Аль-АлусиАн‑Ниса · 4:23

Аль-Алуси · Тафсир · на арабском

Ан-Ниса 4:23, продолжение

قَدْرَ ما يُشْبِعُهُ، هَذا مُحالٌ عادَةً، فالظّاهِرُ أنَّ مَعْدُودَ خَمْسٍ فِيهِ إنْ صَحَّ أنَّها مِنَ الخَبَرِ“ المَصّاتُ ثُمَّ كَيْفَ جازَ أنْ يُباشِرَ عَوْرَتَها بِشَفَتَيْهِ فَلَعَلَّ المُرادَ أنْ تَحْلِبَ لَهُ شَيْئًا مِقْدارُهُ مِقْدارَ خَمْسِ رَضَعاتٍ فَيَشْرَبُهُ كَما قالَ القاضِي وإلّا فَهو مُشْكِلٌ، ”وقَدْ يُقالُ“: هو مَنسُوخٌ مِن وجْهٍ آخَرَ» لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ الرِّضاعَ في الكِبَرِ يُوجِبُ التَّحْرِيمَ لِأنَّ سالِمًا كانَ إذْ ذاكَ رَجُلًا وهَذا مِمّا لَمْ يَقُلْ بِهِ أحَدٌ مِنَ الأئِمَّةِ الأرْبَعَةِ فَإنَّ مُدَّةَ الرَّضاعِ الَّتِي يَتَعَلَّقُ بِهِ التَّحْرِيمُ ثَلاثُونَ شَهْرًا عِنْدَ الإمامِ الأعْظَمِ، وسَنَتانِ عِنْدَ صاحِبَيْهِ ومُسْتَنَدُهُما قَوِيٌّ جِدًّا، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ الأئِمَّةُ الثَّلاثَةُ، وعَنْ مالِكٍ: سَنَتانِ وشَهْرٌ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى شَهْرانِ، وفي أُخْرى سَنَتانِ وأيّامٌ، وفي أُخْرى ما دامَ مُحْتاجًا إلى اللَّبَنِ غَيْرَ مُسْتَغْنٍ عَنْهُ، وقالَ زُفَرُ: ثَلاثَ سِنِينَ، نَعَمْ قالَ بَعْضُهم: خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، وقالَ آخَرُونَ: أرْبَعُونَ سَنَةً، وقالَ داوُدُ: الإرْضاعُ في الكِبَرِ مُحَرِّمٌ أيْضًا، ولا حَدَّ لِلْمُدَّةِ وهو مَرْوِيٌّ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها وكانَتْ إذا أرادَتْ أنْ يَدْخُلَ عَلَيْها أحَدٌ مِنَ الرِّجالِ أمَرَتْ أُخْتَها أُمَّ كُلْثُومٍ أوْ بَعْضَ بَناتِ أُخْتِها أنْ تُرْضِعَهُ، ورَوى مُسْلِمٌ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ وسائِرِ أزْواجِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهُنَّ خالَفْنَ عائِشَةَ في هَذا، وعُمْدَةُ مَن رَأى رَأْيَها في هَذا البابِ خَبَرُ سَهْلَةَ مَعَ أنَّ الآثارَ الصَّحِيحَةَ عَلى خِلافِهِ، فَقَدْ صَحَّ مَرْفُوعًا ومَوْقُوفًا «لا رِضاعَ إلّا ما كانَ في حَوْلَيْنِ» وفي «المُوَطَّأِ» . و«سُنَنِ أبِي داوُدَ» عَنْ يَحْيى بْنِ سَعِيدٍ «أنَّ رَجُلًا سَألَ أبا مُوسى الأشْعَرِيَّ فَقالَ: إنِّي مَصَصْتُ مِنِ امْرَأتِي ثَدْيَها لَبَنًا فَذَهَبَ في بَطْنِي فَقالَ: أبُو مُوسى لا أراها إلّا قَدْ حَرُمَتْ عَلَيْكَ فَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ انْظُرْ ما تُفْتِي بِهِ الرَّجُلَ فَقالَ أبُو مُوسى: فَما تَقُولُ أنْتَ؟ فَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: لا رِضاعَ إلّا في حَوْلَيْنِ، فَقالَ أبُو مُوسى: لا تَسْألُونِي عَنْ شَيْءٍ ما دامَ هَذا الحَبْرُ بَيْنَ أظْهُرِكم، وفِيهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ جاءَ رَجُلٌ إلى عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَقالَ: كانَتْ لِي ولِيدَةٌ فَكُنْتُ أُصِيبُها فَعَمَدَتِ امْرَأتِي إلَيْها فَأرْضَعَتْها فَدَخَلَتْ عَلَيْها فَقالَتْ: دُونَكَ قَدْ واللَّهِ أرْضَعْتُها قالَ عُمَرُ: أرْجِعْها وأْتِ جارِيَتَكَ فَإنَّما الرَّضاعَةُ رَضاعَةُ الصِّغَرِ، ورَوى التِّرْمِذِيُّ وقالَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ مِن حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ أنَّهُ قالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «لا يَحْرُمُ مِنَ الرَّضاعِ إلّا فَتْقُ الأمْعاءِ في الثَّدْيِ وكانَ قَبْلَ الفِطامِ» ”وفي «سُنَنِ أبِي داوُدَ» مِن حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ يَرْفَعُهُ ««لا يَحْرُمُ مِنَ الرِّضاعِ إلّا ما أنْبَتَ اللَّحْمَ وأنْشَزَ العَظْمَ» حَتّى إنَّ عائِشَةَ نَفْسَها رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها رَوَتْ ما يُخالِفُ عَمَلَها، فَفي «الصَّحِيحَيْنِ» عَنْها أنَّها قالَتْ: ««دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وعِنْدِي رَجُلٌ فَقالَ: يا عائِشَةُ، مَن هَذا؟ فَقُلْتُ: أخِي مَنِ الرَّضاعَةِ فَقالَ: يا عائِشَةُ انْظُرْنَ مَن إخْوانُكم إنَّما الرَّضاعَةُ مِنَ المَجاعَةِ»» واعْتُبِرَ مَرْوِيُّها دُونَ رَأْيِها لِظُهُورِ غَفْلَتِها فِيهِ وعَدَمِ وُقُوعِ اجْتِهادِها عَلى المَحَزِّ، ولِهَذا قِيلَ: يُشْبِهُ أنَّها رَجَعَتْ كَما رَجَعَ أبُو مُوسى لَمّا تَحَقَّقَ عِنْدَها النَّسْخُ؛ وحَمَلَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ حَدِيثَ سَهْلَةَ عَلى أنَّهُ مُخْتَصٌّ بِها وبِسالِمٍ، وجَعَلُوا أيْضًا العَفْوَ عَنْ مُباشَرَةِ العَوْرَةِ مِنَ الخَواصِّ.

هَذا ومِن غَرائِبِ ما وقَفَتْ عَلَيْهِ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الآيَةِ عِبارَةٌ مِن مَقامَةٍ لِلْعَلّامَةِ السُّيُوطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى سَمّاها «الدَّوَرانَ الفَلَكِيَّ عَلى ابْنِ الكُرْكِيِّ» وفِيها يُخاطِبُ الفاضِلَ المَذْكُورَ بِما نَصُّهُ: ماذا صَنَعْتَ بِالسُّؤالِ المُهِمِّ الَّذِي دارَ في البَلَدِ ولَمْ يُجِبْ عَنْهُ أحَدٌ، وهو الفَرْقُ بَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأُمَّهاتُكُمُ اللاتِي أرْضَعْنَكُمْ﴾ وبَيْنَ ما لَوْ قِيلَ: واللّاتِي أرْضَعْنَكم أُمَّهاتُكم حَيْثُ رُتِّبَ عَلى الأوَّلِ خَمْسُ رَضَعاتٍ وارِدَةٍ، ولَوْ قِيلَ: الثّانِي لاكْتَفى بِرَضْعَةٍ واحِدَةٍ، ولَقَدْ ورَدَ عَلَيَّ وسِيقَ إلَيَّ فَلَمْ أكْتُبْ عَلَيْهِ مَعَ أنَّ جَوابَهُ نَصْبُ عَيْنِي، وعَتِيدٌ لَدَيَّ لا يَحُولُ شَيْءٌ بَيْنَهُ وبَيْنِي لِأنْظُرَ هَلْ مِن رَجُلٍ رَشِيدٍ أوْ أحَدٍ لَهُ في العِلْمِ قَصْرٌ مَشِيدٌ هَلّا أبْدَعْتَ فِيهِ جَوابًا مُسَدَّدًا، ونَوَّعَتْ فِيهِ طَرائِقَ قِدَدًا،

صفحة 256

واتَّخَذَتْ بِذَلِكَ عَلى دَعْوى العِلْمِ ساعِدًا وعَضُدًا، وها لَهُ نَحْوُ عامَيْنِ ما حَلّاهُ أحَدٌ بِحَرْفٍ، ولا رَمَقَهُ ناظِرٌ بِطَرَفٍ ولا أوْدَعَهُ ذُو ظُرْفٍ بِظُرْفٍ، ولَوْ شِئْتُ أنا لَكَتَبْتُ عَلَيْهِ عِدَّةَ مُؤَلَّفاتٍ وأسْطَرْتُ فِيهِ خَمْسَ مُصَنَّفاتٍ، بَسِيطٌ حَرِيزٌ، ووَسِيطٌ غَرِيزٌ، ومُخْتَصَرٌ وجِيزٌ، ومَنظُومَةٌ ذاتُ تَطْرِيزٍ، ومَقامَةُ إنْشاءٍ كَأنَّها ذَهَبٌ إبْرِيزٌ انْتَهى كَلامُهُ.

وأقُولُ: لَعَلَّ الفَرْقَ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا ذَكَرَ ( أُمَّهاتُكم ) في هَذِهِ الآيَةِ مَعْطُوفًا عَلى ما تَقَدَّمَ في الآيَةِ السّابِقَةِ وفِيها تَحْرِيمُ الأُمَّهاتِ بَقِيَ الذِّهْنُ مُشْرَئِبًّا إلى بَيانِ الفارِقِ بَيْنَ هَذِهِ الأُمَّهاتِ وتِلْكَ الأُمَّهاتِ فَأتى سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿اللاتِي أرْضَعْنَكُمْ﴾ بَيانًا لِذَلِكَ دافِعًا لِتَوِهُّمِ التَّكْرارِ فَكانَ قَيْدَ الإرْضاعِ الواقِعِ صِلَةً مُعْتَنًا بِهِ أتَمَّ اعْتِناءٍ، ومِمّا يَتَرَتَّبُ عَلى هَذا الِاعْتِناءِ اعْتِبارُهُ أيْنَما لُوحِظَ، وقَدْ لُوحِظَ في الآيَةِ خَمْسُ مَرّاتٍ الأُولى: حِينَ أتى بِهِ فِعْلًا، والثّانِيَةُ: حِينَ أُسْنِدَ إلى الفاعِلِ أعْنِي ضَمِيرَ النِّسْوَةِ، والثّالِثَةُ: حِينَ تَعَلَّقَ بِالمَفْعُولِ أعْنِي ضَمِيرَ المُخاطَبِينَ، والرّابِعَةُ: حِينَ جُعِلَ جُزْءُ الجُمْلَةِ الواقِعَةَ صِلَةَ المَوْصُولِ، والخامِسَةُ: حِينَ جُعِلَ اللّاتِي صِفَةَ أُمَّهاتِكم لِأنَّ وصْفِيَّتَهُ لَها بِاعْتِبارِ الصِّلَةِ بِلا شُبْهَةٍ فَهَذِهِ خَمْسُ مُلاحَظاتٍ لِلْإرْضاعِ في هَذا التَّرْكِيبِ تُشِيرُ إلى أنَّ ما بِهِ تَحْصُلُ الأُمُومَةُ خَمْسُ رَضَعاتٍ، وهَذا أحَدُ الأسْرارِ لِاخْتِيارِ هَذا التَّرْكِيبِ مَعَ إمْكانِ تَراكِيبَ غَيْرِهِ لَعَلَّ بَعْضَها أخْصَرُ مِنهُ، وكَثِيرًا ما وقَعَ في القُرْآنِ تَراكِيبُ وتَعْبِيراتٌ يُشارُ بِها إلى أُمُورٍ واقِعِيَّةٍ بَيْنَها وبَيْنَ ما في تِلْكَ التَّعْبِيراتِ مُناسَبَةٌ مِثْلَ ما وقَعَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالمَعْرُوفِ﴾ مِنَ الِاحْتِباكِ المُشِيرِ إلى ما بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ مِنَ الِائْتِلافِ، وما وقَعَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْ لا يَسْتَطِيعُ أنْ يُمِلَّ هو فَلْيُمْلِلْ ولِيُّهُ﴾ مِنَ الإدْغامِ في يُمِلَّ المُشِيرِ إلى حالِ الفاعِلِ وهو الأخْرَسُ المَعْقُودُ اللِّسانِ في كَثِيرٍ مِنَ الأقْوالِ، وما وقَعَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلٌّ في فَلَكٍ﴾ مِن عَدَمِ الِاسْتِحالَةِ بِالِانْعِكاسِ المُشِيرِ إلى كُرِّيَّةِ الأفْلاكِ في رَأْيٍ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا يُحْصى كَثْرَةً. ولَيْسَ هَذا مِن بابِ الِاسْتِدْلالِ بَلْ مِن بابِ الإشارَةِ المُقَوِّيَةِ لَهُ، ألا تَرى أنَّهُ لَمْ يَسْتَدِلَّ أحَدٌ مِمَّنْ ذَهَبَ إلى اشْتِراطِ الخَمْسِ بِهَذِهِ الآيَةِ ولَكِنِ اسْتَدَلُّوا عَلَيْهِ بِوُرُودِ الخَمْسِ في الأخْبارِ، وإلى ذَلِكَ تُشِيرُ عِبارَةُ الجَلالِ السُّيُوطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى، وهَذِهِ الإشارَةُ مَفْقُودَةٌ في القَوْلِ المَفْرُوضِ أعْنِي واللّاتِي أرْضَعْنَكم أُمَّهاتُكم، لِأنَّ العَطْفَ فِيهِ لا يُوهِمُ التَّكْرارَ لِعَدَمِ تَقَدُّمِ نَظِيرِهِ فَلا يُشْرَأبُّ الذِّهْنُ إلى ما يُذْكَرُ بَعْدُ كَما اشْرَأبَّ فِيما ذُكِرَ قَبْلُ، فَلا داعِيَ لِاعْتِبارِهِ أيْنَما لُوحِظَ كَما كانَ كَذَلِكَ هُناكَ بَلْ يَكْفِي اعْتِبارُهُ مَرَّةً واحِدَةً وهي أدْنى ما تَتَحَقَّقُ بِهِ الماهِيَّةُ لا سِيَّما وقَدْ ذُكِرَ بَعْدَ أُمَّهاتِكم عَلى أنَّهُ بَدَلٌ والبَدَلُ كَما قالُوا: هو المَقْصُودُ بِالنِّسْبَةِ عَلى نِيَّةِ تَكْرارِ العامِلِ المُفِيدِ لِتَقْرِيرِ مَعْنى الكَلامِ وتَوْكِيدِهِ، وهَذا التَّوْكِيدُ أيْضًا مُشْعِرٌ بِوَحْدَةِ الإرْضاعِ لِأنَّ التَّحْرِيمَ بِالرَّضْعَةِ الواحِدَةِ مِمّا يَكادُ يُسْتَبْعَدُ فَيَحْتاجُ إلى تَوْكِيدِهِ بِخِلافِ الرَّضَعاتِ العَدِيدَةِ.

وقَدْ رَأيْتُ في بَعْضِ نُسَخِ «شَرْحِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ» لِلْإمامِ النَّوَوِيِّ بَعْدَ ذِكْرِ اسْتِدْلالِ الإمامِ مالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عَلى دَعْوى ثُبُوتِ الحُرْمَةِ بِرَضْعَةٍ واحِدَةٍ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأُمَّهاتُكُمُ اللاتِي أرْضَعْنَكُمْ﴾ حَيْثُ لَمْ يَذْكُرْ عَدَدًا ما نَصُّهُ: «واعْتَرَضَ أصْحابُ الشّافِعِيِّ عَلى المالِكِيَّةِ فَقالُوا: إنَّما كانَتْ تَحْصُلُ الدَّلالَةُ لَكم لَوْ كانَتِ الآيَةُ واللّاتِي أرْضَعْنَكم أُمَّهاتِكم» انْتَهى، ولَمْ يُصَرِّحْ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى بِأنَّ الآيَةَ الَّتِي اسْتَدَلَّ بِها المالِكِيَّةُ مُشْعِرَةٌ بِالخَمْسِ بَلِ اقْتَصَرَ عَلى أنَّ الدَّلالَةَ عَلى الواحِدَةِ لا تَحْصُلُ بِها وأرادَ أنَّ ما أشَرْنا إلَيْهِ مِنَ الإشْعارِ القَوِيِّ إلى التَّعَدُّدِ يَأْبى حَمْلَ الماهِيَّةِ عَلى أقَلِّ ما تَتَحَقَّقُ فِيهِ، وفي بَعْضِ نُسَخِ ذَلِكَ الشَّرْحِ واعْتَرَضَ أصْحابُ الشّافِعِيِّ عَلى المالِكِيَّةِ فَقالُوا: إنَّما كانَتْ تَحْصُلُ لَكُمُ الدَّلالَةُ لَوْ كانَتِ الآيَةُ واللّاتِي أرْضَعْنَكم وأُمَّهاتِكم بِواوٍ بَيْنَ أرْضَعْنَكم وبَيْنَ أُمَّهاتِكم والظّاهِرُ أنَّها غَلَطٌ مِنَ النّاسِخِ، والتِزامُ تَوْجِيهِها تَعَسُّفٌ رَأيْنا تَرْكَهُ رِبْحًا.

صفحة 257

هَذا ما ظَهَرَ لِنَظَرِي القاصِرِ وفِكْرِي الفاتِرِ، ولَقَدْ سَألْتُ بِالرِّفْقِ عَنْ هَذا الفَرْقِ جَمْعًا مِن عُلَماءِ عَصْرِي، وراجَعْتُ لِشَرْحِ ذَلِكَ المَتْنِ جَمِيعَ الفُضَلاءِ الَّذِينَ تَضَمَّنَتْهم حَواشِي مِصْرِيٍّ فَلَمْ أرَ مَن نَطَقَ بِبِنْتِ شَفَةٍ ولا مَنِ ادَّعى في حَلِّ ذَلِكَ الإشْكالِ مَعْرِفَةً مَعَ أنَّ مِنهم مَن خَضَعَتْ لَهُ الأعْناقُ، وطَبَقَتْ فَضائِلُهُ الآفاقَ، وما رَأيْتُ مِنَ المُرُوءَةِ أنْ أُمْهِلَهم حَتّى يُنْقَرَ في النّاقُورِ أوْ أنْتَظِرُ بَناتَ أفْكارِهِمْ إلى أنْ يَلِدَ البَغْلُ العاقُورُ الباقُورُ؛ فَكَتَبْتُ ما تَرى ولَسْتُ عَلى يَقِينٍ أنَّهُ الأوْلى والأحْرى فَتَأمَّلْ، فَلِمَسْلَكِ الذِّهْنِ اتِّساعٌ والحَقُّ أحَقُّ بِالِاتِّباعِ.

﴿وأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ المُحَرَّماتِ مِن جِهَةِ المُصاهَرَةِ إثْرَ بَيانِ المُحَرَّماتِ مِن جِهَةِ الرَّضاعَةِ الَّتِي لَها لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ. والمُرادُ بِالنِّساءِ المَنكُوحاتُ عَلى الإطْلاقِ سَواءٌ كُنَّ مَدْخُولًا بِهِنَّ أوْ لا وهو مُجْمَعٌ عَلَيْهِ عِنْدَ الأئِمَّةِ الأرْبَعَةِ لَكِنْ يُشْتَرَطُ أنْ يَكُونَ النِّكاحُ صَحِيحًا أمّا إذا كانَ فاسِدًا فَلا تُحَرَّمُ الأُمُّ إلّا إذا وطِئَ بِنْتَها، أخَرَجَ البَيْهَقِيُّ في «سُنَنِهِ» . وغَيْرُهُ مِن طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «“ إذا نَكَحَ الرَّجُلُ المَرْأةَ فَلا يَحِلُّ لَهُ أنْ يَتَزَوَّجَ أُمَّها دَخَلَ بِالِابْنَةِ أوْ لَمْ يَدْخُلْ وإذا تَزَوَّجَ الأُمَّ ولَمْ يَدْخُلْ بِها ثُمَّ طَلَّقَها فَإنْ شاءَ تَزَوَّجَ الِابْنَةَ» وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ جَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رِوايَتانِ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: «النِّساءُ مُبْهَمَةٌ إذا طَلَّقَ الرَّجُلُ امْرَأتَهُ قَبْلَ أنْ يَدْخُلَ بِها أوْ ماتَتْ لَمْ تَحِلَّ لَهُ أُمُّها» . وأخْرَجَ هو أيْضًا عَنْ مُسْلِمِ بْنِ عُوَيْمِرٍ أنَّهُ قالَ: نَكَحْتُ امْرَأةً فَلَمْ أدْخُلْ بِها حَتّى تُوُفِّيَ عَمِّي عَنْ أُمِّها فَسَألْتُ ابْنَ عَبّاسٍ فَقالَ: انْكِحْ أُمَّها، وعَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ أيْضًا رِوايَتانِ، فَقَدْ أخْرَجَ مالِكٌ عَنْهُ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأةً فَفارَقَها قَبْلَ أنْ يَمَسَّها هَلْ تَحِلُّ لَهُ أُمُّها؟ فَقالَ: لا الأُمُّ مُبْهَمَةٌ لَيْسَ فِيها شَرْطٌ إنَّما الشَّرْطُ في الرَّبائِبِ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وجَماعَةٌ عَنْهُ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: إذا ماتَتْ عِنْدَهُ فَأخَذَ مِيراثَها كُرِهَ أنْ يُخْلِفَ عَلى أُمِّها، وإذا طَلَّقَها قَبْلَ أنْ يَدْخُلَ بِها فَلا بَأْسَ أنْ يَتَزَوَّجَ أُمَّها، وحُكِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ كانَ يُفْتِي بِحِلِّ أُمِّ المَرْأةِ إذا لَمْ يَكُنْ دَخَلَ بِبِنْتِها ثُمَّ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ، فَقَدْ أخْرَجَ مالِكٌ عَنْهُ أنَّهُ اسْتُفْتِيَ بِالكُوفَةِ عَنْ نِكاحِ الأُمِّ بَعْدَ البِنْتِ إذا لَمْ تَكُنِ البِنْتُ مُسَّتْ فَأرْخَصَ في ذَلِكَ، ثُمَّ إنَّهُ قَدِمَ المَدِينَةَ فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَأخْبَرَ أنَّهُ لَيْسَ كَما قالَ، وإنَّ الشَّرْطَ في الرَّبائِبِ فَرَجَعَ إلى الكُوفَةِ فَلَمْ يَصِلْ إلى بَيْتِهِ حَتّى أتى الرَّجُلَ الَّذِي أفْتاهُ بِذَلِكَ فَأمَرَهُ أنْ يُفارِقَها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ سُئِلَ في الرَّجُلِ يَتَزَوَّجُ المَرْأةَ ثُمَّ يُطَلِّقُها أوْ تَمُوتُ قَبْلَ أنْ يَدْخُلَ بِها هَلْ تَحِلُّ لَهُ أُمُّها؟ فَقالَ: هي بِمَنزِلَةِ الرَّبِيبَةِ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ ابْنُ الزُّبَيْرِ ومُجاهِدٌ، ويَدْخُلُ في لَفْظِ الأُمَّهاتِ الجَدّاتُ مِن قِبَلِ الأبِ والأُمِّ وإنْ عَلَوْنَ وإنْ كانَتِ امْرَأةُ الرَّجُلِ أمَةً فَلا تَحْرُمُ أُمُّها إلّا بِالوَطْءِ أوْ دَواعِيهِ لِأنَّ لَفْظَ النِّساءِ إذا أُضِيفَ إلى الأزْواجِ كانَ المُرادُ مِنهُ الحَرائِرَ كَما في الظِّهارِ والإيلاءِ، وقُرِئَ وأُمَّهاتُ نِسائِكُمُ اللّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ.

﴿ورَبائِبُكُمُ اللاتِي في حُجُورِكُمْ﴾ الرَّبائِبُ جَمْعُ رَبِيبَةٍ ورَبَّ ورَبى بِمَعْنًى، والرَّبِيبُ فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، ولَمّا أُلْحِقَ بِالأسْماءِ الجامِدَةِ جازَ لُحُوقُ التّاءِ لَهُ وإلّا فَفَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ يَسْتَوِي فِيهِ المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ، وهَذا مَعْنى قَوْلِهِمْ: إنَّ التّاءَ لِلنَّقْلِ إلى الِاسْمِيَّةِ، والرَّبِيبُ ولَدُ المَرْأةِ مِن آخَرَ سُمِّيَ بِهِ لِأنَّهُ يِرُبُّهُ غالِبًا كَما يَرُبُّ ولَدَهُ، والحُجُورُ جَمْعُ حَجْرٍ بِالفَتْحِ والكَسْرِ، وهو في اللُّغَةِ حِضْنُ الإنْسانِ أعْنِي ما دُونُ إبِطِهِ إلى الكَشْحِ، وقالُوا: فُلانٌ في حَجْرِ فُلانٍ أيْ في كَنَفِهِ ومَنعَتِهِ وهو المُرادُ في الآيَةِ، ووَصْفُ الرَّبائِبِ بِكَوْنِهِنَّ في الحُجُورِ مُخْرَجٌ مَخْرَجَ الغالِبِ والعادَةُ إذِ الغالِبُ كَوْنُ البِنْتِ مَعَ الأُمِّ عِنْدَ الزَّوْجِ، وفائِدَتُهُ تَقْوِيَةُ عِلَّةِ الحُرْمَةِ، كَما أنَّها النُّكْتَةُ في إيرادِهِنَّ بِاسْمِ الرَّبائِبِ دُونَ بَناتِ النِّساءِ، وقِيلَ: ذُكِرَ ذَلِكَ لِلتَّشْنِيعِ عَلَيْهِمْ نَحْوَ ﴿أضْعافًا مُضاعَفَةً﴾

صفحة 258

فِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تَأْكُلُوا الرِّبا أضْعافًا مُضاعَفَةً﴾ ولَوْلا ما ذُكِرَ لَثَبَتَتِ الإباحَةُ عِنْدَ انْتِفائِهِ بِدَلالَةِ اللَّفْظِ في غَيْرِ مَحَلِّ النُّطْقِ عِنْدَ مَن يَعْتَبِرُ مَفْهُومَ المُخالَفَةِ وبِالرُّجُوعِ إلى الأصْلِ وهو الإباحَةُ عِنْدَ مَن لا يَعْتَبِرُ المَفْهُومَ لِأنَّ الخُرُوجَ عَنْهُ إلى التَّحْرِيمِ مُقَيَّدٌ بِقَيْدٍ فَإذا انْتَفى القَيْدُ رَجَعَ إلى الأصْلِ لا بِدَلالَةِ اللَّفْظِ، ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ يَقُولُ بِحِلِّ الرَّبِيبَةِ إذا لَمْ تَكُنْ في الحَجْرِ؛ فَقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ مالِكِ بْنِ أوْسٍ قالَ: «كانَتْ عِنْدِي امْرَأةٌ فَتُوُفِّيَتْ وقَدْ ولَدَتْ لِي فَوَجَدْتُ عَلَيْها فَلَقِيَنِي عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ فَقالَ: ما لَكَ؟ فَقُلْتُ: تُوُفِّيَتِ المَرْأةُ فَقالَ: لَها بِنْتٌ؟ قُلْتُ: نَعَمْ وهي بِالطّائِفِ قالَ: كانَتْ في حِجْرِكَ؟ قُلْتُ: لا قالَ: أنْكِحْها قُلْتُ: فَأيْنَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ورَبائِبُكُمُ اللاتِي في حُجُورِكُمْ﴾ ؟ قالَ: إنَّها لَمْ تَكُنْ في حِجْرِكَ إنَّما ذَلِكَ إذا كانَتْ في حِجْرِكَ» وإلى هَذا ذَهَبَ داوُدُ، والأوَّلُ مَذْهَبُ الجُمْهُورِ، وإلَيْهِ رَجَعَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، ويَدْخُلُ في الحُرْمَةِ بَناتُ الرَّبِيبَةِ والرَّبِيبِ وإنْ سَفُلْنَ لِأنَّ الِاسْمَ يَشْمَلُهُنَّ بِخِلافِ الأبْناءِ والآباءِ لِأنَّهُ اسْمٌ خاصٌّ بِهِنَّ فَلِذا جازَ التَّزَوُّجُ بِأُمِّ زَوْجَةِ الِابْنِ وبِنْتِها، وجازَ لِلِابْنِ التَّزَوُّجُ بِأُمِّ زَوْجَةِ الأبِ وبِنْتِها.

وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّ ثُبُوتَ حُرْمَةِ المَذْكُوراتِ بِالإجْماعِ.

﴿مِن نِسائِكُمُ اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ الجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن ( رَبائِبُكم ) أوْ مِن ضَمِيرِها المُسْتَكِنِّ في الظَّرْفِ أيِ اللّاتِي اسْتَقْرَرْنَ في حُجُورِكم كائِناتٍ مِن نِسائِكُمُ إلَخْ، و( اللّاتِي ) صِفَةٌ لِلنِّساءِ المَذْكُورِ قَبْلَهُ، وهي لِلتَّقْيِيدِ إذْ رَبِيبَةُ الزَّوْجَةِ الغَيْرِ المَدْخُولِ بِها لَيْسَتْ بِحَرامٍ ولا يَجُوزُ كَوْنُ الجارِّ حالًا مِن أُمَّهاتٍ أيْضًا، أوْ مِمّا أُضِيفَتْ هي إلَيْهِ ضَرُورَةَ أنَّ الحالِيَّةَ مِن رَبائِبِكم أوْ مِن ضَمِيرِهِ يَقْتَضِي كَوْنَ مِنِ ابْتِدائِيَّةً وحالِيَّتُهُ مِن أُمَّهاتٍ، أوْ مِن نِسائِكم يَسْتَدْعِي كَوْنَها بَيانِيَّةً، وادِّعاءُ كَوْنِها اتِّصالِيَّةً كَما في قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ««أنْتَ مِنِّي بِمَنزِلَةِ هارُونَ مِن مُوسى»» وقَوْلِهِ:

إذا حاوَلْتَ في أسَدٍ فُجُورًا ∗∗∗ فَلَسْتُ مِنكَ ولَسْتَ مِنِّي

وهُوَ مَعْنًى يَنْتَظِمُ الِابْتِداءُ والبَيانُ فَيَتَناوَلُ اتِّصالَ الأُمَّهاتِ بِالنِّساءِ لِأنَّهُنَّ والِداتٌ، وبِالرَّبائِبِ لِأنَّهُنَّ مَوْلُوداتٌ، أوْ جَعَلَ المَوْصُولَ صِفَةً لِلنَّسّاءَيْنِ مَعَ اخْتِلافِ عامِلَيْهِما لِأنَّ النِّساءَ المُضافَ إلَيْهِ أُمَّهاتٌ مَخْفُوضٌ بِالإضافَةِ، والمَجْرُورُ بِمِن بِها بَعِيدٌ جِدًّا بَلْ يَنْبَغِي أنْ يُنَزَّهَ ساحَةُ التَّنْزِيلِ عَنْهُ، وأمّا القِراءَةُ فَضَعِيفَةُ الرِّوايَةِ، وعَلى تَقْدِيرِ الصِّحَّةِ مَحْمُولَةٌ عَلى النَّسْخِ كَما قالَهُ شَيْخُ الإسْلامِ، والباءُ مِن ( بِهِنَّ ) لِلتَّعْدِيَةِ، وفِيها مَعْنى المُصاحِبَةِ أوْ بِمَعْنى مَعَ أيْ دَخَلْتُمْ مَعَهُنَّ السِّتْرَ، وهو كِنايَةٌ عَنِ الجِماعِ كَبُنى عَلَيْها، وضَرَبَ عَلَيْها الحِجابَ وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ يَقُولُ: بَنى بِها، ووَهَمَهُمُ الحَرِيرِيُّ وهو وهْمٌ.

واللَّمْسُ ونَظائِرُهُ في حُكْمِ الجِماعِ عِنْدَ الإمامِ الأعْظَمِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، قالَ بَعْضُ الفُضَلاءِ: واعْتُرِضَ بِأنَّ ما ذَهَبَ إلَيْهِ لا مَجالَ لَهُ لِأنَّ صَرِيحَ الآيَةِ غَيْرُ مُرادٍ قَطْعًا بَلْ ما اشْتُهِرَ مِن مَعْناها الكِنائِيِّ فَما قالَهُ إنْ أُثْبِتَ بِالقِياسِ فَهو مُخالِفٌ لِصَرِيحِ مَعْنى الشَّرْطِ، وإذا جاءَ نَهْرُ اللَّهِ تَعالى بَطَلَ نَهْرُ مَعْقِلٍ، وإنْ أُثْبِتَ بِالحَدِيثِ وهو غَيْرُ مَشْهُورٍ لَمْ يُوافِقْ أُصُولَهُ، ويُدْفَعُ بِأنَّهُ مِن صَرِيحِ النَّصِّ لِأنَّ باءَ الإلْصاقِ صَرِيحَةٌ فِيهِ لِأنَّهُ يُقالُ: دَخَلَ بِها إذا أمْسَكَها وأدْخَلَها البَيْتَ فَإنْ قُلْتَ: هَبْ أنَّ الكِنايَةَ لا يُشْتَرَطُ فِيها القَرِينَةُ المانِعَةُ عَنْ إرادَةِ الحَقِيقَةِ لَكِنْ تَلْزَمُ إرادَتُهُ كَما حَقَّقَ في المَعانِي فَلا دَلالَةَ لِلْآيَةِ عَلَيْهِ أُجِيبُ: بِأنَّهُ وإنْ لَمْ يَلْزَمْ إرادَتَهُ لَكِنْ لا مانِعَ مِنهُ عِنْدَ قِيامِ قَرِينَةٍ عَلى إرادَتِهِ، وكَفى بِالآثارِ قَرِينَةٌ، ومِنها ما رُوِيَ مِن طَرِيقِ ابْنِ وهْبٍ عَنْ أبِي أيُّوبَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ««أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ في الَّذِي

صفحة 259

يَتَزَوَّجُ المَرْأةَ فَيَغْمِزُ لا يَزِيدُ عَلى ذَلِكَ لا يَتَزَوَّجُ ابْنَتَها»» وهو مُرْسَلٌ ومُنْقَطِعٌ إلّا أنَّ هَذا لا يَقْدَحُ عِنْدَنا إذا كانَتِ الرِّجالُ ثِقاتٍ فَلِذا أدْرَجُوهُ في مَدْلُولِ النَّظْمِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّهُ قالَ: «إذا جامَعَ الرَّجُلُ المَرْأةَ أوْ قَبَّلَها أوْ لَمَسَها بِشَهْوَةٍ أوْ نَظَرَ إلى فَرْجِها بِشَهْوَةٍ حُرِّمَتْ عَلى أبِيهِ وابْنِهِ وحُرِّمَتْ عَلَيْهِ أُمُّها وبِنْتُها.

فَإنْ قُلْتَ هَبْ أنَّهُ يُدْخِلُ اللَّمْسَ في صَرِيحِهِ فَكَيْفَ يَدْخُلُ نَظِيرُهُ فِيهِ؟ أُجِيبُ بِأنَّهُ داخِلٌ بِدَلالَةِ النَّصِّ، وما ذُكِرَ مِن مُخالَفَةِ صَرِيحِ الشَّرْطِ مَبْنِيٌّ عَلى اعْتِبارِ مَفْهُومِ الشَّرْطِ، ونَحْنُ لا نَقُولُ بِهِ مَعَ أنَّهُ غَيْرُ عامٍّ، وبِتَقْدِيرِ عُمُومِهِ لا يَبْعُدُ القَوْلُ بِالتَّخْصِيصِ فَتَدَبَّرْ.

والزِّنا في الفَرْجِ مُحَرَّمٌ عِنْدَنا فَمَن زَنى بِامْرَأةٍ حَرُمَتْ عَلَيْهِ بِنْتُها خِلافًا لِلشّافِعِيِّ حَيْثُ ذَهَبَ إلى أنَّ الزِّنا لا يُوجِبُ حُرْمَةَ المُصاهَرَةِ لِأنَّها نِعْمَةٌ فَلا تُنالُ بِمَحْظُورٍ، ولِقَوْلِهِ ﷺ: «لا يُحَرِّمُ الحَرامُ الحَلالَ» ولَنا أنَّ الوَطْءَ سَبَبٌ لِلْوَلَدِ فَيَتَعَلَّقُ بِهِ التَّحْرِيمُ قِياسًا عَلى الوَطْءِ الحَلالِ، ووَصْفُ الحَلِّ لا دَخْلَ لَهُ في المَناطِ فَإنَّ وطْءَ الأمَةِ المُشْتَرِكَةِ وجارِيَةِ الِابْنِ والمُكاتَبَةِ والمُظاهَرِ مِنها وأمَتِهِ المَجُوسِيَّةِ والحائِضِ والنُّفَساءِ ووَطْءَ المُحْرِمِ والصّائِمِ كُلُّهُ حَرامٌ، وتَثْبُتُ بِهِ الحُرْمَةُ المَذْكُورَةُ، ويَدُلُّ ذَلِكَ عَلى أنَّ المُعْتَبَرَ في الأصْلِ هو ذاتُ اِلْوَطْءِ مِن غَيْرِ نَظَرٍ لِكَوْنِهِ حَلالًا أوْ حَرامًا. ورُوِيَ «أنَّ رَجُلًا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي زَنَيْتُ بِامْرَأةٍ في الجاهِلِيَّةِ أفَأنْكَحُ ابْنَتَها فَقالَ ﷺ: ”لا أرى ذَلِكَ ولا يَصْلُحُ أنْ تَنْكِحَ امْرَأةً تَطَّلِعُ مِنِ ابْنَتِها عَلى ما تَطَّلِعُ عَلَيْهِ مِنها“»، وهَذا وإنْ كانَ فِيهِ إرْسالٌ وانْقِطاعٌ لَكِنْ جِئْنا بِهِ في مُقابَلَةِ خَبَرِهِمْ وقَدْ طَعَنَ فِيهِ المُحَدِّثُونَ، وذَكَرَهُ عَبْدُ الحَقِّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ثُمَّ قالَ: في إسْنادِهِ إسْحاقُ بْنُ أبِي فَرْوَةَ وهو مَتْرُوكٌ عَلى أنَّهُ غَيْرُ مُجْرًى عَلى ظاهِرِهِ، أرَأيْتَ لَوْ بالَ أوْ صَبَّ خَمْرًا في ماءٍ قَلِيلٍ ألَمْ يَكُنْ حَرامًا مَعَ أنَّهُ يَحْرُمُ اسْتِعْمالُهُ فَيَجِبُ كَوْنُ المُرادِ مِنهُ أنَّ الحَرامَ لا يَحْرُمُ بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ حَرامًا وحِينَئِذٍ نَقُولُ بِمُوجِبِهِ إذْ لَمْ نَقُلْ بِإثْباتِ الزِّنا حُرْمَةُ المُصاهَرَةِ بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ زِنًا بَلْ بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ وطْءً، وأجابَ صاحِبُ «الهِدايَةِ» عَنْ قَوْلِهِمْ في تَعْلِيلِ كَوْنِ الزِّنا لا يُوجِبُ حُرْمَةَ المُصاهَرَةِ بِأنَّها نِعْمَةٌ فَلا تُنالُ بِمَحْظُورٍ «بِأنَّ الوَطْءَ يُحَرَّمُ مِن حَيْثُ إنَّهُ سَبَبُ لِلْوَلَدِ لا مِن حَيْثُ ”ذاتُهُ ولا مِن حَيْثُ“ إنَّهُ زِنًا»، وفي «فَتْحِ القَدِيرِ» أنَّ هَذا القَوْلَ «مَغْلَطَةٌ فَإنَّ النِّعْمَةَ لَيْسَتِ التَّحْرِيمَ مِن حَيْثُ هو تَحْرِيمٌ لِأنَّهُ تَضْيِيقٌ ولِذا اتَّسَعَ الحِلُّ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ”نِعْمَةً“ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى بَلْ مِن حَيْثُ هو يَتَرَتَّبُ عَلى المُصاهَرَةِ فَحَقِيقَةُ النِّعْمَةِ هي المُصاهَرَةُ لِأنَّها الَّتِي تُصَيِّرُ الأجْنَبِيَّ قَرِيبًا ”عَضُدًا وساعِدًا يُهِمُّهُ ما أهُمَّكَ ولا مُصاهَرَةَ بِالزِّنا، فالصِّهْرُ زَوْجُ البِنْتِ مَثَلًا لا مِن زِنًا بِبِنْتِ الإنْسانِ فانْتَفَتِ الصَّهْرِيَّةُ وفائِدَتُها أيْضًا إذِ الإنْسانُ يَنْفِرُ مِنَ الزّانِي بِبِنْتِهِ فَلا يَتَعَرَّفُ بِهِ بَلْ يُعادِيهِ فَأنّى يَنْتَفِعُ بِهِ،“ والمَنقُولاتُ مُتَكافِئَةٌ فالمَرْجِعُ القِياسُ، وقَدْ بَيَّنّا فِيهِ إلْغاءَ وصْفٍ زائِدٍ عَلى كَوْنِهِ وصْفًا»، وتَمامُ الكَلامِ في المَبْسُوطاتِ مِن كُتُبِ أئِمَّتِنا.

﴿فَإنْ لَمْ تَكُونُوا﴾ أيْ فِيما قَبْلُ ﴿دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ أيْ بِأُولَئِكَ النِّساءِ أُمَّهاتِ الرَّبائِبِ ﴿فَلا جُناحَ﴾ أيْ فَلا إثْمَ ﴿عَلَيْكُمْ﴾ أصْلًا في نِكاحِ بَناتِهِنَّ إذا طَلَّقْتُمُوهُنَّ أوْ مِتْنَ، وهَذا تَصْرِيحٌ بِما أشْعَرَ بِهِ ما قَبْلَهُ، وفِيهِ دَفْعُ تَوَهُّمٍ أنَّ قَيْدَ الدُّخُولِ كَقَيْدِ الكَوْنِ في الحُجُورِ، والفاءُ الأُولى لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها عَلى طَرْزِ ما مَرَّ، وفي الِاقْتِصارِ في بَيانِ نَفْيِ الحُرْمَةِ عَلى نَفْيِ الدُّخُولِ إشارَةٌ إلى أنَّ المُعْتَبَرَ في الحُرْمَةِ إنَّما هو الدُّخُولُ دُونَ كَوْنِ الرَّبائِبِ في الحُجُورِ، وإلّا لَقِيلَ: فَإنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ ولَسْنَ في حُجُورِكم أوْ فَإنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ أوْ لَسْنَ في حُجُورِكم جَرْيًا عَلى العادَةِ في إضافَةِ نَفْيِ الحُكْمِ إلى نَفْيٍ تَمامِ العِلَّةِ المُرَكَّبَةِ أوْ أحَدِ جُزْأيْها الدّائِرِ، وإنْ صَحَّ إضافَتُهُ إلى نَفْيِ جُزْئِها المُعَيَّنِ لَكِنَّهُ خِلافَ المُسْتَمِرِّ مِنَ الِاسْتِعْمالِ.

﴿وحَلائِلُ أبْنائِكُمُ﴾ أيْ زَوْجاتُهم جَمْعُ حَلِيلَةٍ سُمِّيَتِ الزَّوْجَةُ بِذَلِكَ لِأنَّها تَحِلُّ

صفحة 260

مَعَ زَوْجِها في فِراشٍ واحِدٍ، أوْ لِأنَّها تَحِلُّ مَعَهُ حَيْثُ كانَ فَهي فَعِيلَةٌ بِمَعْنى فاعِلَةٍ، وكَذا يُقالُ لِلزَّوْجِ حَلِيلٌ. وقِيلَ: اشْتِقاقُهُما مِنَ الحَلِّ لِحَلِّ كُلٍّ مِنهُما إزارَ صاحِبِهِ، وقِيلَ: مِنَ الحِلِّ إذْ كَلٌّ مِنهُما حَلالٌ لِصاحِبِهِ فَفَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، والتّاءُ في حَلِيلَةٍ لِإجْرائِها مَجْرى الجَوامِدِ ولَوْ جُعِلَ فَعِيلٌ في جانِبِ الزَّوْجِ بِمَعْنى فاعِلٍ، وفي جانِبِ الزَّوْجَةِ بِمَعْنى مَفْعُولٍ كانَ فِيهِ نَوْعُ لَطافَةٍ لا تَخْفى، والآيَةُ ظاهِرَةٌ في تَحْرِيمِ الزَّوْجَةِ فَقَطْ، وأمّا حُرْمَةُ مَن وطِئَها الِابْنُ مِمَّنْ لَيْسَ بِزَوْجَةٍ فَبِدَلِيلٍ آخَرَ، وقالَ ابْنُ الهُمامِ: «إنِ اعْتُبِرَ الحَلِيلَةُ مِن حُلُولِ الفِراشِ أوْ حَلِّ الإزارِ تَناوَلَ المَوْطُوأةَ بِمِلْكِ اليَمِينِ أوْ شُبْهَةٍ أوْ زِنًا فَيَحْرُمُ الكُلُّ عَلى الآباءِ وهو الحُكْمُ الثّابِتُ عِنْدَنا. . . ولا يَتَناوَلُ المَعْقُودَ عَلَيْها لِلِابْنِ أوْ بَنِيهِ وإنْ سَفُلُوا قَبْلَ الوَطْءِ والفَرْضِ أنَّها بِمُجَرَّدِ العَقْدِ تَحْرُمُ عَلى الآباءِ وذَلِكَ بِاعْتِبارِهِ مِنَ الحِلِّ بِالكَسْرِ، وقَدْ قامَ الدَّلِيلُ عَلى حُرْمَةِ المَزْنِيِّ بِها لِلِابْنِ عَلى الأبِ فَيَجِبُ اعْتِبارُهُ في أعَمَّ مِنَ الحِلِّ والحَلِّ، ثُمَّ يُرادُ بِالأبْناءِ الفُرُوعُ فَتَحْرُمُ حَلِيلَةُ الِابْنِ السّافِلِ عَلى الجَدِّ الأعْلى» وكَذا ابْنُ البِنْتِ وإنْ سَفُلَ، والظّاهِرُ مِن كَلامِ اللُّغَوِيِّينَ أنَّ الحَلِيلَةَ الزَّوْجَةُ كَما أشَرْنا إلَيْهِ، واخْتارَ بَعْضُهم إرادَةَ المَعْنى الأعَمِّ الشّامِلِ لِمِلْكِ اليَمِينِ لِيَكُونَ السِّرُّ في التَّعْبِيرِ بِها هُنا دُونَ الأزْواجِ أوِ النِّساءِ أنَّ الرَّجُلَ رُبَّما يَظُنُّ أنَّ مَمْلُوكَةَ ابْنِهِ مَمْلُوكَةٌ لَهُ بِناءًا عَلى أنَّ الوَلَدَ ومالَهُ لِأبِيهِ فَلا يُبالِي بِوَطْئِها وإنْ وطِئَها الِابْنُ فَنَبَّهُوا عَلى تَحْرِيمِها بِعُنْوانٍ صادِقٍ عَلَيْها وعَلى الزَّوْجَةِ صِدْقَ العامِّ عَلى أفْرادِهِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَهُما فَتَدَبَّرْ، وحُكْمُ المَمْسُوساتِ ونَحْوِهِنَّ حُكْمُ اللّاتِي وطِئَهُنَّ الأبْناءُ.

﴿الَّذِينَ مِن أصْلابِكُمْ﴾ صِفَةٌ لِلْأبْناءِ، وذُكِرَ لِإسْقاطِ حَلِيلَةِ المُتَبَنّى، وعَنْ عَطاءٍ أنَّها نَزَلَتْ حِينَ تَزَوَّجَ النَّبِيُّ ﷺ امْرَأةَ زَيْدِ بْنِ حارِثَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَقالَ المُشْرِكُونَ في ذَلِكَ، ولَيْسَ المَقْصُودُ مِن ذَلِكَ إسْقاطُ حَلِيلَةِ الِابْنِ مِنَ الرِّضاعِ فَإنَّها حَرامٌ أيْضًا كَحَلِيلَةِ الِابْنِ مِنَ النَّسَبِ. وذَكَرَ بَعْضُهم فِيهِ خِلافًا لِلشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ والمَشْهُورُ عَنْهُ الوِفاقُ في ذَلِكَ.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English