Аль-Алуси · Тафсир · на арабском
Йа Син 36:83, продолжение
والحَقُّ الطَّعْنُ في قَوْلِهِمْ بِالقِدَمِ النَّوْعِيِّ وعَدَمِ تَناهِي أفْرادِ الإنْسانِ، وبُرْهانُ التَّطْبِيقِ مُتَكَفِّلٌ عِنْدَنا بِإبْطالِ غَيْرِ المُتَناهِي اجْتَمَعَتْ أجْزاؤُهُ في الوُجُودِ أمْ لَمْ تَجْتَمِعْ، تَرَتَّبَتْ أمْ لَمْ تَتَرَتَّبْ، وأمّا قَصْرُ الحَشْرِ عَلى المُكَلَّفِينَ دُونَ غَيْرِهِمْ مِنَ المَجانِينِ والصِّغارِ والَّذِينَ لَمْ تَبْلُغْهُمُ الدَّعْوَةُ ونَحْوِهم فَلَيْسَ بِشَيْءٍ، والأخْبارُ في ذَلِكَ كَثِيرَةٌ ولَعَلَّها مِن قَبِيلِ المُتَواتِرِ المَعْنَوِيِّ عَلى أنَّها لَوْ لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ لا داعِيَ إلى عَدَمِ اعْتِبارِها، والقَوْلِ بِخِلافِ ما تَدُلُّ عَلَيْهِ كَما لا يَخْفى. وذَهَبَ القُدَماءُ مِنَ الفَلاسِفَةِ الطَّبِيعِيِّينَ إلى عَدَمِ ثُبُوتِ شَيْءٍ مِنَ الحَشْرِ الجُسْمانِيِّ والحَشْرِ الرُّوحانِيِّ، ويُحْكى ذَلِكَ عَنِ التَّناسُخِيَّةِ ما عَدا اليَهُودَ والتَّناسُخُ عِنْدَهم غَيْرُ مُسْتَمِرٍّ بَلْ يَقَعُ لِلنَّفْسِ الواحِدَةِ ثَلاثَ مَرّاتٍ عَلى ما قِيلَ.
صفحة 63
وحُكِيَ عَنْ جالِينُوسَ التَّوَقُّفُ في أمْرِ الحَشْرِ فَإنَّهُ قالَ: لَمْ يَتَبَيَّنْ لِي أنَّ النَّفْسَ هَلْ هي المِزاجُ الَّذِي يَنْعَدِمُ عِنْدَ المَوْتِ فَيَسْتَحِيلُ إعادَتُها أوْ هي جَوْهَرٌ باقٍ بَعْدِ فَسادِ البِنْيَةِ فَيُمْكِنُ المَعادُ، والمُشْرِكُونَ في شَكٍّ مِنهُ مُرِيبٍ لِذا تَرى كَلامَهم مُضْطَرِبًا فِيهِ، والمُسْلِمُونَ مُجْمِعُونَ عَلى وُقُوعِهِ إلّا أنَّهم مُخْتَلِفُونَ كَما سَمِعْتَ في كَيْفِيَّتِهِ وكَذا هم مُخْتَلِفُونَ في وُجُوبِهِ سَمِعًا أوْ عَقْلًا، فَأهْلُ السُّنَّةِ عَلى وُجُوبِهِ سَمْعًا مُطْلَقًا، والمُعْتَزِلَةُ عَلى أنَّهُ لِلْمُكَلَّفِينَ واجِبٌ عَقْلًا لِوُجُوبِ الثَّوابِ عَلى الطّاعَةِ والعِقابِ عَلى المَعْصِيَةِ عِنْدَهم وكُلٌّ مِنَ الأمْرَيْنِ يَتَوَقَّفُ عَلى الحَشْرِ، وفِيهِ نَظَرٌ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
وقَدِ اشْتَمَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ الكَرِيمَةُ عَلى تَقْرِيرِ مِطالِبَ عِلْيَةٍ وتَضَمَّنَتْ أدِلَّةً جَلِيلَةً جَلِيَّةً؛ ألّا تَرى أنَّهُ تَعالى أقْسَمَ عَلى كَوْنِهِ ﷺ أكْمَلَ الرُّسُلِ وأنَّ طَرِيقَهُ أوْضَحُ السُّبُلِ، وأشارَ سُبْحانَهُ إلى أنَّ المَقْصُودَ ما ذُكِرَ بِقَوْلِهِ تَعالى”لتنذر“ إلَخْ ثُمَّ بَيَّنَهُ إجْمالًا أنَّهُ اتِّباعُ الذِّكْرِ وخَشْيَةُ الرَّحْمَنِ بِالغَيْبِ، وتَمَّمَهُ بِضَرْبِ المَثَلِ مُدْمَجًا فِيهِ التَّحْرِيضُ عَلى التَّمَسُّكِ بِحَبَلِ الكِتابِ والمُنَزَّلِ عَلَيْهِ وتَفْضِيلِهِما عَلى الكُتُبِ والرُّسُلِ، والتَّنْبِيهُ عَلَيْهِ ثانِيًا بِأنَّهُ عِبادَةُ مَن إلَيْهِ الرُّجْعى وحْدَهُ، ثُمَّ أخَذَ في بَيانِ المُقَدِّماتِ بِذِكْرِ الآياتِ وأوْثَرَ مِنها الواضِحاتِ الدّالَّةَ عَلى العِلْمِ والقُدْرَةِ والحِكْمَةِ والرَّحْمَةِ، وضَمَّنَ فِيهِ أنَّ العِبادَةَ شُكْرُ المُنْعِمِ وتَلَقِّي النِّعْمَةِ بِالصَّرْفِ في رِضاهُ، والحَذَرُ مِنَ الرُّكُونِ إلى مَن سِواهُ، ثُمَّ في بَيانِ المُتَمِّمِ بِذِكْرِ الوَعْدِ والوَعِيدِ بِما يُنالُ في المَعادِ، وأدْرَجَ فِيهِ حَدِيثَ مَن سَلَكَ ومَن تَرَكَ وذَكَرَ غايَتَهُما، ولَخَّصَ فِيهِ أنَّ الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ هو عِبادَةُ اللَّهِ تَعالى بِالإخْلاصِ عَنْ شائِبَتَيِ الهَوى والرِّياءِ حَيْثُ قَدَّمَ عَلى الأمْرِ بِعِبادَتِهِ تَعالى التَّجَنُّبَ عَنْ عِبادَةِ الشَّيْطانِ، وضَمَّنَ فِيهِ أنَّ أساسَها التَّوْحِيدُ وكَما أنَّهُ ذَكَرَ الآياتِ لِئَلّا يَكُونَ الكَلامُ خَطابِيًّا في المُقَدِّماتِ خَتَمَ بِالبُرْهانِ عَلى الإعادَةِ لِيَكُونَ عَلى مِنوالِهِ في المُتَمِّماتِ وجَعَلَ سُبْحانَهُ خِتامَ الخاتِمَةِ أنَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - لا يَتَعاظَمُهُ شَيْءٌ، ولا يَنْقُصُ خَزائِنَهُ عَطاءٌ، وأنَّهُ لا يَخْرُجُ عَنْ مَلَكَتِهِ مَن قُرْبُهُ قَبُولٌ أوْ بُعْدُهُ إباءٌ تَحْقِيقًا لِكُلِّ ما سَلَفَ عَلى الوَجْهِ الأتَمِّ، ولَمّا كانَ كَلامًا صادِرًا عَنْ مَقامِ العَظَمَةِ والجَلالِ وجَبَ أنْ يُراعى فِيهِ نُكْتَةُ الِالتِفاتِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ لِيَكُونَ إجْمالًا لِتَوْضِيحِ التَّفْصِيلِ كَذا قَرَّرَهُ صاحِبُ الكَشْفِ واللَّهُ تَعالى يَقُولُ الحَقَّ وهو يَهْدِي السَّبِيلَ.
* * *
”ومِن بابِ الإشارَةِ“ قِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ ”يس“ إشارَةٌ إلى سِيادَتِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عَلى جَمِيعِ المَخْلُوقاتِ فالسَّيِّدُ المُتَوَلِّي لِلسَّوادِ أيِ الجَماعَةِ الكَثِيرَةِ، وهي هاهُنا جَمِيعُ الخَلْقِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: يا سَيِّدَ الخَلْقِ، وتَوْلِيَتُهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عَلَيْهِمْ لِأنَّهُ الواسِطَةُ العُظْمى في الإفاضَةِ والإمْدادِ، وفي الخَبَرِ: اللَّهُ تَعالى المُعْطِي وأنا القاسِمُ، فَمَنزِلَتُهُ ﷺ مِنَ العالَمِ بِأسْرِهِ بِمَنزِلَةِ القَلْبِ مِنَ البَدَنِ، فَما ألْطَفَ افْتِتاحَ قَلْبِ القُرْآنِ بِقَلْبِ الأكْوانِ! وفي السِّينِ بَيِّناتُها وزُبُرُها أسْرارٌ لا تُحْصى، وكَذا في مَجْمُوعِ ﴿يس﴾ ﴿والقُرْآنِ﴾ قَدْ يَكُونُ إشارَةً إلَيْهِ ﷺ فَقَدْ ذَكَرَ الصُّوفِيَّةُ أنَّهُ يُشارُ بِهِ إلى الإنْسانِ الكامِلِ، وكَذا الكِتابُ المُبِينُ وعَلى ذَلِكَ جاءَ قَوْلُ الشَّيْخِ الأكْبَرِ قُدِّسَ سِرُّهُ:
أنا القُرْآنُ والسَّبْعُ المَثانِي ورُوحُ الرُّوحِ لا رُوحَ الأوانِي
ولا أحَدَ أكْمَلَ مِنَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وطَبَّقَ بَعْضُهم قِصَّةَ أهْلِ أنْطاكِيَةَ عَلى ما في الأنْفُسِ بِجَعْلِ القَرْيَةِ إشارَةً إلى القَلْبِ، وأصْحابِها إشارَةً إلى النَّفْسِ وصِفاتِها، والِاثْنَيْنِ إشارَةً إلى الخاطِرِ الرَّحْمانِيِّ والإلْهامِ الرَّبّانِيِّ، والثّالِثِ المُعَزَّزِ بِهِ إشارَةً إلى الجَذْبَةِ، والرَّجُلِ الجائِي مِن أقْصى المَدِينَةِ إشارَةً إلى الرُّوحِ، وطُبِّقَ كَثِيرٌ مِن آياتِ هَذِهِ السُّورَةِ
صفحة 64
عَلى هَذا الطِّرْزِ، وقِيلَ: في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿طائِرُكم مَعَكُمْ﴾ إنَّهُ إشارَةٌ إلى اسْتِعْدادِهِمُ السَّيِّءِ الَّذِي طارَ بِهِمْ عَنْقاءُ مُغْرِبَةٌ:
إلى حَيْثُ ألْقَتْ رَحْلَها أمُّ قَشْعَمِ
وقِيلَ: في ﴿أصْحابَ الجَنَّةِ﴾ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ أصْحابَ الجَنَّةِ اليَوْمَ في شُغُلٍ فاكِهُونَ﴾ ﴿هم وأزْواجُهم في ظِلالٍ عَلى الأرائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ إنَّهُ إشارَةٌ إلى طائِفَةٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ كانَ الغالِبُ عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا طَلَبَ الجَنَّةِ؛ ولِذا أضِيفُوا إلَيْها وهم دُونَ أهْلِ اللَّهِ تَعالى وخاصَّتِهِ الَّذِينَ لَمْ يَلْتَفِتُوا إلى شَيْءٍ سِواهُ عَزَّ وجَلَّ، فَأُولَئِكَ مَشْغُولُونَ بِلَذائِذِ ما طَلَبُوهُ، وهَؤُلاءِ جُلَساءُ الحَضْرَةِ المَشْغُولُونَ بِمَوْلاهم جَلَّ شَأْنُهُ المُتَنَعِّمُونَ بِوِصالِهِ ومُشاهَدَةِ جَمالِهِ، وفَرِّقِ بَيْنَ الحالَيْنِ وشَتّانَ ما بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ، ولِذا قِيلَ: أكْثُرُ أهْلِ الجَنَّةِ البُلْهُ فافْهَمِ الإشارَةَ.
والشَّيْطانُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ألَمْ أعْهَدْ إلَيْكم يا بَنِي آدَمَ أنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ﴾ إشارَةٌ إلى كُلِّ ما يُطاعُ ويُذَلُّ لَهُ غَيْرَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - كائِنًا ما كانَ وعَداوَتُهُ لِما أنَّهُ سَبَبُ الحِجابِ عَنْ رَبِّ الأرْبابِ، وفي قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهم إنّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّهُ لا يَنْبَغِي الِاكْتِراثُ بِأذى الأعْداءِ والِالتِفاتُ إلَيْهِ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى سَيُجازِيهِمْ عَلَيْهِ، إذا أوْقَفَهم بَيْنَ يَدَيْهِ. هَذا، ونَسْألُ اللَّهَ تَعالى أنْ يَحْفَظَنا مِن شَرِّ الأشْرارِ، وأنْ يُنَوِّرَ قُلُوبَنا بِمَعْرِفَتِهِ كَما نَوَّرَ قُلُوبَ عِبادِهِ الأبْرارِ ونُصَلِّي ونُسَلِّمُ عَلى حَبِيبِهِ قَلْبِ جَسَدِ الأعْيانِ وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ ما دامَتْ سُورَةُ يس قَلْبَ القُرْآنِ.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии