Аль-АлусиАс‑Саффат · 37:28–44

Аль-Алуси · Тафсир · на арабском

Ас-Саффат 37:28–44

37:28Страница 447

قَالُوٓاْ إِنَّكُمۡ كُنتُمۡ تَأۡتُونَنَا عَنِ ٱلۡيَمِينِ ٢٨

Они скажут: «Вы приходили к нам справа».

﴿قالُوا﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ يَتَساءَلُونَ؟ فَقِيلَ: قالُوا أيِ الأتْباعُ لِلرُّؤَساءِ أوِ الكَفَرَةُ مُطْلَقًا لِلْقُرَناءِ ﴿إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا﴾ في الدُّنْيا ﴿عَنِ اليَمِينِ﴾ أيْ مِن جِهَةِ الخَيْرِ وناحِيَتِهِ فَتَنْهَوْنَنا عَنْهُ وتَصُدُّونَنا قالَهُ قَتادَةُ، ولِشَرَفِ اليَمِينِ جاهِلِيَّةً وإسْلامًا دُنْيا وأُخْرى اسْتُعِيرَتْ لِجِهَةِ الخَيْرِ اسْتِعارَةً تَصْرِيحِيَّةً تَحْقِيقِيَّةً، وجُعِلَتِ اليَمِينُ مَجازًا عَنْ جِهَةِ الخَيْرِ مَعَ أنَّهُ مَجازٌ في نَفْسِهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ مَجازًا عَلى المَجازِ لِأنَّ جِهَةَ الخَيْرِ لِشُهْرَةِ اسْتِعْمالِهِ التَحَقَ بِالحَقِيقَةِ فَيَجُوزُ فِيهِ المَجازُ عَلى المَجازِ كَما قالُوا في المَسافَةِ؛ فَإنَّها مَوْضِعُ الشَّمِّ في الأصْلِ لِأنَّهُ مِن سافَ التُّرابَ إذا شَمَّهُ فَإنَّ الدَّلِيلَ إذا اشْتَبَهَ عَلَيْهِ الطَّرِيقِ أخَذَ تُرابًا فَشَمَّهُ لِيَعْرِفَ أنَّهُ مَسْلُوكٌ أوْ لا، ثُمَّ جُعِلَ عِبارَةً عَنِ البُعْدِ بَيْنَ المَكانَيْنِ، ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِفَرْقِ ما بَيْنَ الكَلامَيْنِ ولا بُعْدَ هُناكَ، واسْتَظْهَرَ بَعْضُهم حَمْلَ الكَلامِ عَلى الِاسْتِعارَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ واعْتِبارَ التَّجَوُّزِ في مَجْمُوعِ ﴿تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ﴾ لِمَعْنى تَمْنَعُونَنا وتَصُدُّونَنا عَنِ الخَيْرِ، فَيَسْلَمُ الكَلامُ مِن دَعْوى المَجازِ عَلى المَجازِ؛ وكَأنَّ المُرادَ بِالخَيْرِ الإيمانُ بِما يَجِبُ الإيمانُ بِهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ الخَيْرَ الَّذِي يَزْعُمُهُ المُضِلُّونَ خَيْرًا، وأنَّ المَعْنى تَأْتُونَنا مِن جِهَةِ الخَيْرِ وتَزْعُمُونَ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ خَيْرًا ودِينَ حَقٍّ فَتَخْدَعُونَنا وتُضِلُّونَنا، وحُكِيَ هَذا عَنِ الزَّجّاجِ.

وقالَ الجُبّائِيُّ: المَعْنى كُنْتُمْ تَأْتُونَنا مِن جِهَةِ النَّصِيحَةِ واليُمْنِ والبَرَكَةِ فَتُرَغِّبُونَنا بِما أنْتُمْ عَلَيْهِ فَتُضِلُّونَنا، وهو قَرِيبٌ مِمّا قَبْلَهُ، وجَوَّزُوا أنْ تَكُونَ اليَمِينُ مَجازًا مُرْسَلًا عَنِ القُوَّةِ والقَهْرِ فَإنَّها مَوْصُوفَةٌ بِالقُوَّةِ وبِها يَقَعُ البَطْشُ فَكَأنَّهُ أطْلَقَ المَحَلَّ عَلى الحالِ أوِ السَّبَبِ عَلى المُسَبِّبِ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ وتَشْبِيهِ القُوَّةِ بِالجانِبِ الأيْمَنِ في التَّقَدُّمِ ونَحْوِهِ، والمَعْنى إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ القُوَّةِ والقَهْرِ وتَقْصِدُونَنا عَنِ السُّلْطانِ والغَلَبَةِ حَتّى تَحْمِلُونا عَلى الضَّلالِ وتَقْسِرُونا عَلَيْهِ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الفَرّاءُ، وأنْ يَكُونَ اليَمِينُ حَقِيقَةً بِمَعْنى القَسَمِ ومَعْنى إتْيانِهِمْ عَنْهُ أنَّهم يَأْتُونَهم مُقْسِمِينَ لَهم عَلى حَقِّيَةِ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الباطِلِ، والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الحالِ، وعَنْ بِمَعْنى الباءِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى﴾ أوْ هو ظَرْفُ لَغْوٍ، وفِيهِ بُعْدٌ، وأبْعَدُ مِنهُ أنْ يُفَسَّرَ اليَمِينُ بِالشَّهْوَةِ والهَوى لِأنَّ جِهَةَ اليَمِينِ مَوْضِعَ الكَبِدِ، وهو مُخالِفٌ لِما حُكِيَ عَنْ بَعْضٍ مِن أنَّ مَن أتاهُ الشَّيْطانُ مِن جِهَةِ

صفحة 82

اليَمِينِ أتاهُ مِن قِبَلِ الدِّينِ فَلَبَّسَ عَلَيْهِ الحَقَّ، ومَن أتاهُ مِن جِهَةِ الشَّمالِ أتاهُ مِن قِبَلِ الشَّهَواتِ، ومَن أتاهُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ أتاهُ مِن قِبَلِ التَّكْذِيبِ بِالقِيامَةِ والثَّوابِ والعِقابِ، ومَن أتاهُ مِن خَلْفِهِ خَوَّفَهُ الفَقْرَ عَلى نَفْسِهِ وعَلى مَن يُخَلِّفُ بَعْدَهُ فَلَمْ يَصِلْ رَحِمًا ولَمْ يُؤَدِّ زَكاةً.

37:29–30Страница 447

قَالُواْ بَل لَّمۡ تَكُونُواْ مُؤۡمِنِينَ ٢٩

Они ответят: «О нет! Вы сами не были верующими.

وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيۡكُم مِّن سُلۡطَٰنِۭۖ بَلۡ كُنتُمۡ قَوۡمٗا طَٰغِينَ ٣٠

Мы не обладали властью над вами. Вы сами были людьми, преступавшими границы дозволенного.

﴿قالُوا﴾ اسْتِئْنافٌ عَلى طِرْزِ السّابِقِ، أيْ قالَ الرُّؤَساءُ، أوْ قالَ القُرَناءُ في جَوابِهِمْ بِطَرِيقِ الإضْرابِ عَمّا قالُوهُ لَهم ﴿بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ وهو إنْكارٌ لِإضْلالِهِمْ إيّاهم أيْ أنْتُمْ أضْلَلْتُمْ أنْفُسَكم بِالكُفْرِ ولَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ في حَدِّ ذاتِكم لا أنّا نَحْنُ أضْلَلْناكُمْ، وقَوْلُهُمْ: ﴿وما كانَ لَنا عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ﴾ أيْ مِن قَهْرٍ وتَسَلُّطٍ نَسْلُبُكم بِهِ اخْتِيارَكم ﴿بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طاغِينَ﴾ مُجاوَزِينَ الحَدَّ في العِصْيانِ مُخْتارِينَ لَهُ مُصِرِّينَ عَلَيْهِ - جَوابٌ آخَرُ تَسْلِيمِيٌّ عَلى فَرْضِ إضْلالِهِمْ بِأنَّهم لَمْ يَجْبُرُوهم عَلَيْهِ وإنَّما دَعَوْهم لَهُ فَأجابُوا بِاخْتِيارِهِمْ لِمُوافَقَةِ ما دُعُوا لَهُ هَواهُمْ، وقِيلَ: الكُلُّ جَوابٌ واحِدٌ مُحَصِّلُهُ: إنَّكُمُ اتَّصَفْتُمْ بِالكُفْرِ مِن غَيْرِ جَبْرِ عَلَيْهِ،

37:31Страница 447

فَحَقَّ عَلَيۡنَا قَوۡلُ رَبِّنَآۖ إِنَّا لَذَآئِقُونَ ٣١

Относительно нас сбылось Слово нашего Господа. Воистину, мы будем вкушать наказание.

وقَوْلُهُمْ: ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إنّا لَذائِقُونَ﴾ تَفْرِيعٌ عَلى صَرِيحِ ما تَقَدَّمَ مِن عَدَمِ إيمانِ أُولَئِكَ المُخاصِمِينَ لَهم وكَوْنِهِمْ قَوْمًا طاغِينَ في حَدِّ ذاتِهِمْ، وعَلى ما اقْتَضاهُ وأشْعَرَ بِهِ خِصامُهم مِن كُفْرِ هَؤُلاءِ المُجِيبِينَ لِأُولَئِكَ الطّاغِينَ وغَوايَتِهِمْ في أنْفُسِهِمْ، وضَمائِرُ الجَمْعِ لِلْفَرِيقَيْنِ فَكَأنَّهم قالُوا: ولِأجْلِ أنّا جَمِيعًا في حَدِّ ذاتِنا لَمْ نَكُنْ مُؤْمِنِينَ وكُنّا قَوْمًا طاغِينَ لَزِمْنا قَوْلُ رَبِّنا وخالِقِنا العالِمِ بِما نَحْنُ عَلَيْهِ وبِما يَقْتَضِيهِ اسْتِعْدادُنا، وثَبَتَ عَلَيْنا وعِيدُهُ سُبْحانَهُ بِأنّا ذائِقُونَ - لا مَحالَةَ - لِعَذابِهِ عَزَّ وجَلَّ، ومُرادُهم أنَّ مَنشَأ الخِصامِ في الحَقِيقَةِ الَّذِي هو العَذابُ أمْرٌ مَقْضِيٌّ لا مَحِيصَ عَنْهُ، وأنَّهُ قَدْ تَرَتَّبَ عَلى كُلٍّ مِنّا بِسَبَبِ أمْرٍ هو عَلَيْهِ في نَفْسِهِ وقَدِ اقْتَضاهُ اسْتِعْدادُهُ وفَعَلَهُ بِاخْتِيارِهِ فَلا يَلُومَنَّ بَعْضُنا بَعْضًا ولَكِنْ لِيَلُمْ كُلٌّ مِنّا نَفْسَهُ، ونَظَمُوا أنْفُسَهم مَعَهم في ذَلِكَ لِلْمُبالَغَةِ في سَدِّ بابِ اللَّوْمِ والخِصامِ مِن أُولَئِكَ القَوْمِ،

37:32Страница 447

فَأَغۡوَيۡنَٰكُمۡ إِنَّا كُنَّا غَٰوِينَ ٣٢

Мы ввели вас в заблуждение, и мы сами были заблудшими».

والفاءُ في قَوْلِهِمْ: ﴿فَأغْوَيْناكُمْ﴾ أيْ فَدَعَوْناكَمْ إلى الغَيِّ لِتَفْرِيعِ الدُّعاءِ المَذْكُورِ عَلى حَقِّيَةِ الوَعِيدِ عَلَيْهِمْ لا لِمُجَرَّدِ التَّعْقِيبِ كَما قِيلَ، وعِلِيَّةُ ذَلِكَ لِلدُّعاءِ بِاعْتِبارِ أنَّ وُجُودَهُ الخارِجِيَّ مُتَعَلِّقٌ بِهِمْ كانَ مُتَفَرِّعًا عَنْ ذَلِكَ في نَفْسِ الأمْرِ لا بِاعْتِبارِ أنَّ إصْدارَهُ وإيقاعَهُ مِنهم عَلى المُخاطَبِينَ كانَ بِمُلاحَظَةِ ذَلِكَ كَما تُلاحَظُ العِلَلُ الغائِيَّةُ في الأفْعالِ الِاخْتِيارِيَّةِ؛ لِأنَّ الظّاهِرَ أنَّ رُؤَساءَ الكَفْرِ لَمْ يَكُونُوا عالِمِينَ في الدُّنْيا حَقِّيَةَ الوَعِيدِ عَلَيْهِمْ، نَعَمْ لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ القُرَناءُ مِنَ الشَّياطِينِ عالِمِينَ بِذَلِكَ مِن أبِيهِمْ، وكَذا تَسْمِيَةُ دُعائِهِمْ إيّاهم إلى ما دَعَوْهم إلَيْهِ إغْواءً أيْ دُعاءً إلى الغَيِّ بِناءً عَلى أنَّ الكَلامَ المَذْكُورَ مِنَ الرُّؤَساءِ بِاعْتِبارِ نَفْسِ الأمْرِ الَّتِي ظَهَرَتْ لَهم في يَوْمِ القِيامَةِ، ومِثْلُ هَذا يُقالُ في قَوْلِهِمْ: ﴿إنّا كُنّا غاوِينَ﴾ بِناءً عَلى أنَّهم إنَّما عَلِمُوا ذَلِكَ يَوْمَ التَّساؤُلِ والخِصامِ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَعْلِيلِ ما قَبْلَها، وكَأنَّ ما أشْعَرَ بِهِ التَّفْرِيعُ بِاعْتِبارِ تَعَلُّقِ الإغْواءِ بِالمُخاطَبِينَ وهَذا بِاعْتِبارِ صُدُورِ الإغْواءِ نَفْسِهِ مِنهُمْ، وهو تَصْرِيحٌ بِما يُسْتَفادُ مِنَ التَّفْرِيعِ السّابِقِ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى وجْهِ تَرَتُّبِ إغْوائِهِمْ إيّاهم عَلى حَقِّيَةِ الوَعِيدِ عَلَيْهِمْ وهو حُبُّ أنْ يَتَّصِفَ أُولَئِكَ المُخاطَبُونَ بِنَحْوِ ما اتَّصَفُوا بِهِ مِنَ الغَيِّ ويَكُونُوا مِثْلَهم فِيهِ. ومُلَخَّصُ كَلامِهِمْ أنَّهُ لَيْسَ مِنّا في حَقِّكم - عَلى الحَقِيقَةِ - سِوى حُبِّ أنْ تَكُونُوا مِثْلَنا وهو غَيْرُ ضارٍّ لَكم وإنَّما الضّارُّ سُوءُ اخْتِيارِكم وقُبْحُ اسْتِعْدادِكم فَذَلِكَ الَّذِي تَرَتَّبَ عَلَيْهِ حَقِّيَةُ الوَعِيدِ عَلَيْكم وثُبُوتُ هَذا العَذابِ لَكم. وجُوِّزَ أنْ يُقالَ: إنَّهم نَفَوْا عَنْهُمُ الإيمانَ والِاعْتِقادَ الحَقَّ، وأثْبَتُوا لَهُمُ الطُّغْيانَ ومُجاوَزَةَ الحَدِّ في العِصْيانِ؛ حَيْثُ لَمْ يَلْتَفِتُوا إلى ما يُوجِبُ الِاعْتِقادَ

صفحة 83

الصَّحِيحِ مَعَ كَثْرَتِهِ وظُهُورِهِ، ورَتَّبُوا عَلى ذَلِكَ مَعَ ما يَقْتَضِيهِ البَحْثُ حَقِّيَةَ الوَعِيدِ، وفَرَّعُوا عَلى مَجْمُوعِ الأمْرَيْنِ أنَّهم دَعَوْهم إلى الغَيِّ مُرادًا بِهِ الكُفْرُ لِاعْتِقادِ أمْرٍ فاسِدٍ لا مُجَرَّدِ عَدَمِ الإيمانِ أيْ عَدَمِ التَّصْدِيقِ بِما يَجِبُ التَّصْدِيقُ بِهِ بِدُونِ اعْتِقادِ أمْرٍ آخَرَ يُكْفَرُ بِاعْتِقادِهِ، وأشارُوا إلى وجْهِ تَرَتُّبِ ذَلِكَ عَلى ما ذُكِرَ وهو مَحَبَّةُ أنْ يَكُونُوا مِثْلَهُمْ، فَكَأنَّهم قالُوا: كُنْتُمْ تارِكِينَ الِاعْتِقادَ الحَقَّ غَيْرَ مُلْتَفِتِينَ إلَيْهِ مَعَ ظُهُورِ أدِلَّتِهِ وكَثْرَتِها، وكُنّا جَمِيعًا قَدْ حَقَّ عَلَيْنا الوَعِيدُ فَدَعَوْناكم إلى ما نَحْنُ عَلَيْهِ مِنِ الِاعْتِقادِ الفاسِدِ حُبًّا لِأنْ تَكُونُوا أُسْوَةَ أنْفُسِنا وهَذا كَقَوْلِهِمْ ﴿رَبَّنا هَؤُلاءِ الَّذِينَ أغْوَيْنا أغْوَيْناهم كَما غَوَيْنا﴾ قالَ الرّاغِبُ: هو إعْلامٌ مِنهم أنّا قَدْ فَعَلْنا بِهِمْ غايَةَ ما كانَ في وُسْعِ الإنْسانِ أنْ يَفْعَلَ بِصَدِيقِهِ ما يُرِيدُ بِنَفْسِهِ، أيْ أفَدْناهم ما كانَ لَنا وجَعَلْناهم أُسْوَةَ أنْفُسِنا، وعَلى هَذا فَأغْوَيْناكم إنّا كُنّا غاوِينَ انْتَهى. وجُوِّزَ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ أنْ يَكُونَ ﴿فَأغْوَيْناكُمْ﴾ مُفَرَّعًا عَلى شَرْحِ حالِ المُخاطَبِينَ مِنِ انْتِفاءِ كَوْنِهِمْ مُؤْمِنِينَ وثُبُوتِ كَوْنِهِمْ طاغِينَ وعَنِ الآياتِ مُعْرِضِينَ، وقَوْلُهم ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا﴾ ...إلَخِ اعْتِراضٌ لِتَعْجِيلِ بَيانِ أنَّ ما الفَرِيقانِ فِيهِ أمْرٌ مَقْضِيٌّ لا يَنْفَعُ فِيهِ القِيلُ والقالُ والخِصامُ والجِدالُ، ويَجُوزُ عَلى هَذا أنْ يُرادَ بِضَمِيرِ الجَمْعِ في ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا﴾ ... إلَخِ الرُّؤَساءُ أوِ القُرَناءُ لا ما يَعُمُّهم والمُخاطَبِينَ، وأشارُوا بِذَلِكَ إلى أنَّ ما هم فِيهِ يَكْفِي عَنِ اللَّوْمِ ويُومِئُ إلى زِيادَةِ عَذابِهِمْ، ولا يَخْفى أنَّ تَجْوِيزَ الِاعْتِراضِ لا يَخْلُو عَنِ اعْتِراضٍ، وتَجْوِيزُ كَوْنِ الضَّمِيرِ في ﴿عَلَيْنا﴾ إلَخْ لِلرُّؤَساءِ أوِ القُرَناءِ يَجْرِي عَلى غَيْرِ هَذا الِاحْتِمالِ فَتَدَبَّرْ.

وأيًّا ما كانَ فَقَوْلُهم ﴿إنّا لَذائِقُونَ﴾ هو قَوْلُ رَبِّهِمْ - عَزَّ وجَلَّ - ووَعِيدُهُ سُبْحانَهُ إيّاهُمْ، ولَوْ حُكِيَ كَما قِيلَ لَقِيلَ: إنَّكم لَذائِقُونَ، ولَكِنَّهُ عَدَلَ إلى لَفْظِ المُتَكَلِّمِ لِأنَّهم مُتَكَلِّمُونَ بِذَلِكَ مِن أنْفُسِهِمْ. ونَحْوُهُ قَوْلُ القائِلِ:

لَقَدْ زَعَمَتْ هَوازِنُ قَلَّ مالِي وهَلْ لِي غَيْرُ ما أنْفَقْتُ مالُ

ولَوْ حَكى قَوْلَها لَقالَ:”قَلَّ مالُكَ“ ومِنهُ قَوْلُ المُحَلِّفِ لِلْحالِفِ احْلِفْ لَأخْرُجَنَّ ولَتَخْرُجَنَّ الهَمْزَةُ لِحِكايَةِ لَفْظِ الحالِفِ والتّاءُ لِإقْبالِ المُحَلَّفِ عَلى المُحَلَّفِ. وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: قَوْلُ الرَّبِّ - عَزَّ وجَلَّ - هو قَوْلُهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى -: ﴿لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهم أجْمَعِينَ﴾ والرَّبْطُ عَلى ما تَقَدَّمَ أظْهَرُ

37:33–35Страница 447

فَإِنَّهُمۡ يَوۡمَئِذٖ فِي ٱلۡعَذَابِ مُشۡتَرِكُونَ ٣٣

Воистину, в тот день они разделят наказание.

إِنَّا كَذَٰلِكَ نَفۡعَلُ بِٱلۡمُجۡرِمِينَ ٣٤

Воистину, так Мы поступаем с грешниками.

إِنَّهُمۡ كَانُوٓاْ إِذَا قِيلَ لَهُمۡ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا ٱللَّهُ يَسۡتَكۡبِرُونَ ٣٥

Когда им говорили: «Нет божества, кроме Аллаха», - они превозносились

﴿”فَإنَّهُمْ“﴾ أيِ الفَرِيقَيْنِ المُتَسائِلَيْنِ، والكَلامُ تَفْرِيعٌ عَلى ما شُرِحَ مِن حالِهِمْ ”يَوْمَئِذٍ“ أيْ يَوْمَ إذْ يَتَساءَلُونَ والمُرادُ بِهِ يَوْمُ القِيامَةِ ﴿فِي العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ كَما كانُوا مُشْتَرِكِينَ في الغَوايَةِ. واسْتُظْهِرَ أنَّ المُغْوِينَ أشَدُّ عَذابًا وذَلِكَ في مُقابَلَةِ أوْزارِهِمْ وأوْزارٍ مِثْلِ أوْزارِهِمْ فالشَّرِكَةُ لا تَقْتَضِي المُساواةَ ﴿إنّا كَذَلِكَ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الفِعْلِ البَدِيعِ الَّذِي تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ التَّشْرِيعِيَّةُ ﴿نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ أيْ بِالمُشْرِكِينَ لِقَوْلِهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى -: ﴿إنَّهم كانُوا إذا قِيلَ لَهُمْ﴾ بِطَرِيقِ الدَّعْوَةِ والتَّلْقِينِ ﴿لا إلَهَ إلا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ عَنِ القَبُولِ.

وفِي إعْرابِ هَذِهِ الكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ أقْوالٌ: الأوَّلُ أنْ يَكُونَ الِاسْمُ الجَلِيلُ مَرْفُوعًا عَلى البَدَلِيَّةِ مِنَ اسْمِ لا بِاعْتِبارِ المَحَلِّ الأصْلِيِّ وهو الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ بَدَلُ بَعْضٍ مِن كُلٍّ وإلّا مُغْنِيَةٌ عَنِ الرَّبْطِ بِالضَّمِيرِ. وإذا قُلْنا إنَّ البَدَلَ في الِاسْتِثْناءِ قِسْمٌ عَلى حِدَةٍ مُغايِرٌ لِغَيْرِهِ مِنَ الأبْدالِ انْدَفَعَ عَنْ هَذا الوَجْهِ كَثِيرٌ مِنَ القِيلِ والقالِ وهو الجارِي عَلى ألْسِنَةِ المُعْرِبِينَ، والخَبَرُ عَلَيْهِ عِنْدَ الأكْثَرِينَ مُقَدَّرٌ والمَشْهُورُ تَقْدِيرُهُ ”مَوْجُودٌ“، والكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ في مُقابَلَةِ المُشْرِكِينَ وهم إنَّما يَزْعُمُونَ وُجُودَ آلِهَةٍ مُتَعَدِّدَةٍ ولا يَقُولُونَ بِمُجَرَّدِ الإمْكانِ عَلى أنَّ نَفْيَ الوُجُودِ في هَذا

صفحة 84

المَقامِ يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الإمْكانِ وكَذا نَفْيُ الإمْكانِ عَمَّنْ عَداهُ - عَزَّ وجَلَّ - يَسْتَلْزِمُ ثُبُوتَ الوُجُودِ بِالفِعْلِ لَهُ تَعالى.

وجُوِّزَ تَقْدِيرُهُ ”مُسْتَحِقٌّ لِلْعِبادَةِ“، ونَفْيُ اسْتِحْقاقِها يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ التَّعَدُّدِ لَكِنْ لا يَتِمُّ هَذا التَّقْدِيرُ عَلى تَفْسِيرِ الإلَهِ بِالمُسْتَحَقِّ بِالعِبادَةِ كَما لا يَخْفى.

واخْتارَ البازِلِيُّ تَقْدِيرَ الخَبَرِ مُؤَخَّرًا عَنْ ”إلّا اللَّهُ“ بِناءً عَلى أنَّ تَقْدِيرَهُ - مُقَدَّمًا - يُوهِمُ كَوْنَ الِاسْمِ مُسْتَثْنًى مُفَرَّغًا مِن ضَمِيرِ الخَبَرِ وهو لا يَجُوزُ عِنْدَ المُحَقِّقِينَ، وأجازَهُ بَعْضٌ، وهو القَوْلُ الثّانِي، والثّالِثُ - ونُسِبَ إلى الكُوفِيِّينَ - أنَّ ”إلّا“ عاطِفَةٌ والِاسْمَ الجَلِيلَ مَعْطُوفٌ عَلى الإلَهِ بِاعْتِبارِ المَحَلِّ وهي عِنْدَهم بِمَنزِلَةِ لا العاطِفَةِ في أنَّ ما بَعْدَها يُخالِفُ ما قَبْلَها إلّا أنَّ ”لا“ لِنَفْيِ الإيجابِ وإلّا لِإيجابِ النَّفْيِ، والرّابِعُ أنَّ الِاسْمَ الكَرِيمَ هو الخَبَرُ ولا عَمَلَ لَها فِيهِ عَلى رَأْيِ سِيبَوَيْهِ مِن أنَّ الخَبَرَ مَرْفُوعٌ بِما كانَ مَرْفُوعًا بِهِ قَبْلَ دُخُولِها، فَلا يَلْزَمُ عَمَلُها في المَعارِفِ عَلى رَأْيِهِ وهو لازِمٌ عَلى رَأْيِ غَيْرِهِ، وضُعِّفَ هَذا القَوْلُ بِهِ وكَذا بِلُزُومِ كَوْنِ الخاصِّ خَبَرًا عَنِ العامِّ.

وكَوْنُ الكَلامِ مَسُوقًا لِنَفْيِ العُمُومِ والتَّخْصِيصِ بِواحِدٍ مِن أفْرادِ ما دَلَّ عَلَيْهِ العامُّ لا يُجْدِي نَفْعًا ضَرُورَةَ أنَّ ”لا“ هَذِهِ عِنْدَ الجُمْهُورِ مِن نَواسِخِ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ، والخامِسُ أنَّ ”إلّا“ بِمَعْنى ”غَيْرِ“ وهي مَعَ اسْمِهِ - عَزَّ اسْمُهُ - صِفَةٌ لِاسْمِ ”لا“ بِاعْتِبارِ المَحَلِّ أيْ لا إلَهَ غَيْرُ اللَّهِ تَعالى في الوُجُودِ، ولا خَلَلَ فِيهِ صِناعَةً وإنَّما الخَلَلُ فِيهِ - كَما قِيلَ - مَعْنًى؛ لِأنَّ المَقْصُودَ نَفْيُ الأُلُوهِيَّةِ عَنْ غَيْرِهِ - تَعالى - وإثْباتُها لَهُ - سُبْحانَهُ - وعَلى الِاسْتِثْناءِ يُسْتَفادُ كُلٌّ مِنَ المَنطُوقِ، وعَلى هَذا لا يُفِيدُ المَنطُوقُ إلّا نَفْيَ الأُلُوهِيَّةِ مِن غَيْرِهِ - تَعالى - دُونَ إثْباتِها لَهُ - عَزَّ وجَلَّ، واعْتِبارُ المَفْهُومِ غَيْرُ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ؛ لا سِيَّما مَفْهُومَ اللَّقَبِ، فَإنَّهُ لَمْ يَقُلْ بِهِ إلّا الدَّقائِقُ وبَعْضُ الحَنابِلَةِ، والسّادِسُ - ونُسِبَ إلى الزَّمَخْشَرِيِّ - أنَّ ”لا إلَهَ“ في مَوْضِعِ الخَبَرِ و”إلّا اللَّهُ“ في مَوْضِعِ المُبْتَدَأِ، والأصْلُ اللَّهُ إلَهٌ فَلَمّا أُرِيدُ قَصْرُ الصِّفَةِ عَلى المَوْصُوفِ قُدِّمَ الخَبَرُ وقُرِنَ المُبْتَدَأُ بِـ”إلّا“ إذِ المَقْصُورُ عَلَيْهِ هو الَّذِي يَلِي ”إلّا“ والمَقْصُورُ هو الواقِعُ في سِياقِ النَّفْيِ، والمُبْتَدَأُ إذا قُرِنَ بِـ”إلّا“ وجَبَ تَقْدِيمُ الخَبَرِ عَلَيْهِ كَما هو مُقَرَّرٌ في مَوْضِعِهِ، وفِيهِ تَمَحُّلٌ مَعَ أنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ مَبْنِيًّا مَعَ لا وهي لا يُبْنى مَعَها إلّا المُبْتَدَأُ، وإنَّهُ لَوْ كانَ الأمْرُ كَما ذُكِرَ لَمْ يَكُنْ لِنَصْبِ الِاسْمِ الواقِعِ بَعْدَ ”إلّا“ وجْهٌ، وقَدْ جَوَّزَهُ جَماعَةٌ في هَذا التَّرْتِيبِ وتَرْكُ كَلامِهِمْ لِواحِدٍ إنِ التَزَمْتَهُ لا تَجِدُ لَكَ ثانِيًا فِيهِ، والسّابِعُ: أنَّ الِاسْمَ المُعَظَّمَ مَرْفُوعٌ بِـ”إلَهَ“ كَما هو حالُ المُبْتَدَأِ إذا كانَ وصْفًا فَإنَّ إلَهًا بِمَعْنى مَأْلُوهٍ مِن ألَهَ إذا عَبَدَ فَيَكُونُ قائِمًا مُقامَ الفاعِلِ وسادًّا مَسَدَّ الخَبَرِ كَما في ما مَضْرُوبٌ العُمُرانِ.

وتُعُقِّبَ بِمَنعِ أنْ يَكُونَ ”إلَهَ“ وصْفًا وإلّا لَوَجَبَ إعْرابُهُ وتَنْوِينُهُ ولا قائِلَ بِهِ. ثُمَّ إنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ الطَّيِّبَةَ يَنْدَرِجُ فِيها مُعْظَمُ عَقائِدِ الإيمانِ لَكِنَّ المَقْصُودَ الأهَمَّ مِنها التَّوْحِيدُ ولِذا كانَ المُشْرِكُونَ إذا لُقِّنُوها أوَّلًا يَسْتَكْبِرُونَ ويَنْفِرُونَ

37:36Страница 447

وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوٓاْ ءَالِهَتِنَا لِشَاعِرٖ مَّجۡنُونِۭ ٣٦

и говорили: «Неужели мы откажемся от наших богов ради одержимого поэта?».

﴿ويَقُولُونَ أإنّا لَتارِكُو آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ يَعْنُونَ بِذَلِكَ - قاتَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى - النَّبِيَّ ﷺ. وقَدْ جَمَعُوا بَيْنَ إنْكارِ الوَحْدانِيَّةِ وإنْكارِ الرِّسالَةِ. ووَصْفُهُمُ الشّاعِرَ بِالمَجْنُونِ قِيلَ: تَخْلِيطٌ وهَذَيانٌ لِأنَّ الشِّعْرَ يَقْتَضِي عَقْلًا تامًّا بِهِ تُنَظَّمُ المَعانِي الغَرِيبَةُ وتُصاغُ في قَوالِبَ الألْفاظُ البَدِيعَةُ. وفِيهِ نَظَرٌ وكَمْ رَأيْنا شُعَراءَ ناقِصِي العُقُولِ، ومِنهم مَن يَزْعُمُ أنَّهُ لا يَحْسُنُ شِعْرُهُ حَتّى يَشْرَبَ المُسْكِرَ فَيَسْكَرُ ثُمَّ يَقُولُ، نَعَمْ كُلٌّ مِنَ الوَصْفَيْنِ هَذَيانٌ في حَقِّهِ ﷺ.

37:37Страница 447

بَلۡ جَآءَ بِٱلۡحَقِّ وَصَدَّقَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ٣٧

О нет! Он принес истину и подтвердил правдивость посланников.

﴿بَلْ جاءَ بِالحَقِّ وصَدَّقَ المُرْسَلِينَ﴾ رَدٌّ عَلَيْهِمْ وتَكْذِيبٌ لَهم بِبَيانِ أنَّ ما جاءَ بِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مِنَ التَّوْحِيدِ هو الحَقُّ الثّابِتُ الَّذِي قامَ عَلَيْهِ البُرْهانُ، وأجْمَعَ عَلَيْهِ كافَّةُ المُرْسَلِينَ فَأيْنَ الشِّعْرُ والجُنُونُ مِن ساحَتِهِ ﷺ الرَّفِيعَةِ الشَّأْنِ.

صفحة 85

وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ ”وصَدَقَ“ بِتَخْفِيفِ الدّالِ ”المُرْسَلُونَ“ بِالواوِ رَفْعًا أيْ وصَدَقَ المُرْسَلُونَ في التَّبْشِيرِ بِهِ وفي أنَّهُ يَأْتِي آخِرُهُمْ

37:38Страница 447

إِنَّكُمۡ لَذَآئِقُواْ ٱلۡعَذَابِ ٱلۡأَلِيمِ ٣٨

Вы непременно вкусите мучительные страдания,

﴿إنَّكُمْ﴾ بِما فَعَلْتُمْ مِنَ الإشْراكِ وتَكْذِيبِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - والِاسْتِكْبارِ ﴿لَذائِقُو العَذابِ الألِيمِ﴾ والِالتِفاتُ لِإظْهارِ كَمالِ الغَضَبِ عَلَيْهِمْ بِمُشافَهَتِهِمْ بِهَذا الوَعِيدِ وعَدَمِ الِاكْتِراثِ بِهِمْ وهو اللّائِقُ بِالمُسْتَكْبِرِينَ. وقَرَأ أبُو السِّمالِ وأبانٌ رِوايَةً عَنْ عاصِمٍ ”لَذائِقُو العَذابَ“ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّ حَذْفَ النُّونِ لِلتَّخْفِيفِ كَما حُذِفَ التَّنْوِينُ لِذَلِكَ في قَوْلِ أبِي الأسْوَدِ:

فَألْفَيْتُهُ غَيْرَ مُسْتَعْتِبٍ ولا ذاكِرِ اللَّهَ إلّا قَلِيلًا

بِجَرِّ ”ذاكِرِ“ بِلا تَنْوِينٍ ونَصْبِ الِاسْمِ الجَلِيلِ. وهَذا الحَذْفُ قَلِيلٌ في غَيْرِ ما كانَ صِلَةً لِألِ. أمّا فِيما كانَ صِلَةً لَها فَكَثِيرُ الوُرُودِ لِاسْتِطالَةِ الصِّلَةِ الدّاعِيَةِ لِلتَّخْفِيفِ نَحْوَ قَوْلِهِ:

الحافِظُو عَوْرَةَ العَشِيرَةِ لا ∗∗∗ يَأْتِيهِمْ مِن ورائِهِمْ نُطَفُ

ونَقَلَ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ أبِي السِّمالِ أنَّهُ قَرَأ ”لَذائِقٌ“ بِالإفْرادِ والتَّنْوِينِ ”العَذابَ“ بِالنَّصْبِ، وخُرِّجَ الإفْرادُ عَلى أنَّ التَّقْدِيرَ لِجَمْعِ ذائِقٍ، وقِيلَ: عَلى تَقْدِيرِ إنَّ جَمْعَكم لَذائِقٌ. وقُرِئَ ”لَذائِقُونَ“ بِالنُّونِ ”العَذابَ“ بِالنَّصْبِ عَلى الأصْلِ

37:39–40Страница 447

وَمَا تُجۡزَوۡنَ إِلَّا مَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٣٩

и получите воздаяние только за то, что вы совершали.

إِلَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلۡمُخۡلَصِينَ ٤٠

Это не относится лишь к избранным (или искренним) рабам Аллаха.

﴿وما تُجْزَوْنَ إلا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أيْ إلّا جَزاءَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَهُ مِنَ السَّيِّئاتِ، أوْ إلّا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَهُ مِنها.

﴿إلا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ مِن ضَمِيرِ ”ذائِقُو“ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ جِيءَ بِهِ مُسارَعَةً إلى تَحْقِيقِ الحَقِّ بِبَيانِ أنَّ ذَوْقَهُمُ العَذابَ لَيْسَ إلّا مِن جِهَتِهِمْ لا مِن جِهَةِ غَيْرِهِمْ أصْلًا فَـ”إلّا“ مُؤَوَّلَةٌ بِـ ”لَكِنَّ“ وما بَعْدُ كَخَبَرِها فَيَصِيرُ التَّقْدِيرُ لَكِنَّ عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ أُولَئِكَ لَهم رِزْقٌ وفَواكِهُ إلَخْ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى لَكِنَّ عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ لَيْسُوا كَذَلِكَ، وقِيلَ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ مِن ضَمِيرِ ﴿تُجْزَوْنَ﴾ عَلى أنَّ المَعْنى تَجْزُونَ بِمِثْلِ ما عَمِلْتُمْ لَكِنَّ عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ يَجْزُونَ أضْعافًا مُضاعَفَةً بِالنِّسْبَةِ إلى ما عَمِلُوا. ولا يَخْفى بُعْدُهُ، وأبْعَدُ مِنهُ جَعْلُ الِاسْتِثْناءِ مِن ذَلِكَ مُتَّصِلًا بِتَعْمِيمِ الخِطابِ في ”تُجْزَوْنَ“ لِجَمِيعِ المُكَلَّفِينَ لِما فِيهِ مَعَ احْتِياجِهِ إلى التَّكَلُّفِ الَّذِي في سابِقِهِ مِن تَفْكِيكِ الضَّمائِرِ، و﴿المُخْلَصِينَ﴾ صِفَةُ مَدْحٍ حَيْثُ كانَتِ الإضافَةُ لِلتَّشْرِيفِ

37:41Страница 447

أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ رِزۡقٞ مَّعۡلُومٞ ٤١

Именно им уготован известный удел -

﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ العِبادُ المَذْكُورُونَ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّهم مُمْتازُونَ بِما اتَّصَفُوا بِهِ مِنَ الإخْلاصِ في عِبادَتِهِ تَعالى عَمَّنْ عَداهُمُ امْتِيازًا بالِغًا، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ مَعَ قُرْبِ العَهْدِ بِالمُشارِ إلَيْهِ لِلْإشْعارِ بِعُلُوِّ طَبَقَتِهِمْ وبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في الفَضْلِ.

وهُوَ مُبْتَدَأٌ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهُمْ﴾ إمّا خَبَرٌ لَهُ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿رِزْقٌ﴾ مُرْتَفِعٌ عَلى الفاعِلِيَّةِ لِلظَّرْفِ، وإمّا خَبَرٌ مُقَدَّمٌ ورزق مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ والجُمْلَةُ خَبَرُ المُبْتَدَأِ، والمَجْمُوعُ كالخَبَرِ لِلْمُسْتَثْنى المُنْقَطِعِ عَلى ما أشَرْنا إلَيْهِ، أوِ اسْتِئْنافٌ لِما أفادَهُ الِاسْتِثْناءُ إجْمالًا بَيانًا تَفْصِيلِيًّا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَعْلُومٌ﴾ أيْ مَعْلُومُ الخَصائِصِ كَكَوْنِهِ غَيْرَ مَقْطُوعٍ ولا مَمْنُوعٍ، حَسَنَ المَنظَرِ، لَذِيذَ الطَّعْمِ، طَيِّبَ الرّائِحَةِ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الصِّفاتِ المَرْغُوبَةِ، فَلا يُقالُ: إنَّ الرِّزْقَ لا يَكُونُ مَعْلُومًا إلّا إذا كانَ مُقَدَّرًا بِمِقْدارٍ وقَدْ جاءَ في آيَةٍ أُخْرى ﴿يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ وما لا يَدْخُلُ تَحْتَ الحِسابِ لا يُحَدُّ ولا يُقَدَّرُ فَلا يَكُونُ مَعْلُومًا، وقِيلَ: المُرادُ مَعْلُومُ الوَقْتِ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَهم رِزْقُهم فِيها بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾ وعَنْ قَتادَةَ الرِّزْقُ المَعْلُومُ الجَنَّةُ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ”في جنات“ بَعْدُ يَأْباهُ. واعْتُرِضَ بِأنَّهُ إذا كانَ المَعْنى وهم مُكْرَمُونَ فِيها لَمْ يَكُنْ بِهِ بَأْسٌ. أُجِيبَ بِأنَّ جَعْلَها مَقَرَّ المَرْزُوقِينَ لا يُلائِمُ جَعْلَها رِزْقًا

صفحة 86

وأمّا إذا كانَ قَيْدًا لِلرِّزْقِ فَهو ظاهِرُ الإباءِ، وكَوْنُ المَساكِنِ رِزْقًا لِلسّاكِنِ فَإذا اخْتَلَفَ العُنْوانُ لَمْ يَكُنْ بِهِ بَأْسٌ - لا يُدْفَعُ ما قُرِّرَ كَما لا يَخْفى عَلى المُنْصِفِ،

37:42–44Страница 447

فَوَٰكِهُ وَهُم مُّكۡرَمُونَ ٤٢

фрукты. Им будут оказаны почести

فِي جَنَّٰتِ ٱلنَّعِيمِ ٤٣

в Садах блаженства.

عَلَىٰ سُرُرٖ مُّتَقَٰبِلِينَ ٤٤

Они будут возлежать на ложах друг против друга.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَواكِهُ﴾ بَدَلٌ مِن ﴿رِزْقٌ﴾ بَدَلُ كُلٌّ مِن كُلٌّ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ - مَعَ تَمَيُّزِهِ بِخَواصِّهِ - كُلُّهُ فَواكِهُ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ أيْ ذَلِكَ الرِّزْقِ فَواكِهُ والمُرادُ بِها ما يُؤْكَلُ لِمُجَرَّدِ التَّلَذُّذِ دُونَ الِاقْتِياتِ وجَمِيعُ ما يَأْكُلُهُ أهْلُ الجَنَّةِ كَذَلِكَ حَتّى اللَّحْمُ لِكَوْنِهِمْ مُسْتَغْنِينَ عَنِ القُوتِ لِإحْكامِ خِلْقَتِهِمْ وعَدَمِ تَحَلُّلِ شَيْءٍ مِن أبْدانِهِمْ بِالحَرارَةِ الغَرِيزِيَّةِ لِيَحْتاجُوا إلى بَدَلٍ يَحْصُلُ مِنَ القُوتِ، فالمُرادُ بِالفاكِهَةِ هُنا غَيْرُ ما أُرِيدُ بِها في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وفاكِهَةٍ مِمّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ ﴿ولَحْمِ طَيْرٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ وهي هُناكَ بِالمَعْنى المَعْرُوفِ فَلا مُنافاةَ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ عَطْفَ بَيانٍ لِلرِّزْقِ المَعْلُومِ، فَوَجْهُ الِاخْتِصاصِ ما عُلِمَ بِهِ مِن بَيْنِ الأرْزاقِ أنَّهُ فَواكِهُ، وقِيلَ هو بَدَلُ بَعْضٍ مِن كُلٍّ، وتَخْصِيصُها بِالذِّكْرِ لِأنَّها مِن أتْباعِ سائِرِ الأطْعِمَةِ فَتَدُلُّ عَلى تَحَقُّقِ غَيْرِها.

﴿وهم مُكْرَمُونَ﴾ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى لا يَلْحَقُهم هَوانٌ، وذَلِكَ أعْظَمُ المَثُوباتِ وألْيَقُها بِأُولِي الهِمَمِ، ولَعَلَّ هَذا إشارَةٌ إلى النَّعِيمِ الرُّوحانِيِّ بَعْدَ النَّعِيمِ الجُسْمانِيِّ الَّذِي هو بِواسِطَةِ الأكْلِ.

وقِيلَ: مُكْرَمُونَ في نَيْلِ الرِّزْقِ حَيْثُ يَصِلُ إلَيْهِمْ مِن غَيْرِ كَسْبٍ وكَدٍّ وسُؤالٍ كَما هو شَأْنُ أرْزاقِ الدُّنْيا.

وقُرِئَ ”مُكَرَّمُونَ“ بِالتَّشْدِيدِ ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ أيْ في جَنّاتٍ لَيْسَ فِيها إلّا النَّعِيمُ عَلى أنَّ الإضافَةَ عَلى مَعْنى لامِ الِاخْتِصاصِ المُفِيدَةِ لِلْحَصْرِ. والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”مُكْرَمُونَ“ أوْ بِـ ”مَعْلُومٌ“ أوْ بِمَحْذُوفِ حالٍ مِنَ المُسْتَكِنِّ في ﴿مُكْرَمُونَ﴾ أوْ خَبَرٌ ثانٍ لِأُولَئِكَ أوْ ”لَهُمْ“ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى سُرُرٍ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ المُسْتَكِنِّ في ﴿مُكْرَمُونَ﴾ أوْ في الظَّرْفِ قَبْلَهُ وأنْ يَكُونَ خَبَرًا، فَيَكُونُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿مُتَقابِلِينَ﴾ حالًا مِنَ المُسْتَكِنِّ فِيهِ أوْ في ﴿مُكْرَمُونَ﴾ أوْ في الظَّرْفِ أعْنِي ﴿فِي جَنّاتِ﴾ وأنْ يَتَعَلَّقَ بِمُتَقابِلِينَ فَيَكُونُ حالًا مِنَ المُسْتَكِنِّ في غَيْرِهِ.

وأُشِيرَ بِتَقابُلِهِمْ إلى اسْتِئْناسِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، فَبَعْضُهم يُقابِلُ بَعْضًا لِلِاسْتِئْناسِ والمُحادَثَةِ. وفي بَعْضِ الأحادِيثِ أنَّهُ تُرْفَعُ عَنْهُمُ السُّتُورُ أحْيانًا فَيَنْظُرُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ، وقَرَأ أبُو السِّمالِ ”سُرَرٍ“ بِفَتْحِ الرّاءِ وهي لُغَةُ بَعْضِ تَمِيمٍ وكَلْبٍ يَفْتَحُونَ ما كانَ جَمْعًا عَلى فُعُلٍ مِنَ المُضَعَّفِ إذا كانَ اسْمًا، واخْتَلَفَ النَّحْوِيُّونَ في الصِّفَةِ؛ فَمِنهم مَن قاسَها عَلى الِاسْمِ فَفَتَحَ فَيَقُولُ ”ذُلَلٌ“ بِفَتْحِ اللّامِ عَلى تِلْكَ اللُّغَةِ. ومِنهم مَن خَصَّ ذَلِكَ بِالِاسْمِ وهو مَوْرِدُ السَّماعِ.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English