Аль-Алуси · Тафсир · на арабском
Саба 34:43–51
34:43Страница 433
وَإِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُنَا بَيِّنَٰتٖ قَالُواْ مَا هَٰذَآ إِلَّا رَجُلٞ يُرِيدُ أَن يَصُدَّكُمۡ عَمَّا كَانَ يَعۡبُدُ ءَابَآؤُكُمۡ وَقَالُواْ مَا هَٰذَآ إِلَّآ إِفۡكٞ مُّفۡتَرٗىۚ وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلۡحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمۡ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا سِحۡرٞ مُّبِينٞ ٤٣
Когда им читают Наши ясные аяты, они говорят: «Это - всего лишь мужчина, который хочет удержать вас от того, чему поклонялись ваши отцы». Они говорят: «Это - всего лишь вымышленная ложь». А те, которые не уверовали в истину, когда она явилась к ним, говорят: «Это - всего лишь очевидное колдовство».
﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ﴾ بَيانٌ لِبَعْضٍ آخَرَ مِن كُفْرِهِمْ أيْ إذا تُتْلى عَلَيْهِمْ بِلِسانِ الرَّسُولِ ﷺ آياتُنا النّاطِقَةُ بِحَقِّيَةِ التَّوْحِيدِ وبَطَلانِ الشِّرْكِ ﴿قالُوا ما هَذا﴾ يَعْنُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ التّالِيَ لِلْآياتِ، والإشارَةُ لِلتَّحْقِيرِ قاتَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى ﴿إلا رَجُلٌ يُرِيدُ أنْ يَصُدَّكم عَمّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُكُمْ﴾ فَيَجْعَلُكم مِن أتْباعِهِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَهُ دِينٌ إلَهِيٌّ، وإضافَةُ الآباءِ إلى المُخاطِبِينَ لا إلى أنْفُسِهِمْ لِتَحْرِيكِ عِرْقِ العَصَبِيَّةِ مِنهم مُبالَغَةً في تَقْرِيرِهِمْ عَلى الشِّرْكِ وتَنْفِيرِهِمْ عَنِ التَّوْحِيدِ.
وقالُوا ما هَذا يَعْنُونَ القُرْآنَ المَتْلُوَّ والإشارَةُ كالإشارَةِ السّابِقَةِ ﴿إلا إفْكٌ﴾ أيْ كَلامٌ مَصْرُوفٌ عَنْ وجْهِهِ لا مِصْداقَ لَهُ في الواقِعِ ﴿مُفْتَرًى﴾ بِإسْنادِهِ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ﴾ أيْ لِأمْرِ النُّبُوَّةِ الَّتِي مَعَها مِن خَوارِقَ العادَةِ ما مَعَها أوْ لِلْإسْلامِ المُفَرِّقِ بَيْنَ المَرْءِ وزَوْجِهِ ووَلَدِهِ، أوِ القُرْآنِ الَّذِي تَتَأثَّرُ بِهِ النُّفُوسُ عَلى أنَّ العَطْفَ لِاخْتِلافِ العُنْوانِ بِأنْ يُرادَ بِالأوَّلِ مَعْناهُ وبِالثّانِي نَظْمَهُ المُعْجِزَ.
﴿لَمّا جاءَهُمْ﴾ مِن غَيْرِ تَدَبُّرٍ ولا تَأمُّلٍ فِيهِ ﴿إنْ هَذا إلا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ظاهِرٌ سِحْرِيَّتُهُ.
وفِي ذِكْرِ ( قالَ ) ثانِيًا والتَّصْرِيحِ بِذِكْرِ الكَفَرَةِ وما في اللّامَيْنِ مِنَ الإشارَةِ إلى القائِلِينَ والمَقُولِ فِيهِ وما في لَمّا مِنَ المُسارَعَةِ إلى البَتِّ بِهَذا القَوْلِ الباطِلِ إنْكارٌ عَظِيمٌ لَهُ وتَعَجُّبٌ بَلِيغٌ مِنهُ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ كُلُّ جُمْلَةٍ صَدَرَتْ
صفحة 153
مِن قَوْمٍ مِنَ الكَفَرَةِ.
34:44Страница 433
وَمَآ ءَاتَيۡنَٰهُم مِّن كُتُبٖ يَدۡرُسُونَهَاۖ وَمَآ أَرۡسَلۡنَآ إِلَيۡهِمۡ قَبۡلَكَ مِن نَّذِيرٖ ٤٤
Мы не даровали им Писаний, которые они могли бы изучить, и не посылали к ним до тебя предостерегающего увещевателя.
﴿وما آتَيْناهُمْ﴾ أيْ أهْلَ مَكَّةَ ﴿مِن كُتُبٍ يَدْرُسُونَها﴾ تَقْتَضِي صِحَّةَ الإشْراكِ لِيَعْذُرُوا فِيهِ فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ أنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطانًا فَهو يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ [اَلرُّومِ: 35] وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿أمْ آتَيْناهم كِتابًا مِن قَبْلِهِ فَهم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾ [اَلزُّخْرُفِ: 21] وإلى هَذا ذَهَبَ اِبْنُ زَيْدٍ، وقالَ السُّدِّيُّ: المَعْنى ما آتَيْناهم كُتُبًا يَدْرُسُونَها فَيَعْلَمُوا بِدِراسَتِها بُطْلانَ ما جِئْتَ بِهِ، ويَرْجِعُ إلى الأوَّلِ، والمَقْصُودُ نَفْيُ أنْ يَكُونَ لَهم دَلِيلٌ عَلى صِحَّةِ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ، ومَن صِلَةٌ، وجَمْعُ الكُتُبِ إشارَةٌ عَلى ما قِيلَ إلى أنَّهُ لِشِدَّةِ بُطْلانِهِ واسْتِحالَةِ إثْباتِهِ بِدَلِيلٍ سَمْعِيٍّ أوْ عَقْلِيٍّ يَحْتاجُ إلى تَكَرُّرِ الأدِلَّةِ وقُوَّتِها فَكَيْفَ يُدْعى ما تَوارَتِ الأدِلَّةُ النَّيِّرَةُ عَلى خِلافِهِ.
وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ «يَدَّرِسُونَها» بِفَتْحِ الدّالِّ وشَدِّها وكَسْرِ الرّاءِ مُضارِعُ اِدَّرَسَ اِفْتَعَلَ مِنَ الدَّرْسِ ومَعْناهُ يَتَدارَسُونَها، وعَنْهُ أيْضًا «يُدَرِّسُونَها» مِنَ التَّدْرِيسِ وهو تَكْرِيرُ الدَّرْسِ أوْ مِن دَرَسَ الكِتابَ مُخَفَّفًا ودَرَّسَ الكِتابِ مُشَدَّدًا التَّضْعِيفُ فِيهِ بِاعْتِبارِ الجَمْعِ.
﴿وما أرْسَلْنا إلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِن نَذِيرٍ﴾ أيْ وما أرْسَلَنا إلَيْهِمْ قَبْلَكَ نَذِيرًا يَدْعُوهم إلى الشِّرْكِ ويُنْذِرُهم بِالعِقابِ عَلى تَرْكِهِ وقَدْ بانَ مِن قَبْلُ أنْ لا وجْهَ لَهُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ فَمِن أيْنَ ذَهَبُوا هَذا المَذْهَبَ الزّائِغَ، وفِيهِ مِنَ التَّهَكُّمِ والتَّجْهِيلِ ما لا يَخْفى، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ أنَّهم أُمِّيُّونَ كانُوا في فَتْرَةٍ لا عُذْرَ لَهم في الشِّرْكِ ولا في عَدَمِ الِاسْتِجابَةِ لَكَ كَأهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ لَهم كُتُبٌ ودِينٌ يَأْبَوْنَ تَرْكَهُ ويَحْتَجُّونَ عَلى عَدَمِ المُتابَعَةِ بِأنَّ نَبِيَّهم حَذَّرَهم تَرْكَ دِينِهِ مَعَ أنَّهُ بَيَّنَ البُطْلانَ لِثُبُوتِ أمْرٍ مِن قَبْلِهِ بِاتِّباعِهِ وتَبْشِيرِ الكُتُبِ بِهِ، وذَكَرَ اِبْنُ عَطِيَّةَ أنَّ الأرْضَ لَمْ تَخْلُ مِن داعٍ إلى تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعالى فالمُرادُ نَفْيُ إرْسالِ نَذِيرٍ يَخْتَصُّ بِهَؤُلاءِ ويُشافِهَهُمْ، وقَدْ كانَ عِنْدَ العَرَبِ كَثِيرٌ مِن نِذارَةِ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ واَللَّهُ تَعالى يَقُولُ: ﴿إنَّهُ كانَ صادِقَ الوَعْدِ وكانَ رَسُولا نَبِيًّا﴾ [مَرْيَمَ: 54] ولَكِنْ لَمْ يَتَجَرَّدْ لِلنِّذارَةِ وقاتَلَ عَلَيْها إلّا مُحَمَّدًا ﷺ اه، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى هَدَّدَهم بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
34:45Страница 433
وَكَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ وَمَا بَلَغُواْ مِعۡشَارَ مَآ ءَاتَيۡنَٰهُمۡ فَكَذَّبُواْ رُسُلِيۖ فَكَيۡفَ كَانَ نَكِيرِ ٤٥
Те, которые были до них, сочли лжецами посланников. Они (мекканские многобожники) не получили даже десятой части того, что Мы даровали им, однако они сочли лжецами Моих посланников. Каким же было Мое обличение!
﴿وكَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ مِنَ الأُمَمِ المُتَقَدِّمَةِ والقُرُونِ الخالِيَةِ بِما كَذَّبُوا.
﴿وما بَلَغُوا﴾ أيْ أهْلُ مَكَّةَ ﴿مِعْشارَ﴾ أيْ عُشْرَ ما ﴿آتَيْناهُمْ﴾ وقالَ قَوْمٌ المِعْشارُ عُشْرُ العُشْرِ ولَمْ يَرْتَضِهِ اِبْنُ عَطِيَّةَ، وقالَ الماوَرْدِيُّ: المُرادُ المُبالَغَةُ في التَّقْلِيلِ أيْ ما بَلَغُوا أقَلَّ قَلِيلٍ مِمّا آتَيْنا أُولَئِكَ المُكَذِّبِينَ مِن طُولِ الأعْمارِ وقُوَّةِ الأجْسامِ وكَثْرَةِ الأمْوالِ.
﴿فَكَذَّبُوا﴾ أيْ أُولَئِكَ المُكَذِّبُونَ ﴿رُسُلِي﴾ الَّذِينَ أرْسَلْتُهم إلَيْهِمْ ﴿فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ أيْ إنْكارِي لَهم بِالتَّدْمِيرِ، فَلْيَحْذَرْ هَؤُلاءِ مِن مِثْلِ ذَلِكَ.
والفاءُ الأُولى سَبَبِيَّةٌ ﴿وكَذَّبَ﴾ الأوَّلُ نَزَلَ مَنزِلَةَ اللّازِمِ أيْ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمُ التَّكْذِيبَ وأقْدَمُوا عَلَيْهِ، ونَظِيرُ ذَلِكَ أنْ يَقُولَ القائِلُ أقْدَمَ فُلانٌ عَلى الكُفْرِ فَكَفَرَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ ومِن هُنا قالُوا: إنَّ كَذَّبُوا ﴿رُسُلِي﴾ عُطِفَ عَلى ( كَذَّبَ الَّذِينَ ) عَطْفَ المُقَيَّدِ عَلى المُطْلَقِ وهو تَفْسِيرُ مَعْنى ﴿وما بَلَغُوا﴾ اِعْتِراضٌ، والفاءُ الثّانِيَةُ فَصِيحَةٌ فَيَكُونُ المَعْنى فَحِينَ كَذَّبُوا رُسُلِي جاءَهم إنْكارِي بِالتَّدْمِيرِ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِي لَهُمْ، وجُعِلَ التَّدْمِيرُ إنْكارًا تَنْزِيلًا لِلْفِعْلِ مَنزِلَةَ القَوْلِ كَما في قَوْلِهِ. ونَشْتُمُ بِالأفْعالِ لا بِالتَّكَلُّمِ، أوْ عَلى نَحْوِ:
تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وجِيعُ
وجَوَّزَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ صِيغَةُ التَّفْعِيلِ في ( كَذَّبَ الَّذِينَ ) لِلتَّكْثِيرِ وفي (كَذَّبُوا) لِلتَّعْدِيَةِ والمُكَذِّبُ فِيهِما واحِدٌ أيْ أنَّهم أكْثَرُوا الكَذِبَ وألِفُوهُ فَصارَ سَجِيَّةً لَهم حَتّى اِجْتَرَءُوا عَلى تَكْذِيبِ الرُّسُلِ، وعَلى الوَجْهَيْنِ لا تَكْرارَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ كَذَّبُوا ﴿رُسُلِي﴾
صفحة 154
مُنْعَطَفًا عَلى ما ﴿بَلَغُوا﴾ مِن تَتِمَّةِ الِاعْتِراضِ، والضَّمِيرُ لِأهْلِ مَكَّةَ يَعْنِي هَؤُلاءِ لَمْ يَبْلُغُوا مِعْشارَ ما آتَيْنا أُولَئِكَ المُكَذِّبِينَ الأوَّلِينَ وفَضَّلُوهم في التَّكْذِيبِ لِأنَّ تَكْذِيبَهم لِخاتَمِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِ وعَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ تَكْذِيبٌ لِجَمِيعِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِن وجْهَيْنِ، وعَلَيْهِ لا يُتَوَهَّمُ تَكْرارٌ كَما لا يَخْفى، وكَوْنُ جُمْلَةِ ما ﴿بَلَغُوا﴾ مُعْتَرِضَةً هو الظّاهِرُ وجُعِلَ ﴿وكَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ تَمْهِيدًا لِئَلّا تَكُونَ تِلْكَ الجُمْلَةُ كَذَلِكَ يَدْفَعُهُ ﴿فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ لِأنَّ مَعْناهُ لِلْمُكَذِّبِينَ الأوَّلِينَ البَتَّةَ، فَلا اِلْتِئامَ دُونَ القَوْلِ بِكَوْنِها مُعْتَرِضَةً، إرْجاعُ ضَمِيرِ ﴿بَلَغُوا﴾ إلى أهْلِ مَكَّةَ والضَّمِيرِ المَنصُوبِ في ﴿آتَيْناهُمْ﴾ إلى ﴿الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ وبَيانُ المَوْصُولِ بِما سَمِعْتَ هو المَرْوِيُّ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ وابْنِ زَيْدٍ، وقِيلَ الضَّمِيرُ الأوَّلُ لِلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ والضَّمِيرُ الثّانِي لِأهْلِ مَكَّةَ، أيْ وما بَلَغَ أُولَئِكَ عُشْرَ ما آتَيْنا هَؤُلاءِ مِنَ البَيِّناتِ والهُدى، وقِيلَ: الضَّمِيرانِ لِلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، أيْ كَذَّبُوا وما بَلَغُوا في شُكْرِ النِّعْمَةِ ومُقابَلَةِ المِنَّةِ عُشْرَ ما آتَيْناهم مِنَ النِّعَمِ والإحْسانِ إلَيْهِمْ، واسْتَظْهَرَ ذَلِكَ أبُو حَيّانَ مُعَلِّلًا لَهُ بِتَناسُقِ الضَّمائِرِ حَيْثُ جَعَلَ ضَمِيرَ ﴿فَكَذَّبُوا﴾ لِلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلا تَغْفُلْ.
34:46Страница 433
۞ قُلۡ إِنَّمَآ أَعِظُكُم بِوَٰحِدَةٍۖ أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ مَثۡنَىٰ وَفُرَٰدَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُواْۚ مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍۚ إِنۡ هُوَ إِلَّا نَذِيرٞ لَّكُم بَيۡنَ يَدَيۡ عَذَابٖ شَدِيدٖ ٤٦
Скажи: «Я призываю вас только к одному: встаньте ради Аллаха по двое и по одному, а потом призадумайтесь. Ваш товарищ не является бесноватым. Он лишь предостерегает вас перед наступлением тяжких мучений».
﴿قُلْ إنَّما أعِظُكم بِواحِدَةٍ﴾ أيْ ما أُرْشِدُكم وأنْصَحُ لَكم إلّا بِخَصْلَةٍ واحِدَةٍ وهي عَلى ما قالَ قَتادَةُ ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ تَقُومُوا لِلَّهِ﴾ عَلى أنَّهُ في تَأْوِيلِ مَصْدَرٍ بَدَلٌ مِنها أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هي قِيامُكُمْ، أوْ مَفْعُولٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، أيْ أعْنِي قِيامَكُمْ، وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ كَوْنَهُ عَطْفَ بَيانٍ لِواحِدَةٍ.
واعْتُرِضَ بِأنَّ ﴿أنْ تَقُومُوا﴾ مَعْرِفَةٌ لِتَقْدِيرِهِ بِقِيامِكُمْ، وعَطْفُ البَيانِ يُشْتَرَطُ فِيهِ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ أنْ يَكُونَ مَعْرِفَةً مِن مَعْرِفَةٍ وهو عِنْدَ الكُوفِيِّينَ يَتْبَعُ ما قَبْلَهُ في التَّعْرِيفِ والتَّنْكِيرِ والتَّخالُفِ مِمّا لَمْ يَذْهَبْ إلَيْهِ ذاهِبٌ.
والظّاهِرُ أنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ ذاهِبٌ إلى جَوازِ التَّخالُفِ، وقَدْ صَرَّحَ اِبْنُ مالِكٍ في التَّسْهِيلِ بِنِسْبَةِ ذَلِكَ إلَيْهِ، وهو مِن مُجْتَهَدِي عُلَماءِ العَرَبِيَّةِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ قَدْ عَبَّرَ بِعَطْفِ البَيانِ وأرادَ البَدَلَ لِتَآخِيها، وهَذا إمامُ الصِّناعَةِ سِيبَوَيْهِ يُسَمِّي التَّوْكِيدَ صِفَةً وعَطْفَ البَيانِ صِفَةً، ثُمَّ إنَّ كَوْنَ المَصْدَرِ المَسْبُوكِ مَعْرِفَةً أوْ مُؤَوَّلًا بِها دائِمًا غَيْرُ مُسَلَّمٍ، والقِيامُ مَجازٌ عَنِ الجِدِّ والِاجْتِهادِ، وقِيلَ هو عَلى حَقِيقَتِهِ والمُرادُ القِيامُ عَنْ مَجْلِسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولَيْسَ بِذاكَ، وقَدْ رُوِيَ نَفْيُ إرادَتِهِ عَنِ اِبْنِ جُرَيْجٍ، أيْ إنْ تَجِدُّوا وتَجْتَهِدُوا في الأمْرِ بِإخْلاصٍ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعالى ﴿مَثْنى وفُرادى﴾ أيْ مُتَفَرِّقِينَ اِثْنَيْنِ اِثْنَيْنِ وواحِدًا واحِدًا، فَإنَّ في الِازْدِحامِ عَلى الأغْلَبِ تَهْوِيشَ الخاطِرِ والمَنعَ مِنَ الفِكْرِ وتَخْلِيطَ الكَلامِ وقِلَّةَ الإنْصافِ، كَما هو مُشاهِدٌ في الدُّرُوسِ الَّتِي يَجْتَمِعُ فِيها الجَماعَةُ فَإنَّهُ لا يَكادُ يُوقَفُ فِيها عَلى تَحْقِيقٍ.
وفِي تَقْدِيمِ مَثْنى إيذانٌ بِأنَّهُ أوْثَقُ وأقْرَبُ إلى الِاطْمِئْنانِ، وفي البَحْرِ قُدِّمَ لِأنَّ طَلَبَ الحَقائِقِ مِن مُتَعاضِدَيْنِ في النَّظَرِ أجْدى مِن فِكْرَةٍ واحِدَةٍ فَإذا اِنْقَدَحَ الحَقُّ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ فَكَّرَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما بَعْدَ ذَلِكَ فَيَزِيدُ بَصِيرَةً وشاعَ الفَتْحُ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ ﴿ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾ في أمْرِهِ ﷺ وما جاءَ بِهِ لِتَعْلَمُوا حَقِّيَّتَهُ، والوَقْفُ عِنْدَ أبِي حاتِمٍ هُنا.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ما بِصاحِبِكم مِن جِنَّةٍ﴾ اِسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى لِلتَّنْبِيهِ عَلى طَرِيقَةِ النَّظَرِ والتَّأمُّلِ بِأنَّ مِثْلَ هَذا الأمْرِ العَظِيمِ الَّذِي تَحْتَهُ مُلْكُ الدُّنْيا والآخِرَةِ لا يَتَصَدّى لِادِّعائِهِ إلّا مَجْنُونٌ لا يُبالِي بِافْتِضاحِهِ عِنْدَ مُطالَبَتِهِ بِالبُرْهانِ وظُهُورِ عَجْزِهِ، أوْ مُؤَيَّدٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى مُرَشَّحٌ لِلنُّبُوَّةِ واثِقٌ بِحُجَّتِهِ وبُرْهانِهِ، وإذْ قَدْ عَلِمْتُمْ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أرْجَحُ النّاسِ عَقْلًا وأصْدَقُهم قَوْلًا وأذْكاهم نَفْسًا وأفْضَلُهم عِلْمًا وأحْسَنُهم
صفحة 155
عَمَلًا وأجْمَعُهم لِلْكَمالاتِ البَشَرِيَّةِ وجَبَ أنْ تُصَدِّقُوهُ في دَعْواهُ فَكَيْفَ وقَدِ اِنْضَمَّ إلى ذَلِكَ مُعْجِزاتٌ تَخِرُّ لَها صُمُّ الجِبالِ.
والتَّعْبِيرُ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِصاحِبِكم لِلْإيماءِ إلى أنَّ حالَهُ ﷺ مَشْهُورٌ بَيْنَهم لِأنَّهُ نَشَأ بَيْنَ أظْهُرِهِمْ مَعْرُوفًا بِما ذَكَرْنا، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِما قَبْلَهُ والوَقْفُ عَلى ﴿جِنَّةٍ﴾ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِفِعْلِ عِلْمٍ مُقَدَّرٍ لِدَلالَةِ التَّفَكُّرِ عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ طَرِيقَ العِلْمِ، أيْ ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا فَتَعْلَمُوا ما بِصاحِبِكم مِن جِنَّةٍ، أوْ مَعْمُولٌ لِتَتَفَكَّرُوا عَلى أنَّ التَّفَكُّرَ مَجازٌ عَنِ العِلْمِ، أوْ مَعْمُولٌ لَهُ بِدُونِ اِرْتِكابِ تَجَوُّزٍ بِناءً عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ اِبْنُ مالِكٍ في التَّسْهِيلِ مِن أنَّ تَفَكَّرَ يُعَلَّقُ حَمْلًا عَلى أفْعالِ القُلُوبِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ هُناكَ تَضْمِينٌ أيْ ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا عالِمِينَ ما بِصاحِبِكم مِن جِنَّةٍ، وقالَ اِبْنُ عَطِيَّةَ: هو عِنْدَ سِيبَوَيْهِ جَوابُ ما يُنَزَّلُ مَنزِلَةَ القَسَمِ لِأنَّ تَفَكَّرَ مِنَ الأفْعالِ الَّتِي تُعْطِي التَّمْيِيزَ كَ تَبَيَّنَ، وتَكُونُ الفِكْرَةُ عَلى هَذا في آياتِ اللَّهِ تَعالى والإيمانِ بِهِ اه وهو كَما تَرى، وما مُطْلَقًا نافِيَةٌ والباءُ بِمَعْنى في ومَن صِلَةٌ، وقِيلَ: ما لِلِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ ومَن بَيانِيَّةٌ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ صِلَةً أيْضًا وفِيهِ تَطْوِيلُ المَسافَةِ وطَيُّها أوْلى.
﴿إنْ هو إلا نَذِيرٌ لَكم بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ هو عَذابُ الآخِرَةِ فَإنَّهُ ﷺ مَبْعُوثٌ في نَسَمِ السّاعَةِ وجاءَ ««بُعِثْتُ أنا والسّاعَةُ كَهاتَيْنِ»» وضَمَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الوُسْطى والسَّبّابَةَ عَلى المَشْهُورِ.
34:47Страница 433
قُلۡ مَا سَأَلۡتُكُم مِّنۡ أَجۡرٖ فَهُوَ لَكُمۡۖ إِنۡ أَجۡرِيَ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدٞ ٤٧
Скажи: «То вознаграждение, которое я прошу от вас, предназначено вам самим, а меня вознаградит только Аллах. Он - Свидетель всякой вещи».
﴿قُلْ ما سَألْتُكم مِن أجْرٍ﴾ أيْ مَهْما سَألَتْكم مِن نَفْعٍ عَلى تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ ﴿فَهُوَ لَكُمْ﴾ والمُرادُ نَفْيُ السُّؤالِ رَأْسًا كَقَوْلِكَ لِصاحِبِكَ إنْ أعْطَيْتَنِي شَيْئًا فَخُذْهُ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لَمْ يُعْطِكَ شَيْئًا، فَما شَرْطِيَّةٌ مَفْعُولُ ﴿سَألْتُكُمْ﴾ وهو المَرْوِيُّ عَنْ قَتادَةَ، وقِيلَ هي مَوْصُولَةٌ والعائِدُ مَحْذُوفٌ ومَن لِلْبَيانِ، ودَخَلَتِ الفاءُ في الخَبَرِ لِتَضَمُّنِها مَعْنى الشَّرْطِ أيِ الَّذِي سَألَتْكُمُوهُ مِنَ الأجْرِ فَهو لَكم وثَمَرَتُهُ تَعُودُ إلَيْكُمْ، وهو عَلى ما رُوِيَ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما إشارَةٌ إلى المَوَدَّةِ في القُرْبى في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ [اَلشُّورى: 23] وكَوْنُ ذَلِكَ لَهم عَلى القَوْلِ بِأنَّ المُرادَ بِالقُرْبى قُرْباهم ظاهِرٌ، وأمّا عَلى القَوْلِ بِأنَّ المُرادَ بِها قُرْباهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَلِأنَّ قُرْباهُ ﷺ قُرْباهم أيْضًا أوْ هو إشارَةٌ إلى ذَلِكَ وإلى ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إلا مِن شاءَ أنْ يَتَّخِذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلا﴾ [اَلْفُرْقانِ: 57] وظاهِرٌ أنَّ اِتِّخاذَ السَّبِيلِ إلَيْهِ تَعالى مَنفَعَتُهُمُ الكُبْرى، وجُوِّزَ كَوْنُ ما نافِيَةً ومَن صِلَةً، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿فَهُوَ لَكُمْ﴾ جَوابُ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ أيْ فَإذا لَمْ أسْألْكم فَهو لَكُمْ، وهو خِلافُ الظّاهِرِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ أجْرِيَ إلا عَلى اللَّهِ﴾ يُؤَيِّدُ إرادَةَ نَفْيِ السُّؤالِ رَأْسًا، وقُرِئَ «إنْ أجْرِي» بِسُكُونِ الياءِ.
﴿وهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ أيْ مُطَّلِعٌ فَيَعْلَمُ سُبْحانَهُ صِدْقِي وخُلُوصَ نِيَّتِي.
34:48Страница 433
قُلۡ إِنَّ رَبِّي يَقۡذِفُ بِٱلۡحَقِّ عَلَّٰمُ ٱلۡغُيُوبِ ٤٨
Скажи: «Воистину, мой Господь ниспосылает истину (или бросает истину в ложь). Он - Ведающий сокровенное».
﴿قُلْ إنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالحَقِّ﴾ قالَ السُّدِّيُّ وقَتادَةُ بِالوَحْيِ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْ قَتادَةَ بِالقُرْآنِ، والمَآلُ واحِدٌ، وأصْلُ القَذْفِ الرَّمْيُ بِدَفْعٍ شَدِيدٍ وهو هُنا مَجازٌ عَنِ الإلْقاءِ، والباءُ زائِدَةٌ أيْ إنَّ رَبِّي يُلْقِي الوَحْيَ ويُنَزِّلُهُ عَلى قَلْبِ مَن يَجْتَبِيهِ مِن عِبادِهِ سُبْحانَهُ، وقِيلَ القَذْفُ مُضَمَّنٌ مَعْنى الرَّمْيِ فالباءُ لَيْسَتْ زائِدَةً، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالحَقِّ مُقابِلَ الباطِلِ، والباءُ لِلْمُلابَسَةِ والمَقْذُوفُ مَحْذُوفٌ، والمَعْنى إنَّ رَبِّي يُلْقِي ما يُلْقِي إلى أنْبِيائِهِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِنَ الوَحْيِ بِالحَقِّ لا بِالباطِلِ.
وعَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ أنَّ المَعْنى يَقْذِفُ الباطِلَ بِالحَقِّ أيْ يُورِدُهُ عَلَيْهِ حَتّى يُبْطِلَهُ عَزَّ وجَلَّ ويُزِيلَهُ، والحَقُّ مُقابِلُ الباطِلِ والباءُ مِثْلُها في قَوْلِكَ قَتَلْتُهُ بِالضَّرْبِ، وفي الكَلامِ اِسْتِعارَةٌ مُصَرَّحَةٌ تَبَعِيَّةٌ والمُسْتَعارُ مِنهُ حِسِّيٌّ والمُسْتَعارُ لَهُ عَقْلِيٌّ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الِاسْتِعارَةُ مُكَنِّيَةً، وقِيلَ: المَعْنى يَرْمِي بِالحَقِّ إلى أقْطارِ الآفاقِ عَلى أنَّ ذَلِكَ
صفحة 156
مَجازٌ عَنْ إشاعَتِهِ فَيَكُونُ الكَلامُ وعْدًا بِإظْهارِ الإسْلامِ وإفْشائِهِ، وفِيهِ مِنَ الِاسْتِعارَةِ ما فِيهِ.
﴿عَلامُ الغُيُوبِ﴾ خَبَرٌ ثانٍ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ هو سُبْحانَهُ عَلّامُ الغُيُوبِ أوْ صِفَةٌ مَحْمُولَةٌ عَلى مَحَلِّ إنَّ مَعَ اِسْمِها كَما جَوَّزَهُ الكَثِيرُ مِنَ النُّحاةِ، وإنْ مَنَعَهُ سِيبَوَيْهِ، أوْ بَدَلٌ مِن ضَمِيرِ ﴿يَقْذِفُ﴾ ولا يَلْزَمُ خُلُوُّ جُمْلَةِ الخَبَرِ مِنَ العائِدِ لِأنَّ المُبْدَلَ مِنهُ لَيْسَ في نِيَّةِ الطَّرْحِ مِن كُلِّ الوُجُوهِ، وقالَ الكِسائِيُّ: هو نَعْتٌ لِذَلِكَ الضَّمِيرِ ومَذْهَبُهُ جَوازُ نَعْتِ المُضْمَرِ الغائِبِ.
وقَرَأ عِيسى وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وابْنُ أبِي إسْحاقَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وأبُو حَيْوَةَ وحَرْبٌ عَنْ طَلْحَةَ (عَلّامَ) بِالنَّصْبِ فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: صِفَةٌ لِرَبِّي، وقالَ أبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ: بَدَلٌ، وقالَ الحَوْفِيُّ: بَدَلٌ أوْ صِفَةٌ، وقِيلَ نُصِبَ عَلى المَدْحِ، وقَرَأ اِبْنُ ذَكْوانَ وأبُو بَكْرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ «اَلْغِيُوبِ» بِالكَسْرِ كالبِيُوتِ، والباقُونَ بِالضَّمِّ كالشُّعُورِ وهو فِيهِما جَمْعٌ، وقُرِئَ بِالفَتْحِ كَصَبُورٍ عَلى أنَّهُ مُفْرَدٌ لِلْمُبالَغَةِ.
34:49Страница 434
قُلۡ جَآءَ ٱلۡحَقُّ وَمَا يُبۡدِئُ ٱلۡبَٰطِلُ وَمَا يُعِيدُ ٤٩
Скажи: «Явилась истина, и ложь ничего больше не породит и не вернется».
﴿قُلْ جاءَ الحَقُّ﴾ أيِ الإسْلامُ والتَّوْحِيدُ أوِ القُرْآنُ، وقِيلَ السَّيْفُ لِأنَّ ظُهُورَ الحَقِّ بِهِ وهو كَما تَرى ﴿وما يُبْدِئُ الباطِلُ﴾ أيِ الكُفْرُ والشِّرْكُ ﴿وما يُعِيدُ﴾ أيْ ذَهَبَ واضْمَحَلَّ بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ لَهُ أثَرٌ مَأْخُوذٌ مِن هَلاكِ الحَيِّ، فَإنَّهُ إذا هَلَكَ لَمْ يَبْقَ لَهُ إبْداءُ أيِّ فِعْلِ أمْرٍ اِبْتِداءً ولا إعادَةً، أيْ فِعْلُهُ ثانِيًا كَما يُقالُ لا يَأْكُلُ ولا يَشْرَبُ، أيْ مَيِّتٌ، فالكَلامُ كِنايَةٌ عَمّا ذُكِرَ أوْ مَجازٌ مُتَفَرِّعٌ عَلى الكِنايَةِ، وأنْشَدُوا لِعُبَيْدِ بْنِ الأبْرَصِ:
أقْفَرَ مِن أهْلِهِ عُبَيْدُ فاليَوْمَ لا يُبْدِي ولا يُعِيدُ
وقالَ جَماعَةٌ: الباطِلُ إبْلِيسُ وإطْلاقُهُ عَلَيْهِ لِأنَّهُ مَبْدَؤُهُ ومَنشَؤُهُ، ولا كِنايَةَ في الكَلامِ عَلَيْهِ، والمَعْنى لا يُنْشِئُ خَلْقًا ولا يُعِيدُ أوْ لا يُبْدِئُ خَيْرًا لِأهْلِهِ ولا يُعِيدُ، أيْ لا يَنْفَعُهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وقِيلَ هو الصَّنَمُ والمَعْنى ما سَمِعْتَ، وعَنْ أبِي سُلَيْمانَ أنَّ المَعْنى أنَّ الصَّنَمَ لا يَبْتَدِئُ مِن عِنْدِهِ كَلامًا فَيُجابُ ولا يُرَدُّ ما جاءَ مِنَ الحَقِّ بِحُجَّةٍ.
وما عَلى جَمِيعِ ذَلِكَ نافِيَةٌ، وقِيلَ: هي عَلى ما عَدا القَوْلَ الأوَّلَ لِلِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ مُنْتَصِبَةٌ بِما بَعْدَها، أيْ أيُّ شَيْءٍ يُبْدِئُ الباطِلَ وأيُّ شَيْءٍ يُعِيدُ ومَآلُهُ النَّفْيُ، والكَلامُ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ تَكْمِيلًا لِما تَقَدَّمَ، وأنْ يَكُونَ مِن بابِ العَكْسِ والطَّرْدِ، وأنْ يَكُونَ تَذْيِيلًا مُقَرِّرًا لِذَلِكَ، فَتَأمَّلْ.
34:50Страница 434
قُلۡ إِن ضَلَلۡتُ فَإِنَّمَآ أَضِلُّ عَلَىٰ نَفۡسِيۖ وَإِنِ ٱهۡتَدَيۡتُ فَبِمَا يُوحِيٓ إِلَيَّ رَبِّيٓۚ إِنَّهُۥ سَمِيعٞ قَرِيبٞ ٥٠
Скажи: «Если я заблуждаюсь, то заблуждаюсь только во вред себе. Если же я следую прямым путем, то только благодаря тому, что внушил мне мой Господь. Воистину, Он - Слышащий, Близкий».
﴿قُلْ إنْ ضَلَلْتُ﴾ عَنِ الحَقِّ ﴿فَإنَّما أضِلُّ عَلى نَفْسِي﴾ أيْ عائِدًا ضَرَرَ ذَلِكَ ووَبالَهُ عَلَيْها فَإنَّها الكاسِبَةُ لِلشُّرُورِ والأمّارَةُ بِالسُّوءِ ﴿وإنِ اهْتَدَيْتُ﴾ إلى الحَقِّ ﴿فَبِما يُوحِي إلَيَّ رَبِّي﴾ فَإنَّ الِاهْتِداءَ بِهِدايَتِهِ تَعالى وتَوْفِيقِهِ عَزَّ وجَلَّ، وما مَوْصُولَةٌ أوْ مَصْدَرِيَّةٌ، وكانَ الظّاهِرُ وإنِ اِهْتَدَيْتُ فَلَها كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ ومَن أساءَ فَعَلَيْها﴾ [فُصِّلَتْ: 46] أوْ إنْ ضَلَلْتُ فَإنَّما أضِلُّ بِنَفْسِي لِيَظْهَرَ التَّقابُلُ، لَكِنَّهُ عَدَلَ عَنْ ذَلِكَ اِكْتِفاءً بِالتَّقابُلِ بِحَسَبِ المَعْنى لِأنَّ الكَلامَ عَلَيْهِ أجْمَعَ، فَإنَّ كُلَّ ضَرَرٍ فَهو مِنَ النَّفْسِ وبِسَبَبِها وعَلَيْها وبالُهُ، وقَدْ دَلَّ لَفْظُ عَلى في القَرِينَةِ الأُولى عَلى مَعْنى اللّامِ في الثّانِيَةِ والباءُ في الثّانِيَةِ عَلى مَعْنى السَّبَبِيَّةِ في الأُولى، فَكَأنَّهُ قِيلَ: قُلْ إنْ ضَلَلْتُ فَإنَّما أضِلُّ بِسَبَبِ نَفْسِي عَلى نَفْسِي، وإنْ اِهْتَدَيْتُ فَإنَّما أهْتَدِي لِنَفْسِي بِهِدايَةِ اللَّهِ تَعالى وتَوْفِيقِهِ سُبْحانَهُ، وعَبَّرَ عَنْ هَذا بِما ﴿يُوحِي إلَيَّ رَبِّي﴾ لِأنَّهُ لازَمَهُ، وجَعْلُ عَلى لِلتَّعْلِيلِ وإنْ ظَهَرَ عَلَيْهِ التَّقابُلُ اِرْتِكابٌ لِخِلافِ الظّاهِرِ مِن غَيْرِ نُكْتَةٍ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَعْنى القَرِينَةِ الأُولى قُلْ إنْ ضَلَلْتُ فَإنَّما أضِلُّ عَلَيَّ لا عَلى غَيْرِي، ولا يَظْهَرُ عَلَيْهِ أمْرُ التَّقابُلِ مُطْلَقًا، والحُكْمُ عَلى ما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ عامٌّ، وإنَّما أمَرَ ﷺ أنْ يُسْنِدَهُ إلى نَفْسِهِ لِأنَّ الرَّسُولَ إذا دَخَلَ
صفحة 157
تَحْتَهُ مَعَ جَلالَةِ مَحَلِّهِ وسِدادِ طَرِيقَتِهِ كانَ غَيْرُهُ أوْلى بِهِ، وقالَ الإمامُ: أيْ إنَّ ضَلالَ نَفْسِي كَضَلالِكم لِأنَّهُ صادِرٌ مِن نَفْسِي ووَبالُهُ عَلَيْها وأمّا اِهْتِدائِي فَلَيْسَ كاهْتِدائِكم بِالنَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ وإنَّما هو بِالوَحْيِ المُنِيرِ، فَيَكُونُ مَجْمُوعُ الحُكْمَيْنِ عِنْدَهُ مُخْتَصًّا بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وفِيما ذَكَرَهُ دَلالَةٌ عَلى ما قالَهُ الطِّيبِيُّ عَلى أنَّ دَلِيلَ النَّقْلِ أعْلى وأفْخَمُ مِن دَلِيلِ العَقْلِ وفِيهِ بَحْثٌ. وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ وثّابٍ وعَبْدُ الرَّحْمَنِ المُقْرِئُ «ضَلِلْتُ» بِكَسْرِ اللّامِ و«أضَلُّ» بِفَتْحِ الضّادِ وهي لُغَةُ تَمِيمٍ، وكَسَرَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ هَمْزَةَ «أضِلُّ» وقُرِئَ «رَبِّيَ» بِفَتْحِ الياءِ.
﴿إنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ﴾ فَلا يَخْفى عَلَيْهِ سُبْحانَهُ قَوْلُ كُلٍّ مِنَ المُهْتَدِي والضّالِّ وفِعْلُهُ وإنْ بالَغَ في إخْفائِهِما فَيُجازِي كُلًّا بِما يَلِيقُ.
34:51Страница 434
وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذۡ فَزِعُواْ فَلَا فَوۡتَ وَأُخِذُواْ مِن مَّكَانٖ قَرِيبٖ ٥١
Если бы ты видел, как они будут напуганы. Они не смогут сбежать и будут схвачены поблизости.
﴿ولَوْ تَرى إذْ فَزِعُوا﴾ أيِ اِعْتَراهُمُ اِنْقِباضٌ ونِفارٌ مِنَ الأمْرِ المَهُولِ المُخِيفِ، والخِطابُ في تَرى لِلنَّبِيِّ ﷺ أوْ لِكُلِّ مَن تَصِحُّ مِنهُ الرُّؤْيَةُ، ومَفْعُولُ ﴿تَرى﴾ مَحْذُوفٌ، أيِ الكُفّارُ أوْ فَزَعُهم أوْ هو ﴿إذْ﴾ عَلى التَّجَوُّزِ إذِ المُرادُ بِرُؤْيَةِ الزَّمانِ رُؤْيَةُ ما فِيهِ أوْ هو مَتْرُوكٌ لِتَنْزِيلِ الفِعْلِ مَنزِلَةَ اللّازِمِ، أيْ لَوْ تَقَعُ مِنكَ رُؤْيَةٌ، وجَوابُ ( لَوْ ) مَحْذُوفٌ أيْ لَرَأيْتَ أمْرًا هائِلًا، وهَذا الفَزَعُ عَلى ما أخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ يَوْمَ القِيامَةِ، والظّاهِرُ عَلَيْهِ أنَّهُ فَزَعُ البَعْثِ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ الحَسَنِ، وأخْرَجَ اِبْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ في الدُّنْيا عِنْدَ المَوْتِ حِينَ عايَنُوا المَلائِكَةَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الضَّحّاكِ أنَّهُ يَوْمُ بَدْرٍ فَقِيلَ هو فَزَعُ الحَرْبِ، وعَنِ السُّدِّيِّ وابْنِ زَيْدٍ فَزَعُ ضَرْبِ أعْناقِهِمْ ومُعايَنَةِ العَذابِ، وقِيلَ في آخِرِ الزَّمانِ حِينَ يَظْهَرُ المَهْدِيُّ ويُبْعَثُ إلى السُّفْيانِيِّ جُنْدًا فَيَهْزِمُهم ثُمَّ يَسِيرُ السُّفْيانِيُّ إلَيْهِ حَتّى إذا كانَ بِبَيْداءَ مِنَ الأرْضِ خُسِفَ بِهِ وبِمَن مَعَهُ فَلا يَنْجُو مِنهم إلّا المُخْبَرُ عَنْهم فالفَزَعُ فَزَعُ ما يُصِيبُهم يَوْمَئِذٍ.
﴿فَلا فَوْتَ﴾ فَلا يَفُوتُونَ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ بِهَرَبٍ أوْ نَحْوِهِ عَمّا يُرِيدُ سُبْحانَهُ بِهِمْ ﴿وأُخِذُوا مِن مَكانٍ قَرِيبٍ﴾ مِنَ المَوْقِفِ إلى النّارِ، أوْ مِن ظَهْرِ الأرْضِ إلى بَطْنِها، أوْ مِن صَحْراءِ بَدْرٍ إلى القَلِيبِ، أوْ مِن تَحْتِ أقْدامِهِمْ إذا خُسِفَ بِهِمْ، والمُرادُ بِذِكْرِ قُرْبِ المَكانِ سُرْعَةُ نُزُولِ العَذابِ بِهِمْ والِاسْتِهانَةُ بِهِمْ وبِهَلاكِهِمْ، وإلّا فَلا قُرْبَ ولا بُعْدَ بِالنِّسْبَةِ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى ﴿فَزِعُوا﴾ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ جَماعَةٌ، قالَ في الكَشْفِ: وكَأنَّ فائِدَةَ التَّأْخِيرِ أنْ يُقَدَّرَ فَلا فَوْتَ ثانِيًا إمّا تَأْكِيدًا وإمّا أنَّ أحَدَهُما غَيْرُ الآخَرِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ عَدَمَ الفَوْتِ سَبَبٌ لِلْأخْذِ وأنَّ الأخْذَ سَبَبٌ لِتَحَقُّقِهِ وُجُودًا، وفِيهِ مُبالِغَةٌ حَسَنَةٌ، وقِيلَ عَلى لا ﴿فَوْتَ﴾ عَلى مَعْنى فَلَمْ يَفُوتُوا وأُخِذُوا، واخْتارَهُ اِبْنُ جِنِّيٍّ مُعْتَرِضًا عَلى ما تَقَدَّمَ بِأنَّهُ لا يُرادُ ولَوْ تُرى وقْتَ فَزَعِهِمْ وأخْذِهِمْ وإنَّما المُرادُ ولَوْ تَرى إذْ فَزِعُوا ولَمْ يَفُوتُوا وأُخِذُوا، وبِما نُقِلَ عَنِ الكَشْفِ يَتَحَصَّلُ الجَوابُ عَنْهُ.
وجُوِّزَ كَوْنُها حالًا مِن فاعِلِ ﴿فَزِعُوا﴾ أوْ مِن خَبَرِ لا المُقَدَّرِ وهو لَهم بِتَقْدِيرِ قَدْ أوْ بِدُونِهِ، والفاءُ في ﴿فَلا فَوْتَ﴾ قِيلَ إنْ كانَتْ سَبَبِيَّةً فَهي داخِلَةٌ عَلى المُسَبَّبِ لِأنَّ عَدَمَ فَوْتِهِمْ مِن فَزَعِهِمْ وتَحَيُّرِهِمْ وإنْ كانَتْ تَعْلِيلِيَّةً فَهي تَدْخُلُ عَلى السَّبَبِ لِتَرَتُّبِ ذِكْرِهِ عَلى ذِكْرِ المُسَبَّبِ، وإذا عُطِفَ ﴿أُخِذُوا﴾ عَلَيْهِ أوْ جُعِلَ حالًا مِنَ الخَبَرِ يَكُونُ هو المَقْصُودَ بِالتَّفْرِيعِ.
وقَرَأ عَبْدُ الرَّحْمَنِ مَوْلى بَنِي هاشِمٍ عَنْ أبِيهِ وطَلْحَةُ «فَلا فَوْتٌ وأخْذٌ» مَصْدَرَيْنِ مُنَوَّنَيْنِ. وقَرَأ أُبَيٌّ «فَلا فَوْتَ» مَبْنِيًّا «وأخْذٌ» مَصْدَرًا مَنَّوْنا، وإذا رُفِعَ أخْذٌ كانَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ وحالُهم أخْذٌ، أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أيْ وهُناكَ أخْذٌ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ أبُو حَيّانَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: قُرِئَ «وأخْذٌ» بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى مَحَلِّ ( لا فَوْتَ ) ومَعْناهُ فَلا فَوْتَ هُناكَ، وهُناكَ أخْذٌ.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии