Аль-Алуси · Тафсир · на арабском
Аль-Муджадиля 58:4–10, продолжение
ما كُنْتُمْ عَلَيْهِ في جاهِلِيَّتِكم ﴿وتِلْكَ﴾ الأحْكامُ المَذْكُورَةُ ﴿حُدُودُ اللَّهِ﴾ الَّتِي لا يَجُوزُ تَعَدِّيها فالزَمُوها وقِفُوا عِنْدَها ﴿ولِلْكافِرِينَ﴾ أيِ الَّذِينَ يَتَعَدَّوْنَها ولا يَعْمَلُونَ بِها ﴿عَذابٌ ألِيمٌ﴾ عَلى كُفْرِهِمْ وأطْلَقَ الكافِرَ عَلى مُتَعَدِّي الحُدُودِ تَغْلِيظًا لِزَجْرِهِ، ونَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن كَفَرَ فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ﴾ [آلَ عِمْرانَ: 97] .
58:5Страница 542
إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحَآدُّونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ كُبِتُواْ كَمَا كُبِتَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ وَقَدۡ أَنزَلۡنَآ ءَايَٰتِۭ بَيِّنَٰتٖۚ وَلِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابٞ مُّهِينٞ ٥
Те, которые враждуют с Аллахом и Его Посланником, будут унижены, как были унижены их предшественники. Мы уже ниспослали ясные знамения, а для неверующих уготованы унизительные мучения.
﴿إنَّ الَّذِينَ يُحادُّونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ أيْ يُعادُونَهُما ويُشاقُّونَهُما لِأنَّ كُلًّا مِنَ المُتَعادِيَيْنِ في حَدٍّ وجِهَةٍ غَيْرِ حَدِّ الآخَرِ وجِهَتِهِ كَما أنَّ كُلًّا مِنهُما في عُدْوَةٍ وشِقٍّ غَيْرِ عُدْوَةِ الآخَرِ وشِقِّهِ، وقِيلَ: إطْلاقُ ذَلِكَ عَلى المُتَعادِيَيْنِ بِاعْتِبارِ اسْتِعْمالِ الحَدِيدِ لِكَثْرَةِ ما يَقَعُ بَيْنَهُما في المُحارَبَةِ بِالحَدِيدِ كالسُّيُوفِ والنِّصالِ وغَيْرِها والأوَّلُ أظْهَرُ وفي ذِكْرِ المُحادَّةِ في أثْناءِ ذِكْرِ حُدُودِ اللَّهِ تَعالى دُونَ المُعاداةِ والمُشاقَّةِ حُسْنُ مُوقِعٍ جاوَزَ الحَدَّ، وقالَ ناصِرُ الدِّينِ البَيْضاوِيُّ: أوْ يَضَعُونَ أوْ يَخْتارُونَ حُدُودًا غَيْرَ حُدُودِ اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ومُناسَبَتُهُ لِما قَبْلَهُ في غايَةِ الظُّهُورِ.
قالَ المَوْلى شَيْخُ الإسْلامِ سَعِدُ اللَّهِ جَبَلِيٌّ: وعَلى هَذا فَفِيهِ وعِيدٌ عَظِيمٌ لِلْمُلُوكِ وأُمَراءِ السُّوءِ الَّذِينَ وضَعُوا أُمُورًا خِلافَ ما حَدَّهُ الشَّرْعُ وسَمَّوْها اليَسا والقانُونَ، واللَّهُ تَعالى المُسْتَعانُ عَلى ما يَصِفُونَ. . اهَـ، وقالَ شِهابُ الدِّينِ الخَفاجِيُّ بَعْدَ نَقْلِهِ: وقَدْ صَنَّفَ العارِفُ بِاللَّهِ الشَّيْخُ بَهاءُ الدِّينِ قَدَّسَ اللَّهُ تَعالى رُوحَهُ رِسالَةً في كُفْرِ مَن يَقُولُ: يُعْمَلُ بِالقانُونِ والشَّرْعِ إذا قابَلَ بَيْنَهُما، وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكُمْ﴾ [المائِدَةَ: 3] وقَدْ وصَلَ الدِّينُ إلى مَرْتَبَةٍ مِنَ الكَمالِ لا يَقْبَلُ التَّكْمِيلَ، وإذا جاءَ نَهْرُ اللَّهِ بَطَلَ نَهْرُ مَعْقِلٍ، ولَكِنْ أيْنَ مَن يَعْقِلُ ؟ ! . انْتَهى.
ولَيْتَنِي رَأيْتُ هَذِهِ الرِّسالَةَ ووَقَفْتُ عَلى ما فِيها فَإنَّ إطْلاقَ القَوْلِ بِالكُفْرِ مُشْكِلٌ عِنْدِي فَتَأمَّلْ، ثُمَّ إنَّهُ لا شُبْهَةَ في أنَّهُ لا بَأْسَ بِالقَوانِينِ السِّياسِيَّةِ وإذا وقَعَتْ بِاتِّفاقِ ذَوِي الآراءِ مِن أهْلِ الحِلِّ والعَقْدِ عَلى وجْهٍ يَحْسُنُ بِهِ
صفحة 21
صفحة 22
الِانْتِظامُ ويَصْلُحُ أمْرُ الخاصِّ والعامِّ، ومِنها تَعْيِينُ مَراتِبِ التَّأْدِيبِ والزَّجْرِ عَلى مَعاصٍ وجِناياتٍ لَمْ يَنُصَّ الشّارِعُ فِيها عَلى حَدٍّ مُعَيَّنٍ بَلْ فَوَّضَ الأمْرَ في ذَلِكَ لِرَأْيِ الإمامِ فَلَيْسَ ذَلِكَ في المُحادَّةِ لِلَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ ﷺ في شَيْءٍ بَلْ فِيهِ اسْتِيفاءُ حَقِّهِ تَعالى عَلى أتَمِّ وجْهٍ لِما فِيهِ مِنَ الزَّجْرِ عَنِ المَعاصِي وهو أمْرٌ مُهِمٌّ لِلشّارِعِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. ويُرْشِدُ إلَيْهِ ما في تُحْفَةِ المُحْتاجِ أنَّ لِلْإمامِ أنْ يَسْتَوْفِيَ التَّعْزِيرَ إذا عَفى صاحِبُ الحَقِّ لِأنَّ السّاقِطَ بِالعَفْوِ هو حَقُّ الآدَمِيِّ، والَّذِي يَسْتَوْفِيهِ الإمامُ هو حَقُّ اللَّهِ تَعالى لِلْمَصْلَحَةِ، وفي كِتابِ الخَراجِ لِلْإمامِ أبِي يُوسُفَ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ إشارَةٌ إلى ذَلِكَ أيْضًا ولا يُعَكِّرُ عَلى ذَلِكَ ونَحْوِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكُمْ﴾ [المائِدَةَ: 3] لِأنَّ المُرادَ إكْمالُهُ مِن حَيْثُ تَضَمُّنُهُ ما يَدُلُّ عَلى حُكْمِهِ تَعالى خُصُوصًا أوْ عُمُومًا، ويُرْشِدُ إلى هَذا عَدَمُ النَّكِيرِ عَلى أحَدٍ مِنَ المُجْتَهِدِينَ إذا قالَ بِشَيْءٍ لَمْ يَكُنْ مَنصُوصًا عَلَيْهِ بِخُصُوصِهِ، ومِن ذَلِكَ ما ثَبَتَ بِالقِياسِ بِأقْسامِهِ، نَعَمِ القانُونُ الَّذِي يَكُونُ وراءَ ذَلِكَ بِأنْ كانَ مُصادِمًا لِما نَطَقَتْ بِهِ الشَّرِيعَةُ الغَرّاءُ زائِغًا عَنْ سَنَنِ المَحَجَّةِ البَيْضاءِ فِيهِ ما فِيهِ كَما لا يَخْفى عَلى العارِفِ النَّبِيهِ، وقَدْ يُقالُ في الآيَةِ عَلى المَعْنى الَّذِي ذَكَرَهُ البَيْضاوِيُّ: إنَّ المُرادَ بِالمَوْصُولِ الواضِعُونَ لِحُدُودِ الكُفْرِ وقَوانِينِهِ كَأئِمَّةِ الكُفْرِ أوِ المُخْتارُونَ لَها العامِلُونَ بِها كَأتْباعِهِمْ، ثُمَّ إنَّ الآيَةَ - عَلى ما في البَحْرِ - نَزَلَتْ في كُفّارِ قُرَيْشٍ ﴿كُبِتُوا﴾ أيْ أُخْزُوا كَما قالَ قَتادَةُ، أوْ غِيظُوا كَما قالَ الفَرّاءُ أوْ رُدُّوا مَخْذُولِينَ - كَما قالَ ابْنُ زَيْدٍ - أوْ أُهْلِكُوا كَما قالَ أبُو عُبَيْدَةَ والأخْفَشُ.
وعَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أنَّ تاءَهُ بَدَلٌ مِنَ الدّالِ، والأصْلُ - كُبِدُوا - أيْ أصابَهم داءٌ في أكْبادِهِمْ وقالَ السُّدِّيُّ: لُعِنُوا، وقِيلَ: الكَبْتُ الكَبُّ وهو الإلْقاءُ عَلى الوَجْهِ، وفَسَّرَهُ الرّاغِبُ هُنا بِالرَّدِّ بِعُنْفٍ وتَذْلِيلٍ، وذَلِكَ إشارَةٌ عِنْدَ الأكْثَرِينَ إلى ما كانَ يَوْمَ الخَنْدَقِ، وقِيلَ: إلى ما كانَ يَوْمَ بَدْرٍ، وقِيلَ: مَعْنى ﴿كُبِتُوا﴾ سَيُكْبَتُونَ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾ [النَّحْلَ: 1] وهو بِشارَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بِالنَّصْرِ عَلى الكُفّارِ وتَحَقُّقُ كَبْتِهِمْ.
﴿كَما كُبِتَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ مِن كُفّارِ الأُمَمِ الماضِيَةِ المُحادِّينَ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ ورُسُلِهِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿وقَدْ أنْزَلْنا آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ حالٌ مِن واوِ ﴿كُبِتُوا﴾ أيْ كُبِتُوا لِمُحادَّتِهِمْ، والحالُ أنّا قَدْ أنْزَلْنا آياتٍ واضِحاتٍ فِيمَن حادّاللَّهَ تَعالى ورَسُولَهُ مِن قَبْلِهِمْ مِنَ الأُمَمِ وفِيما فَعَلْنا بِهِمْ، وقِيلَ: آياتٌ تَدُلُّ عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ وصِحَّةِ ما جاءَ بِهِ ﴿ولِلْكافِرِينَ﴾ أيْ بِتِلْكَ الآياتِ أوْ بِكُلِّ ما يَجِبُ الإيمانُ بِهِ فَتَدْخُلُ فِيهِ تِلْكَ الآياتُ دُخُولًا أوَّلِيًّا ﴿عَذابٌ مُهِينٌ﴾ يَذْهَبُ بِعِزِّهِمْ وكِبْرِهِمْ
58:6Страница 542
يَوۡمَ يَبۡعَثُهُمُ ٱللَّهُ جَمِيعٗا فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوٓاْۚ أَحۡصَىٰهُ ٱللَّهُ وَنَسُوهُۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدٌ ٦
В тот день Аллах воскресит их всех и поведает им о том, что они совершили. Аллах исчислил это, а они забыли. Аллах - Свидетель всякой вещи.
﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾ مَنصُوبٌ بِما تَعَلَّقَ بِهِ اللّامُ مِنَ الِاسْتِقْرارِ،
صفحة 23
أوْ - بِمُهِينٍ - أوْ بِإضْمارِ اذْكُرْ أيِاذْكُرْ ذَلِكَ اليَوْمَ تَعْظِيمًا لَهُ وتَهْوِيلًا، وقِيلَ مَنصُوبٌ بِيكُونَ مُضْمَرًا عَلى أنَّهُ جَوابٌ لِمَن سَألَ مَتى يَكُونُ عَذابُ هَؤُلاءِ ؟ فَقِيلَ لَهُ: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ﴾ أيْ يَكُونُ يَوْمَ إلَخْ، وقِيلَ: بِالكافِرِينَ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿جَمِيعًا﴾ حالٌ جِيءَ بِهِ لِلتَّأْكِيدِ، والمَعْنى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ تَعالى كُلَّهم بِحَيْثُ لا يَبْقى مِنهم أحَدٌ غَيْرُ مَبْعُوثٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا غَيْرَ مُؤَكِّدَةٍ أيْ يَبْعَثُهم مُجْتَمَعِينَ في صَعِيدٍ واحِدٍ ﴿فَيُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا﴾ مِنَ القَبائِحِ بِبَيانِ صُدُورِها عَنْهم أوْ بِتَصْوِيرِها في تِلْكَ النَّشْأةِ بِما يَلِيقُ بِها مِنَ الصُّوَرِ الهائِلَةِ عَلى رُؤُوسِ الأشْهادِ تَخْجِيلًا لَهم وتَشْهِيرًا بِحالِهِمْ وزِيادَةً في خِزْيِهِمْ ونَكالِهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أحْصاهُ اللَّهُ﴾ اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا عَمّا نَشَأ مِمّا قَبْلَهُ مِنَ السُّؤالِ إمّا عَنْ كَيْفِيَّةِ التَّنْبِئَةِ أوْ عَنْ سَبَبِها كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ يُنَبِّئُهم بِأعْمالِهِمْ وهي أعْراضٌ مُتَقَضِّيَةٌ مُتَلاشِيَةٌ ؟ فَقِيلَ: أحْصاهُ اللَّهُ تَعالى عَدَدًا ولَمْ يَفُتْهُ سُبْحانَهُ مِنهُ شَيْءٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونَسُوهُ﴾ حِينَئِذٍ حالٌ مِن مَفْعُولِ - أحْصى - بِإضْمارِ قَدْ أوْ بِدُونِهِ، أوْ قِيلَ: لِمَ يُنَبِّئُهم بِذَلِكَ ؟ فَقِيلَ: أحْصاهُ اللَّهُ تَعالى ونَسُوهُ فَيُنَبِّئُهم بِهِ لِيَعْرِفُوا أنَّ ما عايَنُوهُ مِنَ العَذابِ إنَّما حاقَ بِهِمْ لِأجْلِهِ، وفِيهِ مَزِيدُ تَوْبِيخٍ وتَنْدِيمٍ لَهم غَيْرالتَّخْجِيلِ والتَّشْهِيرِ ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ لا يَغِيبُ عَنْهُ أمْرٌ مِنَ الأُمُورِ أصْلًا، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مُقَرَّرٌ لِإحْصائِهِ تَعالى أعْمالَهم، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ اسْتِشْهادٌ عَلى شُمُولِ شَهادَتِهِ تَعالى أيْ ألَمْ تَعْلَمْ أنَّهُ عَزَّ وجَلَّ يَعْلَمُ ما فِيهِما مِنَ المَوْجُوداتِ سَواءٌ كانَ ذَلِكَ بِالِاسْتِقْرارِ فِيهِما أوْ بِالجُزْئِيَّةِ مِنهُما.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما يَكُونُ مِن نَجْوى ثَلاثَةٍ﴾ إلَخْ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ مِن سِعَةِ عِلْمِهِ تَعالى، ويَكُونُ مِن كانَ التّامَّةِ، ومِن مَزِيدَةٌ، ونَجْوى فاعِلٌ وهي مَصْدَرٌ بِمَعْنى التَّناجِي وهو المُسارَّةُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ النَّجْوَةِ وهي ما ارْتَفَعَ مِنَ الأرْضِ لِأنَّ المُتَسارَّيْنِ يَخْلُوانِ وحْدَهُما بِنَجْوَةٍ مِنَ الأرْضِ، أوْ لِأنَّ السِّرَّ يُصانُ فَكَأنَّهُ رُفِعَ مِن حَضِيضِ الظُّهُورِ إلى أوْجِ الخَفاءِ، وقِيلَ: أصْلُ ناجَيْتُهُ مِنَ النَّجاةِ وهو أنْ تَعاوُنَهُ عَلى ما فِيهِ خَلاصُهُ أوْ أنْ تَنْجُوَ بِسِرِّكَ مِن أنْ يُطَّلَعَ عَلَيْهِ وهي مُضافَةٌ إلى ثَلاثَةٍ أيْ ما يَقَعُ مِن تَناجِي ثَلاثَةِ نَفَرٍ وقَدْ يُقَدَّرُ مُضافٌ أيْ مِن ذَوِي نَجْوى، أوْ يُؤَوَّلُ نَجْوى بِمُتَناجِينَ - فَثَلاثَةٌ - صِفَةٌ لِلْمُضافِ المُقَدَّرِ، أوْ لِنَجْوى المُؤَوَّلِبِما ذُكِرَ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ بَدَلًا أيْضًا والتَّأْوِيلُ والتَّقْدِيرُ المَذْكُورانِ لِيَتَأتّى الِاسْتِثْناءُ الآتِي مِن غَيْرِ تَكَلُّفٍ، وفي القامُوسِ النَّجْوى السِّرُّ والمُسارُّونَ اسْمُ مَصْدَرِ، وظاهِرُهُ أنَّ اسْتِعْمالَهُ في كُلٍّ حَقِيقَةٌ فَإذا أُرِيدَ المُسارُّونَ لَمْ يَحْتَجْ إلى تَقْدِيرٍ أوْ تَأْوِيلٍ لَكِنْ قالَ الرّاغِبُ: إنِ النَّجْوى أصْلُهُ المَصْدَرُ كَما في الآياتِ بَعْدُ، وقَدْ يُوصَفُ بِهِ فَيُقالُ: هو نَجْوى، وهم نَجْوى، قالَ تَعالى: ﴿وإذْ هم نَجْوى﴾ [الإسْراءَ: 47] وعَلَيْهِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن بابِ زَيْدٌ عَدْلٌ.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وأبُو حَيْوَةَ وشَيْبَةُ - ما تَكُونُ -بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ لِتَأْنِيثِ الفاعِلِ، والقِراءَةِ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَلى أنَّ النَّجْوى تَأْنِيثُها غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، ومِن فاصِلَةٌ أوْ عَلى أنَّ المَعْنى ما يَكُونُ شَيْءٌ مِنَ النَّجْوى، واخْتارَ في الكَشْفِ الثّانِيَ، فَقالَ: هو الوَجْهُ لِأنَّ المُؤَنَّثَ وحْدَهُ لَمْ يُجْعَلْ فاعِلًا لَفْظًا لِوُجُودِ مِن ولا مَعْنى لِأنَّ المَعْنى شَيْءٌ مِنها، فالتَّذْكِيرُ هو الوَجْهُ لَفْظًا ومَعْنى، وهو قِراءَةُ العامَّةِ. انْتَهى، وإلى نَحْوِهِ يُشِيرُ كَلامُ صاحِب ِاللَّوامِحِ، وصَرَّحَ بِأنَّ الأكْثَرَ في هَذا البابِ التَّذْكِيرُ، وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِالمَنعِ وأنَّ الأكْثَرَ التَّأْنِيثُ وأنَّهُ القِياسُ
صفحة 24
قالَ تَعالى: ﴿وما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ مِن آياتِ رَبِّهِمْ﴾ [الأنْعامَ: 4] ”﴿ما تَسْبِقُ مِن أُمَّةٍ أجَلَها﴾“ [الحِجْرَ: 5، المُؤْمِنُونَ: 43] فَتَأمَّلْ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إلا هو رابِعُهُمْ﴾ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ، والرّابِعُ لِإضافَتِهِ إلى غَيْرِ مُماثِلِهِ هُنا بِمَعْنى الجاعِلِالمَصِيرَ لَهم أرْبَعَةً أيْ ما يَكُونُونَ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا في حالِ تَصْيِيرِ اللَّهِ تَعالى لَهم أرْبَعَةً حَيْثُ إنَّهُ عَزَّ وجَلَّ يَطَّلِعُ أيْضًا عَلى نَجْواهم، وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا خَمْسَةٍ﴾ أيْ ولا نَجْوى خَمْسَةٍ ﴿إلا هو سادِسُهم ولا أدْنى﴾ أيْ ولا نَجْوى أدْنى ﴿مِن ذَلِكَ﴾ أيْ مِمّا ذُكِرَ كالِاثْنَيْنِ والأرْبَعَةِ ﴿ولا أكْثَرَ﴾ كالسِّتَّةِ وما فَوْقَها.
﴿إلا هو مَعَهُمْ﴾ يَعْلَمُ ما يَجْرِي بَيْنَهم ﴿أيْنَ ما كانُوا﴾ مِنَ الأماكِنِ، ولَوْ كانُوا في بَطْنِ الأرْضِ فَإنَّ عِلْمَهُ تَعالى بِالأشْياءِ لَيْسَ لِقُرْبٍ مَكانِيٍّ حَتّى يَتَفاوَتَ بِاخْتِلافِ الأمْكِنَةِ قُرْبًا وبُعْدًا، وفي الدّاعِي إلى تَخْصِيصِ الثَّلاثَةِ والخَمْسَةِ، وجْهانِ: أحَدُهُما أنَّ قَوْمًا مِنَ المُنافِقِينَ تَخَلَّفُوا لِلتَّناجِي مُغايَظَةً لِلْمُؤْمِنِينَ عَلى هَذَيْنِ العَدَدَيْنِ ثَلاثَةً وخَمْسَةً، فَقِيلَ: ما يَتَناجى مِنهم ثَلاثَةٌ ولا خَمْسَةٌ كَما تَرَوْنَهم يَتَناجَوْنَ كَذَلِكَ ولا أدْنى مِن عَدَدِهِمْ ولا أكْثَرَ إلّا واللَّهُ تَعالى مَعَهم يَعْلَمُ ما يَقُولُونَ. فالآيَةُ تَعْرِيضٌ بِالواقِعِ عَلى هَذا، وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها نَزَلَتْ في رَبِيعَةَ وحَبِيبٍ ابْنَيْ عَمْرٍو وصَفْوانَ بْنِ أُمَيَّةَ كانُوا يَوْمًا يَتَحَدَّثُونَ فَقالَ أحَدُهم: أتَرى أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما نَقُولُ ؟ فَقالَ الآخَرُ: يَعْلَمُ بَعْضًا ولا يَعْلَمُ بَعْضًا، وقالَ الثّالِثُ: إنْ كانَ يَعْلَمُ بَعْضًا فَهو يَعْلَمُهُ كُلَّهُ أيْ لِأنَّ مَن عَلِمَ بَعْضَ الأشْياءِ بِغَيْرِ سَبَبٍ فَقَدْ عَلِمَها كُلَّها لِأنَّ كَوْنَهُ عالِمًا بِغَيْرِ سَبَبٍ ثابِتٍ لَهُ مَعَ كُلِّ مَعْلُومٍ، والثّانِي أنَّهُ قَصَدَ أنْ يَذْكُرَ ما جَرَتْ عَلَيْهِ العادَةُ مِن أعْدادِ أهْلِ النَّجْوى والجالِسِينَ في خَلْوَةٍ لِلشُّورى والمُنْتَدَبُونَ لِذَلِكَ إنَّما هم طائِفَةٌ مُجْتَباةٌ مِن أُولِي الأحْلامِ والنُّهى، وأوَّلُ عَدَدِهِمُ الِاثْنانِ فَصاعِدًا إلى خَمْسَةٍ إلى سِتَّةٍ إلى ما اقْتَضَتْهُ الحالُ، وحَكَمَ بِهِ الِاسْتِصْوابُ، فَذَكَرَ عَزَّ وجَلَّ الثَّلاثَةَ والخَمْسَةَ، وقالَ سُبْحانَهُ: ﴿ولا أدْنى مِن ذَلِكَ﴾ فَدَلَّ عَلى الِاثْنَيْنِ والأرْبَعَةِ، قالَ تَعالى: ﴿ولا أكْثَرَ﴾ فَدَلَّ عَلى ما يَلِي هَذا العَدَدَ ويُقارِبُهُ كَذا في الكَشّافِ.
وفِي الكَشْفِ في خُلاصَةِ الوَجْهِ الثّانِي أنَّهُ خُصَّ العَدَدانِ عَلى المُعْتادِ مِن عَدَدِ أهْلِ النَّجْوى فَإنَّهم قَلِيلُو العَدَدِ غالِبًا فَلَزِمَ أنْ يُخَصَّ بِالذِّكْرِ نَحْوُ الثَّلاثَةِ والأرْبَعَةِ إلى الثَّمانِيَةِ والتِّسْعَةِ فَأُوثِرالثَّلاثَةُ لِيَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا أدْنى مِن ذَلِكَ﴾ دالًّا عَلى ما تَحْتَها إذْ لَوْ أُوثِرَ الأرْبَعَةُ والسِّتَّةُ مَثَلًا كانَ الأدْنى الثَّلاثَةُ دُونَ الِاثْنَيْنِ إلّا عَلى التَّوَسُّعِ ولَمّا أُوثِرَتْ جِيءَ بِالخَمْسَةِ لِتُناسِبَ الوَتْرَيْنِ وكانَ الأمْرُ دائِرًا بَيْنَ الثَّلاثَةِ والخَمْسَةِ والأرْبَعَةِ والسِّتَّةِ فَأُوثِرا بِالتَّصْرِيحِ لِذَلِكَ، ولِأنَّهُ تَعالى وتْرٌ يُحِبُّ الوَتْرَ. انْتَهى.
وقَدْ يُقالُ: إنَّ التَّناجِيَ يَكُونُ في الغالِبِ لِلشُّورى وهي لا تَكُونُ إلّا بَيْنَ عَدَدٍ وأهْلُها قَلِيلُو العَدَدِ غالِبًا، والألْيَقُأنْ يَكُونَ وتْرًا مِنَ الأعْدادِ كالثَّلاثَةِ والخَمْسَةِ والسَّبْعَةِ والتِّسْعَةِ لِيَتَحَقَّقَ عِنْدَ الِاخْتِلافِ طَرَفٌ يَتَرَجَّحُ بِالزِّيادَةِ عَلى الطَّرَفِ الآخَرِ فَيُرْجَعُ إلَيْهِ دُونَهُ كَما هو العادَةُ اليَوْمَ عِنْدَ اخْتِلافِ أهْلِ الشُّورى.
وجَعَلَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ الشُّورى في سِتَّةٍ لِانْحِصارِ الأمْرِ فِيهِمْ كَما يَدُلُّ عَلى قَوْلِهِ لَهم: نَظَرْتُ فَوَجَدْتُكم رُؤَساءَ النّاسِ وقادَتَهم، ولا يَكُونُ هَذا الأمْرُ إلّا فِيكم، وقَدْ قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وهو عَنْكم راضٍ، ومَعَ هَذا أمَرَ ابْنَهُ عَبْدَ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنْ يَحْضُرَ مَعَهم وإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِن أمْرِ الخِلافَةِ شَيْءٌ، فَدارَ الأمْرُ بَعْدَ اعْتِبارِ ما ذُكِرَ مِن وتَرِيَّةِ العَدَدِ وقِلَّتِهِ بَيْنَ الثَّلاثَةِ والخَمْسَةِ والسَّبْعَةِ والتِّسْعَةِ فاخْتِيرَتِ الثَّلاثَةُ لِأنَّها أوَّلُ الأوْتارِ العَدَدِيَّةِ وإذا ضُرِبَتْ في نَفْسِها حَصَلَ مُنْتَهاها مِنَ الآحادِ ولا يَخْلُو مِنها اعْتِبارُ كُلِّ مُمْكِنٍ حَتّى
صفحة 25
أنَّ المَطالِبَ الفِكْرِيَّةَ لِلْمُتَناجِينَ مَثَلًا لا تَتِمُّ بِدُونِ ثَلاثَةِ أشْياءَ: المَوْضُوعُ والمَحْمُولُ والحَدُّ الأوْسَطُبَلِ القَضِيَّةُ الَّتِي يُتَناجى لَها لا بُدَّ فِيها مِن ثَلاثَةِ أجْزاءٍ، والخَمْسَةُ لِأنَّها عَدَدٌ دائِرٌ لا تَنْعَدِمُ بِالضَّرْبِ في نَفْسِها، وكَذا بِضَرْبِالحاصِلِ في نَفْسِهِ إلى ما لا يَتَناهى فَلَها شَبَهٌ بِالثَّلاثَةِ مِن حَيْثُ إنَّها دائِرَةٌ مَعَ مَراتِبِ الضَّرْبِ لا تَنْعَدِمُ أصْلًا كَما أنَّ الثَّلاثَةَ دائِرَةٌ مَعَ اعْتِباراتِ المُمْكِنِ لا تَنْعَدِمُ أصْلًا، ومَعَ ذَلِكَ هي عَدَدُ المَشاعِرِ الَّتِي يَحْتاجُ إلَيْها التَّناجِي، وكَذا عَدَدُ الحَواسِّ الظّاهِرَةِ، ويَدْخُلُ ما عَداهُما في عُمُومِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا أدْنى مِن ذَلِكَ ولا أكْثَرَ إلا هو مَعَهُمْ﴾ ولا يَدْخُلُ في العُمُومِ الواحِدُ لِأنَّ التَّناجِيَ لِلْمُشاوَرَةِ لا بُدَّ فِيهِ مِنَ اثْنَيْنِ فَأكْثَرَ، ومَن أدْخَلَهُ لَمْ يَعْتَبِرِ التَّناجِيَ لَها ولا يَضُرُّ دُخُولُ الأشْفاعِ فِيهِ لِأنَّ ألْيَقِيَّةَ كَوْنِ المُتَناجِينَ وتْرًا إنَّما كانَتْ نُكْتَةً لِلتَّصْرِيحِ بِالعَدَدَيْنِ السّابِقَيْنِ ولا تَأْبى تَحَقُّقَ النَّجْوى في الأشْفاعِ كَما لا يَخْفى. وادَّعى ابْنُ سُراقَةَ أنَّ النَّجْوى مُخْتَصَّةٌ بِما كانَ بَيْنَ أكْثَرَمِنَ اثْنَيْنِ وأنَّ ما يَكُونُ بَيْنَ اثْنَيْنِ يُسَمّى سِرارًا، وقالَ ابْنُ عِيسى: كُلُّ سِرارٍ نَجْوى، وفي الآيَةِ لَطائِفُ وأسْرارٌ لا يَعْقِلُها إلّا العالِمُونَ فَلْيُتَأمَّلْ.
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ «ثَلاثَةً» و«خَمْسَةً» بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ بِإضْمارِ يَتَناجَوْنَ يَدُلُّ عَلَيْهِ نَجْوى، أوْ عَلى تَأْوِيلِ نَجْوى بِمُتَناجِينَ ونَصْبُهُما مِنَ المُسْتَكِنِّ فِيهِ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ - إلّا اللَّهُ رابِعُهم ولا أرْبَعَةٌ إلّا اللَّهُ خامِسُهم ولا خَمْسَةٌ إلّا اللَّهُ سادِسُهم ولا أقَلَّ مِن ذَلِكَ ولا أكْثَرَ إلّا اللَّهُ مَعَهم إذا انْتَجَوْا - وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ أبِي إسْحاقَ والأعْمَشُ وأبُو حَيْوَةَ وسَلّامٌ ويَعْقُوبُ «ولا أكْثَرُ» بِالرَّفْعِ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَلى أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى مَحَلِّ -لا أدْنى - كَقَوْلِكَ: لا حَوْلَ ولا قُوَّةُ إلّا بِاللَّهِ بِفَتْحِ الحَوْلِ ورَفْعِ القُوَّةِ، ويَجُوزُ أنَّ يُعْتَبَرَ «أدْنى» مَرْفُوعًا عَلى هَذِهِ القِراءَةِ ورَفْعُهُما عَلى الِابْتِداءِ، والجُمْلَةُ الَّتِي بَعْدَ إلّا هي الخَبَرُ، أوْ عَلى العَطْفِ عَلى مَحَلِّ مِن نَجْوى كَأنَّهُ قِيلَ: ما يَكُونُ أدْنى ولا أكْثَرُ إلّا هو مَعَهم، وأكْثَرَ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَجْرُورًا بِالفَتْحِ مَعْطُوفًا عَلى لَفْظِ نَجْوى كَأنَّهُ قِيلَ: ما يَكُونُ مِن أدْنى ولا أكْثَرَ إلّا هو مَعَهم، وأنْ يَكُونَ مَفْتُوحًا لِأنَّ لا لِنَفْي ِالجِنْسِ، وقَرَأ كُلٌّ مِنَ الحَسَنِ ويَعْقُوبَ أيْضًا ومُجاهِدٍ والخَلِيلِ ابْنِ أحْمَدَ - ولا أكْبَرُ -بِالباءِ المُوَحَّدَةِ والرَّفْعِ وهو عَلى ما سَمِعْتَ ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا يَوْمَ القِيامَةِ﴾ تَفْضِيحًا لَهم وإظْهارًا لِما يُوجِبُ عَذابَهم.
وقُرِئَ «يُنْبِئُهم» بِالتَّخْفِيفِ والهَمْزِ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِالتَّخْفِيفِ وتَرْكِ الهَمْزِ وكَسْرِ الهاءِ.
﴿إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ لِأنَّ نِسْبَةَ ذاتِهِ المُقْتَضِي لِلْعِلْمِ إلى الكُلِّ عَلى السَّواءِ،
58:7Страница 543
أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۖ مَا يَكُونُ مِن نَّجۡوَىٰ ثَلَٰثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمۡ وَلَا خَمۡسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمۡ وَلَآ أَدۡنَىٰ مِن ذَٰلِكَ وَلَآ أَكۡثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمۡ أَيۡنَ مَا كَانُواْۖ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُواْ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٌ ٧
Разве ты не знаешь, что Аллаху ведомо то, что на небесах, и то, что на земле? Не бывает тайной беседы между тремя, чтобы Он не был четвертым; или между пятью, чтобы Он не был шестым. Больше их или меньше - Он всегда с ними, где бы они ни были. А потом, в День воскресения, Он поведает им о том, что они совершили. Воистину, Аллах знает о всякой вещи.
وقَدْ بَدَأ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآياتِ بِالعِلْمِ حَيْثُ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ﴾ إلَخْ، وخَتَمَ جَلَّ وعَلا بِالعِلْمِ أيْضًا حَيْثُ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿أنَّ اللَّهَ﴾ إلَخْ، ومِن هُنا قالَ مُعْظَمُ السَّلَفِ فِيما ذُكِرَ في البَيْنِ مِن قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ”رابِعُهم وسادِسُهم ومَعَهم“ أنَّ المُرادَ بِهِ كَوْنُهُ تَعالى كَذَلِكَ بِحَسَبِالعِلْمِ مَعَ أنَّهُمُ الَّذِينَ لا يُؤَوَّلُونَ، وكَأنَّهم لَمْ يَعُدُّواذَلِكَ تَأْوِيلًا لِغايَةِ ظُهُورِهِ واحْتِفافِهِ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ دَلالَةً لا خَفاءَ فِيها، ويُعْلَمُ مِن هَذا أنَّ ما شاعَ مِن أنَّ السَّلَفَ لا يُؤَوِّلُونَ لَيْسَ عَلى إطْلاقِهِ.
58:8Страница 543
أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نُهُواْ عَنِ ٱلنَّجۡوَىٰ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُواْ عَنۡهُ وَيَتَنَٰجَوۡنَ بِٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِ وَمَعۡصِيَتِ ٱلرَّسُولِۖ وَإِذَا جَآءُوكَ حَيَّوۡكَ بِمَا لَمۡ يُحَيِّكَ بِهِ ٱللَّهُ وَيَقُولُونَ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ لَوۡلَا يُعَذِّبُنَا ٱللَّهُ بِمَا نَقُولُۚ حَسۡبُهُمۡ جَهَنَّمُ يَصۡلَوۡنَهَاۖ فَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ ٨
Разве ты не видел тех, кому были запрещены тайные беседы. Они возвращаются к тому, что было им запрещено, и тайно переговариваются о грехах, посягательстве и неповиновении Посланнику. Когда они приходят к тебе, то приветствуют тебя не так, как приветствует тебя Аллах, говоря в душе: «Почему бы Аллаху не наказать нас за то, что мы говорим?». Довольно с них Геенны! Туда они попадут, и как же скверно это место прибытия!
﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: نَزَلَتْ في اليَهُودِ والمُنافِقِينَ كانُوا يَتَناجَوْنَ دُونَ المُؤْمِنِينَ ويَنْظُرُونَ إلَيْهِمْ ويَتَغامَزُونَ بِأعْيُنِهِمْ عَلَيْهِمْ يُوهِمُونَهم عَنْ أقارِبِهِمْ أنَّهم أصابَهم شَرٌّ فَلا يَزالُونَ كَذَلِكَ حَتّى تَقَدَّمَ أقارِبُهم فَلَمّا كَثُرَ ذَلِكَ مِنهم شَكا المُؤْمِنُونَإلى الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَنَهاهم أنْ يَتَناجَوْا دُونَ المُؤْمِنِينَ فَعادُوا لِمِثْلِ فِعْلِهِمْ، وقالَ مُجاهِدٌ: نَزَلَتْ في اليَهُودِ.
صفحة 26
وقالَ ابْنُ السّائِبِ: في المُنافِقِينَ، والخِطابُ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والهَمْزَةُ لِلتَّعْجِيبِ مِن حالِهِمْ، وصِيغَةُ المُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَكَرُّرِ عَوْدِهِمْ وتَجَدُّدِهِ واسْتِحْضارِ صُورَتِهِ العَجِيبَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَتَناجَوْنَ بِالإثْمِ والعُدْوانِ ومَعْصِيَتِ الرَّسُولِ﴾ عَطْفٌ عَلَيْهِ داخِلٌ في حُكْمِهِ أيْ ويَتَناجَوْنَ بِما هو إثْمٌ في نَفْسِهِ ووَبالٌ عَلَيْهِمْ وتَعَدٍّ عَلى المُؤْمِنِينَ وتَواصٍ بِمُخالَفَةِ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وذَكَرَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِعُنْوانِ الرِّسالَةِ بَيْنَ الخِطابَيْنِ المُتَوَجِّهَيْنِ - وإلَيْهِ ﷺ - لِزِيادَةِ تَشْنِيعِهِمْ واسْتِعْظامِ مَعْصِيَتِهِمْ.
وقَرَأ حَمْزَةُ وطَلْحَةُ والأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ ودُوَيْسٌ - ويَنْتَجُونَ - بِنُونٍ ساكِنَةٍ بَعْدَ الياءِ وضَمِّ الجِيمِ مُضارِعَ انْتَجى، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ -العِدْوانِ - بِكَسْرِ العَيْنِ حَيْثُ وقَعَ، وقُرِئَ - مَعْصِيّاتِ - بِالجَمْعِ ونُسِبَتْ فِيما بَعْدُ إلى الضَّحّاكِ ﴿وإذا جاءُوكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾ صَحَّ مِن رِوايَةِ البُخارِيِّ ومُسْلِمٍ وغَيْرِهِما عَنْ عائِشَةَ ««أنَّ ناسًا مِنَ اليَهُودِ دَخَلُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالُوا: السّامُ عَلَيْكَ يا أبا القاسِمِ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: وعَلَيْكم، قالَتْ عائِشَةُ: وقُلْتُ: عَلَيْكُمُ السّامُ ولَعَنَكُمُ اللَّهُ وغَضِبَ عَلَيْكم»» وفي رِوايَةٍ ««عَلَيْكُمُ السّامُ والذّامُ واللَّعْنَةُ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: يا عائِشَةُ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفاحِشَ ولا المُتَفَحِّشَ، فَقُلْتُ: ألا تَسْمَعُهم يَقُولُونَ: السّامُ ؟ ! فَقالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: أوَما سَمِعْتِ أقُولُ: وعَلَيْكم ؟ !» فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿وإذا جاءُوكَ﴾» الآيَةَ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ اليَهُودَ كانُوا يَقُولُونَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ سامٌ عَلَيْكَ يُرِيدُونَ بِذَلِكَ شَتْمَهُ ثُمَّ يَقُولُونَ في أنْفُسِهِمْ: لَوْلا يُعَذِّبُنا اللَّهُ بِما نَقُولُ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿وإذا جاءُوكَ﴾ إلَخْ»، والسّامُ قالَ ابْنُ الأثِيرِ: المَشْهُورُ فِيهِ تَرْكُ الهَمْزِ ويَعْنُونَ بِهِ المَوْتَ، وجاءَ في رِوايَةٍ مَهْمُوزًا ومَعْناهُ أنَّكم تَسْأمُونَ دِينَكم، وصَرَّحَ الخَفاجِيُّ بِأنَّهُ بِمَعْنى المَوْتِ عِبْرانِيٌّ، ولَمْ يَذْكُرْ فِيهِ الهَمْزَ وتَرْكَهُ.
وقالَ الطَّبَرْسِيُّ: مَن قالَ: السّامُ المَوْتُ فَهو مِن سَأمَ الحَياةَ بِذَهابِها وهَذا إرْجاعٌ لَهُ إلى المَهْمُوزِ، وجَعَلَ البَيْضاوِيُّ مِنَ التَّحِيَّةِ الَّتِي لَمْ يُحَيِّهِ بِها اللَّهُ تَعالى تَحِيَّتَهم لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِأنْعِمْ صَباحًا وهي تَحِيَّةُ الجاهِلِيَّةِ كَعِمْ صَباحًا ولَمْ نَقِفْ عَلى أثَرٍ في ذَلِكَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَقُولُونَ في أنْفُسِهِمْ﴾ أيْ فِيما بَيْنَهم، وجُوِّزَ إبْقاؤُهُ عَلى ظاهِرِهِ ﴿لَوْلا يُعَذِّبُنا اللَّهُ بِما نَقُولُ﴾ أيْ هَلّا يُعَذِّبُنا اللَّهُ تَعالى بِسَبَبِ ذَلِكَ لَوْ كانَ مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ نَبِيًّا - أيْ لَوْ كانَ نَبِيًّا عَذَّبَنا اللَّهُ تَعالى بِسَبَبِ ما نَقُولُ مِنَ التَّحِيَّةِ - أوْفَقُ بِالأوَّلِ لِأنَّ أنْعِمْ صَباحًا دُعاءٌ بِخَيْرٍ والعُدُولُ إلَيْهِ عَنْ تَحِيَّةِ الإسْلامِ الَّتِي حَيّا اللَّهُ تَعالى بِها رَسُولَهُ صَلى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وأُشِيرَ إلَيْها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ﴾ [الصّافّاتِ: 181] ﴿وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى﴾ [النَّمْلَ: 59] وما جاءَ في التَّشَهُّدِ ««السَّلامَ عَلَيْكَ أيُّها النَّبِيُّ ورَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ»» لَيْسَ فِيهِ كَثِيرُ إثْمٍ يُتَوَقَّعُ مَعَهُ التَّعْذِيبُ الدُّنْيَوِيُّ حَتّى أنَّهم يَقُولُونَ ذَلِكَ إذا لَمْ يُعَذَّبُوا اللَّهُمَّ إلّا إذا انْضَمَّ إلَيْهِ أنَّهم قَصَدُوا بِذَلِكَ تَحْقِيرًا وإعْلانًا بِعَدَمِ الِاكْتِراثِ، ولَعَلَّ قائِلَ ذَلِكَ هُمُ المُنافِقُونَ مِنَ المُشْرِكِينَ وهو أظْهَرُ مِن كَوْنِ قائِلِهِ اليَهُودُ، وحُكْمُ التَّحِيَّةِ بِهِ اليَوْمَ أنَّها خِلافُ السُّنَّةِ، والقَوْلُ بِالكَراهَةِ غَيْرُ بَعِيدٍ.
وفِي تُحْفَةِ المُحْتاجِ لا يَسْتَحِقُّ مُبْتَدى بِنَحْوِ صَبَّحَكَ اللَّهُ بِالخَيْرِ أوْ قَوّاكَ اللَّهُ جَوابًا ودُعاؤُهُ لَهُ في نَظِيرِهِ حَسَنٌ إلّا أنْ يَقْصِدَ بِإهْمالِهِ لَهُ تَأْدِيبَهُ لِتَرْكِهِ سُنَّةَ السَّلامِ. انْتَهى، وأنْعِمْ صَباحًا نَحْوَ صَبَّحَكَ اللَّهُ بِالخَيْرِ، غايَةُ ما في البابِ أنَّهُ
صفحة 27
دُعاءٌ كانَ يُسْتَعْمَلُ تَحِيَّةً في الجاهِلِيَّةِ، نَعَمْ تَحِيَّتُهم بِهِ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى الوَجْهِ الَّذِي قَصَدُوهُ حَرامٌ بِلا خِلافٍ ﴿حَسْبُهم جَهَنَّمُ﴾ عَذابًا ﴿يَصْلَوْنَها﴾ يَدْخُلُونَها أوْ يُقاسُونَ حَرَّها أوْ يَصْطَلُونَ بِها.
﴿فَبِئْسَ المَصِيرُ﴾ أيْ جَهَنَّمُ
58:9Страница 543
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا تَنَٰجَيۡتُمۡ فَلَا تَتَنَٰجَوۡاْ بِٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِ وَمَعۡصِيَتِ ٱلرَّسُولِ وَتَنَٰجَوۡاْ بِٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِيٓ إِلَيۡهِ تُحۡشَرُونَ ٩
О те, которые уверовали! Если уж вы тайно переговариваетесь, то не говорите о грехах, посягательстве и неповиновении Посланнику, а говорите о благочестии и богобоязненности и бойтесь Аллаха, к Которому вы будете собраны.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا تَناجَيْتُمْ﴾ في أنْدِيَتِكم وفي خَلَواتِكم.
﴿فَلا تَتَناجَوْا بِالإثْمِ والعُدْوانِ ومَعْصِيَتِ الرَّسُولِ﴾ كَما يَفْعَلُهُ المُنافِقُونَ، فالخِطابُ لِلْخُلَّصِ تَعْرِيضًا بِالمُنافِقِينَ، وجُوِّزَ جَعْلُهُ لَهم وسُمُّوا مُؤْمِنِينَ بِاعْتِبارِ ظاهِرِ أحْوالِهِمْ.
وقَرَأ الكُوفِيُّونَ والأعْمَشُ وأبُو حَيْوَةَ ورُوَيْسٌ - فَلا تَنْتَجُوا - مُضارِعَ انْتَجى، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ - فَلا تَناجَوْا - بِإدْغامِ التّاءِ في التّاءِ، وقُرِئَ بِحَذْفِ إحْداهُما ﴿وتَناجَوْا بِالبِرِّ والتَّقْوى﴾ بِما يَتَضَمَّنُ خَبَرَ المُؤْمِنِينَ والِاتِّقاءِ عَنْ مَعْصِيَةِ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ﴿واتَّقُوا﴾ فِيما تَأْتُونَ وما تَذْرُونَ ﴿اللَّهَ الَّذِي إلَيْهِ﴾ وحْدَهُ لا إلى غَيْرِهِ سُبْحانَهُ اسْتِقْلالًا أوِ اشْتِراكًا ﴿تُحْشَرُونَ﴾ فَيُجازِيكم عَلى ذَلِكَ
58:10Страница 543
إِنَّمَا ٱلنَّجۡوَىٰ مِنَ ٱلشَّيۡطَٰنِ لِيَحۡزُنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَيۡسَ بِضَآرِّهِمۡ شَيۡـًٔا إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ١٠
Тайная беседа - от дьявола, стремящегося опечалить тех, которые уверовали. Но это нисколько не повредит им, если на то не будет соизволения Аллаха. Пусть же верующие уповают только на Аллаха.
﴿إنَّما النَّجْوى﴾ المَعْهُودَةُ الَّتِي هي التَّناجِي بِالإثْمِ والعُدْوانِ والمَعْصِيَةِ ﴿مِنَ الشَّيْطانِ﴾ لا مِن غَيْرِهِ بِاعْتِبارِ أنَّهُ هو المُزَيِّنُ لَها والحامِلُ عَلَيْها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ خَبَرٌ آخَرُ أيْ إنَّما هي لِيُحْزِنَ المُؤْمِنِينَ بِتَوَهُّمِهِمْ أنَّها في نَكْبَةٍ أصابَتْهم، وقُرِئَ «لِيَحْزَنَ» بِفَتْحِ الياءِ والزّايِ - فالَّذِينَ - فاعِلٌ ﴿ولَيْسَ بِضارِّهِمْ﴾ أيْ لَيْسَ الشَّيْطانُ أوِ التَّناجِي بِضارِّ المُؤْمِنِينَ ﴿شَيْئًا﴾ مِنَ الأشْياءِ أوْ شَيْئًا مِنَ الضَّرَرِ ﴿إلا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ أيْ إلّا بِإرادَتِهِ ومَشِيئَتِهِ عَزَّ وجَلَّ، وذَلِكَ بِأنْ يَقْضِيَ سُبْحانَهُ المَوْتَ أوِ الغَلَبَةَ عَلى أقارِبِهِمْ ﴿وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ ولا يُبالُوا بِنَجْواهم.
وحاصِلُهُ أنَّ ما يَتَناجى المُنافِقُونَ بِهِ مِمّا يُحْزِنُ المُؤْمِنِينَ إنْ وقَعَ فَبِإرادَةِ اللَّهِ تَعالى ومَشِيئَتِهِ لا دَخْلَ لَهم فِيهِ فَلا يَكْتَرِثُ المُؤْمِنُونَ بِتَناجِيهِمْ ولِيَتَوَكَّلُوا عَلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ولا يَحْزَنُوا مِنهُ، فَهَذا الكَلامُ لِإزالَةِ حُزْنِهِمْ، ومِنهُ ضَعُفَ ما أشارَ إلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن جَوازِ أنْ يَرْجِعَ ضَمِيرُ - لَيْسَ بِضارِّهِمْ - لِلْحُزْنِ، وأُجِيبَ بِأنَّ المَقْصُودَ يَحْصُلُ عَلَيْهِ أيْضًا فَإنَّهُ إذا قِيلَ: إنَّ هَذا الحُزْنَ لا يَضُرُّهم إلّا بِإرادَةِ اللَّهِ تَعالى انْدَفَعَ حُزْنُهم، هَذا ومِنَ الغَرِيبِ ما قِيلَ: إنَّ الآيَةَ نازِلَةٌ في المَناماتِ الَّتِي يَراها المُؤْمِنُ في النَّوْمِ تَسُوؤُهُ ويَحْزَنُ مِنها فَكَأنَّها نَجْوى يُناجى بِها، وهَذا عَلى ما فِيهِ لا يُناسِبُ السِّباقُ والسِّياقَ كَما لا يَخْفى، ثُمَّ إنَّ التَّناجِيَ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ قَدْ يَكُونُ مَنهِيًّا عَنْهُ، فَقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ وأبُو داوُدَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««إذا كُنْتُمْ ثَلاثَةً فَلا يَتَناجَ اثْنانِ دُونَ الآخَرِ حَتّى تَخْتَلِطُوا بِالنّاسِ مِن أجْلِ أنَّ ذَلِكَ يُحْزِنُهُ»» ومِثْلُ التَّناجِي في ذَلِكَ أنْ يَتَكَلَّمَ اثْنانِ بِحُضُورِ ثالِثٍ بِلُغَةٍ لا يَفْهَمُها الثّالِثُ إنْ كانَ يُحْزِنُهُ ذَلِكَ،
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии