Аль-Алуси · Тафсир · на арабском
Аз-Зарият 51:58–60
51:58Страница 523
إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلرَّزَّاقُ ذُو ٱلۡقُوَّةِ ٱلۡمَتِينُ ٥٨
Воистину, Аллах является Наделяющим уделом, Обладающим могуществом, Крепким.
﴿إنَّ اللَّهَ هو الرَّزّاقُ﴾ الَّذِي يَرْزُقُ كُلَّ مُفْتَقِرٍ إلى الرِّزْقِ لا غَيْرُهُ سُبْحانَهُ اسْتِقْلالًا، أوِ اشْتِراكًا ويَفْهَمُ مِن ذَلِكَ اسْتِغْناؤُهُ عَزَّ وجَلَّ عَنِ الرِّزْقِ ﴿ذُو القُوَّةِ﴾ أيِ القُدْرَةِ ﴿المَتِينُ﴾ شَدِيدُ القُوَّةِ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِعَدَمِ الإرادَةِ قالَ الإمامُ: كَوْنُهُ تَعالى هو الرَّزّاقُ ناظِرٌ إلى عَدَمِ طَلَبِ الرِّزْقِ لِأنَّ مَن يَطْلُبُهُ يَكُونُ فَقِيرًا مُحْتاجًا وكَوْنُهُ عَزَّ وجَلَّ هو ذُو القُوَّةِ المَتِينِ ناظِرٌ إلى عَدَمِ طَلَبِ العَمَلِ المُرادِ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وما أُرِيدُ أنْ يُطْعِمُونِ﴾ لِأنَّ مَن يَطْلُبُهُ يَكُونُ عاجِزًا لا قُوَّةَ لَهُ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ما أُرِيدُ مِنهم مِن رِزْقٍ لِأنِّي أنا الرَّزّاقُ وما أُرِيدَ مِنهم مِن عَمَلٍ لِأنِّي قَوِيٌّ مَتِينٌ، وكانَ الظّاهِرُ - أنِّي أنا الرَّزّاقُ - كَما جاءَ في قِراءَةٍ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَكِنِ التَفَتَ إلى الغِيبَةِ، والتَّعْبِيرُ بِالِاسْمِ الجَلِيلِ لِاشْتِهارِهِ بِمَعْنى العُبُودِيَّةِ فَيَكُونُ في ذَلِكَ إشْعارٌ بِعِلَّةِ الحُكْمِ ولِتَخَرُجَ الآيَةُ مَخْرَجَ المَثَلِ كَما قِيلَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الباطِلَ كانَ زَهُوقًا﴾ [الإسْراءُ: 81] والتَّعْبِيرُ بِهِ عَلى القَوْلِ بِتَقْدِيرِ قُلْ فِيما تَقَدَّمَ هو الظّاهِرُ، وتَحْتاجُ القِراءَةُ الأُخْرى إلى ما ذَكَرْناهُ آنِفًا، وآثَرَ سُبْحانَهُ ذُو القُوَّةِ عَلى القُوى قِيلَ: لِأنَّ في ( ذُو ) كَما قالَ ابْنُ حَجَرٍ الهَيْتَمِيِّ وغَيْرُهُ تَعْظِيمَ ما أُضِيفَ إلَيْهِ، والمَوْصُوفُ بِها والمَقامُ يَقْتَضِيهِ ولِذا جِيءَ
صفحة 24
بِالمَتِينِ بَعْدُ ولَمْ يَكْتَفِ بِهِ عَنِ الوَصْفِ بِالقُوَّةِ: وقالَ الإمامُ: لَمّا كانَ المَقْصُودُ تَقْرِيرَ ما تَقَدَّمَ مِن عَدَمِ إرادَةِ الرِّزْقِ وعَدَمِ الِاسْتِعانَةِ بِالغَيْرِ جِيءَ بِوَصْفِ الرِّزْقِ عَلى صِيغَةِ المُبالَغَةِ لِأنَّهُ بِدُونِها لا يَكْفِي في تَقْرِيرِ عَدَمِ إرادَةِ الرِّزْقِ وبِوَصْفِ القُوَّةِ بِما لا مُبالَغَةَ فِيهِ لِكِفايَتِهِ في تَقْرِيرِ عَدَمِ الِاسْتِعانَةِ فَإنَّ مَن لَهُ قُوَّةٌ دُونَ الغايَةِ لا يَسْتَعِينُ بِغَيْرِهِ لَكِنْ لِما لَمَّ يَدُلُّ ذُو القُوَّةِ عَلى أكْثَرِ مِن أنَّ لَهُ تَعالى قُوَّةٌ ما زِيدَ الوَصْفُ بِالمَتِينِ وهو الَّذِي لَهُ ثَباتٌ لا يَتَزَلْزَلُ، ثُمَّ قالَ: إنَّ القَوِيَّ أبْلَغُ مِن ذِي القُوَّةِ والعِزَّةِ أكْمَلُ مِنَ المَتانَةِ وقَدْ قُرِنَ الأكْمَلُ بِالأكْمَلِ وما دُونَهُ بِما دُونَهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنْصُرُهُ ورُسُلَهُ بِالغَيْبِ إنَّ اللَّهُ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحَدِيدُ: 25] وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ هو الرَّزّاقُ﴾ إلَخْ لِما اقْتَضى المَقامُ ذَلِكَ، وقَدْ أطالَ الكَلامُ في هَذا المَقامِ وما أظُنُّهُ يَصْفُو عَنْ كَدَرٍ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ - الرّازِقَ - بِزِنَةِ الفاعِلِ، وقَرَأ الأعْمَشُ وابْنُ وثّابٍ - المَتِينِ - بِالجَرِّ، وخَرَجَ عَلى أنَّهُ صِفَةُ القُوَّةِ، وجازِ ذَلِكَ مَعَ تَذْكِيرِهِ لِتَأْوِيلِها بِالِاقْتِدارِ أوْ لِكَوْنِهِ عَلى زِنَةِ المَصادِرِ الَّتِي يَسْتَوِي فِيها المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ، أوْ لِإجْرائِهِ مَجْرى فَعِيلِ بِمَعْنى مَفْعُولِ، وأجازَ أبُو الفَتْحِ أنْ يَكُونَ صِفَةً - لِذُو - وجَرَّ عَلى الجِوارِ - كَقَوْلِهِمْ هَذا جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبَ - وضَعِفَ.
51:59Страница 523
فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ذَنُوبٗا مِّثۡلَ ذَنُوبِ أَصۡحَٰبِهِمۡ فَلَا يَسۡتَعۡجِلُونِ ٥٩
Воистину, тем, которые поступали несправедливо, уготована доля наказания, подобная доле их товарищей. Пусть же они не торопят Меня.
﴿فَإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أيْ إذا ثَبَتَ أنَّ اللَّهَ تَعالى ما خَلَقَ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ وأنَّهُ سُبْحانَهُ ما يُرِيدُ مِنهم مَن رِزْقٍ إلى آخَرِ ما تَقَدَّمَ فَإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِاشْتِغالِهِمْ بِغَيْرِ ما خُلِقُوا لَهُ مِنَ العِبادَةِ وإشْراكِهِمْ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وتَكْذِيبِهِمْ رَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وهم أهْلُ مَكَّةَ وأضْرابُهم مِن كُفّارِ العَرَبِ ﴿ذَنُوبًا﴾ أيْ نَصِيبًا مِنَ العَذابِ ﴿مِثْلَ ذَنُوبِ﴾ أيْ نَصِيبِ ﴿أصْحابِهِمْ﴾ أيْ نُظَرائِهِمْ مِنَ الأُمَمِ السّالِفَةِ، وأصْلُ الذُّنُوبِ الدَّلْوُ العَظِيمَةُ المُمْتَلِئَةُ ماءً، أوِ القَرِيبَةُ مِنَ الِامْتِلاءِ، قالَ الجَوْهَرِيُّ: ولا يُقالُ لَها ذُنُوبٌ وهي فارِغَةٌ، وهي تُذَكَّرُ وتُؤَنَّثُ وجَمْعُها أذْنِبَةٌ وذَنائِبُ فاسْتُعِيرَتْ لِلنَّصِيبِ مُطْلَقًا شَرًّا كانَ كالنَّصِيبِ مِنَ العَذابِ في الآيَةِ أوْ خَيَّرا كَما في العَطاءِ في قَوْلِ عَلْقَمَةِ بْنِ عَبَدَةِ التَّمِيمِيِّ يَمْدَحُ الحارِثَ بْنَ أبِي شَمِرِ الغَسّانِيِّ وكانَ أسِرَ أخاهُ شَأْسًا يَوْمَ عَيْنِ أباغِ:
وفِي كُلِّ حَيٍّ قَدْ خَبَطْتَ بِنِعْمَةِ فَحُقَّ لِشَأْسٍ مِن نَداكَ ذَنُوبُ
يُرْوى أنَّ الحارِثَ لَمّا سَمِعَ هَذا البَيْتَ قالَ نَعَمْ وأذْنِبَةً ومِنِ اسْتِعْمالِها في النَّصِيبِ قَوْلُ الآخَرُ:
لَعَمْرِكَ والمَنايا طارِقاتٌ ∗∗∗ لِكُلِّ بَنِي أبٍ مِنها ذَنُوبُ
وهُوَ اسْتِعْمالٌ شائِعٌ، وفي الكَشّافِ هَذا تَمْثِيلُ أصْلِهِ في السُّقاةِ يَقْتَسِمُونَ الماءَ فَيَكُونَ لِهَذا ذَنُوبٌ ولِهَذا ذَنُوبٌ قالَ الرّاجِزُ:
إنّا إذا نازَلَنا غَرِيبُ ∗∗∗ لَهُ ذَنُوبٌ ولَنا ذَنُوبٌ
وإنْ أبَيْتُمْ فَلَنا القَلِيبُ ﴿فَلا يَسْتَعْجِلُونِ﴾ أيْ لا يَطْلُبُوا مِنِّي أنْ أُعَجِّلَ في الإتْيانِ بِهِ يُقالُ اسْتَعْجَلَهُ أيْ حَثَّهُ عَلى العَجَلَةِ وطَلَبَها مِنهُ، ويُقالُ: اسْتَعْجَلْتُ كَذا إنْ طَلَبْتُ وُقُوعَهُ بِالعَجَلَةِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النَّحْلُ: 1] وهو عَلى ما في الإرْشادِ جَوابٌ لِقَوْلِهِمْ: ( مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ) [يُونُسُ: 48، الأنْبِياءُ: 38، النَّمْلُ: 71، سَبَأُ: 29، يَسُ: 48، المُلْكُ: 25]
51:60Страница 523
فَوَيۡلٞ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن يَوۡمِهِمُ ٱلَّذِي يُوعَدُونَ ٦٠
Горе неверующим от того дня их, который им обещан!
﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾
صفحة 25
أيْ فَوَيْلٌ لَهم، ووَضْعُ المَوْصُولِ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ تَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ بِما في حَيْزِ الصِّلَةِ مِنَ الكُفْرِ وإشْعارًا بِعِلَّةِ الحَكَمِ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ ثُبُوتِ الوَيْلِ لَهم عَلى أنَّ لَهم عَذابًا عَظِيمًا كَما أنَّ الفاءَ الَّتِي قَبْلَها لِتَرْتِيبِ النَّهْيِ عَنِ الِاسْتِعْجالِ عَلى ذَلِكَ. ( ومِن ) في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿مِن يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ لِلتَّعْلِيلِ والعائِدُ عَلى المَوْصُولِ مَحْذُوفٌ أيْ يُوعَدُونَهُ أوْ يُوعَدُونَ بِهِ عَلى قَوْلٍ، والمُرادُ بِذَلِكَ اليَوْمُ قِيلَ: يَوْمُ بَدْرٍ، ورُجِّحَ بِأنَّهُ الأوْفَقُ لِما قَبْلَهُ مِن حَيْثُ إنَّهُ ذُنُوبٌ مِنَ العَذابِ الدُّنْيَوِيِّ، وقِيلَ: يَوْمُ القِيامَةِ، ورَجَّحَ بِأنَّهُ الأنْسَبُ لِما في صَدْرِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ الآتِيَةِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. ومِمّا قالَهُ بَعْضُ أهْلِ الإشارَةِ في بَعْضِ الآياتِ: ﴿والذّارِياتِ ذَرْوًا﴾ إشارَةٌ إلى الرِّياحِ الَّتِي تَحْمِلُ أنِينَ المُشْتاقِينَ المُعَرَّضِينَ لِنَفَحاتِ الألْطافِ إلى ساحاتِ العِزَّةِ، ثُمَّ تَأْتِي بِنَسِيمِ نَفَحاتِ الحَقِّ إلى مَشامِّ المُحِبِّينَ فَيَجِدُونَ راحَةً ما مِن غَلَباتِ اللَّوْعَةِ ﴿فالحامِلاتِ وِقْرًا﴾ إشارَةٌ إلى سَحائِبِ ألْطافِ الأُلُوهِيَّةِ تَحْمِلُ أمْطارَ مَراحِمِ الرُّبُوبِيَّةِ فَتُمْطِرُ عَلى قُلُوبِ الصَّدِيقَيْنِ ﴿فالجارِياتِ يُسْرًا﴾ إشارَةٌ إلى سُفُنِ أفْئِدَةِ المُحِبِّينَ تَجْرِي بِرِياحِ العِنايَةِ في بَحْرِ التَّوْحِيدِ عَلى أيْسَرِ حالٍ ﴿فالمُقَسِّماتِ أمْرًا﴾ إشارَةٌ إلى المَلائِكَةِ النّازِلِينَ مِن حَظائِرِ القُدْسِ بِالبَشائِرِ والمَعارِفِ عَلى قُلُوبِ أهْلِ الِاسْتِقامَةِ، وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَ الكُلَّ إشارَةً إلى أنْواعِ رِياحِ العِنايَةِ فَمِنها ما يَطِيرُ بِالقُلُوبِ في جَوِّ الغُيُوبِ، وقَدْ قالَ العاشِقُ المُجازِيُّ:
خُذا مِن صِبا نَجِدُ أمانًا لِقَلْبِهِ نَسِيمٌ كادَ رَيّاها يَطِيرُ بِلُبِّهِ
وإيّاكُما ذاكَ النَّسِيمَ فَإنَّهُ ∗∗∗ مَتى هَبَّ كانَ الوَجْدُ أيْسَرَ خَطْبِهِ
ومِنها ﴿فالحامِلاتِ وِقْرًا﴾ دَواءُ قُلُوبِ العاشِقِينَ كَما قِيلَ:
أيا جَبَلَيْ نُعْمانَ بِاللَّهِ خَلِّيا ∗∗∗ نَسِيمَ الصَّبا يَخْلُصُ إلى نَسِيمِها
أجِدُ بَرْدَها أوْ تَشِفُّ مِنِّي حَرارَةٌ ∗∗∗ عَلى كَبِدٍ لَمْ يَبْقَ إلّا صَمِيمُها
إنَّ الصَّبا رِيحٌ إذا ما تَنَسَّمَتْ ∗∗∗ عَلى نَفْسِ مَهْمُومٍ تَجَلَّتْ هُمُومُها
ومِنها «الجّارِياتُ» مِن مَهابِّ حَضَراتِ القُدْسِ إلى أفْئِدَةِ أهْلِ الأُنْسِ بِسُهُولَةٍ لِتُنْعِشَ قُلُوبَهم، ومِنها «المُقَسِّماتُ» ما جاءَتْ بِهِ مِمّا عَبِقَ بِها مِن آثارِ الحَضْرَةِ الإلَهِيَّةِ عَلى نُفُوسِ المُسْتَعِدِّينَ حَسْبَ اسْتِعْداداتِهِمْ وإنْ شِئْتَ قُلْتَ غَيْرَ ذَلِكَ فالبابُ واسْعٌ ﴿والسَّماءِ ذاتِ الحُبُكِ﴾ إشارَةٌ إلى سَماءِ القَلْبِ فَإنَّها ذاتُ طَرائِقَ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ إشارَةٌ إلى جَنّاتِ الوِصالِ وعُيُونِ الحِكْمَةِ ﴿وبِالأسْحارِ هم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ يَطْلُبُونَ غُفْرَ أيْ سَتْرَ وجُودِهِمْ بِوُجُودِ مَحْبُوبِهِمْ، أوْ يَطْلُبُونَ غُفْرانَ ذَنْبِ رُؤْيَةِ عِبادَتِهِمْ مِن أوَّلِ اللَّيْلِ إلى السَّحَرِ ﴿ومِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ جَمِيعَ ما يُرى بارِزًا مِنَ المَوْجُوداتِ لَيْسَ واحِدًا وحْدَةً حَقِيقِيَّةً بَلْ هو مُرَكَّبٌ ولا أقَلَّ مِن كَوْنِهِ مُرَكَّبًا مِنَ الإمْكانِ، وشَيْءٌ آخَرُ فَلَيْسَ الواحِدُ الحَقِيقِيُّ إلّا اللَّهَ تَعالى الَّذِي حَقِيقَتُهُ سُبْحانَهُ آنِيَتُهُ ﴿فَفِرُّوا إلى اللَّهِ﴾ بِتَرْكِ ما سِواهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ﴾ أيْ لِيَعْرِفُونِ، وهو عِنْدُهم إشارَةٌ إلى ما صَحَّحُوهُ كَشْفًا، مِن رِوايَتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَنْ رَبِّهِ سُبْحانَهُ أنَّهُ قالَ: ««كُنْتُ كَنْزًا مَخْفِيًا فَأحْبَبْتُ أنْ أعْرَفَ فَخَلَقْتُ الخَلْقَ لِأُعْرَفَ»» وفي كُتّابِ الأنْوارِ السُّنِّيَّةِ لِلسَّيِّدِ نُورِ الدِّينِ السَّمْهُودِيِّ بِلَفْظِ ««كُنْتُ كَنْزًا مَخْفِيًا فَأحْبَبْتُ أنَّ أُعْرَفَ فَخَلَقْتُ هَذا الخَلْقَ لِيُعْرِفُونِي فَبِي عَرِفُونِيِ»» وفي المَقاصِدِ الحَسَنَةِ لِلسَّخاوِيِّ بِلَفْظِ ««كُنْتُ كَنْزًا لا أُعْرَفُ فَخَلَقْتُ خَلْقًا فَعَرَّفْتُهم بِي
صفحة 26
فَعَرِفُونِي»» إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وهو مُشْكِلٌ لِأنَّ الخَفاءَ أمْرٌ نِسْبِيُّ فَلا بُدَّ فِيهِ مِن مَخْفِيٍّ ومَخْفىٍ عَنْهُ فَحَيْثُ لَمْ يَكُنْ خَلْقٌ لَمْ يَكُنْ مَخْفِيٌّ عَنْهُ فَلا يَتَحَقَّقُ الخَفاءُ، وأُجِيبَ أوَّلًا بِأنَّ الخَفاءَ عَنِ الأعْيانِ الثّابِتَةِ لِأنَّ الأشْياءَ في ثُبُوتِها لا إدْراكَ لَها وُجُودِيًّا فَكانَ اللَّهُ سُبْحانَهُ مَخْفِيًّا عَنْها غَيْرَ مَعْرُوفٍ لَها مَعْرِفَةً وُجُودِيَّةً - فَأحَبَّ أنْ يُعْرَفَ مَعْرِفَةً حادِثَةً مِن مَوْجُودِ حادِثٍ - فَخَلَقَ الخَلْقَ لِأنَّ مَعْرِفَتَهُمُ الوُجُودِيَّةِ فَرْعُ وجُودِهم فَتَعَرَّفَ سُبْحانَهُ إلَيْهِمْ بِأنْواعِ التَّجَلِّياتِ عَلى حَسْبِ تَفاوُتِ الِاسْتِعْداداتِ فَعَرَّفُوا أنْفُسَهم بِالتَّجَلِّياتِ فَعَرِفُوا اللَّهَ تَعالى مِن ذَلِكَ فَبِهِ سُبْحانَهُ عَرِفُوهُ، وثانِيًا بِأنَّ المُرادَ بِالخَفاءِ لازِمُهُ وهو عَدَمُ مَعْرِفَةِ أحَدٍ بِهِ جَلَّ وعَلا، ويُؤَيِّدُهُ ما في لَفْظِ السَّخاوِيِّ مِن قَوْلِهِ: لا أعْرِفُ بَدَلَ مَخْفِيًّا، وثالِثًا بِأنَّ مَخْفِيًّا بِمَعْنى ظاهِرٍ مَن أخْفاهُ أيْ أظْهَرَهُ عَلى أنَّ الهَمْزَةَ لِلْإزالَةِ أيْ أزالَ خَفاءَهُ، وتَرْتِيبُ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ««فَأحْبَبْتُ أنْ أُعْرَفَ»» إلَخْ عَلَيْهِ بِاعْتِبارٍ أنَّ الظُّهُورَ مَتى كانَ قَوِيًّا أوْجَبَ الجَهالَةَ بِحالِ الظّاهِرِ فَخَلَقَ سُبْحانَهُ الخَلْقَ لِيَكُونُوا كالحِجابِ فَيُتَمَكَّنُ مَعَهُ مِنَ المَعْرِفَةِ، ألّا يُرى أنَّ الشَّمْسَ لِشِدَّةِ ظُهُورِها لا تَسْتَطِيعُ أكْثَرُ الأبْصارِ الوُقُوفَ عَلى حالِها إلّا بِواسِطَةِ وضْعِ بَعْضِ الحُجُبِ بَيْنَها وبَيْنَها وهو كَما تَرى لا يَخْلُو عَنْ بَحْثٍ، وأمّا إطْلاقُ الكَنْزِ عَلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ فَقَدْ وُرِدَ، رَوى الدَّيْلَمِيُّ في مُسْنَدِهِ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا «كَنْزُ المُؤْمِنِ رَبُّهُ» أيْ فَإنَّ مِنهُ سُبْحانَهُ كُلَّ ما يَنالُهُ مِن أمْرٍ نَفِيسٍ في الدّارَيْنِ، والشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينَ قُدِّسَ سِرُّهُ ذَكَرَ في مَعْنى - الكَنْزِ - غَيْرَ ذَلِكَ فَقالَ في البابِ الثَّلاثِمِائَةِ والثَّمانِيَةِ والخَمْسِينَ مِن فُتُوحاتِهِ: لَوْ لَمْ يَكُنْ في العالَمِ مَن هو عَلى صُورَةِ الحَقِّ ما حَصَلَ المَقْصُودُ مِنَ العِلْمِ بِالحَقِّ أعْنِي العِلْمَ بِالحادِثِ في قَوْلِهِ: ««كُنْتُ كَنْزًا»» إلَخْ فَجَعَلَ نَفْسَهُ كَنْزًا، والكَنْزُ لا يَكُونُ إلّا مُكْتَنِزًا في شَيْءٍ فَلَمْ يَكُنْ كَنْزُ الحَقِّ نَفْسَهُ إلّا في صُورَةِ الإنْسانِ الكامِلِ في شَيْئِيَّةِ ثُبُوتِهِ هُناكَ كانَ الحَقُّ مَكْنُوزًا فَلَمّا لَبَّسَ الحَقُّ الإنْسانَ ثَوْبَ شَيْئِيَّةِ الوُجُودِ ظَهَرَ الكَنْزُ بِظُهُورِهِ فَعَرِفَهُ الإنْسانُ الكامِلُ بِوُجُودِهِ وعَلِمَ أنَّهُ سُبْحانَهُ كانَ مَكْنُوزًا فِيهِ في شَيْئِيَّةِ ثُبُوتِهِ وهو لا يَشْعُرُ بِهِ انْتَهى، وهو مَنطِقُ الطَّيْرِ الَّذِي لا نَعْرِفُهُ نَسْألُ اللَّهَ تَعالى التَّوْفِيقَ لِما يُحِبُّ ويَرْضى بِمَنِّهِ وكَرَمِهِ.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии