Аль-Алуси · Тафсир · на арабском
Аз-Зумар 39:16–21
39:16Страница 460
لَهُم مِّن فَوۡقِهِمۡ ظُلَلٞ مِّنَ ٱلنَّارِ وَمِن تَحۡتِهِمۡ ظُلَلٞۚ ذَٰلِكَ يُخَوِّفُ ٱللَّهُ بِهِۦ عِبَادَهُۥۚ يَٰعِبَادِ فَٱتَّقُونِ ١٦
Над ними будут навесы из огня, и под ними будут навесы». Этим Аллах устрашает Своих рабов. О рабы Мои, бойтесь Меня!
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهم مِن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِن النّارِ﴾ إلى آخِرِهِ نَوْعُ بَيانٍ لِخُسْرانِهِمْ بَعْدَ تَهْوِيلِهِ بِطَرِيقِ الإبْهامِ عَلى أنَّ لهم خَبَرٌ (لِظُلَلٌ)، ومن فَوْقِهِمْ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ حالٌ مِن ضَمِيرِها في الظَّرْفِ المُقَدَّمِ، لا مِنها نَفْسِها لِضَعْفِ الحالِ مِنَ المُبْتَدَإ، وجَعْلُها فاعِلَ الظَّرْفِ حِينَئِذٍ إتْباعٌ لِنَظَرِ الأخْفَشِ، وهو ضَعِيفٌ، و﴿مِنَ النّارِ﴾ صِفَةٌ (لِظُلَلٌ).
والكَلامُ جارٍ مَجْرى التَّهَكُّمِ بِهِمْ، ولِذا قِيلَ لَهُمْ، وعَبَّرَ عَمّا عَلاهم مِنَ النّارِ بِالظُّلَلِ، أيْ لَهم كائِنَةً مِن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ كَثِيرَةٌ مُتَراكِمَةٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ كائِنَةً مِنَ النّارِ، ﴿ومِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ كائِنَةً مِنَ النّارِ أيْضًا، والمُرادُ أطْباقٌ كَثِيرَةٌ مِنها، وتَسْمِيَتُها ظُلَلًا مِن بابِ المُشاكَلَةِ. وقِيلَ: هي ظُلَلٌ لِمَن تَحْتَهم في طَبَقَةٍ أُخْرى مِن طَبَقاتِ النّارِ، ولا يَطَّرِدُ في أهْلِ الطَّبَقَةِ الأخِيرَةِ مِن هَؤُلاءِ الخاسِرِينَ إلّا أنْ يُقالَ: إنَّها لِلشَّياطِينِ، ونَحْوِهِمْ مِمّا لا ذِكْرَ لَهم هُنا، وقِيلَ: إنَّ ما تَحْتَهم يَلْتَهِبُ ويَتَصاعَدُ مِنهُ شَيْءٌ حَتّى يَكُونَ ظُلَّةً، فَسُمِّيَ ظُلَّةً بِاعْتِبارِ ما آلَ إلَيْهِ أخِيرًا، ولَيْسَ بِذاكَ، والمُرادُ أنَّ النّارَ مُحِيطَةٌ بِهِمْ، ﴿ذَلِكَ﴾ العَذابُ الفَظِيعُ ﴿يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ﴾ يُذَكِّرُهُ سُبْحانَهُ لَهم بِآياتِ الوَعِيدِ لِيَخافُوا
صفحة 252
فَيَجْتَنِبُوا ما يُوقِعُهم فِيهِ، وخَصَّ بَعْضُهُمُ العِبادَ بِالمُؤْمِنِينَ، لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِالتَّخْوِيفِ وعَمَّمَ آخَرُونَ.
وكَذا في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿يا عِبادِ فاتَّقُونِ﴾ ولا تَتَعَرَّضُوا لِما يُوجِبُ سُخْطِي، ويَخْتَلِفُ المُرادُ بِالأمْرِ عَلى الوَجْهَيْنِ، كَما لا يَخْفى، وهَذِهِ عِظَةٌ مِنَ اللَّهِ جَلَّ جَلالُهُ، وعَمَّ نَوالُهُ مُنْطَوِيَةٌ عَلى غايَةِ اللُّطْفِ والرَّحْمَةِ. وقُرِئَ: ”يا عِبادِي“ بِالياءِ.
39:17–18Страница 460
وَٱلَّذِينَ ٱجۡتَنَبُواْ ٱلطَّٰغُوتَ أَن يَعۡبُدُوهَا وَأَنَابُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ لَهُمُ ٱلۡبُشۡرَىٰۚ فَبَشِّرۡ عِبَادِ ١٧
Для тех, которые избежали поклонения тагуту и обратились к Аллаху, есть благая весть. Обрадуй же Моих рабов,
ٱلَّذِينَ يَسۡتَمِعُونَ ٱلۡقَوۡلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحۡسَنَهُۥٓۚ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَىٰهُمُ ٱللَّهُۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمۡ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ ١٨
которые прислушиваются к словам и следуют наилучшим из них. Это - те, которых Аллах наставил на прямой путь. Они и есть обладающие разумом.
﴿والَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ﴾ إلَخْ، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: نَزَلَتْ في ثَلاثَةِ نَفَرٍ كانُوا في الجاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، زِيدِ ابْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، وسَلْمانَ، وأبِي ذَرٍّ، وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: أُشِيرَ بِها إلى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وسَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ، وسَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ، والزُّبَيْرِ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا أسَلَمَ أبُو بَكْرٍ سَمِعُوا ذَلِكَ فَجاؤُوهُ، وقالُوا: أسْلَمْتَ؟ قالَ: نَعَمْ، وذَكَّرَهم بِاللَّهِ تَعالى، فَآمَنُوا بِأجْمَعِهِمْ، فَنَزَلَتْ فِيهِمْ، وهي مُحْكَمَةٌ في النّاسِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، والطّاغُوتُ فَعَلُوتٌ مِنَ الطُّغْيانِ، كَما قالُوا: لافاعُولٌ، كَما قِيلَ بِتَقْدِيمِ اللّامِ عَلى العَيْنِ نَحْوَ: صاعِقَةٍ وصاقِعَةٍ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ الِاشْتِقاقُ، وأنَّ طَوَغَ وطَيَغَ مُهْمَلانِ.
وأصْلُهُ طَغَيُوتٌ، أوْ طَغَوُوتٌ مِنَ الياءِ، أوِ الواوِ، لِأنَّ طَغى يَطْغى ويَطْغُو كِلاهُما ثابِتانِ في العَرَبِيَّةِ، نَقَلَهُ الجَوْهَرِيُّ، ونَقَلَ أنَّ الطُّغْيانَ والطَّغَوانَ بِمَعْنًى، وكَذا الرّاغِبُ، وجَمْعُهُ عَلى الطَّواغِيتِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الجَمْعَ بُنِيَ عَلى الواوِ، وقَوْلُهُمْ: مِنَ الطُّغْيانِ لا يُرِيدُونَ بِهِ خُصُوصَ الياءِ، بَلْ أرادُوا المَعْنى، وهو عَلى ما في الصِّحاحِ: الكاهِنُ والشَّيْطانُ وكُلُّ رَأْسٍ في الضَّلالِ، وقالَ الرّاغِبُ: هو عِبارَةٌ عَنْ كُلِّ مُتَعَدٍّ، وكُلِّ مَعْبُودٍ مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى، وسُمِّيَ بِهِ السّاحِرُ والكاهِنُ والمارِدُ مِنَ الجِنِّ والصّارِفُ عَنِ الخَيْرِ، ويُسْتَعْمَلُ في الواحِدِ والجَمْعِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في هَذِهِ السُّورَةِ: لا يُطْلَقُ عَلى غَيْرِ الشَّيْطانِ، وذَكَرَ أنَّ فِيهِ مُبالَغاتٍ مِن حَيْثُ البِناءُ، فَإنَّ صِيغَةَ فَعَلُوتٍ لِلْمُبالَغَةِ، ولِذا قالُوا: الرَّحَمُوتُ الرَّحْمَةُ الواسِعَةُ، ومِن حَيْثُ التَّسْمِيَةُ بِالمَصْدَرِ، ومِن حَيْثُ القَلْبُ، فَإنَّهُ لِلِاخْتِصاصِ كَما في الجاهِ، وقَدْ أطْلَقَهُ في النِّساءِ عَلى كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ، وقالَ: سُمِّيَ طاغُوتًا، لِإفْراطِهِ في الطُّغْيانِ، وعَداوَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أوْ عَلى التَّشْبِيهِ بِالشَّيْطانِ، فَلَعَلَّهُ أرادَ: لا يُطْلَقُ عَلى غَيْرِ الشَّيْطانِ عَلى الحَقِيقَةِ، وكَأنَّهُ جَعَلَ كَعْبًا عَلى الأوَّلِ مِنَ الوَجْهَيْنِ مِن شَياطِينِ الإنْسِ، وفي الكَشْفِ: كَأنَّهُ لَمّا رَآهُ مَصْدَرًا في الأصْلِ مَنقُولًا إلى العَيْنِ كَثِيرَ الِاسْتِعْمالِ في الشَّيْطانِ حَكَمَ بِأنَّهُ حَقِيقَةٌ فِيهِ بَعْدَ النَّقْلِ مَجازٌ في الباقِي لِظُهُورِ العَلاقَةِ، إمّا اسْتِعارَةٌ، وإمّا نَظَرٌ إلى تَناسُبِ المَعْنى، والَّذِي يَغْلِبُ عَلى الظَّنِّ أنَّ الطّاغُوتَ في الأصْلِ مَصْدَرٌ نُقِلَ إلى البالِغِ الغايَةَ في الطُّغْيانِ، وتَجاوُزِ الحَدِّ، واسْتِعْمالُهُ في فَرْدٍ مِن هَذا المَفْهُومِ العامِّ شَيْطانًا كانَ أوْ غَيْرَهُ يَكُونُ حَقِيقَةً، ويَكُونُ مَجازًا عَلى ما قَرَّرُوا في اسْتِعْمالِ العامِّ في فَرْدٍ مِن أفْرادِهِ كاسْتِعْمالِ الإنْسانِ في زَيْدٍ، وشُيُوعُهُ في الشَّيْطانِ لَيْسَ إلّا لِكَوْنِهِ رَأْسَ الطّاغِينَ، وفَسَّرَهُ هُنا بِالشَّيْطانِ مُجاهِدٌ، ويَجُوزُ تَفْسِيرُها بِالشَّياطِينِ جَمْعًا عَلى ما سَمِعْتُ عَنِ الرّاغِبِ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ الحَسَنِ ”اجْتَنَبُوا الطَّواغِيتَ“، ﴿أنْ يَعْبُدُوها﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنَ الطّاغُوتِ، وعِبادَةُ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى عِبادَةٌ لِلشَّيْطانِ، إذْ هو الآمِرُ بِها والمُزَيِّنُ لَها، وإذا فُسِّرَ الطّاغُوتُ بِالأصْنامِ فالأمْرُ ظاهِرٌ، ﴿وأنابُوا إلى اللَّهِ﴾ وأقْبَلُوا إلَيْهِ سُبْحانَهُ مُعْرِضِينَ عَمّا سِواهُ إقْبالًا كُلِّيًّا، ﴿لَهُمُ البُشْرى﴾ بِالثَّوابِ مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلى ألْسِنَةِ الرُّسُلِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - أوِ المَلائِكَةِ عِنْدَ حُضُورِ المَوْتِ وحِينَ يُحْشَرُونَ، وبَعْدَ ذَلِكَ.
﴿فَبَشِّرْ عِبادِ﴾ ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ﴾ مَدْحٌ لَهم بِأنَّهم نُقّادٌ في الدِّينِ يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الحَسَنِ، والأحْسَنِ، والفاضِلِ والأفْضَلِ، فَإذا اعْتَرَضَهم أمْرانِ واجِبٌ ونَدْبٌ اخْتارُوا الواجِبَ، وكَذَلِكَ المُباحُ والنَّدْبُ.
صفحة 253
وقِيلَ: يَسْتَمِعُونَ أوامِرَ اللَّهِ تَعالى فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَها نَحْوَ القِصاصِ والعَفْوِ والِانْتِصارِ والإغْضاءِ والإبْداءِ والإخْفاءِ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنْ تَعْفُوا أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ ﴿وإنْ تُخْفُوها وتُؤْتُوها الفُقَراءَ فَهو خَيْرٌ لَكُمْ﴾ والفَرْقُ بَيْنَ الوَجْهَيْنِ أنَّ هَذا أخَصُّ لِأنَّهُ مَخْصُوصٌ بِأوامِرَ فِيها تَخْيِيرٌ بَيْنَ راجِحٍ وأرْجَحَ، كالعَفْوِ والقِصاصِ مَثَلًا، كَأنَّهُ قِيلَ: يَتَّبِعُونَ أحْسَنَ القَوْلَيْنِ الوارِدَيْنِ في مُعَيَّنٍ، وفي الأوَّلِ يَتَّبِعُونَ الأحْسَنَ مِنَ القَوْلَيْنِ، مُطْلَقًا، كالإيجابِ بِالنِّسْبَةِ إلى النَّدْبِ مَثَلًا.
وعَنِ الزَّجّاجِ يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ وغَيْرَهُ فَيَتَّبِعُونَ القُرْآنَ. وقِيلَ: يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ مِمَّنْ كانَ فَيَتَّبِعُونَ أوْلاهُ بِالقَبُولِ، وأرْشَدَهُ إلى الحَقِّ، ويَلْزَمُ مِن وصْفِهِمْ بِذَلِكَ أنَّهم يُمَيِّزُونَ القَبِيحَ مِنَ الحَسَنِ، ويَجْتَنِبُونَ القَبِيحَ، وأُرِيدَ بِهَؤُلاءِ العِبادُ الَّذِينَ اجْتَنَبُوا وأنابُوا لا غَيْرُهُمْ، لِئَلّا يَنْفَكَّ النَّظْمُ، فَإنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَبَشِّرْ﴾ مُرَتَّبٌ عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لَهُمُ البُشْرى﴾ ووَضَعَ الظّاهِرَ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِيُشَرِّفَهم تَعالى بِالإضافَةِ إلَيْهِ، ولِتَكْرِيرِ بَيانِ الِاسْتِحْقاقِ، ولِيَدُلَّ عَلى أنَّهم نَقّادُونَ حِرْصًا عَلى إيثارِ الطّاعَةِ ومَزِيدِ القُرْبِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، وفِيهِ تَحْقِيقٌ لِلْإنابَةِ، وتَتْمِيمٌ حَسَنٌ، وقِيلَ: الوَقْفُ عَلى ”عِبادِي“، فَيَكُونُ الَّذِينَ مُبْتَدَأً، خَبَرُهُ جُمْلَةُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ﴾ أيْ لِدِينِهِ، والكَلامُ اسْتِئْنافٌ بِإعادَةِ صِفَةِ مَنِ اسْتُؤْنِفَ عَنْهُ الحَدِيثُ، وما تَقَدَّمَ أرْجَحُ لِما سَلَفَ مِنَ الفَوائِدِ مِن إقامَةِ الظّاهِرِ مَقامَ المُضْمَرِ، والتَّتْمِيمِ، فَإنَّ ذَلِكَ دُونَ الوَصْفِ لا يَتِمُّ، ولِأنَّ مُحَرِّكَ السُّؤالِ المُجابِ بِالجُمْلَةِ بَعْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ﴾ أقْوى، وذَلِكَ الأصْلُ في حُسْنِ الِاسْتِئْنافِ، ﴿وأُولَئِكَ هم أُولُو الألْبابِ﴾ أيْ هم أصْحابُ العُقُولِ السَّلِيمَةِ عَنْ مُعارَضَةِ الوَهْمِ ومُنازَعَةِ الهَوى المُسْتَحِقُّونَ لِلْهِدايَةِ لا غَيْرُهُمْ، وفي الآيَةِ دِلالَةٌ عَلى حَطِّ قَدْرِ التَّقْلِيدِ المَحْضِ، ولِذا قِيلَ:
شَمِّرْ وكُنْ في أُمُورِ الدِّينِ مُجْتَهِدًا ولا تَكُنْ مِثْلَ عِيرٍ قُيِّدَ فانْقادا
واسْتُدِلَّ بِها عَلى أنَّ الهِدايَةَ تَحْصُلُ بِفِعْلِ اللَّهِ تَعالى وقَبُولِ النَّفْسِ لَها، كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الأشاعِرَةُ،
39:19Страница 460
أَفَمَنۡ حَقَّ عَلَيۡهِ كَلِمَةُ ٱلۡعَذَابِ أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِي ٱلنَّارِ ١٩
Разве ты сможешь спасти того, относительно кого сбылось Слово о мучениях, кто находится в Огне?
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ أفَأنْتَ تُنْقِذُ مَن في النّارِ﴾ بَيانٌ لِأضْدادِ المَذْكُورِينَ عَلى طَرِيقَةِ الإجْمالِ، وتَسْجِيلٌ عَلَيْهِمْ بِحِرْمانِ الهِدايَةِ وهم عَبَدَةُ الطّاغُوتِ، ومُتَّبِعُو خُطُواتِها كَما يُلَوِّحُ بِهِ التَّعْبِيرُ عَنْهم بِمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ، فَإنَّ المُرادَ بِتِلْكَ الكَلِمَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهم أجْمَعِينَ﴾، والآيَةُ عَلى ما قِيلَ: نَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ وأضْرابِهِ، والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ، ومَن شَرْطِيَّةٌ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الحُوفِيُّ وغَيْرُهُ وجَوابُ الشَّرْطِ ”فأنت تنقذ“ إلَخْ، والهَمْزَةُ قَبْلَهُ لِاسْتِطالَةِ الكَلامِ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ:
لَقَدْ عَلِمَ الحِزْبُ اليَمانُونَ أنَّنِي إذا قُلْتُ أمّا بَعْدُ أنِّي خَطِيبُها
لِأنَّ دُخُولَ الهَمْزَةِ في الجَوابِ أوِ الشَّرْطِ كافٍ، تَقُولُ: أإنْ أكْرَمَكَ تُكْرِمْهُ، كَما تَقُولُ: إنْ أكْرَمَكَ أتُكْرِمُهُ؟ ولا تُكَرِّرُها فِيهِما، إلّا لِلتَّأْكِيدِ، لِأنَّ الجُمْلَتَيْنِ أعْنِي الشَّرْطَ والجَزاءَ بَعْدَ دُخُولِ الأداةِ مُفْرَدانِ، والِاسْتِفْهامُ إنَّما يَتَوَجَّهُ عَلى مَضامِينِ الجُمَلِ، إذا كانَ المَطْلُوبُ تَصْدِيقًا، والإنْكارُ المُفادُ بِالهَمْزَةِ مُتَعَلِّقٌ بِمَضْمُونِ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، إلّا أنَّ المَقْصُودَ في المَعْطُوفِ إنْكارُ الجَزاءِ، والتَّقْدِيرُ: أأنْتَ مالِكٌ أمْرَ النّاسِ قادِرٌ عَلى التَّصَرُّفِ فِيهِ؟ فَمِن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ، فَأنْتَ تُنْقِذُهُ؟ عَلى مَعْنى لَسْتَ أنْتَ مالِكَ أمْرِ النّاسِ، ولا أنْتَ تَقْدِرُ عَلى الإنْقاذِ، بَلِ المالِكُ والقادِرُ عَلى الإنْقاذِ هو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، وعُدِلَ عَنْ: فَأنْتَ تُنْقِذُهُ، إلى ما في النَّظْمِ الكَرِيمِ لِمَزِيدِ تَشْدِيدِ الإنْكارِ، والِاسْتِبْعادِ، مَعَ ما فِيهِ مِنَ الإشارَةِ إلى أنَّهُ نَزَلَ اسْتِحْقاقُهم لِلْعَذابِ، وهم في الدُّنْيا المُشْعِرُ بِهِ الشَّرْطُ
صفحة 254
مَنزِلَةَ دُخُولِهِمُ النّارَ، وأنَّهُ مَثَّلَ حالَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - في المُبالَغَةِ في تَحْصِيلِ هِدايَتِهِمْ، والِاجْتِهادِ في دُعائِهِمْ إلى الإيمانِ بِحالِ مَن يُرِيدُ أنْ يُنْقِذَ مَن في النّارِ مِنها. وفي الحَواشِي الخَفاجِيَّةِ نَقْلًا عَنِ السَّعْدِ: أنَّ في هَذِهِ الآيَةِ اسْتِعارَةً لا يَعْرِفُها إلّا فُرْسانُ البَيانِ، وهي الِاسْتِعارَةُ التَّمْثِيلِيَّةُ المَكْنِيَّةُ، لِأنَّهُ نَزَّلَ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَمَن﴾ إلَخْ، مِنَ اسْتِحْقاقِهِمُ العَذابَ وهم في الدُّنْيا مَنزِلَةَ دُخُولِهِمُ النّارَ في الآخِرَةِ حَتّى يَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ تَنْزِيلًا بَذَلَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - جُهْدَهُ في دُعائِهِمْ إلى الإيمانِ مَنزِلَةَ إنْقاذِهِمْ مِنَ النّارِ الَّذِي هو مِن مُلائِماتِ دُخُولِ النّارِ، ثُمَّ قالَ: وقَدْ عَرَفْتُ مِن مَذْهَبِهِ أنَّ قَرِينَةَ المَكْنِيَّةِ قَدْ تَكُونُ تَحْقِيقِيَّةً كَما في نَقْضِ العَهْدِ، انْتَهى، فَتَأمَّلْ.
وقِيلَ: إنَّ النّارَ مَجازٌ عَنِ الضَّلالِ مِن بابِ إطْلاقِ اسْمِ المُسَبَّبِ عَلى السَّبَبِ، والإنْقاذُ بَدَلُ الهِدايَةِ مِن تَرْشِيحِ المَجازِ، أوْ مَجازٌ عَنِ الدُّعاءِ لِلْإيمانِ والطّاعَةِ، ولَيْسَ بِذاكَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الجَزاءُ مَحْذُوفًا وجُمْلَةُ ”فأنت تنقذ“ إلَخْ، مُسْتَأْنَفَةً مُقَرِّرَةً لِلْجُمْلَةِ الأُولى، والتَّقْدِيرُ: أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ فَأنْتَ تُخَلِّصُهُ، أفَأنْتَ تُنْقِذُ مَن في النّارِ.
ولا فَرْقَ بَيْنَ الوَجْهَيْنِ في أنَّ الفاءَ في الأُولى لِلْعَطْفِ عَلى مَحْذُوفٍ، ولا في كَوْنِ المَعْنى عَلى تَنْزِيلِ اسْتِحْقاقِ العَذابِ، وهم في الدُّنْيا مَنزِلَةُ دُخُولِهِمُ النّارَ وتَمْثِيلُ حالِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - في المُبالَغَةِ في تَحْصِيلِ هِدايَتِهِمْ بِحالِ مَن يُرِيدُ أنْ يُنْقِذَ مَن في النّارِ مِنها، نَعَمِ الكَلامُ عَلى الأوَّلِ جُمْلَةٌ، وعَلى الثّانِي جُمْلَتانِ، واسْتَظْهَرَ أبُو حَيّانَ أنَّ ﴿مِن﴾ مَوْصُولَةٌ مُبْتَدَأٌ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ، وحُكِيَ أنَّ مِنهم مَن يُقَدِّرُهُ: يَتَأسَّفُ عَلَيْهِ، ومِنهم مَن يُقَدِّرُهُ: يَتَخَلَّصُ مِنهُ، ومِنهم مَن يُقَدِّرُهُ: فَأنْتَ تُخَلِّصُهُ، ولا يَخْفى أنَّ التَّقْدِيرَ الأخِيرَ أوْلى، وذُكِرَ أنَّ النُّحاةَ عَلى أنَّ الفاءَ في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ لِلْعَطْفِ، ومَوْضِعَها قَبْلَ الهَمْزَةِ، لَكِنْ قُدِّمَتِ الهَمْزَةُ لِأنَّ لَها صَدْرَ الكَلامِ، وقالَ: إنَّ القَوْلَ بِأنَّ كُلًّا مِنهُما في مَكانِهِ قَوْلٌ انْفَرَدَ بِهِ الزَّمَخْشَرِيُّ فِيما عَلِمْنا، وفي المُغْنِي: تَرْجِيحُ القَوْلِ بِأنَّ الهَمْزَةَ مُقَدَّمَةٌ مِن تَأْخِيرٍ، وعَلَيْهِ يُقَدَّرُ المَعْطُوفُ عَلَيْهِ: ما أنْتَ مالِكَ أمْرِهِمْ، أوْ ما أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ واقِعٌ لا مَحالَةَ، أوْ كُلُّ كافِرٍ مُسْتَحِقٌّ لِلْعَذابِ، أوْ نَحْوُ ذَلِكَ مِمّا يُناسِبُ المَعْنى المُرادِ.
39:20Страница 460
لَٰكِنِ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ رَبَّهُمۡ لَهُمۡ غُرَفٞ مِّن فَوۡقِهَا غُرَفٞ مَّبۡنِيَّةٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۖ وَعۡدَ ٱللَّهِ لَا يُخۡلِفُ ٱللَّهُ ٱلۡمِيعَادَ ٢٠
Но для тех, кто боялся своего Господа, уготованы горницы, расположенные одна над другой, под которыми текут реки. Таково обещание Аллаха, и Аллах не нарушает обещания!
﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم لَهم غُرَفٌ مِن فَوْقِها غُرَفٌ﴾ اسْتِدْراكٌ بَيْنَ ما يُشْبِهُ النَّقِيضَيْنِ والضِّدَّيْنِ، وهُما المُؤْمِنُونَ والكافِرُونَ، وأحْوالُهُما، والمُرادُ بِالَّذِينِ اتَّقَوُا المَوْصُوفُونَ بِما عُدِّدَ مِنَ الصِّفاتِ الفاضِلَةِ، والغُرَفُ جَمْعُ غُرْفَةٍ، وهي العَلِيَّةُ أيْ لَهم عَلالِي كَثِيرَةٌ جَلِيلَةٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ، ﴿مَبْنِيَّةٌ﴾ قِيلَ: هو كالتَّمْهِيدِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ”تجري من تحتها“ أيْ مِن تَحْتِ تِلْكَ الغُرَفِ الفَوْقانِيّاتِ والتَّحْتانِيّاتِ، ﴿الأنْهارُ﴾ أيْ مَبْنِيَّةٌ بِناءً يَتَأتّى مَعَهُ جَرْيُ الأنْهارِ مِن تَحْتِها وذَلِكَ عَلى خِلافِ عَلالِي الدُّنْيا، فَيُفِيدُ الوَصْفُ بِذَلِكَ أنَّها سُوِّيَتْ تَسْوِيَةَ البِناءِ عَلى الأرْضِ، وجُعِلَتْ سَطْحًا واحِدًا يَتَأتّى مَعَهُ جَرْيُ الأنْهارِ عَلَيْهِ عَلى أنَّ مِياهَ الجَنَّةِ لَمّا كانَتْ مُنْحَدِرَةً مِن بُطْنانِ العَرْشِ عَلى ما في الحَدِيثِ، فَهي أعْلى مِنَ الغُرَفِ، فَلا عَجَبَ مِن جَرْيِ الماءِ عَلَيْها فَوْقًا وتَحْتًا، لَكِنْ لا بُدَّ مِن وضْعٍ يَتَأتّى مَعَهُ الجَرْيُ، فالوَصْفُ المَذْكُورُ لِإفادَةِ ذَلِكَ.
وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: الظّاهِرُ أنَّ هَذا الوَصْفَ تَحْقِيقٌ لِلْحَقِيقَةِ، وبَيانٌ أنَّ الغُرَفَ لَيْسَتْ كالظُّلَلِ حَيْثُ أُرِيدَ بِها المَعْنى المَجازِيُّ عَلى الِاسْتِعارَةِ التَّهَكُّمِيَّةِ، وقالَ بَعْضُ فُضَلاءِ إخْوانِنا المُعاصِرِينَ: فائِدَةُ التَّوْصِيفِ بِما ذُكِرَ الإشارَةُ إلى رِفْعَةِ شَأْنِ الغُرَفِ حَيْثُ آذَنَ أنَّ اللَّهَ تَعالى بانِيها، وماذا عَسى يُقالُ في بِناءٍ بَناهُ اللَّهُ جَلَّ وعَلا.
وأقُولُ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ: وُصِفَتِ الغُرَفُ بِذَلِكَ لِلْإشارَةِ إلى أنَّها مُهَيَّأةٌ مُعَدَّةٌ لَهم قَدْ فُرِغَ مِن أمْرِها، كَما هو ظاهِرُ الوَصْفِ، لا أنَّها تُبْنى يَوْمَ القِيامَةِ لَهُمْ، وفي ذَلِكَ مِن تَعْظِيمِ شَأْنِ المُتَّقِينَ ما فِيهِ، وفي الآيَةِ عَلى هَذا رَدٌّ عَلى المُعْتَزِلَةِ، وكَأنَّ
صفحة 255
الزَّمَخْشَرِيَّ لِذَلِكَ لَمْ يَحُمْ حَوْلَ هَذا الوَجْهِ، واقْتَصَرَ عَلى ما حَكَيْناهُ أوَّلًا مَعَ أنَّ ما قُلْناهُ أقْرَبُ مِنهُ فَلْيُحْفَظْ.
﴿وعْدَ اللَّهِ﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ قَبْلَهُ، فَإنَّهُ وعْدٌ أيُّ وعْدٍ، ﴿لا يُخْلِفُ اللَّهُ المِيعادَ﴾ لِما في خُلْفِهِ مِنَ النَّقْصِ المُسْتَحِيلِ عَلَيْهِ - عَزَّ وجَلَّ -
39:21Страница 460
أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَسَلَكَهُۥ يَنَٰبِيعَ فِي ٱلۡأَرۡضِ ثُمَّ يُخۡرِجُ بِهِۦ زَرۡعٗا مُّخۡتَلِفًا أَلۡوَٰنُهُۥ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَىٰهُ مُصۡفَرّٗا ثُمَّ يَجۡعَلُهُۥ حُطَٰمًاۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكۡرَىٰ لِأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ ٢١
Неужели ты не видел, что Аллах ниспослал с неба воду и провел ее к источникам по земле? Потом посредством нее Он выводит посевы различных цветов. Затем они вянут, и ты видишь их пожелтевшими. Затем Он превращает их в труху. Воистину, во всем этом - напоминание для обладающих разумом.
﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ اسْتِئْنافٌ وارِدٌ إمّا لِتَمْثِيلِ الحَياةِ الدُّنْيا في سُرْعَةِ الزَّوالِ، وقُرْبِ الِاضْمِحْلالِ بِما ذُكِرَ مِن أحْوالِ الزَّرْعِ تَحْذِيرًا مِنَ الاغْتِرارِ بِزَهْرَتِها، أوْ لِلِاسْتِشْهادِ عَلى تَحَقُّقِ المَوْعُودِ مِنَ الأنْهارِ الجارِيَةِ مِن تَحْتِ الغُرَفِ، بِما يُشاهَدُ مِن إنْزالِ الماءِ مِنَ السَّماءِ، وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِن آثارِ قُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ، وأحْكامِ حِكْمَتِهِ ورَحْمَتِهِ، والمُرادُ بِالماءِ المَطَرُ، وبِالسَّماءِ جِهَةُ العُلُوِّ، وقِيلَ: الأجْرامُ العُلْوِيَّةُ، وكَوْنُ إنْزالِ المَطَرِ مِنها بِاعْتِبارِ أنَّهُ بِأسْبابٍ ناشِئَةٍ مِنها، فَإنَّ تَصاعُدَ الأبْخِرَةِ، وتَكَوُّنَ الغُيُومِ بِسَبَبِ جَذْبِ الشَّمْسِ، واخْتِلافِ أوْضاعِها، ونَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الأسْبابِ الَّتِي يَعْلَمُها اللَّهُ تَعالى، وأمّا كَوْنُ إنْزالِ المَطَرِ نَفْسِهِ مِن جِرْمِ السَّماءِ المَعْرُوفَةِ نَفْسِها فَكَثِيرٌ ما يَرْتَفِعُ سَحابٌ ويُمْطِرُ مَطَرًا غَزِيرًا، وهُناكَ مَن هو عَلى ذُرْوَةِ جَبَلٍ لا سَحابَ عِنْدَهُ، ولا مَطَرَ، والتِزامُ أنَّ المَطَرَ في ذَلِكَ نازِلٌ مِن جِرْمِ السَّماءِ أيْضًا عَلى السَّحابِ لَكِنْ لا يُشاهِدُهُ مَن هو مُشْرِفٌ عَلى السَّحابِ، وواقِفٌ فَوْقَ الجَبَلِ لا يَخْفى حالُهُ، وقِيلَ: المُرادُ بِالماءِ كُلُّ ماءٍ في الأرْضِ، والمُرادُ بِالإنْزالِ المَذْكُورِ الإنْزالُ في مَبْدَإ الخَلِيقَةِ، وذَلِكَ أنَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - لَمّا خَلَقَ الأرْضَ خَلَقَها خالِيَةً مِنَ الماءِ، فَأنْزَلَ مِن بَحْرٍ تَحْتَ العَرْشِ ماءً ﴿فَسَلَكَهُ﴾ فَأدْخَلَهُ، ﴿يَنابِيعَ في الأرْضِ﴾ أيْ في يَنابِيعَ أيْ عُيُونٍ ومَجارِي كائِنَةٍ في الأرْضِ كالعُرُوقِ في الأجْسادِ، فَعَلى الأوَّلِ يَقْتَضِي ظاهِرُ الآيَةِ أنَّ ماءَ العُيُونِ والقَنَواتِ مِن ماءِ المَطَرِ، وعَلى الثّانِي لَيْسَ مِنهُ، وشاعَ عَنِ الفَلاسِفَةِ أنَّ ماءَ العُيُونِ، وما يَجْرِي مَجْراها مِنَ الأبْخِرَةِ، قالُوا: إنَّ البُخارَ إذا احْتَبَسَ في الأرْضِ يَمِيلُ إلى جِهَةٍ، وتَبْرُدُ بِها، فَتَنْقَلِبُ مِياهًا مُخْتَلِطَةً بِأجْزاءٍ بُخارِيَّةٍ فَإذا كَثُرَ بِحَيْثُ لا تَسَعُهُ الأرْضُ أوْجَبَ انْشِقاقَها، فانْفَجَرَ مِنها العُيُونُ، ورَدَّهُ أبُو البَرَكاتُ البَغْدادِيُّ فَقالَ في المُعْتَبَرِ: السَّبَبُ في العُيُونِ، وما يَجْرِي مَجْراها هو ما يَسِيلُ مِنَ الثُّلُوجِ، ومِياهِ الأمْطارِ، لِأنّا نَجِدُها تَزِيدُ بِزِيادَتِها، وتَنْقُصُ بِنُقْصانِها، وأنَّ اسْتِحالَةَ الأهْوِيَةِ والأبْخِرَةِ المُنْحَصِرَةِ في الأرْضِ لا مَدْخَلَ لَها في ذَلِكَ، فَإنَّ باطِنَ الأرْضِ في الصَّيْفِ أشَدُّ بَرْدًا مِنهُ في الشِّتاءِ، فَلَوْ كانَ سَبَبُ هَذِهِ اسْتِحالَتَها، لَوَجَبَ أنْ تَكُونَ العُيُونُ والقَنَواتُ ومِياهُ الآبارِ في الصَّيْفِ أزْيَدَ، وفي الشِّتاءِ أنْقَصَ، مَعَ أنَّ الأمْرَ بِخِلافِ ذَلِكَ عَلى ما دَلَّتْ عَلَيْهِ التَّجْرِبَةُ، وقالَ المَيْبَدِيُّ: الحَقُّ أنَّ السَّبَبَ الَّذِي ذَكَرَهُ صاحِبُ المُعْتَبَرِ مُعْتَبَرٌ لا مَحالَةَ، إلّا أنَّهُ غَيْرُ مانِعٍ مِنَ اعْتِبارِ السَّبَبِ الَّذِي ذُكِرَ يَعْنِي ما شاعَ، واحْتِجاجُهُ في المَنعِ إنَّما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ هو السَّبَبَ التّامَّ لا عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ سَبَبًا في الجُمْلَةِ اهـ.
وفِي شَرْحِ المَواقِفِ، اخْتَلَفُوا في أنَّ المِياهَ مُتَوَلِّدَةٌ مِن أجْزاءٍ مائِيَّةٍ مُتَفَرِّقَةٍ في عُمْقِ الأرْضِ، إذا اجْتَمَعَتْ، أوْ مِنَ الهَواءِ البُخارِيِّ الَّذِي يَنْقَلِبُ ماءً. وهَذا الثّانِي وإنْ كانَ مُمْكِنًا إلّا أنَّ الأوَّلَ أوْلى، لِأنَّ مِياهَ العُيُونِ والقَنَواتِ والآبارِ تَزِيدُ بِزِيادَةِ الثُّلُوجِ والأمْطارِ، والأوْلى عِنْدِي أنْ يُحْمَلَ الماءُ في الآيَةِ عَلى المَطَرِ ونَحْوِهِ مِنَ الثَّلْجِ، والآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الماءَ يَسْلُكُهُ اللَّهُ تَعالى في يَنابِيعَ في الأرْضِ، ولا تَدُلُّ عَلى أنَّ ما في اليَنابِيعِ لَيْسَ إلّا ذَلِكَ الماءَ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَعْضُ ما فِيها هو الماءُ المُنَزَّلُ مِنَ السَّماءِ، والبَعْضُ الآخَرُ حادِثًا مِنَ الهَواءِ البُخارِيِّ بِانْقِلابِهِ ماءً بِأسْبابٍ، يَعْلَمُها اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، وحُمِلَ الإنْزالُ عَلى الإنْزالِ في مَبْدَإ الخَلِيقَةِ عَلى ما سَمِعْتَ مَعَ كَوْنِهِ مِمّا لَمْ أقِفْ عَلى
صفحة 256
خَبَرٍ صَحِيحٍ يَقْتَضِيهِ خِلافُ الظّاهِرِ في الآيَةِ جِدًّا لِأنَّ الخِطابَ في ﴿ألَمْ تَرَ﴾ عامٌّ، ولا يَتَأتّى العُمُومُ في رُؤْيَةِ ذَلِكَ، وكَأنَّهُ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ جَعْلُ الخِطابِ خاصًّا بِسَيِّدِ المُخاطَبِينَ ﷺ، والمُرادُ: ألَمْ تَعْلَمْ ذَلِكَ بِالوَحْيِ، ومَعَ ذَلِكَ لا يَخْفى حالُ حَمْلِ الآيَةِ عَلى ما ذُكِرَ، وقَرِيبٌ مِمّا قِيلَ ما حَكاهُ الزَّمَخْشَرِيُّ في الآيَةِ عَنْ بَعْضٍ مِن أنَّ كُلَّ ماءٍ في الأرْضِ فَهو مِنَ السَّماءِ يَنْزِلُ مِنها إلى الصَّخْرَةِ، ثُمَّ يَقْسِمُهُ اللَّهُ تَعالى بَيْنَ البِقاعِ، هَذا لَكِنْ يُعَكِّرُ عَلى ما اخْتَرْناهُ ظاهِرُ ما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: لَيْسَ في الأرْضِ ماءٌ إلّا ما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى مِنَ السَّماءِ، ولَكِنْ عُرُوقٌ في الأرْضِ تُغَيِّرُهُ، فَمَن سَرَّهُ أنْ يَعُودَ المِلْحُ عَذْبًا فَلْيَصْعَدْ. وأخْرَجَ نَحْوَهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، والشَّعْبِيِّ، فَإنْ صَحَّ هَذا الخَبَرُ، وقُلْنا إنَّهُ في حُكْمِ المَرْفُوعِ فَما عَلَيْنا إذا قُلْنا بِظاهِرِهِ، فالعَقْلُ لا يَأْباهُ، واللَّهُ تَعالى عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، هَذا وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ اليَنابِيعُ جَمْعَ يُنْبُوعٍ بِمَعْنى النّابِعِ، فَإنَّهُ كَما يُطْلَقُ عَلى المَنبَعِ يُطْلَقُ عَلى ما ذُكِرَ، وحِينَئِذٍ تَكُونُ مَنصُوبَةً عَلى الحالِ، والمَعْنى: فَسَلَكَهُ مِياهًا نابِعَةً في الأرْضِ، ولا يَخْلُو مِنَ الكَدَرِ، لِأنَّهُ لَوْ قُصِدَ هَذا كانَ الظّاهِرُ أنْ يُقالَ: مِنَ الأرْضِ، وعَلى ما هو المَشْهُورُ يَكُونُ ﴿يَنابِيعَ﴾ مَنصُوبًا بِنَزْعِ الخافِضِ كَما أشَرْنا إلَيْهِ. واحْتِمالُ كَوْنِهِ مَنصُوبًا عَلى المَصْدَرِيَّةِ في إطْلاقَيْهِ بِأنْ يَكُونَ الأصْلُ فَسَلَكَهُ سُلُوكًا في يَنابِيعَ أيْ مَجارِي، فَحُذِفَ المَصْدَرُ وأُقِيمَ ما هو في مَوْضِعِ الصِّفَةِ مَقامَهُ، أوْ يَكُونَ الأصْلُ: فَسَلَكَهُ سُلُوكَ يَنابِيعَ أيْ مِياهًا نابِعَةً، فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ، بَعِيدٌ كَما لا يَخْفى.
﴿ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ﴾ أيْ بِواسِطَتِهِ مُراعاةً لِلْحِكْمَةِ، لا لِتَوَقُّفِ الإخْراجِ عَلَيْهِ في نَفْسِ الأمْرِ، وقالَتِ الأشاعِرَةُ: أيْ يُخْرِجُ عِنْدَهُ بِلا مَدْخَلِيَّةٍ لَهُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ سِوى المُقارَنَةِ، ﴿زَرْعًا مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ﴾ أيْ أنْواعُهُ وأصْنافُهُ مِن بُرٍّ وشَعِيرٍ، وغَيْرِهِما، أوْ كَيْفِيّاتُهُ المُدْرَكَةُ بِالبَصَرِ مِن خُضْرَةٍ وحُمْرَةٍ وغَيْرِهِما، أوْ كَيْفِيّاتُهُ مُطْلَقًا مِنَ الألْوانِ والطُّعُومِ وغَيْرِهِما عَلى ما قِيلَ، وشَمَلَ الزَّرْعَ المُقْتاتَ وغَيْرَهُ، وثُمَّ لِلتَّراخِي في الرُّتْبَةِ، أوِ الزَّمانِ، وصِيغَةُ المُضارِعِ لِاسْتِحْضارِهِ الصُّورَةَ ﴿ثُمَّ يَهِيجُ﴾ يَيْبَسُ، وظاهِرُ كَلامِ أهْلِ اللُّغَةِ أنَّ هَذا مَعْنًى حَقِيقِيٌّ لِلْهَيَجانِ، ويُفْهَمُ مِن كَلامِ بَعْضِ المُفَسِّرِينَ أنَّ يَهِيجَ بِمَعْنى يَثُورُ، واسْتِعْمالَهُ بِمَعْنى يَيْبَسُ مِن مَجازِ المُشارَفَةِ، لِأنَّ الزَّرْعَ إذا يَبِسَ وتَمَّ جَفافُهُ يُشْرِفُ عَلى أنْ يَثُورَ، ويَذْهَبَ مِن مَنابِتِهِ ﴿فَتَراهُ مُصْفَرًّا﴾ مِن بَعْدِ خُضْرَتِهِ ونَضارَتِهِ. وقُرِئَ ”مُصْفارًّا“، ﴿ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطامًا﴾ فُتاتًا مُتَكَسِّرًا، كَأنْ لَمْ يَغْنَ بِالأمْسِ، ولِكَوْنِ هَذِهِ الحالَةِ مِنَ الآثارِ القَوِيَّةِ عُلِّقَتْ بِجَعْلِ اللَّهِ تَعالى كالإخْراجِ. وقَرَأ أبُو بِشْرٍ ”ثُمَّ يَجْعَلَهُ“ بِالنَّصْبِ، قالَ صاحِبُ الكامِلِ: وهو ضَعِيفٌ، ولَمْ يُبَيِّنْ وجْهَ النَّصْبِ، وكَأنَّهُ إضْمارُ أنْ، كَما في قَوْلِهِ: (إنِّي وقَتْلِي سُلَيْكًا ثُمَّ أعْقِلَهُ)، ولا يَخْفى وجْهُ ضَعْفِهِ هُنا، ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما ذُكِرَ تَفْصِيلًا، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ مَنزِلَتِهِ في الغَرابَةِ، والدِّلالَةِ عَلى ما قُصِدَ بَيانُهُ، ﴿لَذِكْرى﴾ لَتَذْكِيرًا عَظِيمًا، ﴿لأُولِي الألْبابِ﴾ لِأصْحابِ العُقُولِ الخالِصَةِ عَنْ شَوائِبِ الخَلَلِ، وتَنْبِيهًا لَهم عَلى حَقِيقَةِ الحالِ، يَتَذَكَّرُونَ بِذَلِكَ حالَ الحَياةِ الدُّنْيا وسُرْعَةَ تَقَضِّيها، فَلا يَغْتَرُّونَ بِبَهْجَتِها، ولا يُفْتَنُونَ بِفِتْنَتِها، أوْ يَجْزِمُونَ بِأنَّ مَن قَدَرَ عَلى إنْزالِ الماءِ مِنَ السَّماءِ والتَّصَرُّفِ بِهِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ قادِرٌ عَلى إجْراءِ الأنْهارِ مِن تَحْتِ تِلْكَ الغُرَفِ، وكَأنَّ الأوَّلَ أوْلى لِيَكُونَ ما تَقَدَّمَ تَرْغِيبًا في الآخِرَةِ، وهَذا تَنْفِيرًا عَنِ الدُّنْيا، وقِيلَ: المَعْنى: إنَّ في ذَلِكَ لَتَذْكِيرًا وتَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ لا بُدَّ لِذَلِكَ مِن صانِعٍ حَكِيمٍ، وأنَّهُ كائِنٌ عَلى تَقْدِيرٍ وتَدْبِيرٍ لا عَنْ تَعْطِيلٍ وإهْمالٍ، وهو بِمَعْزِلٍ عَمّا يَقْتَضِيهِ
صفحة 257
السِّياقُ، عَلى أنَّ الأنْسَبَ بِإرادَةِ ذَلِكَ ذِكْرُ الآثارِ غَيْرُ مُسْنَدَةٍ إلَيْهِ - عَزَّ وجَلَّ - فَحَيْثُ ذُكِرَتْ مُسْنَدَةً إلَيْهِ سُبْحانَهُ، فالظّاهِرُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقُ التَّذْكِيرِ والتَّنْبِيهِ شُؤُونَهُ تَعالى، أوْ شُؤُونَ آثارِهِ، حَسْبَما أُشِيرَ إلَيْهِ لا وُجُودَهُ جَلَّ وعَلا.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии