Аль-Алуси · Тафсир · на арабском
Аль-Анам 6:107–109
6:107Страница 141
وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشۡرَكُواْۗ وَمَا جَعَلۡنَٰكَ عَلَيۡهِمۡ حَفِيظٗاۖ وَمَآ أَنتَ عَلَيۡهِم بِوَكِيلٖ ١٠٧
Если бы Аллах пожелал, то они не приобщали бы сотоварищей. Мы не назначили тебя их хранителем, и ты не являешься их попечителем.
﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ﴾ عَدَمَ إشْراكِهِمْ ﴿ما أشْرَكُوا﴾ وهَذا دَلِيلٌ لِأهْلِ السُّنَّةِ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يُرِيدُ إيمانَ الكافِرِ لَكِنْ لا بِمَعْنى أنَّهُ تَعالى يَمْنَعُهُ عَنْهُ مَعَ تَوْجِيهِهِ إلَيْهِ بَلْ بِمَعْنى أنَّهُ تَعالى لا يُرِيدُهُ مِنهُ لِسُوءِ اخْتِيارِهِ النّاشِئِ مِن سُوءِ اسْتِعْدادِهِ. والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ مُؤَكِّدٌ لِلْإعْراضِ. وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ أيْ رَقِيبًا مُهَيْمِنًا مِن قَبْلِنا تَحْفَظُ عَلَيْهِمْ أعْمالَهُمْ، وكَذا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾
107
- مِن جِهَتِهِمْ تَقُومُ بِأمْرِهِمْ وتُدَبِّرُ مَصالِحَهُمْ، وقِيلَ: المُرادُ وما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا تَصُونُهم عَمّا يَضُرُّهُمْ، وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ تَجْلِبُ لَهم ما يَنْفَعُهم. و(عَلَيْهِمْ) في المَوْضِعَيْنِ مُتَعَلِّقٌ بِما بَعْدَهُ قُدِّمَ عَلَيْهِ لِلِاهْتِمامِ بِهِ أوْ لِرِعايَةِ الفَواصِلِ
6:108Страница 141
وَلَا تَسُبُّواْ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ فَيَسُبُّواْ ٱللَّهَ عَدۡوَۢا بِغَيۡرِ عِلۡمٖۗ كَذَٰلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمۡ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِم مَّرۡجِعُهُمۡ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٠٨
Не оскорбляйте тех, к кому они взывают помимо Аллаха, а не то они станут оскорблять Аллаха из враждебности и по невежеству. Так Мы приукрасили для каждого народа их деяния. Потом им предстоит вернуться к своему Господу, и Он поведает им о том, что они совершали.
﴿ولا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ لا تَشْتُمُوهم ولا تَذْكُرُوهم
صفحة 251
بِالقَبِيحِ، والمُرادُ مِنَ المَوْصُولِ إمّا المُشْرِكُونَ عَلى مَعْنى لا تَسُبُّوهم مِن حَيْثُ عِبادَتِهِمْ لِآلِهَتِهِمْ كَأنْ تَقُولُوا تَبًّا لَكم ولِما تَعْبُدُونَهُ مَثَلًا أوْ آلِهَتِهِمْ فالآيَةُ صَرِيحَةٌ في النَّهْيِ عَنْ سَبِّها، والعائِدُ حِينَئِذٍ مُقَدَّرٌ أيِ الَّذِينَ تَدْعُونَهُمْ
والتَّعْبِيرُ عَنْها بِالَّذِينِ مَبْنِيٌّ عَلى زَعْمِهِمْ أنَّها مِن أهْلِ العِلْمِ أوْ عَلى تَغْلِيبِ العُقَلاءِ مِنها كالمَلائِكَةِ والمَسِيحِ وعُزَيْرٍ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقِيلَ: إنَّ سَبَّ الآلِهَةِ سَبٌّ لَهُمْ؛ كَما يُقالُ ضَرْبُ الدّابَّةِ صَفْعٌ لِراكِبِها ﴿فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا﴾ تَجاوُزًا عَنِ الحَقِّ إلى الباطِلِ، ونَصْبُهُ عَلى أنَّهُ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ. وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ، وأنْ يَكُونَ عَلى المَصْدَرِيَّةِ مِن غَيْرِ لَفْظِ الفِعْلِ، و(يَسُبُّوا) مَنصُوبٌ عَلى جَوابِ النَّهْيِ، وقِيلَ: مَجْزُومٌ عَلى العَطْفِ كَقَوْلِهِمْ: لا تَمْدُدْها فَتَشْقُقْها
ومَعْنى سَبِّهِمْ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ إفْضاءُ كَلامِهِمْ إلَيْهِ كَشَتْمِهِمْ لَهُ ﷺ ولِمَن يَأْمُرُهُ، وقَدْ فُسِّرَ ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ بِذَلِكَ أيْ فَيَسُبُّوا اللَّهَ تَعالى بِغَيْرِ عِلْمٍ أنَّهم يَسُبُّونَهُ وإلّا فالقَوْمُ كانُوا يُقِرُّونَ بِاللَّهِ تَعالى وعَظَمَتِهِ وأنَّ آلِهَتَهم إنَّما عَبَدُوها لِتَكُونَ شُفَعاءَ لَهم عِنْدَهُ سُبْحانَهُ فَكَيْفَ يَسُبُّونَهُ؟ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ سَبُّهم لَهُ عَزَّ اسْمُهُ صَرِيحًا؛ ولا إشْكالَ بِناءً عَلى أنَّ الغَضَبَ والغَيْظَ يَحْمِلُهم عَلى ذَلِكَ ألا تَرى أنَّ المُسْلِمَ قَدْ تَحْمِلُهُ شِدَّةُ غَيْظِهِ عَلى التَّكَلُّمِ بِالكُفْرِ
ومِمّا شاهَدْناهُ أنَّ بَعْضَ جَهَلَةِ العَوامِّ أكْثَرَ الرّافِضَةُ سَبَّ الشَّيْخَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما عِنْدَهُ فَغاظَهُ ذَلِكَ جِدًّا فَسَبَّ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: ما أرَدْتُ إلّا إغاظَتَهم ولَمْ أرَ شَيْئًا يَغِيظُهم مِثْلَ ذَلِكَ فاسْتُتِيبَ عَنْ هَذا الجَهْلِ العَظِيمِ، وقالَ الرّاغِبُ: إنَّ سَبَّهم لِلَّهِ تَعالى لَيْسَ أنَّهم يَسُبُّونَهُ جَلَّ شَأْنُهُ صَرِيحًا ولَكِنْ يَخُوضُونَ في ذِكْرِهِ تَعالى ويَتَمادَوْنَ في ذَلِكَ بِالمُجادَلَةِ ويَزْدادُونَ في وصْفِهِ سُبْحانَهُ بِما يُنَزَّهُ تَقَدَّسَ اسْمُهُ عَنْهُ، وقَدْ يُجْعَلُ الإصْرارُ عَلى الكُفْرِ والعِنادِ سَبًّا؛ وهو سَبٌّ فِعْلِيٌّ قالَ الشّاعِرُ:
وما كانَ ذَنْبُ بَنِي مالِكٍ بِأنْ سَبَّ مِنهم غُلامًا فَسُبَّ بِأبْيَضَ
ذِي شَطْبٍ قاطِعٍ يَقُدُّ العِظامَ ويَبْرِي العَصَبَ
ونُبِّهَ بِهِ عَلى ما قالَهُ الآخَرُ:
ونَشْتُمُ بِالأفْعالِ لا بِالتَّكَلُّمِ
وقِيلَ: المُرادُ بِسَبِّ اللَّهِ تَعالى سَبُّ الرَّسُولِ ﷺ ونَظِيرُ ذَلِكَ مِن وجْهِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ﴾ الآيَةِ. وقَرَأ يَعْقُوبُ (عُدُوًّا) يُقالُ: عَدا فُلانٌ يَعْدُو عَدْوًا وعُدُوًّا وعُدْوانًا. أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: «لَمّا حَضَرَ أبا طالِبٍ المَوْتُ قالَتْ قُرَيْشٌ: انْطَلِقُوا فَلْنَدْخُلْ عَلى هَذا الرَّجُلِ فَلْنَأْمُرْهُ أنْ يَنْهى عَنّا ابْنَ أخِيهِ فَإنّا نَسْتَحِي أنْ نَقْتُلَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ فَتَقُولُ العَرَبُ: كانَ يَمْنَعُهُ فَلَمّا ماتَ قَتَلُوهُ، فانْطَلَقَ أبُو سُفْيانَ وأبُو جَهْلٍ والنَّضْرُ بْنُ الحَرْثِ وأُمَيَّةُ وأُبَيُّ ابْنا خَلْفٍ وعُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ وعَمْرُو بْنُ العاصِ والأسْوَدُ بْنُ البُحْتُرِيِّ إلى أبِي طالِبٍ فَقالُوا: أنْتَ كَبِيرُنا وسَيِّدُنا وإنَّ مُحَمَّدًا قَدْ آذانا وآذى آلِهَتَنا فَنُحِبُّ أنْ تَدْعُوَهُ فَتَنْهاهُ عَنْ ذِكْرِ آلِهَتِنا ولَنَدَعَنَّهُ وإلَهَهُ فَدَعاهُ فَجاءَ النَّبِيُّ ﷺ فَقالَ لَهُ أبُو طالِبٍ: هَؤُلاءِ قَوْمُكَ وبَنُو عَمِّكَ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ماذا تُرِيدُونَ؟ قالُوا نُرِيدُ أنْ تَدَعَنا وآلِهَتَنا ونَدَعَكَ وإلَهَكَ فَقالَ أبُو طالِبٍ: قَدْ أنْصَفَكَ قَوْمُكَ فاقْبَلْ مِنهم فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أرَأيْتُكم إنْ أعْطَيْتُكم هَذا فَهَلْ أنْتُمْ مُعْطِيَّ كَلِمَةً إنْ تَكَلَّمْتُمْ بِها مَلَكْتُمُ العَرَبَ ودانَتْ لَكم بِها العَجَمُ قالَ أبُو جَهْلٍ: نَعَمْ لَنُعْطِيَنَّكَها وأبِيكَ وعَشْرَ أمْثالِها فَما هِيَ؟ قالَ: قُولُوا: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ فَأبَوْا واشْمَأزُّوا فَقالَ أبُو طالِبٍ قُلْ غَيْرَها يا ابْنَ أخِي فَإنَّ قَوْمَكَ قَدْ فَزِعُوا مِنها فَقالَ ﷺ: يا عَمُّ ما أنا بِالَّذِي أقُولُ غَيْرَها ولَوْ أتَوْنِي بِالشَّمْسِ فَوَضَعُوها في يَدِي ما قُلْتُ غَيْرَها فَقالُوا: لَتَكُفَّنَّ عَنْ شَتْمِكَ آلِهَتَنا أوْ لَنَشْتُمَنَّكَ ولَنَشْتُمَنَّ مَن يَأْمُرُكَ. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ»
صفحة 252
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ: قالُوا: يا مُحَمَّدُ لِتَنْتَهِيَنَّ عَنْ سَبِّكَ آلِهَتَنا أوْ لَنَهْجُوَنَّ رَبَّكَ فَنَهاهُمُ اللَّهُ تَعالى أنْ يَسُبُّوا أوْثانَهم». وفي رِوايَةٍ عَنْهُ أنَّهم قالُوا ذَلِكَ عِنْدَ نُزُولِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ نَزَلَتْ ﴿ولا تَسُبُّوا﴾ إلَخْ، واسْتُشْكِلَ ذَلِكَ بِأنَّ وصْفَ آلِهَتِهِمْ بِأنَّها حَصَبُ جَهَنَّمَ وبِأنَّها لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ سَبٌّ لَها فَكَيْفَ نَهى عَنْهُ بِما هُنا. وأُجِيبَ بِأنَّهم إذا قَصَدُوا بِالتِّلاوَةِ سَبَّهم وغَيْظَهم يَسْتَقِيمُ النَّهْيُ عَنْها ولا بِدْعَ في ذَلِكَ كَما يُنْهى عَنِ التِّلاوَةِ في المَواضِعِ المَكْرُوهَةِ
وقالَ في الكَشْفِ: المَعْنى عَلى هَذِهِ الرِّوايَةِ لا يَقَعُ السَّبُّ مِنكم بِناءً عَلى ما ورَدَ في الآيَةِ فَيَصِيرُ سَبًّا لِسَبِّهِمْ، وقِيلَ: ما في الآيَةِ لا يُعَدُّ سَبًّا لِأنَّهُ ذَكَرَ المَساوِئَ لِمُجَرَّدِ التَّحْقِيرِ والإهانَةِ وما فِيها إنَّما ورَدَ لِلِاسْتِدْلالِ عَلى عَدَمِ صُلُوحِها لِلْأُلُوهِيَّةِ والمَعْبُودِيَّةِ، وفِيهِ تَأمَّلْ. وقَرِيبٌ مِنهُ ما قِيلَ: إنَّ النَّهْيَ في الحَقِيقَةِ إنَّما هو عَنِ العُدُولِ عَنِ الدَّعْوَةِ إلى السَّبِّ كَأنَّهُ قِيلَ لا تَخْرُجُوا مِن دَعْوَةِ الكُفّارِ ومُحاجَّتِهِمْ إلى أنْ تَسُبُّوا ما يَعْبُدُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى فَإنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنَ الحِجاجِ في شَيْءٍ ويَجُرُّ إلى سَبِّ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ الطّاعَةَ إذا أدَّتْ إلى مَعْصِيَةٍ راجِحَةٍ وجَبَ تَرْكُها فَإنَّ ما يُؤَدِّي إلى الشَّرِّ شَرٌّ؛ وهَذا بِخِلافِ الطّاعَةِ في مَوْضِعٍ فِيهِ مَعْصِيَةٌ لا يُمْكِنُ دَفْعُها وكَثِيرًا ما يَشْتَبِهانِ، ولِذا لَمْ يَحْضُرِ ابْنُ سِيرِينَ جِنازَةً اجْتَمَعَ فِيها الرِّجالُ والنِّساءُ وخالَفَهُ الحَسَنُ قائِلًا: لَوْ تَرَكْنا الطّاعَةَ لِأجْلِ المَعْصِيَةِ لَأسْرَعَ ذَلِكَ في دِينِنا لِلْفَرْقِ بَيْنَهُما
ونَقَلَ الشِّهابُ عَنِ المَقْدِسِيِّ في الرَّمْزِ أنَّ الصَّحِيحَ عِنْدَ فُقَهائِنا أنَّهُ لا يَتْرُكُ ما يَطْلُبُ لِمُقارَنَةِ بِدْعَةٍ كَتَرْكِ إجابَةِ دَعْوَةٍ لِما فِيها مِنَ المَلاهِي وصَلاةِ جِنازَةٍ لِنائِحَةٍ فَإنْ قَدَرَ عَلى المَنعِ مَنَعَ وإلّا صَبَرَ، وهَذا إذا لَمْ يُقْتَدْ بِهِ وإلّا لا يَقْعُدُ لِأنَّ فِيهِ شَيْنَ الدِّينِ. وما رُوِيَ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ ابْتُلِيَ بِهِ كانَ قَبْلَ صَيْرُورَتِهِ إمامًا يُقْتَدى بِهِ. ونُقِلَ عَنْ أبِي مَنصُورٍ أنَّهُ قالَ: كَيْفَ نَهانا اللَّهُ تَعالى عَنْ سَبِّ مَن يَسْتَحِقُّ السَّبَّ لِئَلّا يُسَبَّ مَن لا يَسْتَحِقُّهُ وقَدْ أمَرَنا بِقِتالِهِمْ وإذا قاتَلْناهم قَتَلُونا وقَتْلُ المُؤْمِنَ بِغَيْرِ حَقٍّ مُنْكَرٍ؟ وكَذا أمَرَ النَّبِيَّ ﷺ بِالتَّبْلِيغِ والتِّلاوَةِ عَلَيْهِمْ وإنْ كانُوا يُكَذِّبُونَهُ؟ وأنَّهُ أجابَ بِأنَّ سَبَّ الآلِهَةِ مُباحٌ غَيْرُ مَفْرُوضٍ وقِتالَهم فَرْضٌ وكَذا التَّبْلِيغَ وما كانَ مُباحًا يُنْهى عَمّا يَتَوَلَّدُ مِنهُ ويَحْدُثُ، وما كانَ فَرْضًا لا يُنْهى عَمّا يَتَوَلَّدُ مِنهُ. وعَلى هَذا يَقَعُ الفَرْقُ لِأبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فِيمَن قَطَعَ يَدَ قاطِعٍ قِصاصًا فَماتَ مِنهُ فَإنَّهُ يَضْمَنُ الدِّيَةَ لِأنَّ اسْتِيفاءَ حَقِّهِ مُباحٌ فَأُخِذَ بِالمُتَوَلِّدِ مِنهُ، والإمامُ إذا قَطَعَ يَدَ السّارِقِ فَماتَ لا يَضْمَنُ لِأنَّهُ فَرْضٌ عَلَيْهِ فَلَمْ يُؤْخَذْ بِالمُتَوَلِّدِ مِنهُ، اهـ. ومَن هُنا لا تُحْمَلُ الطّاعَةُ فِيما تَقَدَّمَ عَلى إطْلاقِها ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ التَّزْيِينِ القَوِيِّ ﴿زَيَّنّا لِكُلِّ أُمَّةٍ﴾ مِنَ الأُمَمِ ﴿عَمَلَهُمْ﴾ مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ بِإحْداثِ ما يُمَكِّنُهم مِنهُ ويَحْمِلُهم عَلَيْهِ تَوْفِيقًا أوْ تَخْذِيلًا، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِكُلِّ أُمَّةٍ أُمَمُ الكُفْرِ إذِ الكَلامُ فِيهِمْ، وبِعَمَلِهِمْ شَرُّهم وفَسادُهُمْ، والمُشَبَّهُ بِهِ تَزْيِينُ سَبِّ اللَّهِ تَعالى شَأْنُهُ لَهُمْ، واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّهُ تَعالى هو الَّذِي زَيَّنَ لِلْكافِرِ الكُفْرَ كَما زَيَّنَ لِلْمُؤْمِنِ الإيمانَ
وأنْكَرَ ذَلِكَ المُعْتَزِلَةُ وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهم فَتَأوَّلُوا الآيَةَ لِما لا يَخْفى ضَعْفُهُ ﴿ثُمَّ إلى رَبِّهِمْ﴾ مالِكِ أمْرِهِمْ ﴿مَرْجِعُهُمْ﴾ أيْ رَجَعُوهم ومَصِيرُهم بِالبَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ ﴿فَيُنَبِّئُهُمْ﴾ مِن غَيْرِ تَأْخِيرٍ ﴿بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾
108
- في الدُّنْيا عَلى الِاسْتِمْرارِ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ وذَلِكَ بِالثَّوابِ عَلى الأوَّلِ والعِقابِ عَلى الثّانِي، فالجُمْلَةُ لِلْوَعْدِ والوَعِيدِ
صفحة 253
وفَسَّرَ بَعْضُهم (ما) بِالسَّيِّئاتِ المُزَيَّنَةِ لَهم وقالَ: إنَّ هَذا وعِيدٌ بِالجَزاءِ والعَذابِ كَقَوْلِ الرَّجُلِ لِمَن يَتَوَعَّدُهُ سَأُخْبِرُكَ بِما فَعَلْتَ
6:109Страница 141
وَأَقۡسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهۡدَ أَيۡمَٰنِهِمۡ لَئِن جَآءَتۡهُمۡ ءَايَةٞ لَّيُؤۡمِنُنَّ بِهَاۚ قُلۡ إِنَّمَا ٱلۡأٓيَٰتُ عِندَ ٱللَّهِۖ وَمَا يُشۡعِرُكُمۡ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتۡ لَا يُؤۡمِنُونَ ١٠٩
Именем Аллаха они принесли величайшие клятвы о том, что если к ним явится знамение, они непременно уверуют в него. Скажи: «Знамения находятся у Аллаха. И откуда вам знать, что они не уверуют, если даже оно придет к ним?».
﴿وأقْسَمُوا﴾ أيِ المُشْرِكُونَ بِاللَّهِ ﴿جَهْدَ أيْمانِهِمْ﴾ أيْ جاهِدِينَ فِيها، فَـ (جَهْدَ) مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِنَزْعِ الخافِضِ أيْ أقْسَمُوا بِجَهْدِ أيْمانِهِمْ أيْ أوْكَدِها؛ وهو بِفَتْحِ الجِيمِ وضَمِّها في الأصْلِ بِمَعْنى الطّاقَةِ والمُشَقَّةِ، وقِيلَ: بِالفَتْحِ لِلْمَشَقَّةِ وبِالضَّمِّ الوُسْعِ، وقِيلَ: ما يُجْهِدُ الَإنْسانَ. والمَعْنى هُنا -عَلى ما قالَ الرّاغِبُ - أنَّهم حَلَفُوا واجْتَهَدُوا في الحَلِفِ أنْ يَأْتُوا بِهِ عَلى أبْلَغِ ما في وُسْعِهِمْ ﴿لَئِنْ جاءَتْهم آيَةٌ﴾ مِن مُقْتَرَحاتِهِمْ أوْ مِن جِنْسِ الآياتِ، ورَجَّحَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ بِأنَّهُ الأنْسَبُ بِحالِهِمْ في المُكابَرَةِ والعِنادِ وتَرامِي أمْرِهِمْ في العُتُوِّ والفَسادِ حَيْثُ كانُوا لا يَعُدُّونَ ما يُشاهِدُونَهُ مِنَ المُعْجِزاتِ القاهِرَةِ مِن جِنْسِ الآياتِ فاقْتَرَحُوا غَيْرَها ﴿لَيُؤْمِنُنَّ بِها﴾ وما كانَ مَرْمى غَرَضِهِمْ إلّا التَّحَكُّمَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في طَلَبِ المُعْجِزَةِ وعَدَمِ الِاعْتِدادِ بِما شاهَدُوا مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ البَيِّناتِ. والباءُ صِلَةُ الإيمانِ، والمُرادُ مِنَ الإيمانِ بِها التَّصْدِيقُ بِالنَّبِيِّ ﷺ. وجَعْلُها لِلسَّبَبِيَّةِ عَلى مَعْنى لَيُؤْمِنُنَّ بِسَبَبِها خِلافُ الظّاهِرِ
﴿قُلْ إنَّما الآياتُ﴾ أيْ كُلُّها فَيَدْخُلُ ما اقْتَرَحُوهُ فِيها دُخُولًا أوَّلِيًّا ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ أمْرُها في حُكْمِهِ وقَضائِهِ خاصَّةً يَتَصَرَّفُ فِيها حَسَبَ مَشِيئَتِهِ المَبْنِيَّةِ عَلى الحِكَمِ البالِغَةِ لا تَتَعَلَّقُ بِها قُدْرَةُ أحَدٍ ولا مَشِيئَتُهُ اسْتِقْلالًا ولا اشْتِراكًا بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ حَتّى يُمْكِنَنِي أنْ أتَصَدّى لِإنْزالِها بِالِاسْتِدْعاءِ؛ وهَذا كَما تَرى سَدٌّ لِبابِ الِاقْتِراحِ
وقِيلَ: إنَّ المَعْنى إنَّما الآياتُ عِنْدَ اللَّهِ لا عِنْدِي فَكَيْفَ أُجِيبُكم إلَيْها أوْ ءاتِيكم بِها أوِ المَعْنى هو القادِرُ عَلَيْها لا أنا حَتّى ءاتِيَكم بِها. واعْتَرَضَ ذَلِكَ شَيْخُ الإسْلامِ بَعْدَ أنِ اخْتارَ ما قَدَّمْناهُ بِأنَّهُ لا مُناسَبَةَ لَهُ بِالمَقامِ كَيْفَ لا ولَيْسَ مُقْتَرَحُهم مَجِيئَها بِغَيْرِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، فَتَدَبَّرْ. رَوِيَ «أنَّ قُرَيْشًا اقْتَرَحُوا بَعْضَ ءاياتٍ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: فَإنْ فَعَلْتُ بَعْضَ ما تَقُولُونَ أتُصَدِّقُونَنِي فَقالُوا: نَعَمْ وأقْسَمُوا لَئِنْ فَعَلْتَهُ لِنُؤْمِنَنَّ جَمِيعًا فَسَألَ المُسْلِمُونَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنْ يُنْزِلَها طَمَعًا في إيمانِهِمْ فَهَمَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالدُّعاءِ فَنَزَلَتْ». وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُحَمَّدٍ القُرَظِيِّ قالَ: «كَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قُرَيْشًا فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ تُخْبِرُنا أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مَعَهُ عَصًا يَضْرِبُ بِها الحَجَرَ، وأنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يُحْيِي المَوْتى، وأنَّ ثَمُودَ كانَتْ لَهم ناقَةٌ، فَأْتِنا بِبَعْضِ تِلْكَ الآياتِ حَتّى نُصَدِّقَكَ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أيَّ شَيْءٍ تُحِبُّونَ أنْ آتِيَكم بِهِ؟ قالُوا: تُحَوِّلُ لَنا الصَّفا ذَهَبًا قالَ: فَإنْ فَعَلْتُ تُصَدِّقُونِي؟ قالُوا: نَعَمْ، واللَّهِ لَئِنْ فَعَلْتَ لِنَتَّبِعَنَّكَ أجْمَعِينَ فَقامَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَدْعُو فَجاءَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ: إنْ شِئْتَ أصْبَحَ الصَّفا ذَهَبًا فَإنْ لَمْ يُصَدِّقُوا عِنْدَ ذَلِكَ لَنُعَذِّبَنَّهُمْ، وإنْ شِئْتَ فاتْرُكْهم حَتّى يَتُوبَ تائِبُهُمْ، فَقالَ ﷺ: أتْرُكُهم حَتّى يَتُوبَ تائِبُهم. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ إلى ﴿يَجْهَلُونَ﴾»
﴿وما يُشْعِرُكم أنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ﴾
109
- كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ غَيْرُ داخِلٍ تَحْتَ الأمْرِ مَسُوقٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى لِبَيانِ الحِكْمَةِ فِيما أشْعَرَ بِهِ الجَوابُ السّابِقُ مِن عَدَمِ مَجِيءِ الآياتِ خُوطِبَ بِهِ المُؤْمِنُونَ -كَما قالَ الفَرّاءُ وغَيْرُهُ- إمّا خاصَّةً بِطْرِيقِ التَّلْوِينِ لَمّا كانُوا راغِبِينَ في نُزُولِها طَمَعًا في إسْلامِهِمْ، وإمّا مَعَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ و السَّلامُ
صفحة 254
بِطَرِيقِ التَّعْمِيمِ لِما رُوِيَ مِمّا يَدُلُّ عَلى رَغْبَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في ذَلِكَ أيْضًا كالهَمِّ بِالدُّعاءِ، وفِيهِ بَيانٌ لِأنَّ أيْمانَهم فاجِرَةٌ وإيمانَهم في زَوايا العَدَمِ وإنْ أُجِيبُوا إلى ما سَألُوهُ
وجَوَّزَ بَعْضُهم دُخُولَهُ تَحْتَ الأمْرِ، ولا وجْهَ لَهُ إلّا أنْ يُقَدَّرَ قُلْ لِلْكافِرِينَ: إنَّما الآياتُ عِنْدَ اللَّهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ وما يُشْعِرُكم إلَخْ وهو تَكَلُّفٌ لا داعِيَ إلَيْهِ. وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّ الخِطابَ لِلْمُشْرِكِينَ وهو داخِلٌ تَحْتَ الأمْرِ وفِيهِ التِفاتٌ و(أنَّها) إلَخْ عِنْدَهُ إخْبارٌ ابْتِدائِيٌّ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ ما رَواهُ عَنْهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ. و(ما) اسْتِفْهامِيَّةٌ إنْكارِيَّةٌ -عَلى ما قالَهُ غَيْرُ واحِدٍ- ”لا“ نافِيَةٌ لِما يَلْزَمُ عَلَيْهِ مِن بَقاءِ الفِعْلِ بِلا فاعِلٍ؛ وجَعْلُهُ ضَمِيرَ اللَّهِ تَعالى تَكَلُّفٌ أوْ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ إلّا عَلى بُعْدٍ، واسْتُشْكِلَ بِأنَّ المُشْرِكِينَ لَمّا اقْتَرَحُوا آية وكانَ المُؤْمِنُونَ يَتَمَنَّوْنَ نُزُولَها طَمَعًا في إسْلامِهِمْ كانَ في ظَنِّهِمْ إيمانُهم عَلى تَقْدِيرِ النُّزُولِ فَإذا أُرِيدَ الإنْكارُ عَلَيْهِمْ فالمُناسِبُ إنْكارُ الإيمانِ لا عَدَمُهُ؛ كَأنَّهم قالُوا: رَبَّنا أنْزِلْ لِلْمُشْرِكِينَ آية فَإنَّهُ لَوْ نَزَلَتْ يُؤْمِنُونَ، وحِينَئِذٍ يُقالُ في الإنْكارِ: ما يُدْرِيكم أنَّها إذا جاءَتْ يُؤْمِنُونَ
ويَتَّضِحُ هَذا بِمِثالٍ وذَلِكَ أنَّهُ إذا قالَ لَكَ القائِلُ: أكْرِمْ فُلانًا فَإنَّهُ يُكافِئُكَ؛ وكُنْتَ تَعْلَمُ مِنهُ عَدَمَ المُكافَأةِ فَإنَّكَ إذا أنْكَرْتَ عَلى المُشِيرِ بِإكْرامِهِ قُلْتَ: وما يُدْرِيكَ أنِّي إذا أكْرَمْتُهُ يُكافِئُنِي؟ فَأنْكَرْتَ عَلَيْهِ إثْباتَ المُكافَأةِ وأنْتَ تَعْلَمُ نَفْيَها فَإنْ قالَ لَكَ: لا تُكْرِمْهُ فَإنَّهُ لا يُكافِئُكَ وأنْتَ تَعْلَمُ مِنهُ المُكافَأةَ وأرَدْتَ الإنْكارَ عَلى المُشِيرِ بِحِرْمانِهِ قُلْتَ: وما يُدْرِيكَ أنَّهُ لا يُكافِئُنِي؟ فَأنْكَرْتَ عَلَيْهِ عَدَمَ المُكافَأةِ وأنْتَ تَعْلَمُ ثُبُوتَها
والآيَةُ كَما لا يَخْفى مِن قَبِيلِ المِثالِ فَكانَ الظّاهِرُ حَيْثُ ظَنُّوا إيمانَهم ورَغِبُوا فِيهِ وعَلِمَ اللَّهُ تَعالى عَدَمَ وُقُوعِهِ مِنهم ولَوْ نُزِّلَ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ وكَلَّمَهُمُ المَوْتى أنْ يُقالَ وما يُشْعِرُكم أنَّهم إذا جاءَتْ يُؤْمِنُونَ. وأجابَ عَنْهُ بَعْضُهم بِأنَّ هَذا الِاسْتِفْهامَ في مَعْنى النَّفْيِ وهو إخْبارٌ عَنْهم بِعَدَمِ العِلْمِ لا إنْكارٌ عَلَيْهِمْ؛ والمَعْنى أنَّ الآياتِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى يُنْزِلُها بِحَسْبِ المَصْلَحَةِ، وقَدْ عَلِمَ سُبْحانَهُ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ ولا تَنْجَعُ فِيهِمُ الآياتُ وأنْتُمْ لا تَدْرُونَ ما في الواقِعِ وفي عِلْمِ اللَّهِ تَعالى وهو أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ فَلِذَلِكَ تَتَوَقَّعُونَ إيمانَهُمْ، والحاصِلُ أنَّ الِاسْتِفْهامَ لِلْإنْكارِ ولَهُ مَعْنَيانِ ”لَمْ“ و”لا“؛ فَإنْ كانَ بِمَعْنى ”لَمْ“ يُقالُ: ما يُشْعِرُكم أنَّها إذا جاءَتْ يُؤْمِنُونَ بِدُونِ ”لا“ عَلى مَعْنى لِمَ قُلْتُمْ: أنَّها إذا جاءَتْ يُؤْمِنُونَ وتَوَقَّعْتُمْ ذَلِكَ، وإنْ كانَ بِمَعْنى ”لا“ يُقالُ ما يُشْعِرُكم أنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ بِإثْباتِ ”لا“ عَلى مَعْنى لا تَعْلَمُونَ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ فَلِذا تَوَقَّعْتُمْ إيمانَهُمَ ورَغِبْتُمْ في نُزُولِ آيَةٍ لَهُمْ، وهَذا الثّانِي هو المُرادُ، ويَرْجِعُ إلى إقامَةِ عُذْرِ المُؤْمِنِينَ في طَلَبِهِمْ ذَلِكَ ورَغْبَتِهِمْ فِيهِ، وأجابَ آخَرُونَ بِأنَّ ”لا“ زائِدَةٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما مَنَعَكَ ألا تَسْجُدَ﴾ ﴿وحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أهْلَكْناها أنَّهم لا يَرْجِعُونَ﴾ فَإنَّهُ أُرِيدَ تَسْجُدُ ويَرْجِعُونَ بِدُونِ ”لا“، وعَنِ الخَلِيلِ أنَّ ”أنَّ“ بِمَعْنى لَعَلَّ كَما في قَوْلِهِمُ: ائْتِ السُّوقَ أنَّكَ تَشْتَرِي لَحْمًا، وقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:
عَرَجُوا عَلى الطَّلِّ المُحِيلِ لِأنَّنا نَبْكِي الدِّيارَ كَما بَكى ابْنُ خِذامِ،
وقَوْلِ الآخَرِ:
هَلْ أنْتُمْ عائِجُونَ بِنا لِأنّا ∗∗∗ نَرى العَرَصاتِ أوْ أثَرَ الخِيامِ،
