DarwishAl‑Isra · 17:1–15

Darwish · Tafsir · in Arabic

الإسراء

Al-Isra

The Night Journey · Meccan · 111 ayahs

17:1–8Page 282

سُبۡحَٰنَ ٱلَّذِيٓ أَسۡرَىٰ بِعَبۡدِهِۦ لَيۡلٗا مِّنَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ إِلَى ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡأَقۡصَا ٱلَّذِي بَٰرَكۡنَا حَوۡلَهُۥ لِنُرِيَهُۥ مِنۡ ءَايَٰتِنَآۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ ١

Exalted1 is He who took His Servant [i.e., Prophet Muḥammad (ﷺ)] by night from al-Masjid al-Ḥarām to al-Masjid al-Aqṣā,2 whose surroundings We have blessed, to show him of Our signs. Indeed, He is the Hearing,3 the Seeing.4

وَءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ وَجَعَلۡنَٰهُ هُدٗى لِّبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُواْ مِن دُونِي وَكِيلٗا ٢

And We gave Moses the Scripture and made it a guidance for the Children of Israel that you not take other than Me as Disposer of affairs,1

ذُرِّيَّةَ مَنۡ حَمَلۡنَا مَعَ نُوحٍۚ إِنَّهُۥ كَانَ عَبۡدٗا شَكُورٗا ٣

O descendants of those We carried [in the ship] with Noah. Indeed, he was a grateful servant.

وَقَضَيۡنَآ إِلَىٰ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ فِي ٱلۡكِتَٰبِ لَتُفۡسِدُنَّ فِي ٱلۡأَرۡضِ مَرَّتَيۡنِ وَلَتَعۡلُنَّ عُلُوّٗا كَبِيرٗا ٤

And We conveyed1 to the Children of Israel in the Scripture that, "You will surely cause corruption on the earth twice, and you will surely reach [a degree of] great haughtiness."

فَإِذَا جَآءَ وَعۡدُ أُولَىٰهُمَا بَعَثۡنَا عَلَيۡكُمۡ عِبَادٗا لَّنَآ أُوْلِي بَأۡسٖ شَدِيدٖ فَجَاسُواْ خِلَٰلَ ٱلدِّيَارِۚ وَكَانَ وَعۡدٗا مَّفۡعُولٗا ٥

So when the [time of] promise came for the first of them,1 We sent against you servants of Ours - those of great military might, and they probed [even] into the homes,2 and it was a promise fulfilled.

ثُمَّ رَدَدۡنَا لَكُمُ ٱلۡكَرَّةَ عَلَيۡهِمۡ وَأَمۡدَدۡنَٰكُم بِأَمۡوَٰلٖ وَبَنِينَ وَجَعَلۡنَٰكُمۡ أَكۡثَرَ نَفِيرًا ٦

Then We gave back to you a return victory over them. And We reinforced you with wealth and sons and made you more numerous in manpower.

إِنۡ أَحۡسَنتُمۡ أَحۡسَنتُمۡ لِأَنفُسِكُمۡۖ وَإِنۡ أَسَأۡتُمۡ فَلَهَاۚ فَإِذَا جَآءَ وَعۡدُ ٱلۡأٓخِرَةِ لِيَسُـُٔواْ وُجُوهَكُمۡ وَلِيَدۡخُلُواْ ٱلۡمَسۡجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٖ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوۡاْ تَتۡبِيرًا ٧

[And said], "If you do good, you do good for yourselves; and if you do evil, [you do it] to them [i.e., yourselves]." Then when the final [i.e., second] promise came, [We sent your enemies] to sadden your faces and to enter the masjid [i.e., the temple in Jerusalem], as they entered it the first time, and to destroy what they had taken over with [total] destruction.

عَسَىٰ رَبُّكُمۡ أَن يَرۡحَمَكُمۡۚ وَإِنۡ عُدتُّمۡ عُدۡنَاۚ وَجَعَلۡنَا جَهَنَّمَ لِلۡكَٰفِرِينَ حَصِيرًا ٨

[Then Allāh said], "It is expected, [if you repent], that your Lord will have mercy upon you. But if you return [to sin], We will return [to punishment]. And We have made Hell, for the disbelievers, a prison-bed."

اللغة:

(سُبْحانَ) : علم جنس للتنزيه والتقديس وانتصابه بفعل مضمر متروك إظهاره تقديره أسبح الله سبحانه أو سبحت الله سبحان أي فهو مفعول مطلق ومعناه ما أبعد الذي له هذه القدرة عن جميع النقائص ولذا لا يستعمل إلا فيه تعالى.

(أَسْرى) : سرى بمعنى سار في الليل وهما لازمان ومصدر الأول الإسراء ومصدر الثاني السرى بضم السين.

(مَرَّتَيْنِ) : تثنية مرة وفي القاموس مرمرا ومرورا جاز وذهب واستمر ومره وبه جاز عليه وامترّ به وعليه كمر والمرة الفعلة الواحدة والجمع مرّ ومرار ومرر بكسرهما ومرور بالضم ولقيه ذات مرة ولا يستعمل إلا ظرفا» .

(فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ) : في القاموس: «الجوس بالجيم طلب الشيء باستقصاء والتردد خلال الدور والبيوت في الغارة والطوف فيها كالجوسان والاجتياس وبابه قال وخلال الديار فيه وجهان أحدهما أنه اسم مفرد بمعنى وسط والثاني انه جمع خلل كجبل وجبال وجمل وجمال.

وقال الجوهري: الجوس مصدر جاسوا خلال الديار أي تخللوا فطلبوا ما فيها كما يجوس الرجل الأخبار أي يطلبها. وحكى الهروي في الغريبين عن الأزهري أن معنى جاسوا وطئوا. وحكي عن الأصمعي انه يقال تركت فلانا يجوس بني فلان ويحوسهم ويدوسهم أي يضؤهم.

وقال أبو عبيد كل موضع خالطته ووطئته فقد جسته وحسته.

(الْكَرَّةَ) : الغلبة والدولة وهي في الأصل مصدر كريكر أي رجع ثم استعملت تعبيرا عن الدولة والقهر والغلبة.

(نَفِيراً) : النفير من ينفر مع الرجل من قومه وقيل جمع نفر كالعبيد والمعيز وفيه أوجه أحدها انه فعيل بمعنى فاعل أي نافر والثاني أنه جمع نفر نحو عبيد والثالث انه مصدر أي أكثر خروجا إلى الأعداء وفد قدمنا أن النون والفاء إذا كاتنا فاء للكلمة وعينا لها، دلتا على الخروج والنفاذ.

(يتبروا) : التتبير: الهلاك.

(حَصِيراً) : محبسا وسجنا. قال لبيد:

ومقامه غلب الرجال كأنهم ... جن لدى باب الحصير قيام

وقال الحسن: يعني فراشا، وعنه أيضا: وهو مأخوذ من الحصر والذي يظهر انها حاصرة لهم أي محيطة بهم من جميع جهاتهم فحصير معناه ذات حصر إذ لو كان للمبالغة لزمته التاء لجريانه على مؤنث كما تقول: رحيمة وعليمة، ولكنه على معنى النسب كقوله: السماء منفطر به، أي ذات انفطار.

الإعراب:

(سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ) سبحان مفعول مطلق لفعل محذوف وقد تقدم بحثه في باب اللغة والذي مضاف اليه وجملة أسرى صلة، وبعبده متعلقان بأسرى وليلا ظرف متعلق بأسرى وسيأتي في باب البلاغة سر ذكره مع أن السرى لا يكون إلا في الليل وبعبده جار ومجرور متعلقان بأسرى وليلا ظرف زمان متعلق بأسرى أيضا ومن المسجد جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال أي مبتدئا وإلى المسجد الأقصى حال أيضا أي منتهيا إلى المسجد والأقصى نعت للمسجد والذي نعت ثان وباركنا صلة وهي فعل وفاعل وحوله ظرف متعلق بباركنا. (لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) اللام للتعليل ونريه فعل مضارع منصوب بأن مضمرة والفاعل مستتر تقديره نحن والهاء مفعول به والأولى أن تجعل الجار والمجرور خبرا لمبتدأ محذوف أي وذلك لنريه ومن آياتنا جار ومجرور متعلقان بنريه ومن حرف جر للتبعيض وان واسمها وهو مبتدأ أو ضمير فصل والسميع خبر هو أو خبر إن والبصير خبر ثان وسيأتي سر هذه الالتفاتات في باب البلاغة. (وَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ) الواو استئنافية أو عاطفة على جملة سبحان الذي أسرى ونا فاعل وموسى مفعول به أول والكتاب مفعول به ثان وجعلناه هدى فعل وفاعل والهاء مفعول به أول وهدى مفعول به ثان ولبني متعلقان بهدى وإسرائيل مضاف اليه. (أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا) يصح في أن أن تكون مصدرية منصوبة مع مدخولها بنزع الخافض أي بأن لا تتخذوا والجار والمجرور متعلقان بكتبنا ويجوز أن تكون مفسرة لأن الإتيان فيه معنى القول دون حروفه ولا ناهية وتتخذوا مضارع مجزوم بلا ووكيلا مفعول تتخذوا الأول ومن دوني هو المفعول الثاني لتتخذوا. (ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كانَ عَبْداً شَكُوراً) ذرية:

اضطربت أقوال المعربين في نصبها المتفق عليه بين القراء جميعا فقيل:

نصبت على الاختصاص وبه بدأ الزمخشري وقيل على النداء وقيل بدل من وكيلا وقيل مفعول ثان لتتخذوا، على أن النفس لا تطمئن لواحد منها والله أعلم ومن مضاف إلى ذرية وحملنا صلة ومع ظرف مكان متعلق بحملنا ونوح مضاف إليه وان واسمها وكان فعل ماض ناقص واسمها ضمير مستتر تقديره هو وعبدا خبرها وشكورا صفة ومما يرجح إعراب ذرية على الاختصاص أو النداء قول الزمخشري في إعراب جملة: «إنه كان عبدا شكورا» انها تعليلية لاختصاصهم بأنهم أولاد المحمولين مع نوح فكأنه قيل: «لا تتخذوا من دوني وكيلا ولا تشركوا بي لأن نوحا عليه السلام كان عبدا شكورا وأنتم ذرية من آمن به وحمل معه فاجعلوه أسوتكم كما جعله آباؤكم أسوتهم» وهذه فطنة من الزمخشري تسترعي الانتباه وتستحق الاعجاب. (وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ) الواو عاطفة وقضينا فعل وفاعل وإلى بني إسرائيل متعلقان بقضينا وقضينا في الأصل فعل يتعدى بنفسه ولكنه تعدى هنا بإلى لتضمنه معنى أوحينا، ومعنى قضينا أعلمنا وأخبرنا أو حكمنا وأتممنا، وأصل القضاء الإحكام للشيء والفراغ منه وقيل أوحينا ويدل عليه قوله إلى بني إسرائيل ولو كان بمعنى الإعلام والاخبار لقال قضينا بني إسرائيل ولو كان بمعنى حكمنا لقال على بني إسرائيل ولو كان بمعنى أتممنا لقال لبني إسرائيل. وفي الكتاب حال والمراد به التوراة. (لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ) اللام جواب للقسم المحذوف أو أجرى القضاء المبتوت مجرى القسم كأنه قيل: وأقسمنا لتفسدن، وتفسدن فعل مضارع معرب لأنه لم يتصل مباشرة بنون التوكيد الثقيلة وعلامة رفعه ثبوت النون المحذوفة لتوالي النونات وواو الجماعة المحذوفة لالتقاء الساكنين هي الفاعل والأصل لتفسدونن وقد تقدمت له نظائر وفي الأرض متعلقان بتفسدن ومرتين نصب على الظرفية وأعربه أبو البقاء مفعولا مطلقا على أنه صفة لمصدر محذوف أو على أنه في نفسه مصدر عمل فيه ما هو من غير جنسه وسيأتي المراد بالمرتين في باب الفوائد. (وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً) الواو عطف ولتعلن عطف على لتفسدن وهي مماثلة لها في إعرابها وعلوا مفعول مطلق وكبيرا صفة. (فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ) الفاء عاطفة وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط وجملة جاء مضاف إليها الظرف ووعد فاعل وأولاهما مضافة لوعد ولما كان الوعد على إطلاقه خاصا بالخير كان لا بد من تقدير مضاف محذوف أي وعد عقاب أولاهما وجملة بعثنا لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم وعليكم متعلقان ببعثنا وعبادا مفعول به وأولي صفة لعبادا وهي من الأسماء الخمسة بمعنى أصحاب وبأس مضاف اليه وشديد صفة لبأس.

(فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ وَكانَ وَعْداً مَفْعُولًا) الفاء عاطفة وجاسوا عطف على بعثنا وخلال ظرف مكان متعلق بجاسوا والديار مضاف اليه والواو عاطفة وكان عطف على الجوس واسمها ضمير يعود على الجوس أو الوعد بالعقاب ووعدا خبر كان ومفعولا صفة لوعدا. (ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ) ثم حرف عطف للتراخي ورددنا فعل وفاعل ولكم متعلقان برددنا والكرة مفعول به وعليهم متعلقان بالكرة أي الغلبة عليهم أو حال منها. (وَأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً) وأمددناكم عطف على رددنا وهو فعل وفاعل ومفعول به وبأموال جار ومجرور متعلقان بأمددناكم وبنين عطف على أموال وجعلناكم فعل وفاعل ومفعول به وأكثر مفعول به ثان ونفيرا تمييز. (إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها) إن شرطية وأحسنتم فعل وفاعل وهو في محل جزم فعل الشرط وأحسنتم جوابه وإن أسأتم عطف على إن أحسنتم والفاء رابطة للجواب ولها متعلقان بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف أي فإساءتكم، وكان القياس يقتضي أن يقول فعليها ولكنه عدل إلى اللام للمشاكلة مع قوله لأنفسكم، وقيل اللام بمعنى على أي فعليها كما في قول عنترة:

فخرّ صريعا لليدين وللفم

(فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ) الفاء عاطفة وإذا ظرف مستقبل، وجاء وعد فعل وفاعل والآخرة مضاف لوعد وأراد المرة الآخرة وليسوءوا اللام للتعليل ويسيئوا مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل وهو متعلق بجواب إذا المحذوف أي بعثناهم ليسوءوا وقد دل على الجواب جواب إذا الأولى ووجوهكم مفعول به والمعنى ليجعلوا وجوهكم بادية المساءة منكسفة المعالم. (وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ) وليدخلوا عطف على ليسوءوا أي فهو متعلق بمحذوف هو بعثناهم والمسجد منصوب على السعة وكما نصب على المصدرية أي دخولا مثل دخولهم وأول مرة نصب على الظرفية. (وَلِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيراً) وليتبروا عطف على ليسوءوا وواو الجماعة فاعل وما مفعول به ليتبروا أي ليهلكوا كل شيء غلبوه واستولوا عليه ويجوز أن تجعل ما مصدرية ظرفية ومفعول يتبروا محذوف ولعله أولى لإفساح المجال أمام الخيال ليتصور مدى إهلاكهم الحرث والنسل مدة علوهم على البلاد ويكون الظرف متعلقا بيتبروا وتتبيرا مفعول مطلق. (عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا وَجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيراً) عسى فعل ماض من أفعال الرجاء ترفع الاسم وتنصب الخبر وربكم اسمها وأن مع مدخولها في محل نصب خبر والواو حرف عطف وإن شرطية وعدتم فعل ماض وفاعل في محل جزم فعل الشرط وعدنا فعل ماض وفاعل في محل جزم جواب الشرط وجعلنا عطف على عدنا ونا فاعل وجهنم مفعول به أول وللكافرين متعلقان بحصيرا وحصيرا مفعول به ثان هذا إذا اعتبرنا حصيرا فعيلا بمعنى فاعل وان اعتبرناه اسما جامدا أي مكان الحبس المعروف فتكون للكافرين حالا منه.

البلاغة:

اشتملت هذه الآيات على ضروب من البلاغة ندرجها فيما يلي:

1- الذكر:

ذكر الليل مع أن السرى لا يكون إلا بالليل يحتمل أمرين:

آ- أولهما أن الاسراء لما دل على أمرين أحدهما السير والآخر كونه ليلا أريد إفراد أحدهما بالذكر تثبيتا في نفس المخاطب وتنبيها على أنه مقصود بالذكر وقد مرت الاشارة إلى هذه النكتة في قوله تعالى «وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد» فالاسم الحامل للتثنية دال عليها وعلى الجنسية وكذلك المفرد فأريد التنبيه لأن أحد المعنيين وهو التثنية مقصود مراد.

ب- وثانيهما الإشارة بتنكير الليل إلى تقليل مدته لأن التنكير فيه قد دل على معنى البعضية وهذا بخلاف ما لو قيل أسرى بعبده الليل فإن التركيب مع التعريف يفيد استغراق السير لجميع أجزاء الليل.

2- الوصل والفصل:

ومن الفنون البعيدة المنال التي تطول على من رامها الفصل والوصل فإن القارئ ليشعر أن بين آية الاسراء وقوله «وآتينا موسى الكتاب» إلى آخر الآية تباينا شديدا في ظاهر الأمر حتى إذا تمعّن وتدبر وجد الوصل بين الفعلين فإنه تعالى أخبر أنه أسرى بمحمد صلى الله عليه وسلم إلى الأرض المقدسة ليريه من آياته ويرسله إلى عباده كما أسرى بموسى من مصر إلى مدين حين خرج خائفا يترقب وأسرى به وبابنه شعيب إلى الأرض المقدسة ليريه من آياته ويرسله إلى فرعون وملئه وآتاه الكتاب فهذا هو الوصل بين الفصلين المذكورين وأما الوصل بين قوله تعالى: «ذرية من حملنا مع نوح» وبين ما قبله فتذكار بني إسرائيل بأول نعمه عز وجل عليهم بنجاة آبائهم مع نوح في السفينة من الغرق إذ لو لم ينج آباؤهم لما وجدوا فكأنما النعم السابغة عليهم سلسلة متعاقبة الحلقات أولها نجاة آبائهم من غرق الطوفان الذي عم العالم بأسره وآخرها نجاتهم من الغرق حين شق لهم البحر ليغرق فرعون وجنوده وملؤه وينجوا هم وإذن كان يترتب عليهم أن يشكروا من أسبغ عليهم هذه الآلاء والعوارف وأن يتأسوا بنوح جدهم الأكبر الذي كان عبدا شكورا، أليس الولد سر أبيه؟ بيد أن هؤلاء نسيج وحدهم من الجحود والإنكار، وغمط النعمة، ومقابلة الحسنات بالسيئات.

3- الالتفات:

تحدثنا عن الالتفات كثيرا في هذا الكتاب وتقدمت له شواهد متعددة وفي هذه الآية، آية الاسراء، تعاقب الالتفات كثيرا على قصر متنه وتقارب طرفيه، فقد قال أولا «سبحان الذي أسرى» بلفظ الواحد الغائب ثم قال «الذي باركنا» بلفظ الجمع المتكلم ثم قال «إنه هو السميع البصير» بلفظ الواحد الغائب ولو جاء الكلام على مساق الأول لكان «سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي بارك حوله ليريه من آياته إنه هو السميع البصير» وهذا جميعه محمول على أسرى فلما خولف بين المعطوف والمعطوف عليه في الانتقال من صيغة إلى صيغة كان ذلك اتساعا في الكلام، وتفننا فيه، وتنويعا لأساليبه والفائدة منه فضلا عن تطرية نشاط الذهن، واستحضاره، واسترعائه لعرض الحقائق المملوءة بالعظات والعبر، أنه لما بدأ الكلام بسبحانه ردفه بقوله الذي أسرى إذ لا يجوز أن يقال الذي أسرينا فلما جاء بلفظ الواحد، والله تعالى أعظم العظماء وهو أولى بخطاب العظيم في نفسه الذي هو بلفظ الجمع استدرك الاول بالثاني فقال: «باركنا» ثم قال «لنريه من آياتنا» فجاء بذلك على نسق «باركنا» ثم قال «إنه هو» عطفا على أسرى وذلك موضع متوسط الصفة لأن السمع والبصر صفتان يشاركه فيهما غيره، بصرف النظر عن التفاوت بين السمعين والبصريين وتلك حال متوسطة فخرج بهما عن خطاب العظيم في نفسه إلى خطاب غائب وهذه مرام بعيدة المدى، جليلة الغرض لا يسبر غورها ولا يكتنه فحواها إلا المطبوع.

الفوائد:

1- «من» و «إلى» الجارتين:

ل «من» الجارة معان كثيرة يمكن الرجوع إليها في معني اللبيب وغيره من الكتب المطولة في النحو ولكننا نريد أن نشير إلى المعنى الرئيسي لها الوارد في آية الاسراء وهو الابتداء أي ابتداء الغاية المكانية باتفاق جميع النحاة بصريهم وكوفيهم بدليل انتهاء الغاية بعدها وهي قوله «إلى المسجد الأقصى» أما ابتداء الغاية الزمانية فقد اختلف النحاة فأقرها الكوفيون وأقرها من البصريين المبرد والأخفش وابن درستويه وهذا هو الصحيح لورودها في الكتاب العزيز وهو قوله «من أول يوم أحق أن تقوم فيه رجال» وفي الحديث وهو قول أنس «فمطرنا من الجمعة إلى الجمعة» وفي الشعر وهو قول النابغة الذبياني يصف السيوف:

تخيرن من أزمان يوم حليمة ... إلى اليوم قد جربن كل التجارب

أما «إلى» الجارة فهي تفيد انتهاء الغاية مكانية وزمانية فمثالها في المكان «إلى المسجد الأقصى» ومثالها في الزمان «ثم أتموا الصيام إلى الليل» ولإلى سبعة معان أخرى حكاها في مغني اللبيب وغيره ومما أشكل من معاني إلى قول النابغة الذبياني أيضا يعتذر إلى النعمان ابن المنذر:

فلا تتركني بالوعيد كأنني ... إلى الناس مطلي به القار أجرب

ذكر في المغني أنها هنا بمعنى في وهو غريب وقال الدماميني:

«إلى متعلقة بمحذوف وهو حال من اسم كأن، أي: كأنني مبغضا إلى الناس بسبب الوعيد كجمل أجرب طلي به القار أي جعل فيه أو اتصف به» وقد ذهل الدماميني عن القلب في مطلي به القار أو انه تكلفه ليجعل مطليا بمعنى مبغض فالقار يطلى به ولا يطلي هو ولهذا كان لا بد من الرجوع إلى رأي ابن هشام وهو ان إلى بمعنى في وان الجار والمجرور في موضع النصب على الحال أي كأنني كائنا في الناس بعير طلي بالقار وهو مبغض.

2- معنى مرتين:

اختلف المفسرون في تفسير المرتين الواردتين في قوله تعالى «لتفسدن في الأرض مرتين» فذهب بعضهم إلى أن المرة الأولى هي قتل زكريا وحبس أرميا والثانية قتل يحيى وقصد قتل عيسى وقال البيضاوي:

«أولاهما مخالفة أحكام التوراة وقتل شعيا وقيل أرميا وثانيتهما قتل زكريا ويحيى وقصد قتل عيسى عليهم الصلاة والسلام» على أن فساد اليهود في الأرض لا يمكن حصره بمرتين وإنما أتى القرآن الكريم بالمرتين مثالا سريعا لفسادهم الذي لا يحصى والذي يستمر مدى الدهور. ويمكن الرجوع إلى المطولات لهذا الغرض.

17:9–15Page 283

إِنَّ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ يَهۡدِي لِلَّتِي هِيَ أَقۡوَمُ وَيُبَشِّرُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعۡمَلُونَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أَنَّ لَهُمۡ أَجۡرٗا كَبِيرٗا ٩

Indeed, this Qur’ān guides to that which is most suitable and gives good tidings to the believers who do righteous deeds that they will have a great reward

وَأَنَّ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ أَعۡتَدۡنَا لَهُمۡ عَذَابًا أَلِيمٗا ١٠

And that those who do not believe in the Hereafter - We have prepared for them a painful punishment.

وَيَدۡعُ ٱلۡإِنسَٰنُ بِٱلشَّرِّ دُعَآءَهُۥ بِٱلۡخَيۡرِۖ وَكَانَ ٱلۡإِنسَٰنُ عَجُولٗا ١١

And man supplicates for evil [when angry] as he supplicates for good, and man is ever hasty.1

وَجَعَلۡنَا ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ ءَايَتَيۡنِۖ فَمَحَوۡنَآ ءَايَةَ ٱلَّيۡلِ وَجَعَلۡنَآ ءَايَةَ ٱلنَّهَارِ مُبۡصِرَةٗ لِّتَبۡتَغُواْ فَضۡلٗا مِّن رَّبِّكُمۡ وَلِتَعۡلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلۡحِسَابَۚ وَكُلَّ شَيۡءٖ فَصَّلۡنَٰهُ تَفۡصِيلٗا ١٢

And We have made the night and day two signs, and We erased the sign of the night and made the sign of the day visible1 that you may seek bounty from your Lord and may know the number of years and the account [of time]. And everything We have set out in detail.

وَكُلَّ إِنسَٰنٍ أَلۡزَمۡنَٰهُ طَٰٓئِرَهُۥ فِي عُنُقِهِۦۖ وَنُخۡرِجُ لَهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ كِتَٰبٗا يَلۡقَىٰهُ مَنشُورًا ١٣

And [for] every person We have imposed his fate upon his neck,1 and We will produce for him on the Day of Resurrection a record which he will encounter spread open.

ٱقۡرَأۡ كِتَٰبَكَ كَفَىٰ بِنَفۡسِكَ ٱلۡيَوۡمَ عَلَيۡكَ حَسِيبٗا ١٤

[It will be said], "Read your record. Sufficient is yourself against you this Day as accountant."

مَّنِ ٱهۡتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهۡتَدِي لِنَفۡسِهِۦۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيۡهَاۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٞ وِزۡرَ أُخۡرَىٰۗ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبۡعَثَ رَسُولٗا ١٥

Whoever is guided is only guided for [the benefit of] his soul. And whoever errs only errs against it. And no bearer of burdens will bear the burden of another. And never would We punish until We sent a messenger.

الإعراب:

(إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ) إن واسمها والقرآن بدل من اسم الاشارة ويهدي فعل وفاعل مستتر والمفعول به محذوف أي يهدي الناس والجملة خبر إن وللتي جار ومجرور متعلقان بيهدي وهي مبتدأ وأقوم خبر والجملة الاسمية صلة التي وأقوم اسم تفضيل على قول الزجاج إذ قدر أقوم الحالات، وقدره غيره أقوم مما عداها أو من كل حال ورجح أبو حيان انها ليست للتفضيل إذ قال لا مشاركة بين الطريقة التي يرشد إليها القرآن وطريقة غيرها وفضلت هذه عليها وانما المعنى التي هي قيمة أي مستقيمة كما قال: وذلك دين القيمة، وفيها كتب قيمة، أي مستقيمة الطريقة، قائمة بما يحتاج إليه من أمر الدين. (وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً) ويبشر عطف على يهدي والمؤمنين مفعول به والذين صفة المؤمنين وجملة يعملون صلة والصالحات مفعول به وأن وما في حيزها نصب بنزع الخافض والجار والمجرور متعلقان بيبشر ولهم خبر أن المقدم وأجرا اسمها المؤخر وكبيرا صفة. (وَأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً) وان الذين عطف على أن لهم أجرا كبيرا أي يبشر المؤمنين ببشارتين عظيمتين الأولى بثوابهم والثانية بعقاب أعدائهم ويجوز أن يعطف على يبشر بإضمار ويخبر بأن الذين لا يؤمنون معذبون وجملة أعتدنا خبر أن ولهم متعلقان بأعتدنا وعذابا مفعول به وأليما صفة. (وَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا) الواو استئنافية ويدعو الإنسان فعل وفاعل وبالشر متعلقان بمحذوف حال أو بيدعو ودعاءه مفعول مطلق وبالخير حال أيضا أو متعلقان بالدعاء لأنه مصدر والواو عاطفة أو حالية وكان واسمها وخبرها.

(وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ) وجعلنا فعل وفاعل والليل مفعول به والنهار عطف على الليل وآيتين مفعول به ثان فمحونا الفاء عاطفة ومحونا عطف على جعلنا وآية الليل مفعول به.

(وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ) وجعلنا فعل وفاعل وآية النهار مفعول به أول ومبصرة مفعول به ثان ولتبتغوا اللام للتعليل وتبتغوا مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل والواو فاعل والجار والمجرور متعلقان بقوله وجعلنا، وفضلا مفعول به ومن ربكم متعلقان بتبتغوا وصفة لقوله فضلا. (وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا) ولتعلموا عطف على ولتبتغوا وعدد السنين مفعول به والحساب عطف على عدد ولا تكرار فيهما وكل شيء نصب على الاشتغال ورجح نصبه لتقدم جملة فعلية كما سيأتي في باب الفوائد وفصلناه فعل وفاعل ومفعول به وتفصيلا مفعول مطلق.

(وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ) وكل انسان نصب على الاشتغال أيضا وألزمناه فعل وفاعل ومفعول به وطائره مفعول به ثان وفي عنقه حال أي كائنا وسيأتي تفصيل ذلك في باب البلاغة. (وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً) الواو عاطفة ونخرج فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره نحن وله جار ومجرور متعلقان بنخرج وكتابا مفعول به وجملة يلقاه صفة لكتابا ومنشورا اما صفة ثانية لكتابا وإما حال.

(اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً) جملة اقرأ كتابك في موضع نصب مقول قول محذوف أي يقال له واقرأ فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت وكتابك مفعول به وكفى فعل ماض وبنفسك الباء حرف جر زائد ونفسك فاعل مرفوع محلا مجرور بالباء لفظا واليوم ظرف متعلق بمحذوف حال وعليك متعلقان بحسيبا، وحسيبا تمييز وهو بمعنى حاسب كما ذكر سيبويه، قال سيبويه: «ضريب القداح بمعنى ضاربها وصريم بمعنى صارم» وأجاز بعضهم إعرابه حالا لأنه مشتق وليس ببعيد. (مَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ) من شرطية مبتدأ واهتدى فعل ماض في محل جزم فعل الشرط فإنما الفاء رابطة وإنما كافة ومكفوفة ويهتدي فعل مضارع مرفوع والفاعل هو ولنفسه متعلقان بيهتدي والجملة المقترنة بالفاء في محل جزم جواب الشرط.

(وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها) عطف على الجملة السابقة وعليها في موضع نصب على الحال أي واقعا ضلاله عليها. (وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى) الواو عاطفة ولا نافية وتزر فعل مضارع وفاعل ووزر مفعول لتزر أي تحمل وأخرى مضاف اليه. (وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) الواو عاطفة وما نافية وكنا كان واسمها ومعذبين خبرها، حتى حرف غاية وجر ونبعث فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد حتى ورسولا مفعول به.

البلاغة:

1- المجاز العقلي في قوله تعالى «وجعلنا آية النهار مبصرة» لأن النهار لا يبصر بل يبصر فيه فهو من إسناد الفعل إلى زمانه وقد تقدم ذكره كثيرا.

2- «وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه» تعبير مسوق على عادة العرب كانوا لا يباشرون عملا من الأعمال الهامة إلا إذا اعتبروا أحوال الطير ليتبينوا إذا كانت مغبة العمل خيرا أم شرا فإذا طارت الطير بنفسها أو بإزعاج من أحد متيامنة تفاءلوا وأقدموا على عملهم وإذا طارت متياسرة تشاءموا وأحجموا عن عملهم ولما كثر منهم ذلك سموا نفس الخير والشر بالطائر تسمية للشيء باسم لازمه على طريق المجاز المرسل وقد تقدم ذكره كثيرا.

وإنما خص العنق بالذكر لأنه محل القلادة التي تزين الجيد وتبدو لأول وهلة وتسم المتقلد بها بالوسامة فكان ذلك كناية عن اتصافه بالخير والشر المقدرين له في لوح الأزل وإيثاره باختياره جانب واحد منهما كالذي يتبع السوانح وهي الطير الذاهبة متيامنة والذي يتبع البوارح وهي الطير الذاهبة متياسرة وأجاز بعضهم أن يكون الكلام من باب الاستعارة التصريحية أي استعير الطائر لما هو سبب الخير والشر من قدر الله وعمل العبد أي لما جعلوا الطائر سببا للخير والشر وأسندوهما اليه باعتبار سنوحه وبروحه استعير الطائر لما كان سببا لهما وهما قدرة الله الكائنة وعمل العبد المختار وكما أن الطائر الحقيقي يأتي إلى كل مكان بعد مزايلة وكناته وأعشاشه فكذلك الحوادث تنتهي إلى الإنسان.

3- الطباق بين الهدى والضلال وقد تقدم.

4- في قوله «وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة» فن الجمع مع التفريق وهو أن يجمع المتكلم بين شيئين في حكم واحد ثم يفرق بينهما في ذلك الحكم، ومما ورد منه في الشعر قول البحتري البديع:

ولما التقينا والنقا موعد لنا ... تعجب رائي الدرّ منّا ولا قطه

فمن لؤلؤ تجلوه عند ابتسامها ... ومن لؤلؤ عند الحديث تساقطه

الفوائد:

الاشتغال:

الاشتغال عرفه النحاة بأنه اسم تقدم على عامل من حقه أن ينصبه لولا اشتغاله عنه بالعمل في ضميره نحو: خالد أكرمته، والأفضل في الاسم المتقدم الرفع على الابتداء والجملة بعده خبره ويجوز نصبه بفعل محذوف يفسره المذكور بعده وجملة رأيته مفسرة للجملة المقدرة ولا محل لها من الإعراب ولا يجوز إظهار الفعل المقدر ويقدر بلفظ الفعل المذكر إلا إذا كان لازما فيقدر بمعناه نحو حمص مررت بها فيقدر بجاوزت مثلا وله أحوال:

1- وجوب النصب:

وذلك إذا وقع بعد أدوات التحضيض والشرط والاستفهام غير الهمزة نحو هلّا الخير فعلته، وإن عليا لقيته فسلم عليه، وهل خالدا أكرمته؟ غير أن الاشتغال بعد أدوات الاستفهام والشرط لا يكون إلا في الشعر.

2- ترجيح النصب:

ويترجح النصب في خمسة أمور:

آ- أن يقع بعد الاسم أمر نحو خالدا أكرمه وقد استثنيت من ذلك مسألة «والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما» وقد تقدم الكلام عليها مستوفى.

ب- أن يقع بعد الاسم نهي نحو: الكريم لا تهنه.

ج- أن يقع بعد الاسم دعاء نحو: اللهم أمري يسره.

د- أن يقع الاسم بعد همزة الاستفهام كقوله تعالى «أبشرا منا واحدا نتبعه» .

هـ- أن يقع الاسم جوابا لمستفهم عنه كقولك: عليا أكرمته، في جواب من قال: من أكرمت؟

3- وجوب الرفع:

ويجب الرفع في موضعين:

1- أن يقع بعد إذا الفجائية نحو: خرجت فإذا الجو يملؤه الضباب، لأن إذا الفجائية لا تدخل على الأفعال.

2- أن يقع قبل أدوات الاستفهام أو الشرط أو التحضيض أو ما النافية أو لام الابتداء أو ما التعجبية أو كم الخبرية أو إن وأخواتها نحو: علي هل أكرمته، وسعيد إن لقيته فسلم عليه، وخالد هلّا دعوته، والشر ما فعلته، والخير لأنا أفعله، والخلق الحسن ما أطيبه، وزهير كم أكرمته، وخالد إني أحبه، فالاسم في ذلك كله مبتدأ والجملة بعده خبر وإنما لم يجز نصبه لأن هذه الأدوات لها الصدارة وما بعدها لا يعمل فيما قبلها.

4- ترجيح الرفع:

ويترجح الرفع إذا لم يكن هناك ما يوجب نصبه أو يرجحه أو يوجب رفعه نحو الكتاب قرأته لأن عدم التقدير أولى من التقدير.

وهناك مسائل تتعلق بالاشتغال يرجع إليها في المطولات وستأتي نكت طريفة منه في هذا الكتاب.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском