Аль-Алуси · Тафсир · на арабском
Аз-Зумар 39:5–6
39:5Страница 458
خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ بِٱلۡحَقِّۖ يُكَوِّرُ ٱلَّيۡلَ عَلَى ٱلنَّهَارِ وَيُكَوِّرُ ٱلنَّهَارَ عَلَى ٱلَّيۡلِۖ وَسَخَّرَ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَۖ كُلّٞ يَجۡرِي لِأَجَلٖ مُّسَمًّىۗ أَلَا هُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡغَفَّٰرُ ٥
Он сотворил небеса и землю ради истины. Он обвивает ночью день и обвивает днем ночь. Он подчинил солнце и луну. Все они движутся к назначенному сроку. Воистину, Он - Могущественный, Всепрощающий.
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ﴾ إثْباتٌ لِما ذُكِرَ أوَّلًا مِنَ الوَحْدَةِ والقَهْرِ، وفِيهِ أيْضًا ما سَتَعْلَمُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى أيْ خَلَقَ هَذا العالَمَ المُشاهَدَ مُلْتَبِسًا بِالحَقِّ والصَّوابِ مُشْتَمِلًا عَلى الحِكَمِ والمَصالِحِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلى النَّهارِ ويُكَوِّرُ النَّهارِ عَلى اللَّيْلَ﴾ بَيانٌ لِكَيْفِيَّةِ تَصَرُّفِهِ فِيما ذُكِرَ بَعْدَ بَيانِ الخَلْقِ، فَإنَّ حُدُوثَ اللَّيْلِ والنَّهارِ مَنُوطٌ بِتَحْرِيكِ أجْرامٍ سَماوِيَّةٍ، والتَّكْوِيرُ في الأصْلِ هو اللَّفُّ واللَّيُّ مِن كارَ العِمامَةَ عَلى رَأْسِهِ وكَوَّرَها، والمُرادُ عَلى ما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ: يَغْشى أحَدُهُما الآخَرَ، وهو عَلى ما قِيلَ مَعْنًى يَذْهَبُ أحَدُهُما، ويَغْشى مَكانَهُ الآخَرُ، أيْ يَلْبَسُهُ مَكانَهُ، فَيَصِيرُ أسْوَدَ مُظْلِمًا بَعْدَ ما كانَ أبْيَضَ مُنِيرًا، وبِالعَكْسِ فالمَغْشِيُّ حَقِيقَةً المَكانُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَغْشِيُّ اللَّيْلَ والنَّهارَ عَلى الِاسْتِعارَةِ، ويَكُونَ المَكانُ ظَرْفًا، والمَقْصُودُ أنَّهُ لَمّا كانَ أحَدُهُما غاشِيًا لِلْآخَرِ أشْبَهَ اللِّباسَ المَلْفُوفَ عَلى لابِسِهِ في سَتْرِهِ إيّاهُ، واشْتِمالِهِ عَلَيْهِ وتَغَطِّيهِ بِهِ.
وتَحْقِيقُهُ أنَّ أحَدَهُما لَمّا كانَ مُحِيطًا عَلى جَمِيعِ ما أحاطَ بِهِ الآخَرُ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ ثَمَّ شَيْءٌ زائِدٌ غَيْرُ الظُّهُورِ والخَفاءِ جَعَلَ إحاطَتَهُ عَلى مُحاطِ الآخَرِ إحاطَةً عَلَيْهِ مَجازَ مُلابَسَتِهِ، وعَبَّرَ عَنْها بِالغَشَيانِ والتَّكْوِيرِ لِلشَّبَهِ المَذْكُورِ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ اللَّيْلِ والنَّهارِ يُغَيِّبُ الآخَرَ إذا طَرَأ عَلَيْهِ، فَشُبِّهَ في تَغْيِيبِهِ إيّاهُ بِشَيْءٍ ظاهِرٍ لَفَّ عَلَيْهِ ما غَيَّبَهُ عَنْ مَطامِحِ الأبْصارِ، ورُجِّحَ الأوَّلُ بِأنَّ فِيهِ مَعَ اعْتِبارِ السَّتْرِ اعْتِبارَ اللَّيِّ، وإحاطَةَ الأطْرافِ، ثُمَّ إنَّ هَذا لِظُهُورِهِ تَشْبِيهٌ مَبْذُولٌ، وأنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ هَذا يُكَرُّ عَلى هَذا كُرُورًا مُتَتابِعًا، فَشُبِّهَ ذَلِكَ بِتَتابُعِ أكْوارِ العِمامَةِ بَعْضِها عَلى أثَرِ بَعْضٍ، قِيلَ: وهو الأرْجَحُ، لِأنَّهُ اعْتُبِرَ فِيهِ ما اعْتُبِرَ مَعَ الأوَّلِ مَعَ النَّظَرِ إلى المُطَّرِدِ فِيهِ لَفْظُ الكَوْرِ، فَإنَّهُ لَفٌّ بَعْدَ لَفٍّ، وهو أيْضًا كَذَلِكَ، إلّا أنَّ أكْوارَ العِمامَةِ مُتَظاهِرَةٌ، وفِيما نَحْنُ فِيهِ مُتَعاوِرَةٌ، وهَذا مِمّا لا بَأْسَ بِهِ، فَإنَّ كُلَّ لَيَّةٍ تُسَمّى كَوْرًا حَقِيقَةً.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المَعْنى يُحْمَلُ أحَدُهُما عَلى الآخَرِ، وفُسِّرَ هَذا الحَمْلُ بِالضَّمِّ، والزِّيادَةِ، أيْ يَزِيدُ اللَّيْلُ عَلى النَّهارِ، ويَضُمُّهُ إلَيْهِ بِأنْ يُجْعَلَ بَعْضُ أجْزاءِ اللَّيْلِ نَهارًا، فَيَطُولُ النَّهارُ، ويَقْصُرُ اللَّيْلُ، ويَزِيدُ النَّهارُ عَلى اللَّيْلِ، ويَضُمُّهُ إلَيْهِ بِأنْ يَجْعَلَ سُبْحانَهُ بَعْضَ أجْزاءِ النَّهارِ لَيْلًا، فَيَطُولُ اللَّيْلُ ويَقْصُرُ النَّهارُ.
وإلى هَذا ذَهَبَ الرّاغِبُ، وهو مَعْنًى واضِحٌ، والآيَةُ عَلَيْهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ ويُولِجُ النَّهارِ في اللَّيْلَ﴾، في قَوْلٍ، وذَكَرَ بَعْضُ الفُضَلاءِ أنَّها عَلى المَعْنى الأوَّلِ فِيها شَيْءٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿جَعَلَ اللَّيْلَ والنَّهارَ خِلْفَةً لِمَن أرادَ أنْ يَذَّكَّرَ﴾، وعَلى المَعْنى الثّانِي فِيها شَيْءٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ ﴿والنَّهارِ إذا تَجَلّى﴾ وعَلى الثّالِثِ شَيْءٌ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾، وأنَّها يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ فِيها الِاسْتِعارَةُ التَّبَعِيَّةُ، والمَكْنِيَّةُ،
صفحة 239
والتَّخْيِيلِيَّةُ، والتَّمْثِيلِيَّةُ، والتَّمْثِيلُ أوْلى بِالِاعْتِبارِ، وأيًّا ما كانَ فَصِيغَةُ المُضارِعِ لِلدِّلالَةِ عَلى التَّجَدُّدِ.
﴿وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ﴾ جَعَلَهُما مُنْقادَيْنِ لِأمْرِهِ - عَزَّ وجَلَّ - ﴿كُلٌّ يَجْرِي لأجَلٍ مُسَمًّى﴾ بَيانٌ لِكَيْفِيَّةِ تَسْخِيرِهِما أيْ كُلٌّ مِنهُما يَجْرِي لِمُنْتَهى دَوْرَتِهِ، أوْ مُنْقَطَعِ حَرَكَتِهِ، وقَدْ مَرَّ تَمامُ الكَلامِ عَلَيْهِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الشَّمْسَ مُتَحَرِّكَةٌ، وزَعَمَ بَعْضُ الكَفَرَةِ أنَّها ساكِنَةٌ وأنَّها مَرْكَزُ العالَمِ، وسَمِعْتُ في هَذِهِ الأيّامِ أنَّهُ ظَهَرَ في الإفْرِنْجِ مُنْذُ سَنَتَيْنِ تَقْرِيبًا مَن يَزْعُمُ أنَّها تَتَحَرَّكُ عَلى مَرْكَزٍ آخَرَ كَما تَتَحَرَّكُ الأرْضُ عَلَيْها نَفْسُها بِزَعْمِهِمْ، وزَعَمَ بَعْضُ المُتَقَدِّمِينَ، ولَهم في الهَيْئَةِ كَلامٌ غَيْرُ هَذا، وفِيهِ الغَثُّ والسَّمِينُ، إلّا أنَّ نَفْيَهُمُ السَّماواتِ النّاطِقَةَ بِها الشَّرائِعُ بِالكُلِّيَّةِ مِنَ العَجَبِ العُجابِ، وأنْظارُهُمُ السَّخِيفَةُ تُفْضِي بِهِمْ إلى ما هو أعْجَبُ مِن ذَلِكَ عِنْدَ ذَوِي العُقُولِ السَّلِيمَةِ، نَسْألُ اللَّهَ تَعالى السَّلامَةَ والتَّوْفِيقَ، ولِي عَزْمٌ عَلى تَأْلِيفِ كِتابٍ أُبَيِّنُ فِيهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ما هو الأقْرَبُ إلى الحَقِّ مِنَ الهَيْئَتَيْنِ القَدِيمَةِ والجَدِيدَةِ مُتَحَرِّكًا عَلى مِحْوَرِ الإنْصافِ ساكِتًا عَنْ سُلُوكِ مَسالِكِ الِاعْتِسافِ، واللَّهُ تَعالى المُوَفِّقُ لِذَلِكَ.
﴿ألا هو العَزِيزُ﴾ القادِرُ عَلى عِقابِ المُصِرِّينَ ﴿الغَفّارُ﴾ لِذُنُوبِ التّائِبِينَ، أوِ الغالِبُ الَّذِي يَقْدِرُ أنْ يُعاجِلَهم بِالعُقُوبَةِ، وهو سُبْحانَهُ يَحْلُمُ عَلَيْهِمْ، ويُؤَخِّرُهم إلى أجَلٍ مُسَمًّى، فَيَكُونُ قَدْ سُمِّيَ الحِلْمُ عَنْهُمْ، وقَدْ تَرَكَ تَعْجِيلَ العُقُوبَةِ بِالمَغْفِرَةِ الَّتِي هي تَرْكُ العِقابِ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ لِلْمُناسَبَةِ بَيْنَهُما في التَّرْكِ. وجُوِّزَ كَوْنُ ذَلِكَ مِن بابِ المَجازِ المُرْسَلِ، والأوَّلُ أبْلَغُ وأحْسَنُ، وهَذانِ الوَجْهانِ في ﴿العَزِيزُ الغَفّارُ﴾ قَدْ ذَكَرَهُما الزَّمَخْشَرِيُّ، وظَنَّ بَعْضُهم أنَّ الدّاعِيَ لِلْأوَّلِ رِعايَةُ مَذْهَبِ الِاعْتِزالِ حَيْثُ خَصَّ فِيهِ المَغْفِرَةَ بِذُنُوبِ التّائِبِينَ، فَتَرَكَهُ، وقالَ: العَزِيزُ القادِرُ عَلى كُلِّ مُمْكِنٍ، الغالِبُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، الغَفّارُ حَيْثُ لَمْ يُعاجِلْ بِالعُقُوبَةِ وسَلْبِ ما في هَذِهِ الصَّنائِعِ مِنَ الرَّحْمَةِ وعُمُومِ المَنفَعَةِ، وما عَلَيْنا أنْ نُفَسِّرَ كَما فَسَّرَ، ونَقُولَ بِأنَّ مَغْفِرَتَهُ تَعالى لا تَخُصُّ التّائِبِينَ، بَلْ قَدْ يَغْفِرُ جَلَّ شَأْنُهُ لِغَيْرِهِمْ إلّا أنَّ التَّقْيِيدَ لَيُلائِمُ ما تَقَدَّمَ أتَمَّ مُلاءَمَةٍ، فَفي الكَشْفِ أنَّ الوَجْهَ الأوَّلَ مِن ذَيْنِكَ الوَجْهَيْنِ المَذْكُورَيْنِ يُناسِبُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ﴾ مِن وجْهَيْنِ أحَدُهُما ما فِيهِ مِنَ الدِّلالَةِ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ وكَمالِ الرَّحْمَةِ المُقْتَضِي لِعِقابِ المُصِرِّ، وغُفْرانِ ذُنُوبِ التّائِبِ، وثانِيهِما أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ﴾ إلَخْ، مَسُوقٌ لِأمْرَيْنِ إثْباتِ الوَحْدَةِ والقَهْرِ المَذْكُورَيْنِ فِيما قَبْلُ نَفْيًا لِلْوَلَدِ، بَلْ حَسْمًا لِلشِّرْكِ مِن أصْلِهِ، والتَّسَلُّقُ إلى ما مَهَّدَ أوَّلًا مِنَ العِبادَةِ والإخْلاصِ لِئَلّا يَزُولَ عَنِ الخاطِرِ، فَقِيلَ: ﴿بِالحَقِّ﴾ كَما قِيلَ هُنالِكَ: ﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ﴾ وأُدْمِجَ فِيهِ أنَّ إنْزالَ الكِتابِ كَما يَدُلُّ عَلى اسْتِحْقاقِهِ تَعالى لِلْعِبادَةِ، فَكَذَلِكَ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ بِالحَقِّ والحِكْمَةِ الَّتِي مِنها الجَزاءُ عَلى ما سَلَفَ، فالتَّذْيِيلُ بالًا هو العَزِيزُ الغَفّارُ لِلتَّرْغِيبِ في طَلَبِ المَغْفِرَةِ بِالعِبادَةِ والإخْلاصِ والتَّحْذِيرِ عَنْ خِلافِ ذَلِكَ، سَواءٌ خالَفَ أصْلَ الدِّينِ كالكُفْرِ، أوْ خالَفَ الإخْلاصَ فِيهِ كَسائِرِ المَعاصِي في غايَةِ المُلاءَمَةِ، وإنَّما أفْرَدَ مُخالَفَةَ الدِّينِ بِالذِّكْرِ صَرِيحًا في قَوْلِهِ تَعالى: ”والَّذِينَ اتَّخَذُوا“ إلَخْ، تَحْذِيرًا مِن حالِهِمْ، لِأنَّها هاتِكَةٌ لِعِصْمَةِ النَّجاةِ، فَكانَتْ أحَقَّ بِالتَّحْذِيرِ، ورَمَزَ إلى هَذا الثّانِي بِالتَّذْيِيلِ المَذْكُورِ تَكْمِيلًا لِلْمَعْنى المُرادِ، ومَدارُ هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ عَلى الأمْرِ بِالعِبادَةِ والإخْلاصِ والتَّحْذِيرِ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي، والوَجْهُ الثّانِي مِن ذَيْنِكَ الوَجْهَيْنِ يُناسِبُ حَدِيثَ الشِّرْكِ، والتَّذْيِيلَ بِهِ، لِتَوْكِيدِ تَفْظِيعِ ما نَسَبُوا إلَيْهِ، ولَمّا ذَكَرَ تَنْزِيلَ الكِتابِ وعَقَّبَ بِالأوْصافِ المُقْتَضِيَةِ لِلْعِبادَةِ والإخْلاصِ ذَيَّلَهُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
صفحة 240
”ألا لِلَّهِ الدِّينُ الخالِصُ“ عَلى ما تَحَقَّقَ وجْهُهُ، وقَدْ نَقَلْناهُ نَحْنُ عَنْهُ فِيما مَرَّ، ثُمَّ لَمّا ذُكِرَ بَعْدَهُ عَظِيمُ ما نَسَبُوا إلَيْهِ سُبْحانَهُ: مِنَ الشِّرْكِ، والأوْلادِ، وما دَلَّ عَلى تَنَزُّهِهِ تَعالى بِالأُلُوهِيَّةِ ناسَبَ أنْ يُذَيِّلَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ”ألا هو العَزِيزُ الغَفّارُ“ لِلتَّوْكِيدِ المَذْكُورِ، وقَدْ آثَرَ هَذا العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ، ويُعْلَمُ مِمّا ذَكَرْنا وجْهُ رُجْحانِ الأوَّلِ اهـ، والوَجْهُ الثّانِي مِن وجْهَيِ المُناسَبَةِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ أوْلى الوَجْهَيْنِ، والآيَةُ عَلى ما ذَكَرَهُ البَعْضُ يَجُوزُ ارْتِباطُها بِما عِنْدَها مِنَ الخَلْقِ والتَّكْوِيرِ والتَّسْخِيرِ،
39:6Страница 459
خَلَقَكُم مِّن نَّفۡسٖ وَٰحِدَةٖ ثُمَّ جَعَلَ مِنۡهَا زَوۡجَهَا وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ ٱلۡأَنۡعَٰمِ ثَمَٰنِيَةَ أَزۡوَٰجٖۚ يَخۡلُقُكُمۡ فِي بُطُونِ أُمَّهَٰتِكُمۡ خَلۡقٗا مِّنۢ بَعۡدِ خَلۡقٖ فِي ظُلُمَٰتٖ ثَلَٰثٖۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمۡ لَهُ ٱلۡمُلۡكُۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ فَأَنَّىٰ تُصۡرَفُونَ ٦
Он создал вас из одного человека. Он сотворил из него жену и ниспослал для вас из скотины восемь животных парами. Он создает вас в утробах ваших матерей: одно творение появляется вслед за другим в трех мраках. Таков Аллах, ваш Господь. Ему принадлежит власть. Нет божества, кроме Него. До чего же вы отвращены от истины!
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ إلَخْ، دَلِيلٌ آخَرُ عَلى الوَحْدَةِ والقَهْرِ.
وتُرِكَ عَطْفُهُ عَلى: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ﴾ لِلْإيذانِ بِاسْتِقْلالِهِ في الدِّلالَةِ ولِتَعَلُّقِهِ بِالعالَمِ السُّفْلِيِّ، والبُداءَةِ بِخَلْقِ الإنْسانِ، لِأنَّهُ أقْرَبُ وأعْجَبُ بِالنِّسْبَةِ إلى غَيْرِهِ بِاعْتِبارِ ما فِيهِ مِنَ العَقْلِ، وقَبُولِ الأمانَةِ الإلَهِيَّةِ، وغَيْرِ ذَلِكَ حَتّى قِيلَ:
وتَزْعُمُ أنَّكَ جِرْمٌ صَغِيرٌ وفِيكَ انْطَوى العالَمُ الأكْبَرُ
والمُرادُ بِالنَّفْسِ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنها زَوْجَها﴾ أيْ حَوّاءَ فَإنَّها خُلِقَتْ مِن قُصَيْرى ضِلَعِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - اليُسْرى، وهي أسْفَلُ الأضْلاعِ عَلى مَعْنى أنَّها خُلِقَتْ مِن بَعْضِها، أوْ خُلِقَتْ مِنها كُلِّها، وخَلَقَ اللَّهُ تَعالى لِآدَمَ مَكانَها، عَطْفٌ عَلى مَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِنَفْسٍ، أيْ مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ خَلَقَها، ثُمَّ جَعَلَ مِنها زَوْجَها، أوْ عَلى واحدة لِأنَّهُ في الأصْلِ اسْمٌ مُشْتَقٌّ فَيَجُوزُ عَطْفُ الفِعْلِ عَلَيْهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ”فالِقُ الإصْباحِ وجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا“، ويُعْتَبَرُ ماضِيًا لِأنَّ اسْمَ الفاعِلِ قَدْ يَكُونُ لِلْمُضِيِّ إذا لَمْ يَعْمَلْ، أيْ مِن نَفْسٍ وُحِّدَتْ، ثُمَّ جَعَلَ مِنها زَوْجَها، ورَجَحَ بِسَلامَتِهِ مِنَ التَّقْدِيرِ الَّذِي هو خِلافُ الأصْلِ، أوْ عَلى خلقكم لِتَفاوُتِ ما بَيْنَهُما في الدِّلالَةِ فَإنَّهُما، وإنْ كانَتا آيَتَيْنِ دالَّتَيْنِ عَلى ما مَرَّ مِنَ الصِّفاتِ الجَلِيلَةِ لَكِنَّ خَلْقَ حَوّاءَ مِنَ الضِّلَعِ أعْظَمُ وأجْلَبُ لِلتَّعَجُّبِ، ولِذا عَبَّرَ بِالجَعْلِ دُونَ الخَلْقِ، فَثُمَّ لِلتَّراخِي الرُّتَبِيِّ، ويَجُوزُ فِيهِ كَوْنُ الثّانِي أعْلى مَرْتَبَةً مِنَ الأوَّلِ، وعَكْسُهُ، وقِيلَ: إنَّهُ تَعالى أخْرَجَ ذُرِّيَّةَ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن ظَهْرِهِ كالذَّرِّ، ثُمَّ خَلَقَ مِنهُ حَوّاءَ، فالمُرادُ بِخَلْقِهِمْ مِنهُ إخْراجُهم مِن ظَهْرِهِ كالذَّرِّ، فالعَطْفُ عَلى خلقكم وثُمَّ عَلى ظاهِرِها، وهَذا لا يُقْبَلُ إلّا إذا صَحَّ مَرْفُوعًا، أوْ في حُكْمِهِ، وقَدْ تَضَمَّنَتِ الآيَةُ ثَلاثَ آياتٍ خَلْقَ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِلا أبٍ وأُمٍّ، وخَلْقَ حَوّاءَ مِن قُصَيْراهُ، وخَلْقَ ذُرِّيَّتِهِ الَّتِي لا يُحْصِي عَدَدَها إلّا اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْزَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ اسْتِدْلالٌ بِنَوْعٍ آخَرَ مِنَ العالَمِ السُّفْلِيِّ، والإنْزالُ مَجازٌ عَنِ القَضاءِ والقِسْمَةِ، فَإنَّهُ تَعالى إذا قَضى وقَسَّمَ أثْبَتَ ذَلِكَ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، ونَزَلَتْ بِهِ المَلائِكَةُ المُوَكَّلَةُ بِإظْهارِهِ، ووَصْفُهُ بِالنُّزُولِ مَعَ أنَّهُ مَعْنًى شائِعٌ مُتَعارَفٌ كالحَقِيقَةِ، والعَلاقَةُ بَيْنَ الإنْزالِ والقَضاءِ الظُّهُورُ بَعْدَ الخَفاءِ، فَفي الكَلامِ اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ فِيهِ مَجازٌ مُرْسَلٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّجَوُّزُ في نِسْبَةِ الإنْزالِ إلى الأنْعامِ، والمُنَزَّلُ حَقِيقَةُ أسْبابِ حَياتِها كالأمْطارِ، ووَجْهُ ذَلِكَ المُلابَسَةُ بَيْنَهُما، وقِيلَ: يُرادُ بِالأزْواجِ أسْبابُ تَعَيُّشِها، أوْ يُجْعَلُ الإنْزالُ مَجازًا عَنْ إحْداثِ ذَلِكَ بِأسْبابٍ سَماوِيَّةٍ، وهو كَما تَرى، وقِيلَ: الكَلامُ عَلى ظاهِرِهِ، واللَّهُ تَعالى خَلَقَ الأنْعامَ في الجَنَّةِ، ثُمَّ أنْزَلَها مِنها، ولا أرى لِهَذا الخَبَرِ صِحَّةً، والأنْعامُ الإبِلُ والبَقَرُ والضَّأْنُ والمَعْزُ، وكانَتْ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ، لِأنَّ كُلًّا مِنها ذَكَرٌ وأُنْثى، وتَقْدِيمُ الظَّرْفَيْنِ عَلى المَفْعُولِ الصَّرِيحِ لِما مَرَّ مِرارًا مِنَ الِاعْتِناءِ بِما قُدِّمَ، والتَّشْوِيقِ إلى ما أُخِّرَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَخْلُقُكم في بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ﴾ بَيانٌ لِكَيْفِيَّةِ خَلْقِ مَن ذَكَرَ مِنَ الأناسِيِّ والأنْعامِ إظْهارًا لِما فِيهِ مِن عَجائِبِ القُدْرَةِ، وفِيهِ تَغْلِيبانِ تَغْلِيبُ أُولِي العَقْلِ عَلى غَيْرِهِمْ، وتَغْلِيبُ الخِطابِ
صفحة 241
عَلى الغَيْبَةِ، كَذا قِيلَ، والأظْهَرُ أنَّ الخِطابَ خاصٌّ، وصِيغَةُ المُضارِعِ لِلدِّلالَةِ عَلى التَّدَرُّجِ والتَّجَدُّدِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ أنَّ تَعَلُّقَ مِن بَعْدُ بِالفِعْلِ، وإلّا فَغَيْرُ مُؤَكِّدٍ أيْ يَخْلُقُكم فِيها خَلْقًا مُدْرَجًا حَيَوانًا سَوِيًّا مِن بَعْدِ عِظامٍ مَكْسُوَّةٍ لَحْمًا مِن بَعْدِ عِظامٍ عارِيَةٍ مِن بَعْدِ مُضَغٍ غَيْرِ مُخَلَّقَةٍ مِن بَعْدِ عَلَقَةٍ مِن بَعْدِ نُطْفَةٍ، فَقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ”خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ“ لِمُجَرَّدِ التَّكْرِيرِ، كَما يُقالُ: مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، لا أنَّهُ مَخْصُوصٌ بِخَلْقَيْنِ. وقَرَأ عِيسى، وطَلْحَةُ ”يَخْلُقْكُّمْ“ بِإدْغامِ القافِ في الكافِ، ﴿فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ﴾ ظُلْمَةِ البَطْنِ والرَّحِمِ والمَشِيمَةِ، وقِيلَ: ظُلْمَةُ الصُّلْبِ والبَطْنِ والرَّحِمِ، والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِيَخْلُقُكُمْ، وجَوَّزَ الشِّهابُ تَعَلُّقَهُ (بِخَلْقًا) بِناءً عَلى أنَّهُ غَيْرُ مُؤَكِّدٍ، وكَوْنُهُ بَدَلًا مِن قَوْلِهِ تَعالى: ”في بطون أمهاتكم ذلكم الله ربكم“ إشارَةٌ إلَيْهِ تَعالى بِاعْتِبارِ أفْعالِهِ المَذْكُورَةِ عَلى وجْهٍ يَدُلُّ عَلى بُعْدِ مَنزِلَتِهِ تَعالى في العَظَمَةِ والكِبْرِياءِ، واسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ، والِاسْمُ الجَلِيلُ خَبَرُهُ، وربكم خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، أوِ الِاسْمُ الجَلِيلُ نَعْتٌ أوْ بَدَلٌ، وهو الخَبَرُ، أيْ ذَلِكُمُ العَظِيمُ الشَّأْنِ الَّذِي عُدِّدَتْ أفْعالُهُ اللَّهُ مُرَبِّيكم فِيما ذُكِرَ مِنَ الأطْوارِ وفِيما بَعْدَها، ومالِكُكُمُ المُسْتَحِقُّ لِتَخْصِيصِ العِبادَةِ بِهِ سُبْحانَهُ، ﴿لَهُ المُلْكُ﴾ عَلى الإطْلاقِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، لَيْسَ لِغَيْرِهِ تَعالى شَرِكَةٌ ما في ذَلِكَ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، والجُمْلَةُ خَبَرٌ آخَرُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ جُمْلَةٌ مُتَفَرِّعَةٌ عَلى ما قَبْلَها، ولَمْ يُصَرِّحْ مَعَها بِالفاءِ التَّفْرِيعِيَّةِ اعْتِمادًا عَلى فَهْمِ السّامِعِ. وفي إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ أنَّهُ خَبَرٌ آخَرُ، والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأنّى تُصْرَفُونَ﴾ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما ذُكِرَ.
مِن شُؤُونِهِ - عَزَّ وجَلَّ - أيْ فَكَيْفَ تُصْرَفُونَ عَنْ عِبادَتِهِ تَعالى مَعَ وُفُورِ مُوجِباتِها ودَواعِيها وانْتِفاءِ الصّارِفِ عَنْها بِالكُلِّيَّةِ إلى عِبادَةِ غَيْرِهِ سُبْحانَهُ مِن غَيْرِ داعٍ إلَيْها مَعَ كَثْرَةِ الصَّوارِفِ عَنْها.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии