Аль-Алуси · Тафсир · на арабском
Ан-Ниса 4:125–126
4:125Страница 98
وَمَنۡ أَحۡسَنُ دِينٗا مِّمَّنۡ أَسۡلَمَ وَجۡهَهُۥ لِلَّهِ وَهُوَ مُحۡسِنٞ وَٱتَّبَعَ مِلَّةَ إِبۡرَٰهِيمَ حَنِيفٗاۗ وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبۡرَٰهِيمَ خَلِيلٗا ١٢٥
Чья религия может быть прекраснее религии того, кто покорил свой лик Аллаху, творя добро, и последовал за верой Ибрахима (Авраама), ханифа? Ведь Аллах сделал Ибрахима (Авраама) Своим возлюбленным.
﴿ومَن أحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ﴾ أيْ: أخْلَصَ نَفْسَهُ لَهُ تَعالى، لا يَعْرِفُ لَها رَبًّا سِواهُ، وقِيلَ: أخْلَصَ تَوَجُّهَهُ لَهُ سُبْحانَهُ، وقِيلَ: بَذَلَ لَهُ وجْهَهُ - عَزَّ وجَلَّ - في السُّجُودِ، والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ، وهو في مَعْنى النَّفْيِ، والمَقْصُودُ مَدْحُ مَن فَعَلَ ذَلِكَ عَلى أتَمِّ وجْهٍ و(دِينًا) نُصِبَ عَلى التَّمْيِيزِ مِن (أحْسَنُ) مَنقُولٌ مِنَ المُبْتَدَأِ، والتَّقْدِيرُ: ومَن دِينُهُ أحْسَنُ مِن دِينِ مَن أسْلَمَ، إلَخْ، فَيَؤُولُ الكَلامُ إلى تَفْضِيلِ دِينٍ عَلى دِينٍ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ صَرْفَ العَبْدِ نَفْسَهُ بِكُلِّيَّتِها لِلَّهِ تَعالى أعْلى المَراتِبِ الَّتِي تَبْلُغُها القُوَّةُ البَشَرِيَّةُ، و(مِمَّنْ) مُتَعَلِّقٌ بِـ(أحْسَنُ) وكَذا الِاسْمُ الجَلِيلُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِن (وجْهَهُ).
﴿وهُوَ مُحْسِنٌ﴾ أيْ: آتٍ بِالحَسَناتِ، تارِكٌ لِلسَّيِّئاتِ، أوْ آتٍ بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ عَلى الوَجْهِ اللّائِقِ الَّذِي هو حُسْنُها الوَصْفِيُّ المُسْتَلْزِمُ لِحُسْنِها الذّاتِيِّ، وقَدْ صَحَّ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ سُئِلَ عَنِ الإحْسانِ؟ فَقالَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: ««أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ، فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ»» وقِيلَ: الأظْهَرُ أنْ يُقالَ: المُرادُ (وهُوَ مُحْسِنٌ) في عَقِيدَتِهِ، وهو مُرادُ مَن قالَ: أيْ: وهو مُوَحِّدٌ، وعَلى هَذا فالأوْلى أنْ يُفَسَّرَ إسْلامُ الوَجْهِ لِلَّهِ تَعالى بِالِانْقِيادِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ بِالأعْمالِ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن فاعِلِ (أسْلَمَ).
﴿واتَّبَعَ مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾ المُوافِقَةَ لِدِينِ الإسْلامِ، المُتَّفَقِ عَلى صِحَّتِها، وهَذا عَطْفٌ عَلى (أسْلَمَ) وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿حَنِيفًا﴾ أيْ: مائِلًا عَنِ الأدْيانِ الزّائِغَةِ، حالٌ مِن (إبْراهِيمَ)، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِن فاعِلِ (اتَّبَعَ).
﴿واتَّخَذَ اللَّهُ إبْراهِيمَ خَلِيلا﴾ تَذْيِيلٌ جِيءَ بِهِ لِلتَّرْغِيبِ في اتِّباعِ مِلَّتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - والإيذانِ بِأنَّهُ نِهايَةٌ في الحُسْنِ، وإظْهارُ اسْمِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - تَفْخِيمًا لَهُ وتَنْصِيصًا عَلى أنَّهُ المَمْدُوحُ، ولا يَجُوزُ العَطْفُ خِلافًا لِمَن زَعَمَهُ عَلى و(مَن أحْسَنُ) إلَخْ، سَواءٌ كانَ اسْتِطْرادًا أوِ اعْتِراضًا، وتَوْكِيدًا لِمَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ﴾ وبَيانًا لِأنَّ الصّالِحاتِ ما هِيَ؟ وأنَّ المُؤْمِنَ مَن هو لِفَقْدِ المُناسِبَةِ، والجامِعُ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ وأدائِهِ ما يُؤَدِّيهِ مِنَ التَّوْكِيدِ والبَيانِ، ولا عَلى صِلَةِ (مَن) لِعَدَمِ صُلُوحِهِ لَها، وعَدَمُ صِحَّةِ عْطَفِهِ عَلى ﴿وهُوَ مُحْسِنٌ﴾ أظْهَرُ مِن أنْ يَخْفى، وجَعْلُ الجُمْلَةِ حالِيَّةً بِتَقْدِيرٍ قَدْ خِلافُ الظّاهِرِ، والعَطْفُ عَلى ﴿حَنِيفًا﴾ لا يَصِحُّ إلّا بِتَكَلُّفٍ، والخَلِيلُ مُشْتَقٌّ مِنَ الخُلَّةِ بِضَمِّ الخاءِ، وهي إمّا مِنَ الخِلالِ بِكَسْرِ الخاءِ؛ فَإنَّها مَوَدَّةٌ تَتَخَلَّلُ النَّفْسَ وتُخالِطُها مُخالَطَةً مَعْنَوِيَّةً، فالخَلِيلُ مَن بَلَغَتْ مَوَدَّتُهُ هَذِهِ المَرْتَبَةَ، كَما قالَ:
قَدْ تَخَلَّلْتَ مَسْلَكَ الرُّوحِ مِنِّي ولِذا سُمِّيَ الخَلِيلُ خَلِيلًا
فَإذا ما نَطَقْتُ كُنْتَ حَدِيثِي ∗∗∗ وإذا ما سَكَتُّ كُنْتَ الغَلِيلا
وإمّا مِنَ الخَلَلِ - كَما قِيلَ - عَلى مَعْنى أنَّ كُلًّا مِنَ الخَلِيلَيْنِ يُصْلِحُ خَلَلَ الآخَرِ، وإمّا مِنَ الخَلِّ بِالفَتْحِ، وهو الطَّرِيقُ
صفحة 155
فِي الرَّمْلِ؛ لِأنَّهُما يَتَوافَقانِ عَلى طَرِيقَةٍ، وإمّا مِنَ الخَلَّةِ بِفَتْحِ الخاءِ بِمَعْنى الخَصْلَةِ والخُلُقِ؛ لِأنَّهُما يَتَوافَقانِ في الخِصال والأخْلاقِ، وقَدْ جاءَ: ««المَرْءُ عَلى دِينِ خَلِيلِهِ فَلْيَنْظُرْ أحَدُكم مَن يُخالِلُ»» أوْ بِمَعْنى الفَقْرِ والحاجَةِ؛ لِأنَّ كُلًّا مِنهُما مُحْتاجٌ إلى وِصالِ الآخَرِ، غَيْرُ مُسْتَغْنٍ، وإطْلاقُهُ عَلى إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قِيلَ: لِأنَّ مَحَبَّةَ اللَّهِ تَعالى قَدْ تَخَلَّلَتْ نَفْسَهُ وخالَطَتْها مُخالَطَةً تامَّةَ، أوْ لِتَخَلُّقِهِ بِأخْلاقِ اللَّهِ تَعالى، ومِن هُنا كانَ يُكْرِمُ الضَّيْفَ، ويُحْسِنُ إلَيْهِ، ولَوْ كانَ كافِرًا، فَإنَّ مِن صِفاتِ اللَّهِ تَعالى الإحْسانَ إلى البَرِّ والفاجِرِ، وفي بَعْضِ الآثارِ - ولَسْتُ عَلى يَقِينٍ في صِحَّتِهِ -: «أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ نَزَلَ بِهِ ضَيْفٌ مِن غَيْرِ أهْلِ مِلَّتِهِ، فَقالَ لَهُ: وحِّدِ اللَّهَ تَعالى حَتّى أُضَيِّفَكَ وأُحْسِنَ إلَيْكَ، فَقالَ: يا إبْراهِيمُ مِن أجْلِ لُقْمَةٍ أتْرُكُ دِينِي ودِينِ آبائِي، فانْصَرَفَ عَنْهُ، فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ: يا إبْراهِيمُ صَدَقَكَ! لِي سَبْعُونَ سَنَةً أرْزُقُهُ وهو يُشْرِكُ بِي، وتُرِيدُ أنْتَ مِنهُ أنْ يَتْرُكَ دِينَهُ ودِينَ آبائِهِ لِأجْلِ لُقْمَةٍ، فَلَحِقَهُ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وسَألَهُ الرُّجُوعَ إلَيْهِ لِيُقْرِيَهُ، واعْتَذَرَ إلَيْهِ، فَقالَ لَهُ المُشْرِكُ: يا إبْراهِيمُ ما بَدا لَكَ؟ فَقالَ: إنَّ رَبِّي عَتَبَنِي فِيكَ، وقالَ: أنا أرْزُقُهُ مُنْذُ سَبْعِينَ سَنَةً عَلى كُفْرِهِ بِي، وأنْتَ تُرِيدُ أنْ يَتْرُكَ دِينَهُ ودِينَ آبائِهِ لِأجْلِ لُقْمَةٍ؟! فَقالَ المُشْرِكُ: أوَقَدْ وقَعَ هَذا؟! مِثْلُ هَذا يَنْبَغِي أنْ يُعْبَدَ، فَأسْلَمَ ورَجَعَ مَعَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى مَنزِلِهِ».
ثُمَّ عَمَّتْ بَعْدُ كَرامَتُهُ خَلْقَ اللَّهِ تَعالى مِن كُلِّ وارِدٍ ورَدَ عَلَيْهِ، فَقِيلَ لَهُ ذَلِكَ، فَقالَ: تَعَلَّمْتُ الكَرَمَ مِن رَبِّي، رَأيْتُهُ لا يُضَيِّعُ أعْداءَهُ فَلا أُضَيِّعُهم أنا، فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ: أنْتَ خَلِيلِي حَقًّا.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في (الشُّعَبِ) عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««يا جِبْرِيلُ لِمَ اتَّخَذَ اللَّهُ تَعالى إبْراهِيمَ خَلِيلًا؟ قالَ: لِإطْعامِهِ الطَّعامَ يا مُحَمَّدُ»» وقِيلَ - واخْتارَهُ البَلْخِيُّ والفَرّاءُ - لِإظْهارِهِ الفَقْرَ والحاجَةَ إلى اللَّهِ تَعالى، وانْقِطاعِهِ إلَيْهِ، وعَدَمِ الِالتِفاتِ إلى مَن سِواهُ، كَما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ لِجِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - حِينَ قالَ لَهُ يَوْمَ أُلْقِيَ في النّارِ: ألَكَ حاجَةٌ؟ «أمّا إلَيْكَ فَلا» ثُمَّ قالَ: حَسْبِيَ اللَّهُ ونَعِمَ الوَكِيلُ، وقِيلَ في وجْهِ تَسْمِيَتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - خَلِيلَ اللَّهِ غَيْرُ ذَلِكَ، والمَشْهُورُ أنَّ الخَلِيلَ دُونَ الحَبِيبِ.
وأُيِّدَ بِما أخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - قالَ: ««جَلَسَ ناسٌ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ يَنْتَظِرُونَهُ فَخَرَجَ، حَتّى إذا دَنا مِنهم سَمِعَهم يَتَذاكَرُونَ، فَسَمِعَ حَدِيثَهُمْ، وإذا بَعْضُهم يَقُولُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى اتَّخَذَ مِن خَلْقِهِ خَلِيلًا، فَإبْراهِيمُ خَلِيلُهُ، وقالَ آخَرُ: ماذا بِأعْجَبَ مِن أنَّ كَلَّمَ اللَّهُ تَعالى مُوسى تَكْلِيمًا، وقالَ آخَرُ فَعِيسى رُوحُ اللَّهِ تَعالى وكَلِمَتُهُ، وقالَ آخَرُ: آدَمُ اصْطَفاهُ اللَّهُ تَعالى، فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ فَسَلَّمَ، فَقالَ: قَدْ سَمِعْتُ كَلامَكم وعَجَبَكُمْ، إنَّ إبْراهِيمَ خَلِيلُ اللَّهِ تَعالى وهو كَذَلِكَ، ومُوسى كَلِيمُهُ، وعِيسى رُوحُهُ وكَلِمَتُهُ، وآدَمَ اصْطَفاهُ اللَّهُ تَعالى وهو كَذَلِكَ، ألا وإنِّي حَبِيبُ اللَّهِ تَعالى ولا فَخْرَ، وأنا أوَّلُ شافِعٍ ومُشَفَّعٍ ولا فَخْرَ، وأنا أوَّلُ مَن يُحَرِّكُ حِلَقَ الجَنَّةِ فَيَفْتَحُها اللَّهُ تَعالى فَيَدْخُلُها مَعِيَ فُقَراءُ المُؤْمِنِينَ ولا فَخْرَ، وأنا أكْرَمُ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ يَوْمَ القِيامَةِ ولا فَحْرَ»».
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ في (نَوادِرِ الأُصُولِ) والبَيْهَقِيُّ في (الشُّعَبِ) وضَعَّفَهُ، وابْنُ عَساكِرَ، والدَّيْلَمِيُّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««اتَّخَذَ اللَّهُ تَعالى إبْراهِيمَ خَلِيلًا، ومُوسى نَجِيًّا، واتَّخَذَنِي حَبِيبًا، ثُمَّ قالَ: وعِزَّتِي لَأُوثِرَنَّ حَبِيبِي عَلى خَلِيلِي ونَجِيِّ»،» والظّاهِرُ مِن كَلامِ المُحَقِّقِينَ أنَّ الخُلَّةَ مَرْتَبَةُ مِن مَراتِبِ المَحَبَّةِ، وأنَّ المَحَبَّةَ أوْسَعُ دائِرَةً، وأنَّ مِن مَراتِبِها ما لا تَبْلُغُهُ أُمْنِيَةُ الخَلِيلِ، عَلَيْهِ السَّلامُ، وهي المَرْتَبَةُ الثّابِتَةُ لَهُ ﷺ، وأنَّهُ قَدْ حَصَلَ لِنَبِيِّنا - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مِن مَقامِ الخُلَّةِ ما لَمْ يَحْصُلْ لِأبِيهِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وفي الفَرْعِ مافِي الأصْلِ وزِيادَةٌ، ويُرْشِدُكَ إلى ذَلِكَ أنَّ التَّخَلُّقَ بِأخْلاقِ اللَّهِ تَعالى الَّذِي هو مِن آثارِ الخُلَّةِ عِنْدَ أهْلِ الِاخْتِصاصِ أظْهَرُ وأتَمُّ في نَبِيِّنا ﷺ مِنهُ في إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَقَدْ صَحَّ أنَّ خُلُقَهُ القُرْآنُ، وجاءَ عَنْهُ
صفحة 156
صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهُ قالَ: ««بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكارِمَ الأخْلاقِ»» وشَهِدَ اللَّهُ تَعالى لَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ ومُنْشَأُ إكْرامِ الضَّيْفِ الرَّحْمَةُ، وعَرْشُها المُحِيطُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَما يُؤْذِنُ بِذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْناكَ إلا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ ولِهَذا كانَ الخاتَمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
وقَدْ رَوى الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ جُنْدُبٍ: «أنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ قَبْلَ أنْ يُتَوَفّى: «إنَّ اللَّهَ تَعالى اتَّخَذَنِي خَلِيلًا كَما اتَّخَذَ إبْراهِيمَ خَلِيلًا»» والتَّشْبِيهُ عَلى حَدِّ ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ في رَأْيٍ، وقِيلَ: إنَّ (يُتَوَفّى) لا دَلالَةَ فِيهِ عَلى أنَّ مَقامَ الخُلَّةِ بَعْدَ مَقامِ المُحِبَّةِ كَما لا يَخْفى.
وفِي لَفْظِ الحُبِّ والخُلَّةِ ما يَكْفِي العارِفَ في ظُهُورِ الفَرْقِ بَيْنَهُما، ويُرْشِدُهُ إلى مَعْرِفَةِ أنَّ أيَّ الدّائِرَتَيْنِ أوْسَعُ، وذَهَبَ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ الفُضَلاءِ إلى أنَّ الآيَةَ مِن بابِ الِاسْتِعارَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ لِتَنَزُّهِهِ تَعالى عَنْ صاحِبٍ وخَلِيلٍ، والمُرادُ اصْطَفاهُ وخَصَّصَهُ بِكَرامَةٍ تُشْبِهُ كَرامَةَ الخَلِيلِ عِنْدَ خَلِيلِهِ، وأمّا في الخَلِيلِ وحْدَهُ فاسْتِعارَةٌ تَصْرِيحِيَّةٌ عَلى ما نَصَّ عَلَيْهِ الشِّهابُ، إلّا أنَّهُ صارَ بَعْدُ عَلَمًا عَلى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
وادَّعى بَعْضُهم أنَّهُ لا مانِعَ مِن وصْفِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِالخَلِيلِ حَقِيقَةً، عَلى مَعْنى الصّادِقِ، أوْ مَن أصْفى المَوَدَّةَ وأصَحَّها، أوْ نَحْوُ ذَلِكَ، وعَدَمُ إطْلاقِ الخَلِيلِ عَلى غَيْرِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مَعَ أنَّ مَقامَ الخُلَّةِ بِالمَعْنى المَشْهُورِ عِنْدَ العارِفِينَ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِهِ بَلْ كُلُّ نَبِيٍّ خَلِيلُ اللَّهِ تَعالى إمّا لِأنَّ ثُبُوتَ ذَلِكَ المَقامِ لَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -عَلى وجْهٍ لَمْ يَثْبُتْ لِغَيْرِهِ - كَما قِيلَ - وإمّا لِزِيادَةِ التَّشْرِيفِ والتَّعْظِيمِ كَما نَقُولُ، واعْتَرَضَ بَعْضُ النَّصارى بِأنَّهُ إذا جازَ إطْلاقُ الخَلِيلِ عَلى إنْسانٍ تَشْرِيفًا فَلِمَ لَمْ يَجُزْ إطْلاقُ الِابْنِ عَلى آخَرَ لِذَلِكَ؟! وأُجِيبَ بِأنَّ الخُلَّةَ لا تَقْتَضِي الجِنْسِيَّةَ بِخِلافِ البُنُوَّةِ فَإنَّها تَقْتَضِيها قَطْعًا، واللَّهُ تَعالى هو المُنَزَّهُ عَنْ مُجانَسَةِ المُحْدَثاتِ.
4:126Страница 98
وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٖ مُّحِيطٗا ١٢٦
Аллаху принадлежит то, что на небесах, и то, что на земле. Аллах объемлет всякую вещь.
﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ﴾ عَلى أنَّهُ كالتَّعْلِيلِ لِوُجُوبِ العَمَلِ، وما بَيْنَهُما مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ومَن أحْسَنُ دِينًا﴾ اعْتِراضٌ، أيْ: إنَّ جَمِيعَ ما في العُلُوِّ والسُّفْلِ مِنَ المَوْجُوداتِ لِلَّهِ تَعالى خَلْقًا ومِلْكًا لا يَخْرُجُ مِن مَلَكُوتِهِ شَيْءٌ مِنها، فَيُجازِي كُلًّا بِمُوجَبِ أعْمالِهِ إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ، وأنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِقَوْلِهِ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿واتَّخَذَ اللَّهُ﴾ إلَخْ، بِناءً عَلى أنَّ مَعْناهُ اخْتارَهُ واصْطَفاهُ، أيْ: هو مالِكٌ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ فَيَخْتارُ مَن يُرِيدُهُ مِنهم كَإبْراهِيمَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - فَهو لِبَيانِ أنَّ اصْطَفاءَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِمَحْضِ مَشِيئَتِهِ تَعالى.
وقِيلَ: لِبَيانِ أنَّ اتِّخاذَهُ تَعالى إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -خَلِيلًا لَيْسَ لِاحْتِياجِهِ سُبْحانَهُ إلى ذَلِكَ لِشَأْنٍ مِن شُئُونِهِ كَما هو دَأْبُ المَخْلُوقِينَ - فَإنَّ مَدارَ خُلَّتِهِمُ افْتِقارُ بَعْضِهِمْ إلى بَعْضٍ في مَصالِحِهِمْ - بَلْ لِمُجَرَّدِ تَكْرِمَتِهِ وتَشْرِيفِهِ، وفِيهِ أيْضًا إشارَةٌ إلى أنْ خُلَّتَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لا تُخْرِجُهُ عَنِ العُبُودِيَّةِ لِلَّهِ تَعالى.
﴿وكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا﴾ إحاطَةُ عِلْمٍ وقُدْرَةٍ بِناءً عَلى أنَّ حَقِيقَةً الإحاطَةِ في الأجْسامِ، فَلا يُوصَفُ اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ، فَلا بُدَّ مِنَ التَّأْوِيلِ وارْتِكابِ المَجازِ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الخَلَفُ، والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِهِ ما قَبْلَهُ عَلى سائِرِ وُجُوهِهِ.
* * *
هَذا، ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ: ﴿وإذا ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ﴾ أيْ: سافَرْتُمْ في أرْضِ الِاسْتِعْدادِ لِمُحارَبَةِ عَدُوِّ النَّفْسِ، أوْ تَحْصِيلِ أحْوالِ الكِمالاتِ (فَلا جُناحَ عَلَيْكم أنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ) أيْ: تَنْقُصُوا مِنَ
صفحة 157
الأعْمالِ البَدَنِيَّةِ ﴿إنْ خِفْتُمْ أنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: حُجِبُوا عَنِ الحَقِّ مِن قُوى الوَهْمِ والتَّخَيُّلِ، وحاصِلُهُ التَّرْخِيصُ لِأرْبابِ السُّلُوكِ عِنْدَ خَوْفِ فِتْنَةِ القُوى أنْ يَنْقُصُوا مِنَ الأعْمالِ البَدَنِيَّةِ ويَزِيدُوا في الأعْمالِ القَلْبِيَّةِ كالفِكْرِ والذِّكْرِ؛ لِيَصِفُوَ القَلْبُ، ويُشْرِقَ نُورُهُ عَلى القُوى، فَتَقِلَّ غائِلَتُها، فَتَزْكُوَ عِنْدَ ذَلِكَ الأعْمالُ البَدَنِيَّةُ، ولا يَجُوزُ عِنْدَ أهْلِ الِاخْتِصاصِ تَرْكُ الفَرائِضِ لِذَلِكَ كَما زَعَمَهُ بَعْضُ الجَهَلَةِ.
﴿وإذا كُنْتَ فِيهِمْ﴾ ولَمْ تَكُنْ غائِبًا عَنْهم بِسَيْرِكَ في غَيْبِ الغَيْبِ، وجَلالِ المُشاهِدَةِ، وعائِمًا في بِحارِ «لِي مَعَ اللَّهِ تَعالى وقْتٌ لا يَسَعُنِي فِيهِ مَلَكٌ مُقَرَّبٌ ولا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ» ﴿فَأقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ﴾ أيِ: الأعْمالَ البَدَنِيَّةَ ﴿فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنهم مَعَكَ﴾ ولِيَفْعَلُوا كَما تَفْعَلُ ﴿ولْيَأْخُذُوا أسْلِحَتَهُمْ﴾ مِن قُوى الرُّوحِ، ويَجْمَعُوا حَواسَّهم لِيَتَأتّى لَهُمُ المُشابَهَةُ، أوْ لِيَقِفُوا عَلى ما في فِعْلِكَ مِنَ الأسْرارِ فَلا تُضِلُّهُمُ الوَساوِسُ ﴿فَإذا سَجَدُوا﴾ وبَلَغُوا الغايَةَ في مَعْرِفَةِ ما أقَمْتَهُ لَهُمْ، وأتَوْا بِهِ عَلى وجْهِهِ ﴿فَلْيَكُونُوا مِن ورائِكُمْ﴾ ذابِّينَ عَنْكُمُ اعْتِراضَ الجاهِلِينَ، أوْ قائِمِينَ بِحَوائِجِكُمُ الضَّرُورِيَّةِ ﴿ولْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى﴾ مِنهم ﴿لَمْ يُصَلُّوا﴾ بَعْدُ ﴿فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ ولْيَفْعَلُوا فِعْلَكَ ﴿ولْيَأْخُذُوا حِذْرَهم وأسْلِحَتَهُمْ﴾ كَما أخَذَ الأوَّلُونَ أسْلِحَتَهُمْ، وإنَّما أمَرَ هَؤُلاءِ بِأخْذِ الحَذَرِ أيْضًا حَثًّا لَهم عَلى مَزِيدِ الِاحْتِياطِ؛ لِئَلّا يُقَصِّرُوا فِيها، يُرادُ مِنهُمُ اتِّكالًا عَلى الأخْذِ بَعْدُ مِمَّنْ أخَذَ أوَّلًا مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
وحاصِلُ هَذا الإشارَةُ إلى أنَّ تَعْلِيمَ الشَّرائِعِ والآدابِ لِلْمُرِيدِينَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ لِطائِفَةٍ طائِفَةٍ مِنهُمْ؛ لِيَتَمَكَّنَ ذَلِكَ لَدَيْهِمْ أتَمَّ تَمَكُّنٍ، وقِيلَ: الطّائِفَةُ الأوْلى إشارَةٌ إلى الخَواصِّ، والثّانِيَةُ إلى العَوامِّ، ولِهَذا اكْتُفِيَ في الأوَّلِ بِالأمْرِ بِأخْذِ الأسْلِحَةِ، وفي الثّانِي أمْرُ الحَذَرِ أيْضًا ﴿ودَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وهم قُوى النَّفْسِ الأمّارَةِ ﴿لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أسْلِحَتِكُمْ﴾ وهي قُوى الرُّوحِ ﴿وأمْتِعَتِكُمْ﴾ وهي المَعارِفُ الإلَهِيَّةُ ﴿فَيَمِيلُونَ عَلَيْكم مَيْلَةً واحِدَةً﴾ ويَرْمُونَكم بِنِبالِ الآفاتِ والشُّكُوكِ ويُهْلِكُونَكم ﴿ولا جُناحَ عَلَيْكم إنْ كانَ بِكم أذًى﴾ بِأنْ أصابَكم شُؤْبُوبٌ ﴿مِن مَطَرٍ﴾ يَعْنِي مَطَرَ سَحائِبِ التَّجَلِّياتِ ﴿أوْ كُنْتُمْ مَرْضى﴾ بِحُمّى الوَجْدِ والغَرامِ، وعَجَزْتُمْ عَنْ أعْمالٍ القُوى الرُّوحانِيَّةِ ﴿أنْ تَضَعُوا أسْلِحَتَكُمْ﴾ وتَتْرُكُوا أعْمالَ تِلْكَ القُوى، حَتّى يَتَجَلّى ذَلِكَ السَّحابُ، ويَنْقَطِعَ المَطَرُ، وتَهْتَزَّ أرْضُ قُلُوبِكم بِأزْهارِ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى، وتُطْفَأ حُمّى الوَجْدِ بِمِياهِ القُرْبِ ﴿وخُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ عِنْدَ وضْعِ أسْلِحَتِكُمْ، واحْفَظُوا قُلُوبَكم مِنَ الِالتِفاتِ إلى غَيْرِ اللَّهِ تَعالى ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ تَعالى ﴿أعَدَّ لِلْكافِرِينَ﴾ مِنَ القُوى النَّفْسانِيَّةِ ﴿عَذابًا مُهِينًا﴾ أيْ: مُذِلًّا لَهُمْ، وذَلِكَ عِنْدَ حِفْظِ القَلْبِ، وتَنُّورِ الرُّوحِ.
﴿فَإذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ﴾ أيْ: أدَّيْتُمُوها ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ في جَمِيعِ الأحْوالِ ﴿قِيامًا﴾ في مَقامِ الرُّوحِ بِالمُشاهَدَةِ ﴿وقُعُودًا﴾ في مَحَلِّ القَلْبِ بِالمُكاشَفَةِ ﴿وعَلى جُنُوبِكُمْ﴾ أيْ: تَقَلُّباتِكم في مَكانِ النَّفْسِ بِالمُجاهِدَةِ ﴿فَإذا اطْمَأْنَنْتُمْ﴾ ووَصَلْتُمْ إلى مَحَلِّ البَقاءِ ﴿فَأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ فَأدُّوها عَلى الوَجْهِ الأتَمِّ لِسَلامَةِ القَلْبِ حِينَئِذٍ عَنِ الوَساوِسِ النَّفْسانِيَّةِ، الَّتِي هي بِمَنزِلَةِ الحَدَثِ عِنْدَ أهْلِ الِاخْتِصاصِ ﴿إنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلى المُؤْمِنِينَ كِتابًا مَوْقُوتًا﴾ فَلا تَسْقُطُ عَنْهم ما دامَ العَقْلُ والحَياةُ ﴿ولا تَهِنُوا في ابْتِغاءِ القَوْمِ﴾ الَّذِينَ يُحارِبُونَكم وهُمُ النَّفْسُ وقُواها ﴿فَإنَّهم يَأْلَمُونَ﴾ مِنكم لِمَنعِكم لَهم عَنْ شَهَواتِهِمْ ﴿كَما تَأْلَمُونَ﴾ مِنهم لِمُعارَضَتِهِمْ لَكم عَنِ المَسِيرِ إلى اللَّهِ تَعالى ﴿وتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ: تَأْمُلُونَ مِنهُ سُبْحانَهُ ﴿ما لا يَرْجُونَ﴾ لِأنَّكم تَرْجُونَ التَّنَعُّمَ بِجَنَّةِ القُرْبِ والمُشاهَدَةِ، ولا يَخْطُرُ ذَلِكَ لَهم بِبالٍ، أوْ تَخافُونَ القَطِيعَةَ وهم لا يَخافُونَها ﴿وكانَ اللَّهُ عَلِيمًا﴾ فَيَعْلَمُ أحْوالَكم وأحْوالَهم ﴿حَكِيمًا﴾ فَيَفِيضُ عَلى القَوابِلِ حَسَبَ القابِلِيّاتِ.
﴿إنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ﴾ أيْ: عِلْمَ تَفاصِيلِ الصِّفاتِ وأحْكامِ تَجَلِّياتِها ﴿بِالحَقِّ﴾ مُتَلَبِّسًا ذَلِكَ الكِتابَ بِالصِّدْقِ، أوْ قائِمًا أنْتَ بِالحَقِّ لا بِنَفْسِكَ ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ﴾ خَواصِّهِمْ وعَوامِّهِمْ ﴿بِما أراكَ اللَّهُ﴾ أيْ: بِما عَلَّمَكَ اللَّهُ سُبْحانَهُ
صفحة 158
مِنَ الحِكْمَةِ ﴿ولا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ﴾ الَّذِينَ لَمْ يُؤَدُّوا أمانَةَ اللَّهِ تَعالى، الَّتِي أُودِعَتْ عِنْدَهم في الأزَلِ مِمّا ذُكِرَ في اسْتِعْدادِهِمْ مِن إمْكانِ طاعَتِهِ وامْتِثالِ أمْرِهِ ﴿خَصِيمًا﴾ تَدْفَعُ عَنْهُمُ العِقابَ، وتُسَلِّطُ الخَلْقَ عَلَيْهِمْ بِالذُّلِّ والهَوانِ، أوْ تَقُولُ لِلَّهِ تَعالى: يا رَبِّ لِمَ خَذَلْتَهم وقَهَرْتَهُمْ؛ فَإنَّهم ظالِمُونَ، ولِلَّهِ تَعالى الحُجَّةُ البالِغَةُ عَلَيْهِمْ.
﴿واسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ مِنَ المَيْلِ الطَّبِيعِيِّ الَّذِي اقْتَضَتْهُ الرَّحْمَةُ الَّتِي أحاطَتْ بِكَ ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ فَيَفْعَلُ ما تَطْلُبُهُ مِنهُ وزِيادَةً ﴿ولا تُجادِلْ﴾ أحَدًا عَنِ ﴿الَّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهُمْ﴾ بِتَضْيِيعِ حُقُوقِها ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَن كانَ خَوّانًا﴾ لِنَفْسِهِ ﴿أثِيمًا﴾ مُرْتَكِبًا الإثْمَ، مَيّالًا مَعَ الشَّهَواتِ.
﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النّاسِ﴾ بِكِتْمانِ رَذائِلِهِمْ وصِفاتِ نُفُوسِهِمْ ﴿ولا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ﴾ بِإزالَتِها وقَلْعِها ﴿وهُوَ مَعَهُمْ﴾ مُحِيطٌ بِظَواهِرِهِمْ وبَواطِنِهِمْ ﴿إذْ يُبَيِّتُونَ﴾ أيْ: يُدَبِّرُونَ في ظُلْمَةِ عالَمِ النَّفْسِ والطَّبِيعَةِ ﴿ما لا يَرْضى مِنَ القَوْلِ﴾ مِنَ الوَهْمِيّاتِ والتَّخَيُّلاتِ الفاسِدَةِ ﴿وكانَ اللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾ فَيُجازِيهِمْ حَسَبَ أعْمالِهِمْ.
﴿ومَن يَعْمَلْ سُوءًا﴾ بِظُهُورِ صِفَةٍ مِن صِفاتِ نَفْسِهِ ﴿أوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ بِنَقْصِ شَيْءٍ مِن كِمالاتِها ﴿ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ ويَطْلُبُ مِنهُ سَتْرَ ذَلِكَ بِالتَّوَجُّهِ إلَيْهِ والتَّذَلُّلِ بَيْنَ يَدَيْهِ ﴿يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ فَيَسْتُرُ ويُعْطِي ما يَقْتَضِيهِ الِاسْتِعْدادُ ﴿ومَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً﴾ بِإظْهارِ بَعْضِ الرَّذائِلِ ﴿أوْ إثْمًا﴾ بِمَحْوِ ما في الِاسْتِعْدادِ ﴿ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا﴾ بِأنْ يَقُولَ: حَمَلَنِي اللَّهُ تَعالى عَلى ذَلِكَ، أوْ حَمَلَنِي فُلانٌ عَلَيْهِ ﴿فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتانًا وإثْمًا مُبِينًا﴾ حَيْثُ فَعَلَ ونَسَبَ فِعْلَهُ إلى الغَيْرِ، ولَوْ لَمْ تَكُنْ مُسْتَعِدَّةً لِذَلِكَ طالِبَةً لَهُ بِلِسانِ الِاسْتِعْدادِ في الأزَلِ لَمْ يُفِضْ عَلَيْهِ ولَمْ يَبْرُزْ إلى ساحَةِ الوُجُودِ، ولِذا أفْحَمَ إبْلِيسُ اللَّعِينُ أتْباعَهُ بِما قَصَّ اللَّهُ تَعالى لَنا مِن قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ وعَدَكم وعْدَ الحَقِّ﴾ إلى أنْ قالَ: ﴿فَلا تَلُومُونِي ولُومُوا أنْفُسَكُمْ).﴾
﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ﴾ أيْ: تَوْفِيقُهُ وإمْدادُهُ لِسُلُوكِ طَرِيقِهِ ورَحْمَتِهِ، حَيْثُ وهَبَ لَكَ الكَمالَ المُطْلَقَ ﴿لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنهم أنْ يُضِلُّوكَ وما يُضِلُّونَ إلا أنْفُسَهُمْ﴾ لِعَوْدِ ضَرَرِهِ عَلَيْهِمْ، وحِفْظِكَ في قِلاعِ اسْتِعْدادِكَ عَنْ أنْ يَنالَكَ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ (وأنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ) الجامِعَ لِتَفاصِيلِ العِلْمِ والحِكْمَةِ، الَّتِي هي أحْكامُ تِلْكَ التَّفاصِيلِ مَعَ العَمَلِ ﴿وعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ مِن عِلْمِ عَواقِبِ الخَلْقِ وعِلْمِ ما كانَ وما سَيَكُونُ ﴿وكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ حَيْثُ جَعَلَكَ أهْلًا لِمَقامِ ﴿قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى﴾ ومَنَّ عَلَيْكَ بِما لا يُحِيطُ بِهِ سِوى نِطاقُ الوُجُودِ.
﴿لا خَيْرَ في كَثِيرٍ مِن نَجْواهُمْ﴾ وهو ما كانَ مِن جِنْسِ الفُضُولِ، والأمْرِ الَّذِي لا يَعْنِي (إلّا) نَجْوى ﴿مَن أمَرَ بِصَدَقَةٍ﴾ وأرْشَدَ إلى فَضِيلَةِ السَّخاءِ النّاشِئِ مِنَ العِفَّةِ ﴿أوْ مَعْرُوفٍ﴾ قَوْلِيٍّ كَتَعَلُّمِ عِلْمٍ، أوْ فِعْلِيٍّ كَإغاثَةِ مَلْهُوفٍ ﴿أوْ إصْلاحٍ بَيْنَ النّاسِ﴾ الَّذِي هو مِن بابِ العَدْلِ ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ ويَجْمَعُ بَيْنَ الكِمالاتِ ﴿ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ﴾ لا لِلرِّياءِ والسُّمْعَةِ مِن كُلِّ ما يَعُودُ بِهِ الفَضِيلَةُ رَذِيلَةً (فَسَوْفَ يُؤْتِيهِ اللَّهُ) تَعالى ﴿أجْرًا عَظِيمًا﴾ ويُدْخِلُهُ جَنّاتِ الصِّفاتِ.
﴿ومَن يُشاقِقِ الرَّسُولَ﴾ أيْ: يُخالِفْ ما جاءَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ أوِ العَقْلُ المُسَمّى عِنْدَهم بِالرَّسُولِ النَّفْسِيِّ ﴿ويَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: غَيْرَ ما عَلَيْهِ أصْحابُ النَّبِيِّ ﷺ ومَنِ اقْتَفى أثَرَهم مِنَ الأخْيارِ أوِ القُوى الرُّوحانِيَّةِ ﴿نُوَلِّهِ ما تَوَلّى ونُصْلِهِ جَهَنَّمَ﴾ الحِرْمانِ ﴿وساءَتْ مَصِيرًا﴾ لِمَن يَصْلاها.
﴿إنْ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إلا إناثًا﴾ وهي الأصْنامُ المُسَمّاةُ بِالنُّفُوسِ؛ إذْ كُلُّ مَن يَعْبُدُ غَيْرَ اللَّهِ تَعالى فَهو عابِدٌ لِنَفْسِهِ، مُطِيعٌ لِهَواها، أوِ المُرادُ بِالإناثِ المُمْكَناتِ؛ لِأنَّ كُلَّ مُمْكِنٍ مُحْتاجٌ ناقِصٌ مِن جِهَةِ إمْكانِهِ، مُنْفَعِلٌ مُتَأثِّرٌ عِنْدَ تَعَيُّنِهِ، فَهو أشْبَهُ كَلِّ شَيْءٍ بِالأُنْثى ﴿وإنْ يَدْعُونَ إلا شَيْطانًا مَرِيدًا﴾ وهو شَيْطانُ الوَهْمِ، حَيْثُ قَبِلُوا إغْواءَهُ وأطاعُوهُ ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ أيْ: أبْعَدَهُ عَنْ رِياضِ قُرْبِهِ ﴿وقالَ لأتَّخِذَنَّ مِن عِبادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ وهم غَيْرُ المُخْلِصِينَ الَّذِينَ اسْتُثْنُوا
صفحة 159
فِي آيَةٍ أُخْرى ﴿ولأُضِلَّنَّهُمْ﴾ عَنِ الطَّرِيقِ الحَقِّ ﴿ولأُمَنِّيَنَّهُمْ﴾ الأمانِيَّ الفاسِدَةَ، مِن كَسْبِ اللَّذّاتِ الفانِيَةِ ﴿ولآمُرَنَّهم فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الأنْعامِ﴾ أيْ: فَلْيَقْطَعُنَّ آذانَ نُفُوسِهِمْ عَنْ سَماعِ ما يَنْفَعُهم ﴿ولآمُرَنَّهم فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ وهي الفِطْرَةُ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها مِنَ التَّوْحِيدِ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا﴾ ووَحَّدُوا، وعَمِلُوا الصّالِحاتِ، واسْتَقامُوا ﴿سَنُدْخِلُهم جَنّاتٍ﴾ جَنَّةِ الأفْعالِ، وجَنَّةِ الصِّفاتِ، وجَنَّةِ الذّاتِ.
﴿لَيْسَ﴾ أيْ: حُصُولُ المَوْعُودِ ﴿بِأمانِيِّكم ولا أمانِيِّ أهْلِ الكِتابِ﴾ بَلْ لا بُدَّ مِنَ السَّعْيِ فِيما يَقْتَضِيهِ، وفي المَثَلِ: «إنَّ التَّمَنِّي رَأْسُ مالِ المُفْلِسِ» ﴿ومَن أحْسَنُ دِينًا﴾ أيْ: حالًا ﴿مِمَّنْ أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ﴾ وسَلَّمَ نَفْسَهُ إلَيْهِ وفَنِيَ فِيهِ ﴿وهُوَ مُحْسِنٌ﴾ مُشاهِدٌ لِلْجَمِيعِ في عَيْنِ التَّفْضِيلِ، سالِكٌ طَرِيقَ الإحْسانِ بِالِاسْتِقامَةِ في الأعْمالِ ﴿واتَّبَعَ مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾ في التَّوْحِيدِ ﴿حَنِيفًا﴾ مائِلًا عَنِ السُّوى ﴿واتَّخَذَ اللَّهُ إبْراهِيمَ خَلِيلا﴾ حَيْثُ تَخَلَّلَتِ المَعْرِفَةُ جَمِيعَ أجْزائِهِ مِن حَيْثُ ما هو مُرَكَّبٌ، فَلَمْ يَبْقَ جَوْهَرٌ فَرْدٌ إلّا وقَدْ حَلَّتْ فِيهِ مَعْرِفَةُ رَبِّهِ - عَزَّ وجَلَّ - فَهو عارِفٌ بِهِ بِكُلِّ جُزْءٍ مِنهُ، ومِن هُنا قِيلَ: إنَّ دَمَ الحَلّاجِ لَمّا وقَعَ عَلى الأرْضِ انْكَتَبَ بِكُلِّ قَطْرَةٍ مِنهُ (اللَّهُ) وأنْشَدَ:
ما قُدَّ لِي عُضْوٌ ولا مِفْصَلُ إلّا وفِيهِ لَكم ذِكْرُ
﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ لِأنَّ كُلَّ ما بَرَزَ في الوُجُودِ فَهو شَأْنٌ مِن شُئُونِهِ سُبْحانَهُ ﴿وكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا﴾ مِن حَيْثُ إنَّهُ الَّذِي أفاضَ عَلَيْهِ الجُودَ، وهو رَبُّ الكَرَمِ والجُودِ، لا رَبَّ غَيْرُهُ، ولا يُرْجى إلّا خَيْرُهُ.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии