Аль-АлусиАз‑Зумар · 39:67–68

Аль-Алуси · Тафсир · на арабском

Аз-Зумар 39:67–68

39:67Страница 465

وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدۡرِهِۦ وَٱلۡأَرۡضُ جَمِيعٗا قَبۡضَتُهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَٱلسَّمَٰوَٰتُ مَطۡوِيَّٰتُۢ بِيَمِينِهِۦۚ سُبۡحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشۡرِكُونَ ٦٧

Не ценили они Аллаха должным образом, а ведь вся земля в День воскресения будет всего лишь Пригоршней Его, а небеса будут свернуты Его Десницей. Пречист Он и превыше того, что они приобщают к Нему в сотоварищи.

﴿وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ أيْ ما عَظَّمُوهُ جَلَّ جَلالُهُ حَقَّ عَظَمَتِهِ إذْ عَبَدُوا غَيْرَهُ تَعالى وطَلَبُوا مِن نَبِيِّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عِبادَةَ غَيْرِهِ سُبْحانَهُ قالَهُ الحَسَنُ. والسُّدِّيُّ، وقالَ المُبَرِّدُ: أصْلُهُ مِن قَوْلِهِمْ: فُلانٌ عَظِيمُ القَدْرِ يُرِيدُونَ بِذَلِكَ جَلالَتَهُ، وأصْلُ القَدْرِ اخْتِصاصُ الشَّيْءِ بِعِظَمٍ أوْ صِغَرٍ أوْ مُساواةٍ، وقالَ الرّاغِبُ: أيْ ما عَرَفُوا كُنْهَهُ عَزَّ وجَلَّ. وتُعُقِّبَ بِأنَّ مَعْرِفَةَ كُنْهِهِ تَعالى أيْ حَقِيقَتِهِ سُبْحانَهُ لا يَخُصُّ هَؤُلاءِ لِتَعَذُّرِ الوُقُوفِ عَلى الحَقِيقَةِ، ومِن هُنا:

العَجْزُ عَنْ دَرْكِ الإدْراكِ إدْراكُ والبَحْثُ عَنْ كُنْهِ ذاتِ اللَّهِ إشْراكُ

ولا يَخْفى أنَّ المَسْألَةَ خِلافِيَّةٌ، وما ذُكِرَ عَلى تَقْدِيرِ التَّسْلِيمِ يُمْكِنُ دَفْعُهُ بِالعِنايَةِ. نَعَمْ أوْلى مِنهُ ما قِيلَ: أيْ ما عَرَفُوهُ كَما يَلِيقُ بِهِ سُبْحانَهُ حَيْثُ جَعَلُوا لَهُ سُبْحانَهُ شَرِيكًا، وظاهِرُ كَلامِ بَعْضِهِمْ أنَّ الكَلامَ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ ما قَدَّرُوا في أنْفُسِهِمْ وما تَصَوَّرُوا عَظَمَةَ اللَّهِ حَقَّ التَّصَوُّرِ فَلَمْ يُعَظِّمُوهُ كَما هو حَقُّهُ عَزَّ وجَلَّ حَيْثُ وصَفُوهُ بِما لا يَلِيقُ بِشُؤُونِهِ الجَلِيلَةِ مِنَ الشَّرِكَةِ ونَحْوِها، وأيًّا ما كانَ فَهو مُتَعَلِّقٌ بِما قَبْلَهُ مِن حَيْثُ ( إنَّ ) فِيهِ تَجْهِيلُهم في الإشْراكِ ودُعائِهِمْ رَسُولَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إلَيْهِ، وقِيلَ: المَعْنى ما وصَفُوا اللَّهَ تَعالى حَقَّ صِفَتِهِ إذْ جَحَدُوا البَعْثَ ووَصَفُوهُ سُبْحانَهُ بِأنَّهُ خالِقُ الخَلْقِ عَبَثًا وأنَّهُ سُبْحانَهُ عاجِزٌ عَنِ الإعادَةِ والبَعْثِ وهو خِلافُ الظّاهِرِ، وعَلَيْهِ يَكُونُ لِلتَّمْهِيدِ لِأمْرِ النَّفْخِ في الصُّورِ، وضَمِيرُ الجَمْعِ عَلى جَمِيعِ ما ذُكِرَ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْيَهُودِ تَكَلَّمُوا في صِفاتِ اللَّهِ تَعالى وجَلالِهِ فَألْحَدُوا وجَسَّمُوا وجاءُوا بِكُلِّ تَخْلِيطٍ فَنَزَلَتْ.

وقَرَأ الأعْمَشُ حَقَّ «قَدَرِهِ» بِفَتْحِ الدّالِ، وقَرَأ الحَسَنُ وعِيسى وأبُو نَوْفَلٍ وأبُو حَيْوَةَ ( وما قَدَرُوا ) بِتَشْدِيدِ الدّالِ «( حُقُّ ) قَدَرِهِ» بِفَتْحِ الدّالِ ﴿والأرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيامَةِ والسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الِاسْمِ الجَلِيلِ ( وجَمِيعًا ) حالٌ مِنَ المُبْتَدَأِ عِنْدَ مَن يُجَوِّزُهُ أوْ مِن مُقَدَّرٍ كَأثْبَتِها جَمِيعًا كَما قِيلَ، وهو جارٍ مَجْرى الحالِ المُؤَكِّدَةِ في أنَّ العامِلَ مُنْتَزَعٌ مِن مَضْمُونِ الجُمْلَةِ، وفي التَّقْرِيبِ هو حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿قَبْضَتُهُ﴾ لِأنَّهُ بِمَعْنى مَقْبُوضَةٍ وكانَ الظّاهِرُ أنْ يُؤَخَّرَ عَنْهُ وإنَّما قُدِّمَ عَلَيْهِ لِيُعْلَمَ أوَّلَ الأمْرِ أنَّ الخَبَرَ الَّذِي يَرِدُ لا يَقَعُ عَنْ أرْضٍ واحِدَةٍ أوْ بَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ ولَكِنْ عَنِ الأرَضِينَ كُلِّها أوْ عَنْ جَمِيعِ أبْعاضِها. وجازَ هَذا التَّقْدِيمُ لِأنَّ المَصْدَرَ لَمْ يَعْمَلْ مِن حَيْثُ كَوْنُهُ مَصْدَرًا بَلْ لِكَوْنِهِ بِمَعْنى اسْمِ المَفْعُولِ، وقالَ الحَوْفِيُّ: العامِلُ في الحالِ ما دَلَّ عَلَيْهِ قَبْضَتُهُ لا هي، وهو كَما تَرى، ( ويَوْمَ اَلْقِيامَةِ ) مَعْمُولُ ﴿قَبْضَتُهُ﴾ وهي في الأصْلِ المَرَّةُ الواحِدَةُ مِنَ القَبْضِ وتُطْلَقُ عَلى المِقْدارِ المَقْبُوضِ كالقَبْضَةِ بِضَمِّ القافِ وجُعِلَتْ صِفَةً مُشَبَّهَةً حِينَئِذٍ، وجُوِّزَ كُلٌّ مِن إرادَةِ المَقْبُوضَةِ والمَعْنى المَصْدَرِيِّ هُنا، والكَلامُ عَلى الثّانِي عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ ذَواتُ قَبْضَتِهِ أيْ يَقْبِضُهُنَّ سُبْحانَهُ قَبْضَةً واحِدَةً، وقَرَأ الحَسَنُ «قَبْضَتَهُ» بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ ظَرْفٌ مُخْتَصٌّ مُشَبَّهٌ بِالمُبْهَمِ ولِذا لَمْ يُصَرَّحْ بِفي مَعَهُ وهو مَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ، والبَصْرِيُّونَ يَقُولُونَ: إنَّ النَّصْبَ في مِثْلِ خَطَأٍ غَيْرِ جائِزٍ وأنَّهُ لا بُدَّ مِنَ التَّصْرِيحِ بِفي.

صفحة 26

وقَرَأ عِيسى والجَحْدَرِيُّ «مَطْوِيّاتٍ» بِالنَّصْبِ عَلى أنَّ «السَّماواتِ» عَطْفٌ عَلى «الأرْضِ» مُشارَكَةً لَها في الحُكْمِ أيْ والسَّماواتُ قَبْضَتُهُ، و«مَطْوِيّاتٍ» حالٌ مِنَ «السَّماواتِ» عِنْدَ مَن يُجَوِّزُ مَجِيءَ الحالِ مِن مِثْلِ ذَلِكَ أوْ مِن ضَمِيرِها المُسْتَتِرِ في ( قَبْضَتِهِ ) عَلى أنَّها بِمَعْنى مَقْبُوضَتِهِ أوْ مِن ضَمِيرِها مَحْذُوفًا أيْ أُثْبِتُها مَطْوِيّاتٍ، ( وبِيَمِينِهِ ) مُتَعَلِّقٌ بِمَطْوِيّاتٍ أوْ عَلى أنَّ ( اَلسَّماواتُ ) مُبْتَدَأٌ ( وبِيَمِينِهِ ) الخَبَرُ و«مَطْوِيّاتٍ» حالٌ أيْضًا إمّا مِنَ المُبْتَدَأِ أوْ مِنَ الضَّمِيرِ المَحْذُوفِ أوْ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في الخَبَرِ بِناءً عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ مِن جَوازِ تَقْدِيمِ الحالِ في مِثْلِ ذَلِكَ.

والكَلامُ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ الخَلْفِ تَمْثِيلٌ لِحالِ عَظَمَتِهِ تَعالى ونَفاذِ قُدْرَتِهِ عَزَّ وجَلَّ وحَقارَةِ الأفْعالِ العِظامِ الَّتِي تَتَحَيَّرُ فِيها الأوْهامُ بِالإضافَةِ إلَيْها بِحالِ مَن يَكُونُ لَهُ قَبْضَةٌ فِيها الأرْضُ جَمِيعًا ويَمِينٌ بِها يَطْوِي السَّماواتِ أوْ بِحالِ مَن يَكُونُ لَهُ قَبْضَةٌ فِيها الأرْضُ والسَّماواتُ ويَمِينٌ بِها يَطْوِي السَّماواتِ مِن غَيْرِ ذَهابٍ بِالقَبْضَةِ ولا بِاليَمِينِ إلى جِهَةٍ حَقِيقَةٍ أوْ مَجازٍ بِالنِّسْبَةِ إلى المُجْرى عَلَيْهِ وهو اللَّهُ عَزَّ شَأْنُهُ، وقالَ بَعْضُهُمُ: المُرادُ التَّنْبِيهُ عَلى مَزِيدِ جَلالَتِهِ عَزَّ وجَلَّ وعَظَمَتِهِ سُبْحانَهُ بِإفادَةِ أنَّ الأرْضَ جَمِيعًا تَحْتَ مِلْكِهِ تَعالى يَوْمَ القِيامَةِ فَلا يَتَصَرَّفُ فِيها غَيْرُهُ تَعالى شَأْنُهُ بِالكُلِّيَّةِ كَما قالَ سُبْحانَهُ:

﴿المُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الحَجَّ: 56] والسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ طَيَّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ بِقُدْرَتِهِ الَّتِي لا يَتَعاصاها شَيْءٌ.

وفِيهِ رَمْزٌ إلى أنَّ ما يُشْرِكُونَهُ مَعَهُ عَزَّ وجَلَّ أرْضِيًّا كانَ أمْ سَماوِيًّا مَقْهُورٌ تَحْتَ سُلْطانِهِ جَلَّ شَأْنُهُ وعَزَّ سُلْطانُهُ فالقَبْضَةُ مَجازٌ عَنِ المِلْكِ أوِ التَّصَرُّفِ كَما يُقالُ: بَلَدُ كَذا في قَبْضَةِ فُلانٍ، واليَمِينُ مَجازٌ عَنِ القُدْرَةِ التّامَّةِ، وقِيلَ: القَبْضَةُ مَجازٌ عَمّا ذَكَرَ ونَحْوَهُ والمُرادُ بِاليَمِينِ القَسَمُ أيْ والسَّماواتُ مَفْنِيّاتٌ بِسَبَبِ قَسَمِهِ تَعالى لِأنَّهُ عَزَّ وجَلَّ أقْسَمَ أنْ يُفْنِيَها، وهو مِمّا يُهْزَأُ مِنهُ لا مِمّا يُهْتَزُّ اسْتِحْسانًا لَهُ، والسَّلَفُ يَقُولُونَ أيْضًا: إنَّ الكَلامَ تَنْبِيهٌ عَلى مَزِيدِ جَلالَتِهِ تَعالى وعَظَمَتِهِ سُبْحانَهُ ورَمْزٌ إلى أنَّ آلِهَتَهم أرْضِيَّةً أمْ سَماوِيَّةً مَقْهُورَةٌ تَحْتَ سُلْطانِهِ عَزَّ وجَلَّ إلّا أنَّهم لا يَقُولُونَ: إنَّ القَبْضَةَ مَجازٌ عَنِ المِلْكِ أوِ التَّصَرُّفِ ولا اليَمِينُ مَجازٌ عَنِ القُدْرَةِ بَلْ يُنَزِّهُونَ اللَّهَ تَعالى عَنِ الأعْضاءِ والجَوارِحِ ويُؤْمِنُونَ بِما نَسَبَهُ إلى ذاتِهِ بِالمَعْنى الَّذِي أرادَهُ سُبْحانَهُ وكَذا يَفْعَلُونَ في الأخْبارِ الوارِدَةِ في هَذا المَقامِ. فَقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ. والنَّسائِيُّ وغَيْرُهم عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «جاءَ حَبْرٌ مِنَ الأحْبارِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ إنّا نَجَدُ اللَّهَ يَحْمِلُ السَّماواتِ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى أُصْبُعٍ والأرَضِينَ عَلى أُصْبُعٍ والشَّجَرَ عَلى أُصْبُعٍ والماءَ والثَّرى عَلى أُصْبُعٍ وسائِرَ الخَلْقِ عَلى أُصْبُعٍ فَيَقُولُ: أنا المَلِكُ فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتّى بَدَتْ نَواجِذُهُ تَصْدِيقًا لِقَوْلِ الحَبْرِ ثُمَّ قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ الآيَةَ،» والمُتَأوِّلُونَ يَتَأوَّلُونَ الأصابِعَ عَلى الِاقْتِدارِ وعَدَمِ الكُلْفَةِ كَما في قَوْلِ القائِلِ: أقْتُلُ زَيْدًا بِأُصْبُعِي، ويُبْعِدُ ذَلِكَ ظاهِرُ ما أخْرَجَهُ الإمامُ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ وغَيْرُهم عَنِ ابْنِ عَبّادٍ قالَ: «مَرَّ يَهُودِيٌّ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو جالِسٌ قالَ: كَيْفَ تَقُولُ يا أبا القاسِمِ إذا وضَعَ اللَّهُ السَّماواتِ عَلى ذِهِ وأشارَ بِالسَّبّابَةِ والأرَضِينَ عَلى ذِهِ والجِبالَ عَلى ذِهِ وسائِرَ الخَلْقِ عَلى ذِهِ ؟ كُلُّ ذَلِكَ يُشِيرُ بِأصابِعِهِ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾» وجَعَلَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ الإشارَةَ إعانَةً عَلى التَّمْثِيلِ والتَّخْيِيلِ. وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ رَدًّا لِلْيَهُودِيِّ حَيْثُ شَبَّهَ وذَهَبَ إلى التَّجْسِيمِ وأنَّ ضَحِكَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ المَحْكِيَّ في الخَبَرِ السّابِقِ كانَ لِلرَّدِّ أيْضًا وأنَّ «تَصْدِيقًا لَهُ» في الخَبَرِ مِن كَلامِ الرّاوِي عَلى ما فَهِمَ، ولا يَخْفى أنَّ ذَلِكَ خِلافُ الظّاهِرِ جِدًّا، وجَعَلُوا أيْضًا مِن بابِ الإعانَةِ عَلى التَّمْثِيلِ وتَخْيِيلِ العَظَمَةِ فِعْلَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حِينَ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ، فَقَدْ أخْرَجَ الشَّيْخانِ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ وجَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ««أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ ذاتَ يَوْمٍ عَلى المِنبَرِ ﴿وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ والأرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيامَةِ والسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾

صفحة 27

ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ هَكَذا بِيَدِهِ ويُحَرِّكُها يُقَبِّلُ بِها ويُدَبِّرُ يُمَجِّدُ الرَّبَّ نَفْسَهُ أنا الجَبّارُ أنا المُتَكَبِّرُ أنا المَلِكُ أنا العَزِيزُ أنا الكَرِيمُ فَرَجَفَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ المِنبَرُ حَتّى قُلْنا لَيَخِرَّنَّ بِهِ»» وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُقْسِمٍ أنَّهُ نَظَرَ إلى ابْنِ عُمَرَ كَيْفَ يَحْكِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قالَ: يَأْخُذُ اللَّهُ تَعالى سَماواتِهِ وأرَضِيَهُ بِيَدَيْهِ ويَقُولُ: أنا اللَّهُ ويَقْبِضُ أصابِعَهُ ويَبْسُطُها أنا المَلِكُ»».

وفِي شَرْحِ الصَّحِيحِ لِلْإمامِ النَّوَوِيِّ نَقْلًا عَنِ المازِرِيِّ أنَّ قَبْضَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أصابِعَهُ وبَسْطَها تَمْثِيلٌ لِقَبْضِ هَذِهِ المَخْلُوقاتِ وجَمْعِها بَعْدَ بَسْطِها وحِكايَةٌ لِلْمَبْسُوطِ المَقْبُوضِ وهو السَّماواتُ والأرَضُونَ لا إشارَةٌ إلى القَبْضِ والبَسْطِ الَّذِي هو صِفَةٌ لِلْقابِضِ والباسِطِ سُبْحانَهُ وتَعالى ولا تَمْثِيلٌ لِصِفَةِ اللَّهِ تَعالى السَّمْعِيَّةِ المُسَمّاةِ بِاليَدِ الَّتِي لَيْسَتْ بِجارِحَةٍ. انْتَهى. ثُمَّ ( إنَّ ) ظاهِرُ بَعْضِ الأخْبارِ يَقْتَضِي أنَّ قَبْضَ الأرْضِ بَعْدَ طَيِّ السَّماواتِ وأنَّهُ بِيَدٍ أُخْرى.

أخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَطْوِي اللَّهُ تَعالى السَّماواتِ يَوْمَ القِيامَةِ ثُمَّ يَأْخُذُهُنَّ بِيَدِهِ اليُمْنى ثُمَّ يَقُولُ: أنا المَلِكُ أيْنَ الجَبّارُونَ أيْنَ المُتَكَبِّرُونَ ثُمَّ يَطْوِي الأرَضِينَ بِشِمالِهِ ثُمَّ يَقُولُ: أيْنَ الجَبّارُونَ أيْنَ المُتَكَبِّرُونَ ؟»» وفي الشَّرْحِ نَقْلًا عَنِ المازِرِيِّ أيْضًا أنَّ إطْلاقَ اليَدَيْنِ لِلَّهِ تَعالى مُتَأوَّلٌ عَلى القُدْرَةِ، وكُنِّيَ عَنْ ذَلِكَ بِاليَدَيْنِ لِأنَّ أفْعالَنا تَقَعُ بِاليَدَيْنِ فَخُوطِبْنا بِما نَفْهَمُهُ لِيَكُونَ أوْضَحَ وأوْكَدَ في النُّفُوسِ، وذَكَرَ اليَمِينَ والشِّمالَ حَتّى يَتِمَّ التَّأوُّلُ لِأنّا نَتَناوَلُ بِاليَمِينِ ما نُكَرِّمُهُ وبِالشِّمالِ ما دُونَهُ ولِأنَّ اليَمِينَ في حَقِّنا تَقْوى لِما لا تَقْوى لَهُ الشِّمالُ، ومَعْلُومٌ أنَّ السَّماواتِ أعْظَمُ مِنَ الأرْضِ فَأضافَها إلى اليَمِينِ وأضافَ الأرَضِينَ إلى الشِّمالِ لِيَظْهَرَ التَّقْرِيبُ في الِاسْتِعارَةِ وإنْ كانَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لا يُوصَفُ بِأنَّ شَيْئًا أخَفُّ عَلَيْهِ مِن شَيْءٍ ولا أثْقَلُ مِن شَيْءٍ. انْتَهى. . والصُّوفِيَّةُ يَقُولُونَ بِالتَّجَلِّي الصُّورِيِّ مَعَ بَقاءِ الإطْلاقِ والتَّنْزِيهِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِلَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، والأمْرُ عَلَيْهِ سَهْلٌ جِدًّا. ثُمَّ ( إنَّ ) التَّصَرُّفُ في الأرْضِ والسَّماواتِ يَكُونُ والنّاسُ عَلى الصِّراطِ كَما جاءَ في خَبَرٍ رَواهُ مُسْلِمٌ عَنْ عائِشَةَ مَرْفُوعًا، ورُوِيَ أيْضًا عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: ««تَكُونُ الأرْضُ يَوْمَ القِيامَةِ خُبْزَةً واحِدَةً يَكْفَؤُها الجَبّارُ بِيَدِهِ كَما يَكْفَأُ أحَدُكم خُبْزَتَهُ في السَّفَرِ نُزُلًا لِأهْلِ الجَنَّةِ»» والكَلامُ في هَذا الخَبَرِ كالكَلامِ في نَظائِرِهِ، وإيّاكَ مِنَ التَّشْبِيهِ والتَّجْسِيمِ، وكَذا مِن نِسْبَةِ ذَلِكَ إلى السَّلَفِ ولا تَكُ كالمُعْتَزِلَةِ في التَّحامُلِ عَلَيْهِمْ والوَقِيعَةِ فِيهِمْ، ويَكْفِي دَلِيلًا عَلى جَهْلِ المُعْتَزِلَةِ بِرَبِّهِمْ زَعْمُهم أنَّهُ عَزَّ وجَلَّ فَوَّضَ العِبادَ فَهم يَفْعَلُونَ ما لا يَشاءُ ويَشاءُ ما لا يَفْعَلُونَ ﴿سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ أيْ أبْعِدْ مَن هَذِهِ قُدْرَتُهُ وعَظَمَتُهُ عَنْ إشْراكِهِمْ أوْ عَمّا يُشْرِكُونَهُ مِنَ الشُّرَكاءِ - فَسُبْحانَ - لِلتَّعَجُّبِ وتَتَعَلَّقُ بِهِ ( عَنْ ) بِالتَّأْوِيلِ بِما ذُكِرَ و( ما ) تَحْتَمِلُ المَصْدَرِيَّةَ والمَوْصُولِيَّةَ

39:68Страница 466

وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلۡأَرۡضِ إِلَّا مَن شَآءَ ٱللَّهُۖ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخۡرَىٰ فَإِذَا هُمۡ قِيَامٞ يَنظُرُونَ ٦٨

Но подуют в Рог, и тогда потеряют сознание (или умрут) те, кто на небесах, и те, кто на земле, кроме тех, кого Аллах пожелает оставить. Потом в нее подуют еще раз, и тогда они встанут и будут смотреть.

﴿ونُفِخَ في الصُّورِ﴾ المَشْهُورُ أنَّ النّافِخَ فِيهِ مَلَكٌ واحِدٌ وأنَّهُ إسْرافِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَلْ حَكى القُرْطُبِيُّ الإجْماعَ عَلَيْهِ. وفي حَدِيثٍ أخْرَجَهُ ابْنُ ماجَهْ والبَزّارُ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ مَرْفُوعًا «أنَّ النّافِخَ اثْنانِ»، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا أخْبارٌ أُخَرُ، مِنها ما أخْرَجَهُ أحْمَدُ. والحاكِمُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: ««النّافِخانِ في السَّماءِ الثّانِيَةِ رَأْسُ أحَدِهِما بِالمَشْرِقِ ورِجْلاهُ بِالمَغْرِبِ يَنْتَظِرانِ مَتى يُؤْمَرانِ أنْ يَنْفُخا في الصُّورِ فَيَنْفُخا»» وفي بَعْضِ الآثارِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ واحِدٌ وأنَّهُ شاخِصٌ بِبَصَرِهِ أيْ إسْرافِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ ما طَرَفَ مُنْذُ خَلَقَهُ اللَّهُ تَعالى يَنْتَظِرُ حَتّى يُشِيرَ إلَيْهِ فَيُنْفَخَ في الصُّورِ. والصُّورُ قَرْنٌ عَظِيمٌ فِيهِ ثُقُبٌ بِعَدَدِ كُلِّ رُوحٍ مَخْلُوقَةٍ ونَفْسٍ مَنفُوسَةٍ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ

صفحة 28

عَنْ وهْبٍ أنَّهُ مِن لُؤْلُؤَةٍ بَيْضاءَ في صَفاءِ الزُّجاجَةِ بِهِ ثُقُبٌ دَقِيقَةٌ بِعَدَدِ الأرْواحِ وفي وسَطِهِ كُوَّةٌ كاسْتِدارَةِ السَّماءِ والأرْضِ ونَحْنُ نُؤْمِنُ بِهِ ونُفَوِّضُ كَيْفِيَّتَهُ إلى عَلّامِ الغُيُوبِ جَلَّ شَأْنُهُ. وأنْكَرَ بَعْضُهم ذَلِكَ وقالَ: هو جَمْعُ صُورَةٍ كَما في قِراءَةِ قَتادَةَ وزَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ «فِي الصُّوَرِ» بِفَتْحِ الواوِ وقَدْ مَرَّ الكَلامُ في ذَلِكَ، والتَّعْبِيرُ بِالماضِي لِتَحَقُّقِ الوُقُوعِ، وبُنِيَ الفِعْلُ لِلْمَفْعُولِ لِعَدَمِ تَعَلُّقِ الغَرَضِ بِالفاعِلِ بَلِ الغَرَضُ إفادَةُ هَذا الفِعْلِ مِن أيِّ فاعِلٍ كانَ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ووَقَعَ النَّفْخُ في الصُّورِ ﴿فَصَعِقَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ﴾ أيْ ماتُوا بِسَبَبِ ذَلِكَ، ويُحْتَمَلُ أنَّهم يُغْشى عَلَيْهِمْ أوَّلًا ثُمَّ يَمُوتُونَ، فَفي الأساسِ صَعِقَ الرَّجُلُ إذا غُشِيَ عَلَيْهِ مِن هَدَّةٍ أوْ صَوْتٍ شَدِيدٍ يَسْمَعُهُ وصَعِقَ إذا ماتَ.

وفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِن حَدِيثٍ طَوِيلٍ فِيهِ ذِكْرُ الدَّجّالِ ««ثُمَّ يُنْفَخُ في الصُّورِ فَلا يَسْمَعُهُ أحَدٌ إلّا أصْغى لِيتًا ورَفَعَ لِيتًا فَأوَّلُ مَن يَسْمَعُهُ رَجُلٌ يَلُوطُ حَوْضَ إبِلِهِ فَيَصْعَقُ ويَصْعَقُ النّاسُ»» وقُرِئَ «فَصُعِقَ» بِضَمِّ الصّادِ ﴿إلا مَن شاءَ اللَّهُ﴾ قالَ السُّدِّيُّ: جِبْرِيلُ وإسْرافِيلُ ومِيكائِيلُ ومَلَكُ المَوْتِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وقِيلَ: هم وحَمَلَةُ العَرْشِ فَإنَّهم يَمُوتُونَ بَعْدُ، وفي تَرْتِيبِ مَوْتِهِمُ اضْطِرابٌ مَذْكُورٌ في الدُّرِّ المَنثُورِ، وقِيلَ: رِضْوانُ والحُورُ ومالِكٌ والزَّبانِيَةُ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الضَّحّاكِ، وقِيلَ: مَن ماتَ قَبْلَ ذَلِكَ أيْ يَمُوتُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ إلّا مَن سَبَقَ مَوْتُهُ لِأنَّهم كانُوا قَدْ ماتُوا قالَ في البَحْرِ: وهَذا نَظِيرُ ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ إلا المَوْتَةَ الأُولى﴾ [الدُّخانَ: 56] ومِنَ الغَرِيبِ ما حُكِيَ فِيهِ أنَّ المُسْتَثْنى هو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، ولا يَخْفى عَلَيْكَ حالُهُ مُتَّصِلًا كانَ الِاسْتِثْناءُ أمْ مُنْقَطِعًا، وقِيلَ: هو مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وسَيَأْتِي الكَلامُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في تَحْقِيقِ ذَلِكَ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.

ويُرادُ بِالسَّماواتِ عَلى أكْثَرِ الأقْوالِ جِهَةُ العُلُوِّ وإلّا لَمْ يَتَّصِلِ الِاسْتِثْناءُ فَإنَّ حَمَلَةَ العَرْشِ مَثَلًا لَيْسُوا في السَّماواتِ بِالمَعْنى المَعْرُوفِ، وقِيلَ: إنَّهُ لَمْ يَرِدْ في التَّعْيِينِ خَبَرٌ صَحِيحٌ ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ﴾ أيْ في الصُّورِ وهو ظاهِرٌ في أنَّهُ لَيْسَ بِجَمْعٍ وإلّا لَقِيلَ فِيها ﴿أُخْرى﴾ أيْ نَفْخَةٌ أُخْرى، وهو يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالأوَّلِ ونُفِخَ في الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ كَما صَرَّحَ بِهِ في مَواضِعَ لِأنَّ العَطْفَ يَقْتَضِي المُغايَرَةَ فَلَوْ أُرِيدَ المُطْلَقُ الشّامِلُ لِلْأُخْرى لَمْ يَكُنْ لِذِكْرِها ها هُنا وجْهٌ، ( وأُخْرى ) تَحْتَمِلُ النَّصْبَ عَلى أنَّها صِفَةُ مَصْدَرٍ مُقَدَّرٍ أيْ نَفْخَةٌ أُخْرى، والرَّفْعَ عَلى أنَّها صِفَةٌ لِنائِبِ الفاعِلِ، وعَلى الأوَّلِ كانَ النّائِبُ عَنْهُ الظَّرْفَ. وصَحَّ في صَحِيحَيِ البُخارِيِّ ومُسْلِمٍ «أنَّ اللَّهَ تَعالى يُنْزِلُ بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ ماءً مِنَ السَّماءِ».

جاءَ في بَعْضِ الرِّواياتِ أنَّهُ كالطَّلِّ بِالمُهْمَلَةِ وفي بَعْضِها كَمَنِيِّ الرِّجالِ فَتَنْبُتُ مِنهُ أجْسادُ النّاسِ وإنَّ بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أرْبَعِينَ وهَذا عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا ولَمْ يُبَيِّنْ فِيهِ ما هَذِهِ الأرْبَعُونَ.

وفِي حَدِيثٍ أخْرَجَهُ أبُو داوُدَ أنَّها أرْبَعُونَ عامًا، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ العاصِ قالَ: يُنْفَخُ في الصُّورِ النَّفْخَةُ الأُولى مِن بابِ إيلِياءَ الشَّرْقِيِّ أوْ قالَ الغَرْبِيُّ والنَّفْخَةُ الثّانِيَةُ مِن بابٍ آخَرَ ﴿فَإذا هم قِيامٌ﴾ قائِمُونَ مِن قُبُورِهِمْ ﴿يَنْظُرُونَ﴾ أيْ يَنْتَظِرُونَ ما يُؤْمَرُونَ أوْ يَنْتَظِرُونَ ماذا يُفْعَلُ بِهِمْ، وقِيلَ: يُقَلِّبُونَ أبْصارَهم في الجِهاتِ نَظَرَ المَبْهُوتِ إذا فاجَأهُ خَطْبٌ عَظِيمٌ. وتُعُقِّبُ بِأنَّ قَوْلَهم عِنْدَ قِيامِهِمْ ﴿مَن بَعَثَنا مَن مَرْقَدِنا﴾ يَأْباهُ ظاهِرًا نَوْعُ إباءٍ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ قِيامٌ مِنَ القِيامِ مُقابِلَ الحَرَكَةِ أيْ فَإذا هم مُتَوَقِّفُونَ جامِدُونَ في أمْكِنَتِهِمْ لِتَحَيُّرِهِمْ. واعْتُرِضَ بِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ونُفِخَ في الصُّورِ فَإذا هم مِنَ الأجْداثِ إلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ [يس: 51] ظاهِرٌ في خِلافِهِ لِأنَّ النَّسْلَ الإسْراعُ

صفحة 29

فِي المَشْيِ، وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ سِراعًا كَأنَّهم إلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ [المَعارِجَ: 43] وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ «قِيامًا» بِالنَّصْبِ عَلى أنَّ جُمْلَةَ ( يَنْظُرُونَ ) خَبَرُهم «وقِيامًا» حالٌ مِن ضَمِيرِ ( يَنْظُرُونَ ) قُدِّمَ لِلْفاصِلَةِ، أوْ مِنَ المُبْتَدَأِ عِنْدَ مَن يُجَوِّزُ ذَلِكَ. وفي البَحْرِ النَّصْبُ عَلى الحالِ وخَبَرُ المُبْتَدَأِ الظَّرْفُ الَّذِي هو ( إذا ) الفُجائِيَّةُ وهي حالٌ لا بُدَّ مِنها إذْ هي مَحَطُّ الفائِدَةِ إلّا أنْ يُقَدَّرَ الخَبَرُ مَحْذُوفًا أيْ فَإذا هم مَبْعُوثُونَ أوْ مَوْجُودُونَ قِيامًا، وإذا نُصِبَ «قِيامًا» عَلى الحالِ فالعامِلُ فِيها ذَلِكَ الخَبَرُ المَحْذُوفُ إنْ قُلْنا بِهِ وإلّا فالعامِلُ هو العامِلُ في الظَّرْفِ فَإنْ كانَ ( إذا ) ظَرْفَ مَكانٍ عَلى ما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ كَلامِ سِيبَوَيْهِ فَتَقْدِيرُهُ فَبِالحَضْرَةِ هم قِيامًا، وإنْ كانَ ظَرْفَ زَمانٍ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الرَّيّاشِيُّ فَتَقْدِيرُهُ فَفي ذَلِكَ الزَّمانِ الَّذِي نُفِخَ فِيهِ هم أيْ وُجُودُهم، واحْتِيجَ إلى تَقْدِيرِهِ هَذا المُضافُ لِأنَّ ظَرْفَ الزَّمانِ لا يَكُونُ خَبَرًا عَنِ الجُثَّةِ، وإنْ كانَتْ ( إذا ) حَرْفًا كَما زَعَمَ الكُوفِيُّونَ فَلا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ الخَبَرِ إلّا إنِ اعْتَقَدْنا أنَّ ( يَنْظُرُونَ ) هو الخَبَرُ ويَكُونُ عامِلًا في الحالِ. انْتَهى. . ولَعَمْرِي ( إنَّ ) مَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ أقَلُّ تَكَلُّفًا، هَذا وها هُنا إشْكالٌ بِناءً عَلى أنَّهم فَسَّرُوا نَفْخَةَ الصَّعْقِ بِالنَّفْخَةِ الأُولى الَّتِي يَمُوتُ بِها مَن بَقِيَ عَلى وجْهِ الأرْضِ. فَإنَّهُ قَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ ماجَهْ والإمامُ أحْمَدُ وغَيْرُهم عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: ««قالَ رَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ بِسُوقِ المَدِينَةِ: والَّذِي اصْطَفى مُوسى عَلى البَشَرِ فَرَفَعَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ يَدَهُ فَلَطَمَهُ قالَ: أتَقُولُ هَذا وفِينا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ؟ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقالَ: قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ونُفِخَ في الصُّورِ فَصَعِقَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ إلا مَن شاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإذا هم قِيامٌ يَنْظُرُونَ﴾ فَأكُونُ أوَّلَ مَن يَرْفَعُ رَأْسَهُ فَإذا أنا بِمُوسى آخِذٍ بِقائِمَةٍ مِن قَوائِمِ العَرْشِ فَلا أدْرِي أرَفَعَ رَأْسَهُ قَبْلِي أوْ كانَ مِمَّنِ اسْتَثْنى اللَّهُ تَعالى»» وهو يَأْبى تَفْسِيرُ النَّفْخَةِ بِذَلِكَ ضَرُورَةَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ ماتَ قَبْلَ تِلْكَ النَّفْخَةِ بِأُلُوفِ سِنِينَ، واحْتِمالُ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَمُتْ كَما قِيلَ في الخَضِرِ وإلْياسَ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يَتَفَوَّهَ بِهِ حَيٌّ، ويَدُلَّ كَما قالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: عَلى أنَّها نَفْخَةُ البَعْثِ.

وقالَ القاضِي عِياضٌ: يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ صَعْقَةَ فَزَعٍ بَعْدَ النَّشْرِ حِينَ تَنْشَقُّ السَّماواتُ فَتَتَوافَقُ الآياتُ والأحادِيثُ وتَكُونُ النَّفَخاتُ ثَلاثًا وهو اخْتِيارُ ابْنِ العَرَبِيِّ. ورَدَّهُ القُرْطُبِيُّ بِأنَّ أخْذَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِقائِمَةِ العَرْشِ إنَّما هو عِنْدَ نَفْخَةِ البَعْثِ وادَّعى أنَّ الصَّحِيحَ أنْ لَيْسَ إلّا نَفْخَتانِ لا ثَلاثَ ولا أرْبَعَ كَما قِيلَ.

ثُمَّ قالَ: والَّذِي يُزِيحُ الإشْكالَ ما قالَ بَعْضُ مَشايِخِنا: إنَّ المَوْتَ لَيْسَ بِعَدَمٍ مَحْضٍ بِالنِّسْبَةِ لِلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ والشُّهَداءِ فَإنَّهم مَوْجُودُونَ أحْياءً وإنْ لَمْ نَرَهم فَإذا نُفِخَتْ نَفْخَةُ الصَّعْقِ صُعِقَ كُلُّ مَن في السَّماءِ والأرْضِ وصَعْقَةُ غَيْرِ الأنْبِياءِ مَوْتٌ وصَعْقَتُهم غَشْيٌ فَإذا كانَتْ نَفْخَةُ البَعْثِ عاشَ مَن ماتَ وأفاقَ مَن غُشِيَ عَلَيْهِ، ولِذا وقَعَ في الصَّحِيحَيْنِ «فَأكُونُ أوَّلَ مَن يُفِيقُ» . انْتَهى. ولا يَخْفى أنَّهُ يَحْتاجُ إلى القَوْلِ بِجَوازِ اسْتِعْمالِ المُشْتَرَكِ في مَعْنَيَيْهِ مَعًا أوْ إلى ارْتِكابِ عُمُومِ المَجازِ أوِ التِزامِ إرادَةِ غَشْيٍ عَلَيْهِمْ وأنَّ مَوْتَ مَن يَمُوتُ بَعْدَ الغَشْيِ مُفادٌ مِن أمْرٍ آخَرَ فَتَدَبَّرْ.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English