الأنْبِياءِ وعَلَيْهِ وسَلَّمَ، هَذا وقَدْ بَقِيَتْ في هَذا المَقامِ أبْحاثٌ كَثِيرَةٌ يَطُولُ الكَلامُ بِذِكْرِها جِدًّا فَلْتُطْلَبْ مِن مَظانِّها واَللَّهُ تَعالى ولِيُّ التَّوْفِيقِ وبِيَدِهِ سُبْحانَهُ أزِمَّةُ التَّحْقِيقِ.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии