Аль-АлусиАль‑Анфаль · 8:2–4

Аль-Алуси · Тафсир · на арабском

Аль-Анфаль 8:2–4

8:2Страница 177

إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتۡ قُلُوبُهُمۡ وَإِذَا تُلِيَتۡ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُهُۥ زَادَتۡهُمۡ إِيمَٰنٗا وَعَلَىٰ رَبِّهِمۡ يَتَوَكَّلُونَ ٢

Верующими являются только те, сердца которых испытывают страх при упоминании Аллаха, вера которых усиливается, когда им читают Его аяты, которые уповают на своего Господа,

ويُؤَيِّدُ إرادَةَ الكَمالِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: إنَّما المُؤْمِنُونَ إلَخْ. إذِ المُرادُ بِهِ قَطْعًا الكامِلُونَ في الإيمانِ وإلّا لَمْ يَصِحَّ الحَصْرُ، وهو حِينَئِذٍ جارٍ عَلى ما هو الأصْلُ المَشْهُورُ في النَّكِرَةِ إذا أُعِيدَتْ مَعْرِفَةً، وعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ لا يَكُونُ هَذا عَيْنَ النَّكِرَةِ السّابِقَةِ، ويَلْتَزِمُ القَوْلُ بِأنَّ القاعِدَةَ أغْلَبِيَّةٌ كَما قَدْ صَرَّحُوا بِهِ في غَيْرِ ما مَوْضِعٍ، أيْ: إنَّما المُؤْمِنُونَ الكامِلُونَ في الإيمانِ المُخْلِصُونَ فِيهِ ﴿الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ أيْ: فَزِعَتِ اسْتِعْظامًا لِشَأْنِهِ الجَلِيلِ وتَهَيُّبًا مِنهُ جَلَّ وعَلا، والِاطْمِئْنانُ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ألا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ﴾ لا يُنافِي الوَجَلَ والخَوْفَ لِأنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ ثَلْجِ الفُؤادِ وشَرْحِ الصَّدْرِ بِنُورِ المَعْرِفَةِ والتَّوْحِيدِ وهو يُجامِعِ الخَوْفَ، وإلى هَذا ذَهَبَ ابْنُ الخازِنِ، ووَفَّقَ بَعْضُهم بَيْنَ الآيَتَيْنِ بِأنَّ الذِّكْرَ في إحْداهُما ذِكْرُ رَحْمَةٍ وفي الأُخْرى ذِكْرُ عُقُوبَةٍ فَلا مُنافاةَ بَيْنَهُما. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ وجَماعَةٌ عَنِ السُّدِّيِّ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: هو الرَّجُلُ يُرِيدُ أنْ يَظْلِمَ أوْ يَهُمَّ بِمَعْصِيَةٍ فَيُقالُ لَهُ: اتَّقِ اللَّهَ تَعالى فَيَجِلُ قَلْبُهُ، وحَمْلُ الوَجَلِ فِيها عَلى الخَوْفِ مِنهُ تَعالى كُلَّما ذُكِرَ أبْلَغُ في المَدْحِ مِن حَمْلِهِ عَلى الخَوْفِ وقْتَ الهَمِّ بِمَعْصِيَةٍ أوْ إرادَةِ ظُلْمٍ. وهَذا الوَجَلُ في قَلْبِ المُؤْمِنِ كَضَرْمَةِ السَّعَفَةِ كَما جاءَ عَنْ عائِشَةَ، رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنْ أُمِّ الدَّرْداءِ أنَّ الدُّعاءَ عِنْدَ ذَلِكَ مُسْتَجابٌ، وعَلامَتُهُ حُصُولُ القُشْعَرِيرَةِ.

وقُرِئَ: (وجَلَتْ) بِفَتْحِ الجِيمِ ومُضارِعُهُ يَجِلُ، وأمّا وجِلَ بِالكَسْرِ فَمُضارِعُهُ يَوْجَلُ وجاءَ يَيْجَلُ ويَأْجَلُ وهي لُغاتٌ أرْبَعٌ حَكاها سِيبَوَيْهِ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: (فَرِقَتْ) أيْ: خافَتْ.

﴿وإذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ﴾ أيِ: القُرْآنُ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

﴿زادَتْهم إيمانًا﴾ أيْ: تَصْدِيقًا كَما هو المُتَبادِرُ فَإنَّ تَظاهُرَ الأدِلَّةِ وتَعاضُدَ الحُجَجِ مِمّا لا رَيْبَ في كَوْنِهِ مُوجِبًا لِذَلِكَ، وهَذا أحَدُ أدِلَّةِ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ الإيمانَ يَقْبَلُ الزِّيادَةَ والنَّقْصَ، وهو مَذْهَبُ الجَمِّ الغَفِيرِ مِنَ الفُقَهاءِ والمُحَدِّثِينَ والمُتَكَلِّمِينَ وبِهِ أقُولُ لِكَثْرَةِ الظَّواهِرِ الدّالَّةِ عَلى ذَلِكَ مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ مِن غَيْرِ مُعارِضٍ لَها عَقْلًا، بَلْ قَدِ احْتَجَّ عَلَيْهِ بَعْضُهم بِالعَقْلِ أيْضًا، وذَلِكَ أنَّهُ لَوْ لَمْ تَتَفاوَتْ حَقِيقَةُ الإيمانِ لَكانَ إيمانُ آحادِ الأُمَّةِ بَلِ المُنْهَمِكِينَ في الفِسْقِ والمَعاصِي مُساوِيًا لِإيمانِ الأنْبِياءِ والمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، واللّازِمُ باطِلٌ فَكَذا المَلْزُومُ، وقالَ مُحْيِي الدِّينِ النَّوَوِيُّ في مَعْرِضِ بَيانِ ذَلِكَ: إنَّ كُلَّ أحَدٍ يَعْلَمُ أنَّ ما في قَلْبِهِ يَتَفاضَلُ حَتّى يَكُونَ في بَعْضِ الأحْيانِ أعْظَمَ يَقِينًا وإخْلاصًا مِنهُ في بَعْضِها، فَكَذَلِكَ التَّصْدِيقُ والمَعْرِفَةُ بِحَسْبِ ظُهُورِ البَراهِينِ وكَثْرَتِها، وأجابُوا عَمّا اعْتُرِضَ بِهِ عَلَيْهِ مِن أنَّهُ مَتى قُبِلَ ذَلِكَ كانَ شَكًّا وهو خُرُوجٌ عَنْ حَقِيقَتِهِ بِأنَّ مَراتِبَ اليَقِينِ مُتَفاوِتَةٌ إلى عِلْمِ اليَقِينِ وحَقِّ اليَقِينِ وعَيْنِ اليَقِينِ مَعَ أنَّهُ لا شَكَّ مَعَها، وذَهَبَ الإمامُ أبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وكَثِيرٌ مِنَ المُتَكَلِّمِينَ إلى أنَّ الإيمانَ لا يَزِيدُ ولا يَنْقُصُ، واخْتارَهُ إمامُ الحَرَمَيْنِ مُحْتَجِّينَ بِأنَّهُ اسْمٌ لِلتَّصْدِيقِ البالِغِ حَدَّ الجَزْمِ والإذْعانِ وذَلِكَ لا يُتَصَوَّرُ فِيهِ زِيادَةٌ ولا نُقْصانٌ، فالمُصَدِّقُ إذا أتى بِالطّاعاتِ أوِ ارْتَكَبَ المَعاصِيَ فَتَصْدِيقُهُ بِحالِهِ لَمْ يَتَغَيَّرْ أصْلًا، وإنَّما يَتَفاوَتُ إذا كانَ اسْمًا لِلطّاعاتِ المُتَفاوِتَةِ قِلَّةً وكَثْرَةً

صفحة 166

عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ القَلانِسِيُّ وجَماعَةٌ مِنَ السَّلَفِ، وبِما رَواهُ الفَقِيهُ أبُو اللَّيْثِ السَّمَرْقَنْدِيُّ في تَفْسِيرِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الفَضْلِ وأبِي القاسِمِ السّاباذِيِّ عَنْ فارِسِ بْنِ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الفَضْلِ بْنِ العابِدِ عَنْ يَحْيى بْنِ عِيسى عَنْ أبِي مُطِيعٍ عَنْ حَمّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ أبِي المُهَزَّمِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: ««جاءَ وفْدُ ثَقِيفٍ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، الإيمانُ يَزِيدُ ويَنْقُصُ؟ فَقالَ: لا. الإيمانُ مُكَمَّلٌ في القَلْبِ زِيادَتُهُ ونُقْصانُهُ كُفْرٌ»».

وأجابُوا عَمّا تَمَسَّكَ بِهِ الأوَّلُونَ مِنَ الآياتِ والأحادِيثِ بِأنَّ الزِّيادَةَ بِحَسْبِ الدَّوامِ والثَّباتِ وكَثْرَةِ الزَّمانِ والسّاعاتِ. وإيضاحُهُ ما قالَهُ إمامُ الحَرَمَيْنِ: أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَفْضُلُ مَن عَداهُ بِاسْتِمْرارِ تَصْدِيقِهِ وعِصْمَةِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ مِن مُخامَرَةِ الشُّكُوكِ، والتَّصْدِيقُ عَرَضٌ لا يَبْقى بِشَخْصِهِ زَمانَيْنِ بَلْ بِتَجَدُّدِ أمْثالِهِ فَتَقَعُ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ دُونَ غَيْرِهِ مُتَوالِيَةً فَيَثْبُتُ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أعْدادٌ مِنَ الإيمانِ لا يَثْبُتُ لِغَيْرِهِ إلّا بَعْضُها فَيَكُونُ إيمانُهُ أكْثَرَ. واعْتُرِضَ هَذا بِأنَّ حُصُولَ المِثْلِ بَعْدَ انْعِدامِ الشَّيْءِ لا يَكُونُ زِيادَةً فِيهِ، ودُفِعَ بِأنَّ المُرادَ زِيادَةُ أعْدادٍ حَصَلَتْ، وعَدَمُ البَقاءِ لا يُنافِي ذَلِكَ، وأجابُوا أيْضًا بِأنَّ المُرادَ الزِّيادَةُ بِحَسْبِ زِيادَةِ ما يُؤْمِنُ بِهِ، والصَّحابَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم كانُوا آمَنُوا في الجُمْلَةِ وكانَتِ الشَّرِيعَةُ غَيْرَ تامَّةٍ، والأحْكامُ تَتَنَزَّلُ شَيْئًا فَشَيْئًا فَكانُوا يُؤْمِنُونَ بِكُلِّ ما يَتَجَدَّدُ مِنها ولا شَكَّ في تَفاوُتِ إيمانِ النّاسِ بِمُلاحَظَةِ التَّفاصِيلِ كَثْرَةً وقِلَّةً ولا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِعَصْرِ النُّبُوَّةِ لِإمْكانِ الِاطِّلاعِ عَلَيْها في غَيْرِهِ مِنَ العُصُورِ، وبِأنَّ المُرادَ زِيادَةُ ثَمَرَتِهِ وإشْراقُ نُورِهِ في القَلْبِ، فَإنَّ نُورَهُ يَزِيدُ بِالطّاعاتِ ويَنْقُصُ بِالمَعاصِي، ولا يَخْفى أنَّ الحُجَّةَ الأُولى يُعْلَمُ جَوابُها مِمّا ذَكَرْناهُ أوَّلًا، وأمّا الحُجَّةُ الثّانِيَةُ الَّتِي ذَكَرَها أبُو اللَّيْثِ فِيما لا يُعَوَّلُ عَلَيْها عِنْدَ الحُفّاظِ أصْلًا؛ لِأنَّ رِجالَ السَّنَدِ إلى أبِي مُطِيعٍ كُلَّهم مَجْهُولُونَ لا يُعْرَفُونَ في شَيْءٍ مِن كُتُبِ التَّوارِيخِ المَشْهُورَةِ، وأمّا أبُو مُطِيعٍ وهو الحَكَمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْلَمَةَ البَلْخِيُّ فَقَدْ ضَعَّفَهُ أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، ويَحْيى بْنُ مَعِينٍ، وعَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ الفَلّاسُ، والبُخارِيُّ، وأبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، وحاتِمٌ الرّازِيُّ، وأبُو حاتِمٍ مُحَمَّدُ بْنُ حِبّانَ البُسْتِيُّ، والعُقَيْلِيُّ، وابْنُ عَدِيٍّ، والدّارَقُطْنِيُّ، وغَيْرُهم.

وأمّا أبُو المُهَزِّمِ وقَدْ تَصَحَّفَ عَلى الكُتّابِ، واسْمُهُ يَزِيدُ بْنُ سُفْيانَ فَقَدْ ضَعَّفَهُ أيْضًا غَيْرُ واحِدٍ وتَرَكَهُ شُعْبَةُ بْنُ الحَجّاجِ، وقالَ النَّسائِيُّ: مَتْرُوكٌ، وقَدِ اتَّهَمَهُ شُعْبَةُ بِالوَضْعِ حَيْثُ قالَ: لَوْ أعْطَوْهُ فِلْسَيْنِ لَحَدَّثَهم سَبْعِينَ حَدِيثًا، ومَن مارَسَ الأحادِيثَ النَّبَوِيَّةَ لا يَشُكُّ في أنَّ ذَلِكَ اللَّفْظَ لَيْسَ مِنها في شَيْءٍ، وما ذَكَرَهُ إمامُ الحَرَمَيْنِ عَلى ما فِيهِ مَبْنِيٌّ عَلى تَجَدُّدِ الأعْراضِ وعَدَمِ بَقائِها زَمانَيْنِ، والمَسْألَةُ خِلافِيَّةٌ، ودُونَ إثْباتِ ذَلِكَ خَرْطُ القَتادِ.

وما أجابُوا بِهِ أوَّلًا مِن أنَّ زِيادَةَ الإيمانِ بِحَسْبِ زِيادَةِ المُؤْمِنِ بِهِ مَعَ كَوْنِهِ خِلافَ الظّاهِرِ ولا داعِيَ إلَيْهِ عِنْدَ المُنْصِفِ لا يَكادُ يَتَأتّى في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إنَّ النّاسُ قَدْ جَمَعُوا لَكم فاخْشَوْهم فَزادَهم إيمانًا﴾ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ السَّكِينَةَ في قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا إيمانًا مَعَ إيمانِهِمْ﴾ إذْ لَيْسَ هُناكَ زِيادَةُ مَشْرُوعٍ يَحْصُلُ الإيمانُ بِهِ لِيُقالَ: إنَّ زِيادَةَ الإيمانِ بِحَسْبِ زِيادَةِ المُؤْمِنِ بِهِ، وحالُ الجَوابِ الثّانِي لا يَخْفى عَلَيْكَ، وذَهَبَ جَماعَةٌ مِنهُمُ الإمامُ الرّازِيُّ وإمامُ الحَرَمَيْنِ في قَوْلٍ إلى أنَّ الخِلافَ في زِيادَةِ الإيمانِ ونُقْصانِهِ وعَدَمِهِما لَفْظِيٌّ وهو فَرْعُ تَفْسِيرِ الإيمانِ، فَمَن فَسَّرَهُ بِالتَّصْدِيقِ قالَ: إنَّهُ لا يَزِيدُ ولا يَنْقُصُ، ومَن فَسَّرَهُ بِالأعْمالِ مَعَ التَّصْدِيقِ قالَ: إنَّهُ يَزِيدُ ويَنْقُصُ، وعَلى هَذا قَوْلُ البُخارِيِّ: لَقِيتُ أكْثَرَ مِن ألْفِ رَجُلٍ مِنَ العُلَماءِ بِالأمْصارِ فَما رَأيْتُ أحَدًا مِنهم يَخْتَلِفُ في أنَّ الإيمانَ قَوْلٌ وعَمَلٌ ويَزِيدُ ويَنْقُصُ، وهو المَعْنِيُّ بِما

صفحة 167

رُوِيَ «عَنِ ابْنِ عُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: «قُلْنا: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ الإيمانَ يَزِيدُ ويَنْقُصُ؟ قالَ: نَعَمْ يَزِيدُ حَتّى يُدْخِلَ صاحِبَهُ الجَنَّةَ، ويَنْقُصُ حَتّى يُدْخِلَ صاحِبَهُ النّارَ»».

واعْتُرِضَ عَلى هَذا بِأنَّ عَدَمَ قَبُولِ الإيمانِ الزِّيادَةَ والنَّقْصَ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ الطّاعاتِ داخِلَةً في مُسَمّاهُ أوْلى وأحَقُّ مِن عَدَمِ قَبُولِهِ ذَلِكَ إذا كانَ مُسَمّاهُ التَّصْدِيقَ وحْدَهُ، أما أوَّلًا فَلِأنَّهُ لا مَرْتَبَةَ فَوْقَ كُلِّ الأعْمالِ لِتَكُونَ زِيادَةً ولا إيمانَ دُونَهُ لِيَكُونَ نَقْصًا، وأما ثانِيًا فَلِأنَّ أحَدًا لا يَسْتَكْمِلُ الإيمانَ حِينَئِذٍ والزِّيادَةُ عَلى ما لَمْ يَكْمُلْ بَعْدَ مُحالٍ، وأُجِيبَ بِأنَّ هَذا إنَّما يَتَوَجَّهُ عَلى المُعْتَزِلَةِ والخَوارِجِ القائِلِينَ بِانْتِفاءِ الإيمانِ بِانْتِفاءِ شَيْءٍ مِنَ الأعْمالِ ونَحْنُ إنَّما نَقُولُ: إنَّها شَرْطُ كَمالٍ فِيهِ واللّازِمُ عِنْدَ الِانْتِفاءِ انْتِفاءُ الكَمالِ وهو غَيْرُ قادِحٍ في أصْلِ الإيمانِ والحَقُّ أنَّ الخِلافَ حَقِيقِيٌّ وأنَّ التَّصْدِيقَ يَقْبَلُ التَّفاوُتَ بِحَسْبِ مَراتِبِهِ فَما المانِعُ مِن تَفاوُتِهِ قُوَّةً وضَعْفًا كَما في التَّصْدِيقِ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ والصَّدِيقِ بِحُدُوثِ العالَمِ وقِلَّةٍ وكَثْرَةٍ كَما في التَّصْدِيقِ الإجْمالِيِّ والتَّصْدِيقِ التَّفْصِيلِيِّ المُتَعَلِّقِ بِالكَثِيرِ وما عَلَيَّ إذا خالَفْتُ في بَعْضِ المَسائِلِ مَذْهَبَ الإمامِ الأعْظَمِ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لِلْأدِلَّةِ الَّتِي لا تَكادُ تُحْصى، فالحَقُّ أحَقُّ بِالِاتِّباعِ، والتَّقْلِيدُ في مُقَلِ هَذِهِ المَسائِلِ مِن سُنَنِ العَوامِّ.

نَعَمْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ أنَّهُ فَسَّرَ الإيمانَ في هَذِهِ الآيَةِ بِالخَشْيَةِ وعَبَّرَ عَنْها بِذَلِكَ بِناءً عَلى أنَّها مِن آثارِهِ وهو خِلافُ الظّاهِرِ أيْضًا، وكَأنَّ المَعْنى عَلَيْهِ أنَّ المُؤْمِنِينَ الكامِلِينَ هُمُ الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ مِن غَيْرِ أنْ يُذْكَرَ هُناكَ ما يُوجِبُ الفَزَعَ مِن صِفاتِهِ وأفْعالِهِ ﴿وجِلَتْ قُلُوبُهم وإذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ﴾ المُتَضَمِّنَةُ ذَلِكَ زادَتْهم وجَلًا عَلى وجَلٍ ﴿وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ أيْ: يُفَوِّضُونَ أُمُورَهم كُلَّها إلى مالِكِهِمْ ومُدَبِّرِهِمْ خاصَّةً لا إلى أحَدٍ سِواهُ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ تَقْدِيمُ المُتَعَلِّقِ عَلى عامِلِهِ والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى الصِّلَةِ.

وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ كَوْنَها حالًا مِن ضَمِيرِ المَفْعُولِ وكَوْنَها اسْتِئْنافِيَّةً.

8:3Страница 177

ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ ٣

которые совершают намаз и расходуют из того, чем Мы их наделили.

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ مَرْفُوعٌ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِلْمَوْصُولِ الأوَّلِ أوْ بَدَلٌ مِنهُ أوْ بَيانٌ لَهُ أوْ مَنصُوبٌ عَلى القَطْعِ المُنْبِئِ عَنِ المَدْحِ، وقَدْ مَدَحَهم سُبْحانَهُ وتَعالى أوَّلًا بِمَكارِمِ الأعْمالِ القَلْبِيَّةِ مِنَ الخَشْيَةِ والإخْلاصِ والتَّوَكُّلِ، وهَذا مَدْحٌ لَهم بِمَحاسِنِ الأعْمالِ القالَبِيَّةِ مِنَ الصَّلاةِ والصَّدَقَةِ

8:4Страница 177

أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ حَقّٗاۚ لَّهُمۡ دَرَجَٰتٌ عِندَ رَبِّهِمۡ وَمَغۡفِرَةٞ وَرِزۡقٞ كَرِيمٞ ٤

Они являются истинно верующими. Им уготованы высокое положение у их Господа, прощение и щедрый удел.

﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ المُتَّصِفُونَ بِما ذُكِرَ مِنَ الصِّفاتِ الحَمِيدَةِ مِن حَيْثُ إنَّهم كَذَلِكَ ﴿هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ لِأنَّهم حَقَّقُوا إيمانَهم بِأنْ ضَمُّوا إلَيْهِ ما فَضَلَ مِن أفاضِلِ الأعْمالِ.

وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، «عَنِ الحارِثِ بْنِ مالِكٍ الأنْصارِيِّ أنَّهُ مَرَّ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ لَهُ: «كَيْفَ أصْبَحْتَ يا حارِثُ؟ قالَ: أصْبَحْتُ مُؤْمِنًا حَقًّا. فَقالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: انْظُرْ ما تَقُولُ؛ فَإنَّ لِكُلِّ شَيْءِ حَقِيقَةً. فَما حَقِيقَةُ إيمانِكَ؟ فَقالَ: عَزَفَتْ نَفْسِي عَنِ الدُّنْيا فَأسْهَرْتُ لَيْلِي وأظْمَأْتُ نَهارِي، وكَأنِّي أنْظُرُ إلى أهْلِ الجَنَّةِ يَتَزاوَرُونَ فِيها، وكَأنِّي أنْظُرُ إلى أهْلِ النّارِ يَتَصارَخُونَ فِيها. قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: يا حارِثُ عَرَفْتَ فالزَمْ ثَلاثًا»».

ونُصِبَ (حَقًّا) عَلى أنَّهُ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، فالعامِلُ فِيهِ المُؤْمِنُونَ أيْ: إيمانًا حَقًّا أوْ هو مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ فالعامِلُ فِيهِ حَقٌّ مُقَدَّرٌ، وقِيلَ: إنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُؤَكِّدًا لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ الَّتِي بَعْدَهُ فَهو ابْتِداءُ كَلامٍ، وهو مَعَ أنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ إنَّما يَتَّجِهُ عَلى القَوْلِ بِجَوازِ تَقْدِيمِ المَصْدَرِ المُؤَكِّدِ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ عَلَيْها، والظّاهِرُ مَنعُهُ كالتَّأْكِيدِ، واسْتَدَلَّ بَعْضُهم بِالآيَةِ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَصِفَ أحَدٌ نَفْسَهُ بِكَوْنِهِ مُؤْمِنًا حَقًّا لِأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى إنَّما وصَفَ بِذَلِكَ أقْوامًا

صفحة 168

عَلى أوْصافٍ مَخْصُوصَةٍ، وكُلُّ أحَدٍ لا يَتَحَقَّقُ وُجُودُ تِلْكَ الأوْصافِ فِيهِ، بَلْ يَلْزَمُهُ أنْ يَقُولَ: أنا مُؤْمِنٌ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.

وقَرَّرَ بَعْضُهم وجْهَ الِاسْتِدْلالِ بِما يُشِيرُ إلَيْهِ ما رُوِيَ عَنِ الثَّوْرِيِّ أنَّهُ قالَ: مَن زَعَمَ أنَّهُ مُؤْمِنٌ بِاللَّهِ تَعالى حَقًّا ثُمَّ لَمْ يَشْهَدْ أنَّهُ مِن أهْلِ الجَنَّةِ فَقَدْ آمَنَ بِنِصْفِ الآيَةِ، ولَمْ يُؤْمِن بِالنِّصْفِ الآخَرِ، وهَذا ظاهِرٌ في أنَّ مَذْهَبَهُ الِاسْتِثْناءُ، وهو كَما قالَ الإمامُ: مَذْهَبُ ابْنِ مَسْعُودٍ تَبِعَهُ جَمْعٌ عَظِيمٌ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِيِنَ، وبِهِ قالَ الشّافِعِيُّ: ونُسِبَ إلى مالِكٍ وأحْمَدَ، ومَنَعَهُ الإمامُ الأعْظَمُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ لِقَتادَةَ: لِمَ تَسْتَثْنِي في إيمانِكَ؟ قالَ: اتِّباعًا لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِي أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ فَقالَ لَهُ: هَلّا اقْتَدَيْتَ بِهِ في قَوْلِهِ: بَلى حِينَ قِيلَ لَهُ: أوَلَمْ تُؤْمِن؟ فانْقَطَعَ قَتادَةُ. قالَ الرّازِيُّ: كانَ لِقَتادَةَ أنْ يُجِيبَ أبا حَنِيفَةَ عَلَيْهِما الرَّحْمَةُ ويَقُولُ: قَوْلُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿ولَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ: بَلى طَلَبٌ لِمَزِيدِ الطُّمَأْنِينَةِ؛ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى جَوازِ الِاسْتِثْناءِ.

وفِي الكَشْفِ أنَّ الحَقَّ أنَّ مَن جَوَّزَ الِاسْتِثْناءَ إنَّما جَوَّزَ إذا سُئِلَ عَنِ الإيمانِ مُطْلَقًا، أما إذا قِيلَ: هَلْ أنْتَ مُؤْمِنٌ بِالقَدَرِ مَثَلًا فَقالَ: أنا مُؤْمِنٌ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى لا يَجُوزُ، لا لِأنَّ التَّبَرُّكَ لا مَعْنى لَهُ بَلْ لِلْإبْهامِ فِيما لَيْسَ لَهُ فائِدَةٌ، وأمّا في الأوَّلِ فَلَمّا كانَ الإطْلاقُ يَدُلُّ عَلى الكَمالِ وهو الإيمانُ المُنْتَفَعُ بِهِ في الآخِرَةِ عُلِّقَ بِالمَشِيئَةِ تَفاؤُلًا وتَيَمُّنًا، وذَلِكَ لِأنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ خَرَجَتْ عَنْ مَوْضُوعِها الأصْلِيِّ إلى المَعْنى الَّذِي ذُكِرَ في عُرْفِ الِاسْتِعْمالِ تَراهم يَسْتَعْمِلُونَها في كُلِّ ما لَهُمُ اهْتِمامٌ بِحُصُولِهِ شائِعًا بَيْنَ العَرَبِ والعَجَمِ فَلا وجْهَ لِقَوْلِ مَن قالَ: إنَّ مَعْنى التَّبَرُّكِ أنا أشُكُّ في إيمانِي تَبَرُّكًا وذَلِكَ لِأنَّ المَشِيئَةَ عِنْدَهُ غَيْرُ مَشْكُوكَةٍ عِنْدَهُ بَلْ هو تَعْلِيقٌ بِما لا بُدَّ مِنهُ نَظَرًا إلى أنَّهُ السَّبَبُ الأصْلِيُّ وأنَّهُ تَفْوِيضٌ مِنَ العَبْدِ إلى اللَّهِ تَعالى، ومَن فَوَّضَ كُفِيَ، لا نَظَرًا إلى أنَّ المَشِيئَةَ غَيْبٌ غَيْرُ مَعْلُومٍ فَيَكُونُ شَكًّا في الإيمانِ.

وقَدْ جاءَ: ««مَن شَكَّ في إيمانِهِ فَقَدْ كَفَرَ»».

وما أحْسَنَ ما نُقِلَ عَنِ الحَسَنِ أنَّ رَجُلًا سَألَهُ: أمُؤْمِنٌ أنْتَ؟ فَقالَ: الإيمانُ إيمانانِ؛ فَإنْ كُنْتَ تَسْألُنِي عَنِ الإيمانِ بِاللَّهِ تَعالى ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ واليَوْمِ الآخِرِ والجَنَّةِ والنّارِ والبَعْثِ والحِسابِ فَأنا مُؤْمِنٌ، وإنْ كُنْتَ تَسْألُنِي عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ﴾ إلَخْ فَواللَّهِ لا أدْرِي أمِنهم أنا أمْ لا؟

وهَذا ونَحْوُهُ مِمّا يَجْعَلُ الخِلافَ لَفْظِيًّا، وقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ جَمْعٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ عَلَيْهِمُ الرَّحْمَةُ.

﴿لَهم دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أيْ: كَرامَةٌ وعُلُوُّ مَكانَةٍ عَلى أنْ يُرادَ بِالدَّرَجاتِ العُلُوُّ المَعْنَوِيُّ وقَدْ يُرادُ بِها العُلُوُّ الحِسِّيُّ.

وفِي الخَبَرِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: ««فِي الجَنَّةِ مِائَةُ دَرَجَةٍ، لَوْ أنَّ العالَمِينَ اجْتَمَعُوا في إحْداهُنَّ لَوَسِعَتْهُمْ»» وعَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ: ««سَبْعُونَ دَرَجَةً ما بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ حَضْرَ الفَرَسِ المُضْمَرِ السَّبْعِينَ سَنَةً»».

ووَجْهُ الجَمْعِ عَلى الوَجْهَيْنِ ظاهِرٌ، والتَّنْوِينُ لِلتَّفْخِيمِ والظَّرْفِ، إمّا مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لَها مُؤَكِّدَةً لِما أفادَهُ التَّنْوِينُ أوْ بِما تَعَلَّقَ بِهِ الخَبَرُ أعْنِي لَهم مِنَ الِاسْتِقْرارِ.

وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ العامِلُ فِيهِ (دَرَجاتٌ) لِأنَّ المُرادَ بِها الأُجُورُ، وفي إضافَتِهِ إلى الرَّبِّ المُضافِ إلى ضَمِيرِهِمْ مَزِيدُ تَشْرِيفٍ لَهم ولُطْفٌ بِهِمْ وإيذانٌ بِأنَّ ما وعَدَهم مُتَيَقَّنُ الثُّبُوتِ مَأْمُونُ الفَواتِ، والجُمْلَةُ جُوِّزَ أنْ تَكُونَ خَبَرًا ثانِيًا لِأُولَئِكَ وأنْ تَكُونَ مُبْتَدَأً مَبْنِيَّةً عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِن تَعَدُّدِ مَناقِبِهِمْ كَأنَّهُ قِيلَ: ما لَهم بِمُقابَلَةِ هَذِهِ الخِصالِ؟ فَقِيلَ: لَهم دَرَجاتٌ ﴿ومَغْفِرَةٌ﴾ عَظِيمَةٌ لِما فَرَطَ مِنهم ﴿ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ وهو ما أُعِدَّ لَهم مِن نَعِيمِ الجَنَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ القُرَظِيِّ قالَ: إذا سَمِعْتَ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: رِزْقٌ كَرِيمٌ فَهو الجَنَّةُ. والكَرَمُ كَما نَقَلَ الواحِدِيُّ اسْمٌ جامِعٌ لِكُلِّ ما يُحْمَدُ ويُسْتَحْسَنُ في بابِهِ، فَلَعَلَّ وصْفَ الرِّزْقِ بِهِ هُنا حَقِيقَةٌ.

صفحة 169

وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: مَعْنى كَوْنِ الرِّزْقِ كَرِيمًا أنَّ رازِقَهُ كَرِيمٌ، ومِن هُنا وصَفُوهُ بِالكَثْرَةِ وعَدَمِ الِانْقِطاعِ إذْ مِن عادَةِ الكَرِيمِ أنْ يُجْزِلَ العَطاءَ ولا يَقْطَعَهُ فَكَيْفَ بِأكْرَمِ الأكْرَمِينَ تَبارَكَ وتَعالى، وجَعْلُهُ نَفْسَهُ كِرِيمًا عَلى الإسْنادِ المُجازِيِّ لِلْمُبالَغَةِ، ولَمْ يَذْكُرُوا لِتَوْسِيطِ المَغْفِرَةِ، والظّاهِرُ كَما قِيلَ تَقْدِيمُها هُنا نُكْتَةٌ، ورُبَّما يُقالُ في وجْهِ ذِكْرِ هَذِهِ الأشْياءِ الثَّلاثَةِ عَلى هَذا الوَجْهِ أنَّ الدَّرَجاتِ في مُقابَلَةِ الأوْصافِ الثَّلاثَةِ أعْنِي الوَجَلَ والإخْلاصَ والتَّوَكُّلَ، ويُسْتَأْنَسُ لَهُ بِالجَمْعِ والمَغْفِرَةِ في مُقابَلَةِ إقامَةِ الصَّلاةِ ويُسْتَأْنَسُ لَهُ بِما ورَدَ في غَيْرِ ما خَبَرٍ أنَّ الصَّلَواتِ مُكَفِّراتٌ لِما بَيْنَها مِنَ الخَطايا وأنَّها تُنَقِّي الشَّخْصَ مِنَ الذُّنُوبِ كَما يُنَقِّي الماءُ مِنَ الدَّنَسِ، والرِّزْقُ الكَرِيمُ بِمُقابَلَةِ الإنْفاقِ، والمُناسَبَةُ في ذَلِكَ ظاهِرَةٌ، وإلى هَذا يُشِيرُ كَلامُ أبِي حَيّانَ أوْ يُقالُ: قَدَّمَ سُبْحانَهُ الدَّرَجاتِ لِأنَّها بِمَحْضِ الفَضْلِ، وذَكَرَ بَعْدَها المَغْفِرَةَ لِأنَّها أهَمُّ عِنْدِهِمْ مِنَ الرِّزْقِ مَعَ اشْتِراكِهِما في كَوْنِهِما في مُقابَلَةِ شَيْءٍ، ويُؤَيِّدُ هَذا ما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ، أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: المَغْفِرَةُ بِتَرْكِ الذُّنُوبِ والرِّزْقِ الكَرِيمِ بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ فَتَدَبَّرْ. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِأسْرارِ كَلامِهِ.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English