ويُؤَيِّدُهُ أنَّ يُشْعِرَكم ويُدْرِيَكم بِمَعْنًى، وكَثِيرًا ما تَأْتِي لَعَلَّ بَعْدَ فِعْلِ الدِّرايَةِ نَحْوَ: ﴿وما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكّى﴾ وأنَّ في مُصْحَفِ أُبَيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: (وما أدْراكَ لَعَلَّها) والكَلامُ عَلى هَذا قَدْ تَمَّ قَبْلَ (أنَّها) والمَفْعُولُ الثّانِي لِـ (يُشْعِرُكُمْ) مَحْذُوفٌ، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ لِتَعْلِيلِ الإنْكارِ وتَقْدِيرُهُ أيُّ شَيْءٍ يُعْلِمُكم حالَهم وما سَيَكُونُ عِنْدَ مَجِيءِ ذَلِكَ لَعَلَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ فَما لَكم تَتَمَنَّوْنَ مَجِيئَها فَإنَّ تَمَنِّيَهُ إنَّما يَلِيقُ بِما إذا كانَ إيمانُهم بِها مُتَحَقِّقَ الوُقُوعِ عِنْدَ مَجِيئِها لا مَرْجُوَّ العَدَمِ. ومِنَ النّاسِ مَن زَعَمَ أنَّ (أنَّها) إلَخْ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ بِناءً عَلى أنَّ ”أنَّ“ في جَوابِ
صفحة 255
القَسَمِ يَجُوزُ فَتْحُها ولا يَخْفى بُعْدُهُ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وأبُو بَكْرِ بْنِ عاصِمٍ ويَعْقُوبُ أنَّها بِالكَسْرِ عَلى الِاسْتِئْنافِ حَسْبَما سِيقَ مِن زِيادَةِ تَحْقِيقٍ لِعَدَمٍ إيمانِهِمْ. قالَ في الكَشْفِ: وهو عَلى جَوابِ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ عَلى ما ذَكَرَهُ الشَّيْخُ ابْنُ الحاجِبِ كَأنَّهُ قِيلَ: لِمَ وُبِّخُوا؟ فَقِيلَ: لِأنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ. ولَكَ أنْ تَبْنِيَهُ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما يُشْعِرُكُمْ﴾ أيْ بِما يَكُونُ مِنهم فَإنَّهُ إبْرازٌ في مَعْرِضِ المُحْتَمَلِ كَأنَّهُ قَدْ سُئِلَ عَنْهُ سُؤالٌ شاكٌّ ثُمَّ عُلِّلَ بِأنَّها إذا جاءَتْ جَزْمًا بِالطَّرَفِ المُحالِفِ وبَيانًا لِكَوْنِ الِاسْتِفْهامِ غَيْرَ جارٍ عَلى الحَقِيقَةِ. وفِيهِ إنْكارٌ لِتَصْدِيقِ المُؤْمِنِينَ عَلى وجْهٍ يَتَضَمَّنُ إنْكارَ صِدْقِ المُشْرِكِينَ في المُقْسَمِ عَلَيْهِ وهَذا نَوْعٌ مِنَ السِّحْرِ البَيانِيِّ لَطِيفُ المَسْلَكِ، انْتَهى
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ (تُؤْمِنُونَ) بِالفَوْقانِيَّةِ، والخِطابُ حِينَئِذٍ في الآيَةِ لِلْمُشْرِكِينَ بِلا خِلافٍ. وقُرِئَ (وما يُشْعِرُكم أنَّها إذا جاءَتْهم لا يُؤْمِنُونَ) فَمَرْجِعُ الَإنْكارِ إقْدامُ المُشْرِكِينَ عَلى الحَلِفِ المَذْكُورِ مَعَ جَهْلِهِمْ بِحالِ قُلُوبِهِمْ عِنْدَ مَجِيءِ ذَلِكَ وبِكَوْنِها حِينَئِذٍ كَما هي الآنَ. وقُرِئَ (وما يُشْعِرْكُمْ) بِسُكُونٍ خالِصٍ واخْتِلاسٍ. وضَمِيرُ (بِها) عَلى سائِرِ القِراءاتِ راجِعٌ لِلْآيَةِ لا لِلْآياتِ لِأنَّ عَدَمَ إيمانِهِمْ عِنْدَ مَجِيءِ ما اقْتَرَحُوهُ أبْلَغُ في الذَّمِّ كَما أنَّ اسْتِعْمالَ ”إذا“ مَعَ الماضِي دُونَ ”أنْ“ مَعَ المُسْتَقْبَلِ لِزِيادَةِ التَّشْنِيعِ عَلَيْهِمْ. وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ عَوْدَهُ لِلْآياتِ أوْلى لِقُرْبِهِ مَعَ ما فِيهِ مِن زِيادَةِ المُبالَغَةِ في بُعْدِهِمْ عَنِ الإيمانِ وبُلُوغِهِمْ في العِنادِ غايَةَ الإمْكانِ.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии