Аль-Алуси · Тафсир · на арабском
Мухаммад 47:19, продолжение
وفِي حَدِيثٍ أخْرَجَهُ أبُو نَعِيمٍ عَنْ عِياضٍ الأشْعَرِيِّ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «(لا إلَهَ إلّا اللَّهُ كَلِمَةٌ كَرِيمَةٌ ولَها عِنْدَ اللَّهِ مَكانٌ جَمَعَتْ وسَوَّلَتْ، مَن قالَها صادِقًا مِن قَلْبِهِ دَخَلَ الجَنَّةَ)».
وفِي حَدِيثٍ أخْرَجَهُ ابْنُ النَّجّارِ عَنْ دِينارٍ عَنْ أنَسٍ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: «(لا إلَهَ إلّا اللَّهُ كَلِمَةٌ عَظِيمَةٌ كَرِيمَةٌ عَلى اللَّهِ تَعالى مَن قالَها مُخْلِصًا اسْتَوْجَبَ الجَنَّةَ)».
وأخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: (قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «اذْهَبْ بِنَعْلَيَّ هاتَيْنِ فَمَن لَقِيتَ مِن وراءِ هَذا الحائِطِ يَشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ مُسْتَيْقِنًا بِها قَلْبُهُ فَبَشِّرْهُ بِالجَنَّةِ)».
وحَدِيثُ البِطاقَةِ أشْهَرُ مِن أنْ يُذْكَرَ، وكَذا الحَدِيثُ القُدْسِيُّ المَرْوِيُّ عَنْ عَلِيَّ الرِّضا عَنْ آبائِهِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وجاءَ «(مَن كانَ آخِرُ كَلامِهِ مِنَ الدُّنْيا لا إلَهَ إلّا اللَّهُ
صفحة 61
دَخَلَ الجَنَّةَ)».
أيْ بِلا حِسابٍ وإلّا فَما الفَرْقُ بَيْنَ ذَلِكَ ومَن قالَها ولَمْ تَكُنْ آخِرَ كَلامِهِ مِنَ الدُّنْيا، وبِالجُمْلَةِ إنَّ فَضْلَها لا يُحْصى وإنَّها لَتُوَصِّلُ قائِلَها إلى المَقامِ الأقْصى، وقَدْ أُلِّفَتْ كُتُبٌ في فَضْلِها وكَيْفِيَّةِ النُّطْقِ بِها وآدابِ اسْتِعْمالِها فَلا نُطِيلُ الكَلامَ في ذَلِكَ.
بَقِيَ هاهُنا بَحْثٌ وهو أنَّ المُسْلِمِينَ أجْمَعُوا عَلى وُجُوبِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى وإنِ اخْتَلَفُوا في كَوْنِهِ شَرْعِيًّا أوْ عَقْلِيًّا، وأمّا النَّظَرُ في مَعْرِفَتِهِ تَعالى لِأجْلِ حُصُولِها بِقَدْرِ الطّاقَةِ البَشَرِيَّةِ فَقَدْ قالَ العَلّامَةُ التَّفْتازانِيُّ في شَرْحِ المَقاصِدِ: لا خِلافَ بَيْنَ أهْلِ الإسْلامِ في وُجُوبِهِ لِأنَّهُ أمْرٌ مَقْدُورٌ يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الواجِبُ المُطْلَقُ الَّذِي هو المَعْرِفَةُ، وكُلُّ مَقْدُورٍ يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الواجِبُ المُطْلَقُ فَهو واجِبٌ شَرْعًا إنْ كانَ وُجُوبُ الواجِبِ المُطْلَقِ شَرْعِيًّا كَما هو رَأْيُ الأصْحابِ وعَقْلًا إنْ كانَ عَقْلِيًّا كَما هو رَأْيُ المُعْتَزِلَةِ لِئَلّا يَلْزَمَ تَكْلِيفُ المُحالِ، أمّا كَوْنُ النَّظَرِ مَقْدُورًا فَظاهِرٌ، وأمّا تَوَقُّفُ المَعْرِفَةِ عَلَيْهِ فَلِأنَّها لَيْسَتْ بِضَرُورِيَّةٍ بَلْ نَظَرِيَّةً، ولا مَعْنى لِلنَّظَرِيِّ إلّا ما يَتَوَقَّفُ عَلى النَّظَرِ ويَتَحَصَّلُ بِهِ، وظاهِرُ كَلامِ السَّنَدِ في شَرْحِ المَواقِفِ إجْماعُ المُسْلِمِينَ كافَّةً عَلى ذَلِكَ أيْضًا. والحَقُّ وُقُوعُ الخِلافِ في وُجُوبِ النَّظَرِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلامُ ابْنِ الحاجِبِ في مُخْتَصَرِهِ، والعَضُدِ في شَرْحِهِ، وكَلامُ التّاجِ السُّبْكِيِّ في جَمْعِ الجَوامِعِ، والجَلالِ المَحَلِّيِّ في شَرْحِهِ، وقَوْلُ شَيْخِ الإسْلامِ في حاشِيَتِهِ عَلَيْهِ: مَحَلُّ الخِلافِ في وُجُوبِ النَّظَرِ في أُصُولِ الدِّينِ وعَدَمِ وُجُوبِهِ في غَيْرِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى مِنها أمّا النَّظَرُ فِيها فَواجِبٌ إجْماعًا كَما ذَكَرَهُ السَّعْدُ التَّفْتازانِيُّ كَغَيْرِهِ اعْتَرَضَهُ المُحَقِّقُ ابْنُ قاسِمٍ العَبّادِيِّ في حاشِيَتِهِ الآياتِ البَيِّناتِ بِقَوْلِهِ: إنَّ الظّاهِرَ أنَّ ما نَقَلَهُ السَّعْدُ مِنَ الإجْماعِ عَلى وُجُوبِ النَّظَرِ في مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى غَيْرُ مُسَلَّمٍ عِنْدَ الشّارِحِ وغَيْرِهِ، ألا تَرى إلى تَمْثِيلِ الشّارِحِ لِمَحَلِّ الخِلافِ بِقَوْلِهِ: كَحُدُوثِ العالَمِ ووُجُودِ البارِيِّ تَعالى وما يَجِبُ لَهُ جَلَّ شَأْنُهُ وما يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ مِنَ الصِّفاتِ فَإنَّ قَوْلَهُ: ووُجُودُ البارِيِّ تَعالى إلَخْ يَتَعَلَّقُ بِمَعْرِفَتِهِ عَزَّ وجَلَّ إلى آخِرِ ما قالَ. نَعَمْ قالَ كَثِيرٌ ورَجَّحَهُ الإمامُ الرّازِيُّ والآمِدِيُّ: إنَّهُ يَجِبُ النَّظَرُ في مَسائِلِ الِاعْتِقادِ ومَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى أُسُّها فَيَجِبُ فِيها بِالأوْلى، وقالُوا في ذَلِكَ لِأنَّ المَطْلُوبَ اليَقِينُ لِقَوْلِهِ تَعالى لِنَبِيِّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ﴿فاعْلَمْ أنَّهُ لا إلَهَ إلا اللَّهُ﴾ وقَدْ عَلِمَ ذَلِكَ، وقالَ تَعالى لِلنّاسِ: ﴿واتَّبِعُوهُ لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ ويُقاسُ غَيْرُ الوَحْدانِيَّةِ عَلَيْها، ولا يَتِمُّ الِاسْتِدْلالُ إلّا بِضَمِّ تَوَقَّفِ حُصُولِ اليَقِينِ عَلى النَّظَرِ. وهَؤُلاءِ لَمْ يُجَوِّزُوا التَّقْلِيدَ في الأُصُولِ وهو أحَدُ أقْوالٍ في المَسْألَةِ. ثانِيها قَوْلُ العَنْبَرِيِّ: إنَّهُ يَجُوزُ التَّقْلِيدُ فِيها بِالعَقْدِ الجازِمِ ولا يَجِبُ النَّظَرُ لَها لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ يَكْتَفِي في الإيمانِ بِالعَقْدِ الجازِمِ ويُقاسُ غَيْرُ الإيمانِ عَلَيْهِ.
والمُرادُ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ يَكْتَفِي بِذَلِكَ نَظَرًا إلى ظاهِرِ الحالِ فَإنَّ الخَبَرَ كَما صَرَّحَ بِهِ المُحَقِّقُ عِيسى الصَّفْوِيُّ في شَرْحِهِ لِلْفَوائِدِ الغِياثِيَّةِ عَلى ما نَقَلَهُ عَنْهُ تِلْمِيذُهُ ابْنُ قاسِمٍ العَبّادِيُّ في الآياتِ البَيِّناتِ دالٌّ وضْعًا عَلى صُورَةٍ ذِهْنِيَّةٍ عَلى وجْهِ الإذْعانِ تَحْكِي الحالَ الواقِعِيَّةَ، ولا شَكَّ أنَّ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ مِن قِسْمِ الخَبَرِ فَهُما دالّانِ وضْعًا عَلى أنَّ قائِلَهُما ولَوْ تَحْتَ ظِلالِ السَّيْفِ مُعْتَقِدٌ لِمَضْمُونِهِما عَلى وجْهِ الإذْعانِ، وعَدَمُ كَوْنِهِ مُعْتَقِدًا في نَفْسِ الأمْرِ احْتِمالٌ عَقْلِيٌّ، والمُطَّلِعُ عَلى ما في القُلُوبِ عَلّامُ الغُيُوبِ. وثالِثُ الأقْوالِ: إنَّهُ يَجِبُ التَّقْلِيدُ بِالعَقْدِ الجازِمِ ويُحَرَّكُ النَّظَرُ لِأنَّهُ مَظِنَّةُ الوُقُوعِ في الشُّبَهِ والضَّلالِ لِاخْتِلافِ الأذْهانِ بِخِلافِ التَّقْلِيدِ وهَذا لَيْسَ بِشَيْءٍ أصْلًا. والَّذِي أوْجَبَ النَّظَرَ مِنَ المُحَقِّقِينَ لَمْ يُرِدْ بِهِ النَّظَرَ عَلى طَرِيقِ المُتَكَلِّمِينَ بَلْ صَرَّحَ كَما في الجَوابِ العَتِيدِ لِلْكُورانِي بِأنَّ المُعْتَبَرَ هو النَّظَرُ عَلى طَرِيقِ العامَّةِ، والظّاهِرُ أنَّهُ لَيْسَ مَظِنَّةَ الوُقُوعِ فِيما ذُكِرَ، وهَلِ القائِلُ بِوُجُوبِهِ مِن أُولَئِكَ جاعِلٌ لَهُ شَرْطًا لِصِحَّةِ الإيمانِ أمْ لا فَفِيهِ خِلافٌ. فَيُفْهَمُ مِن بَعْضِ
صفحة 62
عِباراتِ شَرْحِ الأرْبَعِينَ لِابْنِ حَجَرٍ أنَّهُ جاعِلٌ لَهُ كَذَلِكَ فَلا يَصِحُّ إيمانُ المُقَلِّدِ عِنْدَهُ، بَلْ يُفْهَمُ مِنها أنَّ النَّظَرَ المُعْتَبَرَ عِنْدَ ذَلِكَ هو النَّظَرُ عَلى طَرِيقِ المُتَكَلِّمِينَ، وكَلامُ الجَلالِ المَحَلِّيِّ في شَرْحِ جَمْعِ الجَوامِعِ صَرِيحٌ في أنَّ القائِلِينَ بِوُجُوبِ النَّظَرِ غَيْرَ أبِي هاشِمٍ لَيْسُوا جاعِلِينَ النَّظَرَ شَرْطًا لِصِحَّةِ الإيمانِ ولا زاعِمِينَ بُطْلانَ إيمانِ المُقَلِّدِ بَلْ هو صَحِيحٌ عِنْدَهم مَعَ الإثْمِ بِتَرْكِ النَّظَرِ الواجِبِ. نَعَمَ سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى نَقْلُ الإمامِ حُجَّةِ الإسْلامِ في كِتابِهِ فَيْصَلِ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الإسْلامِ والزَّنْدَقَةِ نَقْلُ الِاشْتِراطِ عَنْ طائِفَةٍ مِنَ المُتَكَلِّمِينَ مَعَ رَدِّهِ.
وأمّا ما نُقِلَ عَنِ الشَّيْخِ الأشْعَرِيِّ مِنَ الِاشْتِراطِ وأنَّهُ لا يَصِحُّ إيمانُ المُقَلِّدِ فَكَذِبٌ عَلَيْهِ كَما قالَهُ الأُسْتاذُ أبُو القاسِمِ القُشَيْرِيُّ، وقالَ التّاجُ السُّبْكِيُّ: التَّحْقِيقُ أنَّهُ إنْ كانَ التَّقْلِيدُ أخْذًا بِقَوْلِ الغَيْرِ بِغَيْرِ حُجَّةٍ مَعَ احْتِمالِ شَكٍّ أوْ وهْمٍ فَلا يَكْفِي، وإنْ كانَ جَزْمًا فَيَكْفِي خِلافًا لِأبِي هاشِمٍ. والظّاهِرُ أنَّ القائِلَ بِكِفايَةِ التَّقْلِيدِ مَعَ الجَزْمِ يَمْنَعُ القَوْلَ بِأنَّ المَعْرِفَةَ لا تَحْصُلُ إلّا بِالنَّظَرِ ويَقُولُ: إنَّها قَدْ تَحْصُلُ بِالإلْهامِ أوِ التَّعْلِيمِ أوِ التَّصْفِيَةِ، فَمَن حَصَلَ لَهُ العَقْدُ الجازِمُ بِما يَجِبُ عَلَيْهِ اعْتِقادُهُ فَقَدْ صَحَّ إيمانُهُ مِن غَيْرِ إثْمٍ لِحُصُولِ المَقْصُودِ، ومَن لَمْ يَحْصُلْ لَهُ ذَلِكَ ابْتِداءً أوْ تَقْلِيدًا أوْ ضَرُورَةً فالنَّظَرُ عَلَيْهِ مُتَعَيَّنٌ ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أعْرَضَ عَنْها﴾ .
ويَكْفِي دَلِيلًا لِلصِّحَّةِ اكْتِفاءُ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأصْحابُهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم مِن عَوامِّ العَجَمِ كَأجْلافِ العَرَبِ وإنْ أسْلَمَ أحَدُهم تَحْتَ ظِلِّ السَّيْفِ بِمُجَرَّدِ الإقْرارِ بِلا إلَهَ إلّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ الدّالِّ بِحَسَبِ ظاهِرِ حالِهِمْ عَلى أنَّهم يَعْتَقِدُونَ مَضْمُونَ ذَلِكَ ويُذْعِنُونَ لَهُ، ولَوْ كانَ الِاسْتِدْلالُ فَرْضًا لَأُمِرُوا بِهِ بَعْدَ النُّطْقِ بِالكَلِمَتَيْنِ أوْ عَلِمُوا الدَّلِيلَ ولَقَّنُوهُ كَما لَقَّنُوهُما وكَما عَلِمُوا سائِرَ الواجِباتِ، ولَوْ وقَعَ ذَلِكَ لَنُقِلَ إلَيْنا فَإنَّهُ مِن أهَمِّ مُهِمّاتِ الدِّينِ، ولَمْ يُنْقُلْ أنَّهم أمَرُوا أحَدًا مِنهم أسْلَمَ بِتَرْدِيدِ نَظَرٍ ولا سَألُوهُ عَنْ دَلِيلِ تَصْدِيقِهِ ولا أرْجَؤُوا أمْرَهُ حَتّى يَنْظُرَ فَلَوْ كانَ النَّظَرُ واجِبًا عَلى الأعْيانِ ولَوْ إجْمالِيًّا عَلى طَرِيقِ العامَّةِ لِما اكْتَفى النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن أُولَئِكَ العَوامِّ والأجْلافِ بِمُجَرَّدِ الإقْرارِ لِأنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأصْحابُهُ لا يُقِرُّونَ أحَدًا عَلى تَرْكِ فَرْضِ العَيْنِ مِن غَيْرِ عُذْرٍ، فَلا يَكُونُ تارِكُهُ آثِمًا فَضْلًا عَنْ أنْ يَكُونَ بِتَرْكِهِ غَيْرَ صَحِيحِ الإيمانِ، ويَشْهَدُ لِذَلِكَ ما قالَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِأُسامَةَ بْنِ زَيْدٍ عِنْدَ اعْتِذارِهِ عَنْ قَتْلِ مِرْداسِ بْنِ نَهْيِكٍ مِن أهْلِ فَدُكَ وغَيْرُهُ مِنَ الأخْبارِ الكَثِيرَةِ. وما في المَواقِفِ والمَقاصِدِ وشَرْحِ المُخْتَصَرِ العَضُدِيِّ وغَيْرِها مِن كُتُبِ الكَلامِ والأُصُولِ مِن أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأصْحابَهُ كانُوا يَعْلَمُونَ أنَّهُمْ- أيِ العَوامَّ- وأجْلافَ العَرَبِ يَعْلَمُونَ الأدِلَّةَ إجْمالًا كَما قالَ الأعْرابِيُّ: البَعْرَةُ تَدُلُّ عَلى البَعِيرِ وأثَرُ الأقْدامِ عَلى المَسِيرِ أفَسْماءٌ ذاتَ أبْراجٍ وأرْضٌ ذاتَ فِجاجٍ لا تَدُلُّ عَلى اللَّطِيفِ الخَبِيرِ أيْ فَلِذَلِكَ لَمْ يُلْزِمُوهُمُ النَّظَرَ ولا سَألُوهم عَنْهُ ولا أرْجَؤُوا أمْرَهم وكُلُّ ما كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنِ اكْتِفاؤُهم بِمُجَرَّدِ الإقْرارِ دَلِيلًا عَلى أنَّ النَّظَرَ لَيْسَ واجِبًا عَلى الأعْيانِ ولا عَلى أنَّ تارِكَهُ غَيْرُ آثِمٍ دَعْوى لا دَلِيلَ عَلَيْها، وحِكايَةُ الأعْرابِيِّ إنْ كانَتْ مَسُوَقَةً لِلِاسْتِدْلالِ لا تَدُلُّ غايَةُ ما في البابِ أنَّ ذَلِكَ الأعْرابِيَّ كانَ عالِمًا بِدَلِيلٍ إجْمالِيٍّ، ولا يَلْزَمُ مِنهُ أنَّ جَمِيعَ الأجْلافِ والعَوامِّ كانُوا عالِمِينَ بِالأدِلَّةِ الإجْمالِيَّةِ في عَهْدِ النُّبُوَّةِ وغَيْرِهِ وإلّا لَكانَتْ حُجَّةً عَلى أنَّهُ لا مُقَلِّدَ في الوُجُودِ، عَلى أنَّ بَعْضَهم أسْنَدَ ذَلِكَ القَوْلَ إلى قَسِّ بْنِ ساعِدَةَ وكانَ في الفَتْرَةِ. والجَلالُ المَحَلِّيُّ ذَكَرَهُ لِأعْرابِيٍّ قالَهُ في جَوابِ الأصْمَعِيِّ وكانَ في زَمَنِ الرَّشِيدِ بَلْ قَدْ يُقالُ: إنَّ ظاهِرَ كَثِيرٍ مِنَ الآياتِ والأخْبارِ يَدُلُّ عَلى أنَّ كَثِيرًا مِنَ المُشْرِكِينَ في عَهْدِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يَكُونُوا عالِمِينَ بِأدِلَّةِ التَّوْحِيدِ مُطْلَقًا، وذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عَنْهُمْ:
صفحة 63
﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ .
﴿إنَّهم كانُوا إذا قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿ويَقُولُونَ أإنّا لَتارِكُو آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ وقَوْلُ بَعْضِهِمْ في بَعْضِ الحُرُوبِ: اعْلُ هُبْلُ اعْلُ هُبْلُ وما ذَكَرَهُ المُحَقِّقُ العَضُدُ في شَرْحِ المُخْتَصَرِ مِنَ الدَّلِيلِ عَلى عَدَمِ جَوازِ التَّقْلِيدِ حَيْثُ قالَ: إنَّ الأُمَّةَ أجْمَعُوا عَلى وُجُوبِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى وأنَّها لا تَحْصُلُ بِالتَّقْلِيدِ لِثَلاثَةِ أوْجُهٍ: أحَدُها أنَّهُ يَجُوزُ الكَذِبُ عَلى المُخْبِرِ فَلا يَحْصُلُ بِقَوْلِهِ العِلْمُ. ثانِيها أنَّهُ لَوْ أفادَ العِلْمَ لَأفادَهُ بِنَحْوِ حُدُوثِ العالَمِ مِنَ المَسائِلِ المُخْتَلِفِ فِيها فَإذا قُلِّدَ واحِدٌ في الحُدُوثِ والآخَرُ في القِدَمِ كانا عالِمَيْنِ بِهِما فَيَلْزَمُ حَقِيقَتُهُما وأنَّهُ مُحالٌ. ثالِثُها أنَّ التَّقْلِيدَ لَوْ حَصَلَ العِلْمُ فالعِلْمُ بِأنَّهُ صَدَقَ فِيما أخْبَرَ بِهِ إمّا أنْ يَكُونَ ضَرُورِيًّا أوْ نَظَرِيًّا لا سَبِيلَ إلّا الأوَّلُ بِالضَّرُورَةِ فَلا بُدَّ لَهُ مِن دَلِيلٍ والمَفْرُوضُ أنَّهُ لا دَلِيلَ إذْ لَوْ عُلِمَ صِدْقُهُ بِدَلِيلِهِ لَمْ يَبْقَ تَقْلِيدًا. تَعَقَّبَهُ العَلّامَةُ الكُورانِيُّ فَقالَ: فِيهِ بَحْثٌ، أمّا في الوَجْهِ الأوَّلِ فَلِأنَّ مَن جَوَّزَ التَّقْلِيدَ مِثْلَ المُقَلِّدِ بِمَن نَشَأ عَلى شاهِقِ جَبَلٍ ولَمْ يَنْظُرْ في مَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ وأخْبَرَهُ غَيْرُهُ بِما يَلْزَمُهُ اعْتِقادُهُ وصِدْقُهُ بِمُجَرَّدِ إخْبارِهِ مِن غَيْرِ تَفَكُّرٍ وتَدَبُّرٍ وهو صَرِيحٌ في أنَّ الكَلامَ في مُقَلِّدٍ أخْبَرَهُ غَيْرُهُ بِما يَلْزَمُهُ اعْتِقادُهُ وما يَلْزَمُهُ اعْتِقادُهُ لا يَكُونُ إلّا صِدْقًا فَإنَّ الكَذِبَ لا يَلْزَمُ أحَدًا اعْتِقادُهُ، وأمّا مَن أخْبَرَ بِالأكاذِيبِ فاعْتَقَدَها فَهو لَمْ يَعْتَقِدْ إلّا أكاذِيبَ والأكاذِيبُ لَيْسَ مِن مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى في شَيْءٍ فَكَيْفَ يَحْكَمُ عَلَيْهِ أحَدٌ مِنَ العُقَلاءِ بِأنَّهُ مُؤْمِنٌ بِاللَّهِ تَعالى عارِفٌ بِهِ مَعَ أنَّهُ لَمْ يَعْتَقِدْ إلّا الأكاذِيبَ وهو ظاهِرٌ، وأمّا في الوَجْهِ الثّانِي فَلِمِثْلِ ما مَرَّ لِأنّا لا نَقُولُ: إنَّ كُلَّ تَقْلِيدٍ مُفِيدٍ لِلْعَلَمِ ولا أنَّ كُلَّ مُقَلِّدٍ عالِمٌ كَيْفَ ولَيْسَ كُلُّ نَظَرٍ مُفِيدًا لِلْعِلْمِ ولا كُلُّ ناظِرٍ مُصِيبًا، فَإذا لَمْ يَكُنِ النَّظَرُ مُوجِبًا لِلْعِلْمِ مُطْلَقًا وإنَّما المُوجَبُ النَّظَرُ الصَّحِيحُ فَكَذَلِكَ نَقُولُ: لَيْسَ كُلُّ تَقْلِيدٍ مُفِيدًا لِلْعِلْمِ وإنَّما المُفِيدُ التَّقْلِيدُ الصَّحِيحُ، وهو أنْ يُقَلِّدَ عالِمًا بِمَسائِلِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى صادِقًا فِيما يُخْبِرُهُ بِهِ فَإنَّ الكَلامَ إنَّما هو في صِحَّةِ إيمانٍ مِثْلَ هَذا المُقَلِّدِ لا مُطْلَقًا، وأمّا في الثّالِثِ فَلِأنّا نَخْتارُ أنَّ عِلْمَهُ بِأنَّهُ صَدَقَ فِيما أخْبَرَ بِهِ ضَرُورِيٌّ قَوْلُكم لا سَبِيلَ إلَيْهِ بِالضَّرُورَةِ قُلْنا: مَمْنُوعٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ﴾ .
وقَدْ رُوِيَ مَرْفُوعًا «أنَّهُ ﷺ سُئِلَ عَنْ شَرْحِ الصَّدْرِ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: (نُورٌ يَقْذِفُهُ اللَّهُ في قَلْبِ المُؤْمِنِ فَيَنْفَسِحُ)» فَصَرَّحَ ﷺ بِأنَّهُ نُورٌ لا يَحْصُلُ مِن دَلِيلٍ وإنَّما يَقْذِفُهُ اللَّهُ تَعالى في قَلْبِهِ فَلا يَقْدِرُ عَلى دَفْعِهِ مِن غَيْرِ فِكْرٍ ولا رَوِيَّةٍ ولا نَظَرٍ ولا اسْتِدْلالٍ، وقَدْ صَرَّحَ بَعْضُ أكابِرِ المُحَقِّقِينَ بِأنَّ تَوْحِيدَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنْ عِلْمٍ ضَرُورِيٍّ وجَدُوهُ في نُفُوسِهِمْ لَمْ يَقْدِرُوا عَلى دَفْعِهِ وبِأنَّ مِن أهْلِ الفَتْرَةِ مَن وجَدَ كَذَلِكَ بَلْ قَدْ صَرَّحَ بِأنَّ الإيمانَ عِلْمٌ ضَرُورِيٌّ يَجِدُهُ المُؤْمِنُ في قَلْبِهِ لا يَقْدِرُ عَلى دَفْعِهِ فَكَمْ مَن آمَنَ بِلا دَلِيلٍ ومَن لَمْ يُؤْمِن مَعَ الدَّلِيلِ، وقَلَّما يُوثَقُ بِإيمانِ مَن آمَنَ عَنْ دَلِيلٍ فَإنَّهُ مُعَرَّضٌ لِلشُّبَهِ القادِحَةِ فِيهِ.
وفِي البابِ المِائَةِ والِاثْنَيْنِ والسَّبْعِينَ والمِائَةِ والسّابِعِ والسَّبْعِينَ والمِائَتَيْنِ والسّابِعِ والسَّبْعِينَ مِنَ الفُتُوحاتِ المَكِّيَّةِ ما يُؤَيِّدُ ذَلِكَ، وقالَ الإمامُ حُجَّةُ الإسْلامِ في فَيْصَلِ التَّفْرِقَةِ: مِن أشَدِّ النّاسِ غُلُوًّا وانْحِرافًا طائِفَةٌ مِنَ المُتَكَلِّمِينَ كَفَّرُوا عَوامَّ المُسْلِمِينَ وزَعَمُوا أنَّ مَن لا يَعْرِفُ الكَلامَ مَعْرِفَتِنا ولَمْ يَعْرِفِ الأدِلَّةَ الشَّرْعِيَّةَ بِأدِلَّتِنا الَّتِي حَرَّرْناها فَهو كافِرٌ فَهَؤُلاءِ ضَيَّقُوا رَحْمَةَ اللَّهِ تَعالى الواسِعَةِ عَلى عِبادِهِ أوَّلًا، وجَعَلُوا الجَنَّةَ وقْفًا عَلى شِرْذِمَةٍ يَسِيرَةٍ مِنَ المُتَكَلِّمِينَ، ثُمَّ جَهِلُوا ما تَواتَرَتْ بِهِ السُّنَّةُ ثانِيًا إذْ ظَهَرَ مِن عَصْرِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وعَصْرِ الصَّحابَةِ رِضْوانُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ حُكْمُهم بِإسْلامِ طَوائِفَ مِن أجْلافِ العَرَبِ كانُوا مَشْغُولِينَ بِعِبادَةِ الوَثَنِ ولَمْ يَشْتَغِلُوا بِتَعْلِيمِ الدَّلائِلِ ولَوِ اشْتَغَلُوا بِها لَمْ يَفْهَمُوها، ومَن ظَنَّ أنَّ مَدْرَكَ الإيمانِ الكَلامُ والأدِلَّةُ المُحَرَّرَةُ والتَّقْسِيماتُ المُرَتَّبَةُ فَقَدْ أبْعَدَ، لا بَلِ الإيمانُ نُورٌ يَقْذِفُهُ اللَّهُ تَعالى في قَلْبِ عَبْدِهِ عَطِيَّةً وهِدايَةً مِن عِنْدِهِ، تارَةً بِتَنَبُّهٍ في الباطِنِ لا يُمْكِنُ التَّعْبِيرُ
صفحة 64
عَنْهُ، وتارَةً بِسَبَبِ رُؤْيا في المَنامِ، وتارَةً بِمُشاهَدَةِ حالِ رَجُلٍ مُتَدَيِّنٍ وسَرايَةِ نُورِهِ إلَيْهِ عِنْدَ صُحْبَتِهِ ومُجالَسَتِهِ، وتارَةً بِقَرِينَةِ حالٍ، «فَقَدْ جاءَ أعْرابِيٌّ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ جاحِدًا لَهُ مُنْكِرًا، فَلَمّا وقَعَ بَصَرُهُ عَلى طَلْعَتِهِ البَهِيَّةِ وغَرَّتْهُ الغَرِيرَةُ السِّنِّيَّةُ فَرَآها يَتَلَأْلَأُ مِنها نُورُ النُّبُوَّةِ قالَ: واللَّهِ ما هَذا وجْهُ كَذّابٍ، وسَألَهُ أنْ يَعْرِضَ عَلَيْهِ الإسْلامَ فَأسْلَمَ، وجاءَ آخَرُ فَقالَ: أنْشُدُكَ اللَّهَ بَعَثَكَ اللَّهُ نَبِيًّا؟ فَقالَ ﷺ: بَلى إنِّي واللَّهِ اللَّهُ بَعَثَنِي نَبِيًّا فَصَدَّقَهُ بِيَمِينِهِ وأسْلَمَ،» فَهَذا وأمْثالُهُ أكْثَرُ مِن أنْ يُحْصى ولَمْ يَشْتَغِلْ واحِدٌ مِنهم قَطُّ بِالكَلامِ وتَعَلُّمِ الأدِلَّةِ بَلْ كانَ تَبْدُو أنْوارُ الإيمانِ أوَّلًا بِمِثْلِ هَذِهِ القَرائِنِ في قُلُوبِهِمْ لَمْعَةً بَيْضاءَ ثُمَّ لا تَزالُ تَزْدادُ وُضُوحًا وإشْراقًا بِمُشاهَدَةِ تِلْكَ الأحْوالِ العَظِيمَةِ وبِتِلاوَةِ القُرْآنِ وتَصْفِيَةِ القُلُوبِ، ولَيْتَ شِعْرِي مَن نَقَلَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وعَنِ الصَّحابَةِ إحْضارَهُ أعْرابِيًّا أسْلَمَ وقَوَّلَهُ الدَّلِيلُ عَلى أنَّ العالَمَ حادِثٌ لِأنَّهُ لا يَخْلُو عَنِ الأعْراضِ وما لا يَخْلُو عَنِ الحَوادِثِ فَهو حادِثٌ، وإنَّ اللَّهَ تَعالى عالِمٌ بِعَلَمٍ وقادِرٌ بِقُدْرَةٍ كِلاهُما زائِدٌ عَلى الذّاتِ لا هو ولا غَيْرُهُ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن رُسُومِ المُتَكَلِّمِينَ، ولَسْتُ أقُولُ: لَمْ تَجْرِ هَذِهِ الألْفاظُ بَلْ لَمْ يَجْرِ أيْضًا ما مَعْناهُ مَعْنى هَذِهِ الألْفاظِ بَلْ كانَ لا تَنْكَشِفُ مَلْحَمَةٌ إلّا عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الأجْلافِ يُسْلِمُونَ تَحْتَ ظِلالِ السُّيُوفِ وجَماعَةٍ مِنَ الأُسارى يُسْلِمُونَ واحِدًا واحِدًا بَعْدَ طُولِ الزَّمانِ أوْ عَلى القُرْبِ وكانُوا إذا نَطَقُوا بِكَلِمَةِ الشَّهادَةِ عُلِّمُوا الصَّلاةَ والزَّكاةَ ورُدُّوا إلى صِناعَتِهِمْ مِن رِعايَةِ الغَنَمِ أوْ غَيْرِها. نَعَمْ لَسْتُ أُنْكِرُ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذِكْرُ أدِلَّةِ المُتَكَلِّمِينَ أحَدَ أسْبابِ الإيمانِ في حَقِّ بَعْضِ النّاسِ ولَكِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِمَقْصُورٍ عَلَيْهِ وهو نادِرٌ أيْضًا وساقَ الكَلامَ إلى أنْ قالَ: والحَقُّ الصَّرِيحُ أنَّ كُلَّ مَنِ اعْتَقَدَ أنَّ ما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ واشْتَمَلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ حَقٌّ اعْتِقادًا جَزْمًا فَهو مُؤْمِنٌ وإنْ لَمْ يَعْرِفْ أدِلَّتَهُ، فالإيمانُ المُسْتَعارُ مِنَ الدَّلائِلِ الكَلامِيَّةِ ضَعِيفٌ جِدًّا مُشْرِفٌ عَلى التَّزَلْزُلِ بِكُلِّ شُبْهَةٍ بَلِ الإيمانُ الرّاسِخِ إيمانُ العَوامِّ الحاصِلُ في قُلُوبِهِمْ في الصِّبا بِتَواتُرِ السَّماعِ والحاصِلُ بَعْدَ البُلُوغِ بِقَرائِنَ لا يُمْكِنُ العِبارَةُ عَنْها اهـ.
وفِيهِ فَوائِدُ شَتّى ولِذا نَقَلْناهُ بِطُولِهِ، ومَتى جازَ أنْ يَقْذِفَ اللَّهُ تَعالى في قُلُوبِ العَبْدِ نُورَ الإيمانِ فَيُؤْمِنُ بِلا نَظَرٍ واسْتِدْلالٍ جازَ أنْ يَقْذِفَ سُبْحانَهُ في قَلْبِهِ صِدْقَ المُخْبِرِ بِحَيْثُ لا يَقْدِرُ عَلى دَفْعِهِ ولا يَدْرِي أنَّهُ مِن أيْنَ جاءَ لا سِيَّما إذا كانَ المُخْبِرُ هو النَّبِيَّ ﷺ، فَإنَّ مِن لازِمِ قَذْفِ نُورِ الإيمانِ في قَلْبِ المُؤْمِنِ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يَقْذِفَ في قَلْبِهِ صِدْقَهُ ﷺ لِأنَّ الإيمانَ لا يَتِمُّ إلّا بِذَلِكَ، فَقَدْ ظَهَرَ أنَّ دَعْوى الضَّرُورَةِ في أنَّهُ لا سَبِيلَ إلى العِلْمِ بِصِدْقِ المُخْبِرِ فِيما أخْبَرَ بِهِ عِلْمًا ضَرُورِيًّا إنْ لَمْ تَكُنْ مُكابَرَةً فَمَنعُها لَيْسَ مُكابَرَةً أيْضًا، فَإنَّ الدَّلِيلَ قَدْ قامَ عَلى جَوازِ حُصُولِ العِلْمِ الضَّرُورِيِّ بِصِدْقِهِ بَلْ عَلى وُقُوعِهِ فَلَيْسَتْ تِلْكَ الدَّعْوى مِنَ المُقَدِّماتِ الضَّرُورِيَّةِ الَّتِي يَكُونُ مَنعُها مُكابَرَةً غَيْرَ مَسْمُوعَةٍ، وقَدِ اتَّضَحَ مِن جَمِيعِ ما ذُكِرَ أنَّ ما قالَهُ السَّعْدُ في شَرْحِ المَقاصِدِ مِن أنَّ الحَقَّ أنَّ المَعْرِفَةَ بِدَلِيلٍ إجْمالِيٍّ يَرْفَعُ النّاظِرَ مِن حَضِيضِ التَّقْلِيدِ فَرْضَ عَيْنٍ لا مَخْرَجَ عَنْهُ لِأحَدٍ مِنَ المُكَلَّفِينَ وبِدَلِيلٍ تَفْصِيلِيٍّ يَتَمَكَّنُ مَعَهُ مِن إزاحَةِ الشُّبَهِ وإلْزامِ المُنْكِرِينَ وإرْشادِ المُسْتَرْشِدِينَ فَرْضَ كِفايَةٍ لا بُدَّ مِن أنْ يَقُومَ بِهِ البَعْضُ لا يَخْلُو عَنْ نَظَرٍ عَلى ما قِيلَ، لَكِنَّ الظّاهِرَ عِنْدِي أنَّ الحَقَّ مَعَ السَّعْدِ مِن جِهَةِ أنَّ الإيمانَ بِمَعْنى التَّصْدِيقِ مُكَلَّفٌ بِهِ وشَرْطُ المُكَلَّفِ بِهِ كَوْنُهُ اخْتِيارِيًّا، وقَدْ صَرَّحُوا أنَّ التَّكْلِيفَ بِما لَيْسَ بِاخْتِيارِيٍّ تَكْلِيفٌ في الحَقِيقَةِ بِما يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ مِنَ الأُمُورِ الِاخْتِيارِيَّةِ وإنَّ التَّصْدِيقَ نَفْسَهُ لِكَوْنِهِ غَيْرَ اخْتِيارِيٍّ كانَ التَّكْلِيفُ بِهِ في الحَقِيقَةِ تَكْلِيفًا بِما يَتَوَقَّفُ هو عَلَيْهِ مِنَ النَّظَرِ الِاخْتِيارِيِّ، فالإيمانُ الَّذِي يَحْصُلُ بِقَذْفِهِ تَعالى النُّورُ في القَلْبِ مِن غَيْرِ فِكْرٍ ولا رَوِيَّةَ ولا نَظَرَ ولا اسْتِدْلالَ لَيْسَ اخْتِيارِيًّا بِنَفْسِهِ ولا بِاعْتِبارِ ما يَحْصُلُ هو مِنهُ فَكَيْفَ يَكُونُ مُكَلَّفًا بِهِ، وما مُرادُ السَّعْدِ ومَن
صفحة 65
وافَقَهُ بِالمَعْرِفَةِ إلّا المَعْرِفَةُ مِن حَيْثُ إنَّها مُكَلَّفٌ بِها كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ: لا مَخْرَجَ عَنْهُ لِأحَدٍ مِنَ المُكَلَّفِينَ، وكَوْنُ ذَلِكَ مُكَلَّفًا بِهِ بِاعْتِبارِ أمْرٍ اخْتِيارِيٍّ غَيْرِ النَّظَرِ كَتَحْصِيلِ الِاسْتِعْدادِ لِإفاضَةِ النُّورِ، وخَلْقُ العِلْمِ الضَّرُورِيِّ في قَلْبِ العَبْدِ غَيْرُ ظاهِرٍ. نَعَمْ لَسْتُ أُنْكِرُ أنَّ مِنَ المَعْرِفَةِ ما لا يَتَوَقَّفُ عَلى نَظَرٍ في دَلِيلٍ إجْمالِيٍّ أوْ غَيْرِهِ كَمَعْرِفَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَلى ما سَمِعْتَ عَنْ بَعْضِهِمْ، وكَمَعْرِفَةِ مَن شاءَ اللَّهُ تَعالى مِن عِبادِهِ سُبْحانَهُ غَيْرِهِمْ ولا أُسَمِّي نَحْوَ هَذِهِ المَعْرِفَةِ تَقْلِيدِيَّةً، وكَذا لا أُنْكِرُ أنَّ المَعْرِفَةَ الحاصِلَةَ مِن قَذْفِ النُّورِ فَوْقَ المَعْرِفَةِ الحاصِلَةِ مِنَ النَّظَرِ في الدَّلِيلِ فَإنَّها يُخْشى عَلَيْها مِن عَواصِفِ الشُّبَهِ، وأذْهَبُ إلى أنَّ النَّظَرَ في الدَّلِيلِ مُطْلَقًا واجِبٌ عَلى مَن لَمْ يَحْصُلْ لَهُ العَقْدُ الجازِمُ إلّا بِهِ، وأمّا مَن حَصَلَ لَهُ ذَلِكَ بِأيِّ طَرِيقٍ كانَ دُونَهُ فَلا يَجِبُ عَلَيْهِ وكَذا لا يَأْثَمُ بِتَرْكِهِ، وحِكايَةُ الإجْماعِ عَلى إثْمِهِ بِهِ لا يَخْفى ما فِيها، وتَوْجِيهُ ذَلِكَ بِأنَّ جَزْمَ المُؤْمِنِ حِينَئِذٍ لا ثِقَةَ بِهِ إذْ لَوْ عَرَضَتْ لَهُ شُبْهَةٌ فاتَ وبَقِيَ مُتَرَدِّدًا بِخِلافِ الجَزْمِ النّاشِئِ عَنِ الِاسْتِدْلالِ فَإنَّهُ لا يَفُوتُ بِذَلِكَ غَيْرُ ظاهِرٍ لِأنَّهُ إذا سُلِّمَ أنَّ مَن تَمَّ جَزْمُهُ مِن غَيْرِ نَظَرٍ فَقَدْ أتى بِواجِبِ الإيمانِ فَلا وجْهَ لِتَأْثِيمِهِ بِتَرْكِ النَّظَرِ بِناءً عَلى مُجَرَّدِ احْتِمالِ عُرُوضِ شُبْهَةٍ مُشَوِّشَةٍ لِجَزْمِهِ لِأنَّهُ إذا سُلِّمَ أنَّ الواجِبَ عَلَيْهِ لَيْسَ إلّا أنْ يَجْزِمَ وقَدْ جَزَمَ فَقَدْ أدّى واجِبَ الوَقْتِ وما تَرَكَ مِنهُ شَيْئًا، وكُلُّ مَن لَمْ يَتْرُكْ واجِبًا مُعَيَّنًا في وقْتٍ مُعَيَّنٍ لا مَعْنى لِتَأْثِيمِهِ في ذَلِكَ الوَقْتِ مِن جِهَةِ ذَلِكَ الواجِبِ، وكَما يَحْتَمِلُ عَقْلًا أنْ تَعْرِضَ لَهُ شُبْهَةٌ تُشَوِّشُ عَلَيْهِ الجَزْمَ لِعَدَمِ الدَّلِيلِ كَذَلِكَ يَحْتَمِلُ عَقْلًا أنْ يَحْصُلَ لَهُ الدَّلِيلُ عَلى ما جَزَمَ قَبْلَ عُرُوضِ شُبْهَةٍ ولَعَلَّ هَذا الِاحْتِمالَ أقْوى وأقْرَبُ إلى الوُقُوعِ.
وإذا أحَطْتَ خَبَرًا بِجَمِيعِ ما ذَكَرْنا عَلِمْتَ أنَّ الِاسْتِدْلالَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاعْلَمْ أنَّهُ لا إلَهَ إلا اللَّهُ﴾ عَلى وُجُوبِ النَّظَرِ فِيهِ نَظَرٌ لِتَوَقُّفِهِ عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِمْ: إنَّ العِلْمَ لا يَحْصُلُ إلّا بِالنَّظَرِ وقَدْ سَمِعْتَ ما فِيهِ. ويُقَوِّي ذَلِكَ إذا قُلْنا: إنَّ عِلْمَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالوَحْدانِيَّةِ ضَرُورِيٌّ إذْ يَكُونُ المُرادُ الأمْرَ بِالثَّباتِ والِاسْتِمْرارِ عَلى ما هو صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فِيهِ مِنِ اجْتِنابِ ما يُخِلُّ بِالعِلْمِ، وقَدْ يُقالُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِدْلالُ نَظَرًا إلى ظاهِرِ اللَّفْظِ مِن حَيْثُ إنَّهُ أمْرٌ بِالعِلْمِ بِالوَحْدانِيَّةِ فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ مَقْدُورًا بِنَفْسِهِ أوْ بِاعْتِبارِ ما يَحْصُلُ هو مِنهُ، وحَيْثُ انْتَفى كَوْنُهُ مَقْدُورًا بِنَفْسِهِ تَعَيَّنَ كَوْنُهُ مَقْدُورًا بِاعْتِبارِ ما يَحْصُلُ هو مِنهُ، والظّاهِرُ أنَّهُ النَّظَرُ.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ إنْ كانَ التَّقْلِيدُ سَبَبًا مِن أسْبابِ العِلْمِ أيْضًا لَمْ يَتِمَّ هَذا وإنْ لَمْ يَكُنْ سَبَبًا تَمَّ فَتَأمَّلْ، ثُمَّ اعْلَمْ أنَّ النَّظَرَ الَّذِي قالُوا بِهِ في الأُصُولِ الِاعْتِقادِيَّةِ أعَمُّ مِنَ النَّظَرِ في الأدِلَّةِ العَقْلِيَّةِ والنَّظَرِ في الأدِلَّةِ السَّمْعِيَّةِ، فَإنَّ مِنها ما ثَبَتَ بِالسَّمْعِ كالأُمُورِ الأُخْرَوِيَّةِ ومَدْخَلُ العَقْلِ فِيها لَيْسَ إلّا بِأنَّها أُمُورٌ مُمْكِنَةٌ أخْبَرَ الصّادِقُ بِوُقُوعِها وكُلُّ مُمْكِنٍ أخْبَرَ الصّادِقُ بِوُقُوعِهِ واقِعٌ فَتِلْكَ الأُمُورُ واقِعَةٌ، وأمّا النَّظَرُ في مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى أعْنِي التَّصْدِيقَ بِوُجُودِهِ تَعالى وصِفاتِهِ العُلا. فَقِيلَ: يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ النَّظَرَ في الأدِلَّةِ العَقْلِيَّةِ فَقَطْ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ النَّظَرُ في الأدِلَّةِ السَّمْعِيَّةِ طَرِيقَها إلَيْهِ لِاسْتِلْزامِهِ الدَّوْرِ. وفي الجَوابِ العَتِيدِ الدَّوْرُ لازِمٌ لَكِنْ لا مُطْلَقًا بَلْ بِالنِّسْبَةِ إلى كُلِّ مَطْلُوبٍ يَتَوَقَّفُ العِلْمُ بِصِدْقِ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى العِلْمِ بِهِ، وذَلِكَ لِأنَّ النَّظَرَ في الأدِلَّةِ السَّمْعِيَّةِ إنَّما يَكُونُ طَرِيقًا إلى المَعْرِفَةِ إذا كانَتْ صادِقَةً عِنْدَ النّاظِرِ فِيها، وصِدْقُها في عِلْمِ النّاظِرِ مَوْقُوفٌ عَلى عِلْمِهِ بِأنَّ هَذا الَّذِي يَدَّعِي أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ الَّذِي جاءَ بِها صادِقًا في دَعْواهُ الرِّسالَةَ. وعِلْمُهُ بِذَلِكَ
صفحة 66
مَوْقُوفٌ عَلى العِلْمِ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ أظْهَرَ المُعْجِزاتِ عَلى يَدِهِ تَصْدِيقًا لَهُ في دَعْواهُ، وعِلْمُهُ بِذَلِكَ مَوْقُوفٌ عَلى العِلْمِ بِأنْ ثَمَّتْ إلَهًا عَلى صِفَةٍ يُمْكِنُ بِها أنْ يَبْعَثَ رَسُولًا كَكَوْنِهِ حَيًّا عالِمًا مُرِيدًا قادِرًا وهو مِن مَعْرِفَةِ الإلَهِ سُبْحانَهُ، فَلَوِ اسْتَفَدْنا العِلْمَ بِوُجُودِ اللَّهِ تَعالى وبِتِلْكَ الصِّفاتِ مِنَ الدَّلائِلِ السَّمْعِيَّةِ المَوْقُوفَةِ عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَزِمَ الدَّوْرُ كَما تَرى. نَعَمْ إذا قِيلَ: إنَّ المُكَلَّفَ بَعْدَ ما آمَنَ بِالرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ واعْتَقَدَ اعْتِقادًا جازِمًا بِصِدْقِهِ في جَمِيعِ ما جاءَ بِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى بِأيِّ وجْهٍ كانَ ذَلِكَ الجَزْمُ بِالضَّرُورَةِ أوْ بِالنَّظَرِ أوْ بِالتَّقْلِيدِ فَلَهُ أنْ يَأْخُذَ عَقِيدَتَهُ مِنَ القُرْآنِ مِن غَيْرِ تَأْوِيلٍ ولا مَيْلٍ مِن غَيْرِ أنْ يَنْظُرَ في دَلِيلٍ عَقْلِيٍّ كانَ ذَلِكَ كَلامًا صَحِيحًا لا غُبارَ عَلَيْهِ، ولا يَلْزَمُ مِنهُ تَحْصِيلٌ لِلْحاصِلِ بِالنِّسْبَةِ إلى ما حَصَّلَهُ أوَّلًا مِنَ المَسائِلِ الَّتِي يَتَوَقَّفُ عَلَيْها صِدْقُ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِأنَّ التَّحْصِيلَ الثّانِيَ مِن حَيْثُ إنَّ الجائِيَ بِدَلائِلِها صادِقٌ فِيها والتَّحْصِيلَ الأوَّلَ كانَ بِالنَّظَرِ العَقْلِيِّ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ صِدْقِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فاخْتَلَفَتِ الحَيْثِيَّةُ فَلْيُفْهَمْ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии