Darwish · Tafsir · in Arabic
يس
Ya-Sin
Ya Sin · Meccan · 83 ayahs
36:1–9Page 440
يسٓ ١
Yā, Seen.1
وَٱلۡقُرۡءَانِ ٱلۡحَكِيمِ ٢
By the wise1 Qur’ān,
إِنَّكَ لَمِنَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ٣
Indeed you, [O Muḥammad], are from among the messengers,
عَلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ٤
On a straight path.
تَنزِيلَ ٱلۡعَزِيزِ ٱلرَّحِيمِ ٥
[This is] a revelation of the Exalted in Might, the Merciful,
لِتُنذِرَ قَوۡمٗا مَّآ أُنذِرَ ءَابَآؤُهُمۡ فَهُمۡ غَٰفِلُونَ ٦
That you may warn a people whose forefathers were not warned, so they are unaware.
لَقَدۡ حَقَّ ٱلۡقَوۡلُ عَلَىٰٓ أَكۡثَرِهِمۡ فَهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ ٧
Already the word [i.e., decree] has come into effect upon most of them, so they do not believe.
إِنَّا جَعَلۡنَا فِيٓ أَعۡنَٰقِهِمۡ أَغۡلَٰلٗا فَهِيَ إِلَى ٱلۡأَذۡقَانِ فَهُم مُّقۡمَحُونَ ٨
Indeed, We have put shackles on their necks, and they are to their chins, so they are with heads [kept] aloft.
وَجَعَلۡنَا مِنۢ بَيۡنِ أَيۡدِيهِمۡ سَدّٗا وَمِنۡ خَلۡفِهِمۡ سَدّٗا فَأَغۡشَيۡنَٰهُمۡ فَهُمۡ لَا يُبۡصِرُونَ ٩
And We have put before them a barrier and behind them a barrier and covered them, so they do not see.
اللغة:
(الْحَكِيمِ) : ذو الحكمة يقال قصيدة حكيمة أي ذات حكمة، والحكمة تقدم القول فيها وحكم الرجل من باب كرم أي صار حكيما ومنه قول النابغة: واحكم كحكم فتاة الحي إذ نظرت ... إلى حمام شراع وارد الثمد
وأحكمته التجارب جعلته حكيما، وقال آخر:
وقصيدة تأتي الملوك حكيمة ... قد قلتها ليقال من ذا قالها
وعبارة الكرخي: «فعيل بمعنى مفعل كقولهم عقدت العسل فهو عقيد بمعنى معقد وليس بمعنى مفعول كشيطان رجيم بمعنى مرجوم وليس هو في الآية كذلك لأنه إنما يقال محكوم به ونحو ذلك ولا بمعنى فاعل أي حاكم لأن الحاكم الحقيقي هو الله تعالى فظهر بذلك أن القرآن الحكيم محكوم فيه لا حاكم وان الحاكم المطلق هو الله تعالى أو على معنى النسب أي ذي الحكم لأنه دليل ناطق بالحكمة بطريق الاستعارة والمتصف بها على الاسناد المجازي» .
(الْأَذْقانِ) : جمع ذقن بفتح الذال والقاف وبكسر الذال وفتح القاف مجتمع اللحيين من أسفلهما.
(مُقْمَحُونَ) : المقمح هو الذي يرفع رأسه ويغضّ بصره، يقال قمح البعير فهو قامح إذا رفع رأسه بعد الشرب لارتوائه أو لبرودة الماء أو لكراهة طعمه وفي المختار: «الاقماح: رفع الرأس وغض البصر يقال أقمحه الغل إذا ترك رأسه مرفوعا من ضيقه» وفي القاموس: «وأقمح الغل الأسير ترك رأسه مرفوعا لضيقه» .
(سَدًّا) السد والسد بفتح السين وضمها: الحاجز بين الشيئين والجبل والجمع أسداد قال علي بن أبي طالب «وضرب على قلبه بالأسداد» أي سدت عليه الطرق وعميت عليه المذاهب.
(فَأَغْشَيْناهُمْ) : أي فأغشينا أبصارهم أي غطيناها وجعلنا عليها غشاوة عن أن تطمح إلى مرئي وسيأتي المزيد من هذه الصور في بابي البلاغة والاعراب.
الإعراب:
(يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ) يس تقدم القول في فواتح السور معنى وإعرابا. والواو حرف قسم وجر والقرآن مقسم به والحكيم صفة والجار والمجرور متعلقان بمحذوف تقديره أقسم. (إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ) وان واسمها واللام المزحلقة ومن المرسلين خبرها. (عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ) على صراط خبر ثان لإن وقيل حال من الضمير المستكن في الجار والمجرور وأجاز الزمخشري أن يتعلق بالمرسلين ومستقيم صفة لصراط أي الذين أرسلوا على طريقة مستقيمة ولا بأس بهذا الإعراب.
(تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ) تنزيل مفعول مطلق لفعل محذوف أي نزل القرآن تنزيلا وأضيف لفاعله أو منصوب بفعل محذوف تقديره أعني أو أمدح وقرىء بالرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف، وعبارة الزمخشري: «قرىء تنزيل العزيز الرحيم بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف وبالنصب على أعني وبالجر على البدلية من القرآن» .
(لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ فَهُمْ غافِلُونَ) اللام للتعليل وتنذر فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل والجار والمجرور متعلقان بتنزيل أو بمعنى قوله من المرسلين أي مرسل لتنذر، وقوما مفعول به وما نافية لأن قريشا لم يبعث إليهم نبي قبل محمد صلى الله عليه وسلم وأنذر فعل ماض مبني للمجهول وآباؤهم نائب فاعل فالجملة على هذا صفة لقوما أي قوما لم ينذروا ويجوز أن تكون موصولة أو نكرة موصوفة أو مصدرية فتعرب هي وصفتها أو صلتها مفعولا ثانيا لتنذر على الأولين ومفعولا مطلقا على الثالث وسنورد لك التأويلات الثلاثة:
الموصولة: لتنذر قوما الذي أنذره آباؤهم.
النكرة: لتنذر قوما عذابا أنذره آباؤهم.
المصدرية: لتنذر قوما إنذار آبائهم.
الزائدة: وأورد أبو البقاء وجها رابعا وهو أن تكون زائدة وتكون جملة أنذر صفة لقوما.
فهم الفاء تعليلية للنفي إذا جعلت ما نافية أي لم ينذروا فهم غافلون على أن عدم إنذارهم هو سبب غفلتهم أو تعليلية للارسال كما تقول أرسلتك إلى فلان لتنذره فإنه غافل وهم مبتدأ وغافلون خبر.
(لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) اللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وحق القول فعل وفاعل وعلى أكثرهم متعلقان بحق والفاء تعليلية أيضا وهم مبتدأ وجملة لا يؤمنون خبر والمعنى والله لقد ثبت وتحقق عليهم القول بسبب إصرارهم على الكفر والإنكار. (إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ) كلام مستأنف مسوق لتمثيل تصميمهم على الكفر وانه لا سبيل إلى ارعوائهم عن غيهم وان واسمها وجملة جعلنا خبرها وجعلنا فعل وفاعل وفي أعناقهم في محل نصب مفعول جعلنا الثاني وأغلالا مفعول جعلنا الأول فهي الفاء للعطف والتعقيب أو للعطف والتعليل وسيرد الفرق بين المعنيين، وهي مبتدأ والى الأذقان متعلقان بمحذوف خبر أي مجموعة أو مرفوعة، وسيأتي المزيد من أسرار هذا التعبير في باب البلاغة، فهم الفاء كالفاء الأولى وسماها بعضهم فاء النتيجة وهم مبتدأ ومقمحون خبر.
(وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا) الواو عاطفة وجعلنا فعل وفاعل ومن بين أيديهم في موضع نصب مفعول جعلنا الثاني وسدا مفعول جعلنا الأول ومن خلفهم سدا عطف على من بين أيديهم سدا. (فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ) الفاء عاطفة وأغشيناهم فعل وفاعل ومفعول به والفاء تعليلية وهم مبتدأ وجملة لا يبصرون خبر هم.
البلاغة:
في قوله «إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا» الآية فنون شتى نوردها فيما يلي:
1- الاستعارة التمثيلية:
تقدم القول كثيرا في الاستعارة التمثيلية وهي هنا تمثيل لتصميمهم على الكفر وإصرارهم على العناد بأن جعلهم كالمغلولين المقموحين في أنهم لا يلتفتون إلى الحق ولا يثنون أعناقهم نحوه، لأن الأغلال واصلة إلى الأذقان ملزوزة إليها فلا تخليهم يطأطئون فهم دائما مقمحون رافعون رءوسهم غاضون أبصارهم، أي شبهت حالتهم وهيئتهم في عدم إتاحة الايمان لهم بهيئة من غلت يده وعنقه فلم يستطع أن يتعاطى ما يريدون، والجامع مطلق المانع. بقي هناك مبحث هام وهو هل يعود الضمير وهو قوله فهي إلى الأذقان على الأغلال أو على الأيدي، وقد رجح الزمخشري عودة الضمير على الأغلال قال:
«فالأغلال واصلة إلى الأذقان ملزوزة إليها وذلك أن طوق الغل الذي في عنق المغلول يكون ملتقى طرفيه تحت الذقن حلقة فيها رأس العمود نادر من الحلقة إلى الذقن فلا تخليه يطأطىء رأسه ويوطىء قذاله فلا يزال مقمحا» واستطرد الزمخشري داعما رأيه في عودة الضمير على الأغلال فقال: «فإن قلت فما قولك فيمن جعل الضمير للأيدي وزعم أن الغل لما كان جامعا لليد والعنق، وبذلك يسمى جامعة، كان ذكر الأعناق دالا على ذكر الأيدي؟ قلت: الوجه ما ذكرت لك والدليل عليه قوله: فهم مقمحون، ألا ترى كيف جعل الأقماح نتيجة قوله فهي إلى الأذقان ولو كان الضمير للأيدي لم يكن معنى التسبب في الاقماح ظاهرا على أن هذا الإضمار فيه ضرب من التعسف وترك الظاهر الذي يدعوه المعنى إلى نفسه إلى الباطل الذي يجفو عنه وترك للحق الأبلج إلى الباطل اللجلج» ولعل الزمخشري قد بلغ الذروة في هذا التقرير الفريد ودل على اطلاعه وتمكنه من علم البيان، على أن الوجه الثاني وهو عودة الضمير على الأيدي لا يخلو من وجاهة وسمو بيان وفيها مبالغة في تصوير الهول تتلاءم مع سياق الكلام فإن اليد وإن لم يجر لها ذكر في العبارة فإن الغل يدل عليها بل ويستلزمها، ولا شك أن ضغط اليد مع العنق في العنق يوجب الاقماح، أضف إلى ذلك أن اليد متى كانت مرسلة مخلاة كان للمغلول بعض الفرح بإطلاقها، ولعله يتحيل بها ويستعين على فكاك الغل وليس الأمر كذلك إذا كانت مغلولة فيضاف إلى ما تقدم من التشبيهات المفرقة أن يكون انسداد باب الحيل عليهم في الهداية والانخلاع من ربقة الكفر المقدر عليهم مشبها بغل الأيدي لأن اليد- كما قلنا- آلة الحيلة والوسيلة إلى الخلاص.
2- استعارة تمثيلية ثانية:
وفي قوله «وجعلنا من بين أيديهم سدا الآية» استعارة تمثيلية ثانية فقد شبههم بمن أحاط بهم سدان هائلان فغطيا أبصارهم بحيث لا يبصرون قدامهم وورائهم في أنهم محبوسون في وهدة الجهالة ممنوعون من النظر في الآيات والدلائل أو كأنهم وقد حرموا نعمة التفكير في القرون الخالية والأمم الماضية والتأمل في المغاب الآتية والعواقب المستقبلة قد أحيطوا بسد من أمامهم وسد من ورائهم فهم في ظلمة داكنة لا تختلج العين من جانبها بقبس ولا تتوسم بصيصا من أمل.
3- القلب:
وفي قوله «إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا» القلب وهو من فنون كلام العرب إذ حقيقته جعلنا أعناقهم في الأغلال، وقال ثعلب: في قوله تعالى: «ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه» ان المعنى اسلكوا فيه سلسلة أي ادخلوا في عنقه سلسلة.
4- التنكير:
وفي تنكير أغلالا مبالغة في تعظيمها وتهويل أمرها.
36:10–12Page 440
وَسَوَآءٌ عَلَيۡهِمۡ ءَأَنذَرۡتَهُمۡ أَمۡ لَمۡ تُنذِرۡهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ ١٠
And it is all the same for them whether you warn them or do not warn them - they will not believe.
إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِّكۡرَ وَخَشِيَ ٱلرَّحۡمَٰنَ بِٱلۡغَيۡبِۖ فَبَشِّرۡهُ بِمَغۡفِرَةٖ وَأَجۡرٖ كَرِيمٍ ١١
You can only warn one who follows the message and fears the Most Merciful unseen. So give him good tidings of forgiveness and noble reward.
إِنَّا نَحۡنُ نُحۡيِ ٱلۡمَوۡتَىٰ وَنَكۡتُبُ مَا قَدَّمُواْ وَءَاثَٰرَهُمۡۚ وَكُلَّ شَيۡءٍ أَحۡصَيۡنَٰهُ فِيٓ إِمَامٖ مُّبِينٖ ١٢
Indeed, it is We who bring the dead to life and record what they have put forth and what they left behind, and all things We have enumerated in a clear register.
الإعراب:
(وَسَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) كلام مستأنف مسوق لبيان شأنهم بطريق التوبيخ بعد بيانه بطريق التمثيل ولك أن تعطفه على ما قبله فتكون الواو عاطفة، وسواء خبر مقدم وعليهم متعلقان بسواء والهمزة للاستفهام وهي همزة التسوية وقد تقدم بحثها مفصلا في سورة البقرة المماثلة وهي مع الفعل بعدها في تأويل مصدر مبتدأ مؤخر أي مستو عندك إنذارك إياهم وعدمه، وأم حرف عطف معادل للهمزة ولم حرف نفي وقلب وجزم وتنذرهم فعل مضارع مجزوم بلم والفاعل مستتر والهاء مفعول به وجملة لا يؤمنون استئناف مؤكد لما قلبه أو حال مؤكدة له أو بدل منه.
(إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ) إنما كافة ومكفوفة وتنذر فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره أنت ومن مفعول به وجملة اتبع الذكر صلة وجملة خشي الرحمن عطف على اتبع الذكر وبالغيب حال من الفاعل أو من المفعول به، ونتساءل: ما وجه ذكر الانذار الثاني في معرض المخالفة للأول مع أن الأول إثبات والوجه هو أن البغية المرومة بالإنذار غير حاصلة وهي الايمان فقفّى بقوله إنما تنذر على معنى انما تحصل البغية بإنذارك من غير هؤلاء المنذرين وهم الذين اتبعوا الذكر وهو القرآن والخاشون ربهم فالمحصور إنما هو الانذار النافع فلا ينافيه وجود غيره لمن لم ينتفع به.
(فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ) الفاء الفصيحة وبشره فعل أمر وفاعل ومفعول به وبمغفرة متعلقان ببشره وأجر عطف على بمغفرة وكريم صفة لأجر. (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ) إن واسمها ونحن مبتدأ أو ضمير فصل وجملة نحيي الموتى خبر نحن والجملة خبر إن أو الجملة خبر إنا ونكتب عطف على نحيي وما مفعول به وجملة قدموا صلة ما وآثارهم عطف على ما والمراد بها ما استن بعدهم وفي الحديث: «من سن سنة حسنة فعمل بها من بعده كان له أجرها ومثل أجر من عمل بها من غير أن ينقص من أجورهم شيء ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من وزرهم شيء» .
(وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ) نصب كل شيء بفعل محذوف يفسره ما بعده فهو نصب على الاشتغال وأحصيناه فعل وفاعل ومفعول به والجملة مفسرة لا محل لها وفي إمام متعلقان بأحصيناه ومبين نعت إمام أي في كتاب بيّن.
36:13–19Page 441
وَٱضۡرِبۡ لَهُم مَّثَلًا أَصۡحَٰبَ ٱلۡقَرۡيَةِ إِذۡ جَآءَهَا ٱلۡمُرۡسَلُونَ ١٣
And present to them an example: the people of the city, when the messengers came to it -
إِذۡ أَرۡسَلۡنَآ إِلَيۡهِمُ ٱثۡنَيۡنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزۡنَا بِثَالِثٖ فَقَالُوٓاْ إِنَّآ إِلَيۡكُم مُّرۡسَلُونَ ١٤
When We sent to them two but they denied them, so We strengthened [them] with a third, and they said, "Indeed, we are messengers to you."
قَالُواْ مَآ أَنتُمۡ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُنَا وَمَآ أَنزَلَ ٱلرَّحۡمَٰنُ مِن شَيۡءٍ إِنۡ أَنتُمۡ إِلَّا تَكۡذِبُونَ ١٥
They said, "You are not but human beings like us, and the Most Merciful has not revealed a thing. You are only telling lies."
قَالُواْ رَبُّنَا يَعۡلَمُ إِنَّآ إِلَيۡكُمۡ لَمُرۡسَلُونَ ١٦
They said, "Our Lord knows that we are messengers to you,
وَمَا عَلَيۡنَآ إِلَّا ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ ١٧
And we are not responsible except for clear notification."
قَالُوٓاْ إِنَّا تَطَيَّرۡنَا بِكُمۡۖ لَئِن لَّمۡ تَنتَهُواْ لَنَرۡجُمَنَّكُمۡ وَلَيَمَسَّنَّكُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٞ ١٨
They said, "Indeed, we consider you a bad omen. If you do not desist, we will surely stone you, and there will surely touch you, from us, a painful punishment."
قَالُواْ طَٰٓئِرُكُم مَّعَكُمۡ أَئِن ذُكِّرۡتُمۚ بَلۡ أَنتُمۡ قَوۡمٞ مُّسۡرِفُونَ ١٩
They said, "Your omen [i.e., fate] is with yourselves. Is it1 because you were reminded? Rather, you are a transgressing people."
اللغة:
(الْقَرْيَةِ) : القرية بفتح القاف وكسرها: الضيعة والمصر الجامع وجمع الناس والجمع قرى وقرى بضم القاف وكسرها والنسبة إليها قرويّ وقريي والمراد بها هنا انطاكية وسيأتي شيء عنها في باب الفوائد.
(فَعَزَّزْنا) : قوينا.
(طائِرُكُمْ) : تقدم ذكره في هذا الكتاب وفي المختار: «وطائر الإنسان عمله الذي قلده والطير أيضا الاسم من التطير ومنه قولهم:
لا طير إلا طير الله كما يقال لا أمر إلا أمر الله وقال ابن السكيت:
يقال: طائر الله لا طائرك ولا تقل طير الله وتطير من الشيء وبالشيء والاسم الطيرة بوزن عنبة وهي ما يتشاءم به من الفأل الرديء.
الإعراب:
(وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جاءَهَا الْمُرْسَلُونَ) كلام مستأنف مسوق لأمر النبي بأن يضرب لقومه مثلا بأصحاب القرية، واضرب فعل أمر بمعنى اجعل ولهم متعلقان بمحذوف حال لأنه كان في الأصل صفة لمثلا وتقدمت عليه ومثلا مفعول به ثان لاضرب وأصحاب مفعول به أول، ومن المفيد أن نورد عبارة أبي السعود في تفسيره وهي: «ضرب المثل يستعمل تارة في تطبيق حالة غريبة بحالة أخرى مثلها كما في قوله تعالى: ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط، وأخرى في ذكر حالة غريبة وبيانها للناس من غير قصد إلى تطبيقها بنظيرة لها كما في قوله تعالى: «وضربنا لكم الأمثال» فالمعنى على الأول اجعل أصحاب القرية مثلا لهؤلاء في الغلو في الكفر والإصرار على تكذيب الرسل أي طبق حالهم بحالهم، على أن مثلا مفعول ثان لاضرب وأصحاب القرية مفعوله الأول أخر عنه ليتصل به ما هو شرحه وبيانه، وعلى الثاني اذكر وبيّن لهم قصة هي في الغرابة كالمثل» وعلى هذا تكون اضرب بمعنى اذكر ومثلا مفعول به وأصحاب بدل على حذف مضاف أي مثل أصحاب والأول أولى، وإذ ظرف لما مضى من الزمن ومحله بدل اشتمال من أصحاب القرية وجملة جاءها المرسلون في محل جر بإضافة الظرف إليها.
(إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما) إذ ظرف بدل من إذ الأولى أي بدل مفصل من مجمل وهو يدخل في نطاق البدل المطابق أو بدل الكل من الكل وجملة أرسلنا في محل جر بالإضافة وإليهم متعلقان بأرسلنا واثنين مفعول به لأرسلنا والفاء عاطفة وكذبوهما فعل ماض وفاعل ومفعول به. (فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ فَقالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ) الفاء عاطفة وعززنا فعل ماض وفاعل، بثالث متعلقان بعززنا، فقالوا عطف على فعززنا وان واسمها وإليكم متعلقان بمرسلون ومرسلون خبر إن والجملة مقول القول ومفعول عززنا محذوف وسيأتي سر حذفه في باب البلاغة. (قالُوا: ما أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا) قالوا فعل وفاعل وما نافية وأنتم مبتدأ وإلا أداة حصر وبشر خبر أنتم ومثلنا صفة لبشر والخطاب للثلاثة وجملة ما أنتم مقول القول. (وَما أَنْزَلَ الرَّحْمنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ) الواو عاطفة وما نافية وأنزل الرحمن فعل وفاعل ومن حرف جر زائد وشيء مجرور لفظا بمن منصوب محلا على أنه مفعول أنزل وإن نافية وأنتم مبتدأ وإلا أداة حصر وجملة تكذبون خبر.
(قالُوا رَبُّنا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ) ربنا مبتدأ وجملة يعلم خبر وفاعل يعلم مستتر تقديره هو وإن واسمها وكسرت همزتها لمجيء اللام في خبرها وإليكم متعلقان بمرسلون واللام المزحلقة ومرسلون خبر إنا وجملة إنا إليكم لمرسلون سدت مسد مفعولي يعلم وسيأتي بحث تأكيد الخبر في باب البلاغة. (وَما عَلَيْنا إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ) الواو عاطفة وما نافية وعلينا خبر مقدم وإلا أداة حصر والبلاغ مبتدأ مؤخر والمبين صفة. (قالُوا: إِنَّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ) قالوا فعل وفاعل وان واسمها وكسرت همزتها لوقوعها بعد القول وجملة تطيرنا خبرها وبكم متعلقان بتطيرنا وسبب تطيرهم أنهم توقعوا الشرّ وأوجسوه بعد أن كذبوهم وقد ترامت إليهم مصائر الأقوام الهالكة بسبب تكذيبها الأنبياء.
(لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ) لئن اللام موطئة للقسم وإن شرطية ولم حرف نفي وقلب وجزم وتنتهوا فعل مضارع مجزوم بلم والواو فاعل واللام واقعة في جواب القسم ونرجمنكم فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثفيلة والفاعل مستتر تقديره نحن والكاف مفعول به والجملة لا محل لها وجواب الشرط محذوف دل عليه جواب القسم وفاقا للقاعدة المشهورة وليمسنكم عطف على لنرجمنكم ومنّا متعلقان بيمسنكم وعذاب فاعل وأليم صفته. (قالُوا طائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ) طائركم مبتدأ ومعكم ظرف متعلق بمحذوف خبر والهمزة للاستفهام الانكاري التوبيخي وإن شرطية وذكرتم فعل ماض مبني للمجهول وهو في محل جزم فعل الشرط وجواب الشرط محذوف والقاعدة عند سيبويه أنه إذا اجتمع شرط واستفهام يجاب الاستفهام ويحذف جواب الشرط وذهب غيره إلى إجابة الشرط، والتقدير عند سيبويه تتطيرون وعند الآخرين تطيروا بالجزم وبل حرف عطف وإضراب أي ليس الأمر كذلك وأنتم مبتدأ وقوم خبر ومسرفون صفة.
البلاغة:
1- الحذف:
في قوله «فعززنا بثالث» فن الإيجاز بالحذف فقد حذف مفعول عززنا والتقدير فعززناهما بثالث وإنما جنح إلى هذا الحذف لانصباب الغرض على المعزز به الثالث وإذا كان الغرض هو المراد وكان الكلام منصبّا عليه كان ما سواه مطروحا، ونظيره قولك حكم الحاكم اليوم بالحق والغرض المسوق اليه قولك بالحق فلذلك رفضت ذكر المحكوم له والمحكوم عليه وإنما اهتمامك كله هو مراعاة جانب الحق، وستأتي أسماء الثلاثة في باب الفوائد.
2- التأكيد:
وفي هذه الآيات يبدو التأكيد بأروع صوره للخبر فقد قال أولا «إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما» فأورد الكلام ابتدائي الخبر ثم قال إنا إليكم مرسلون فأكده بمؤكدين وهو إن واسمية الجملة فأورد الكلام طلبيا ثم قال إنا إليكم لمرسلون فترقى في التأكيد بثلاثة وهي إن واللام واسمية الجملة فأورد الكلام إنكاري الخبر جوابا عن إنكارهم، قيل وفي قوله ربنا يعلم تأكيد رابع وهو اجراء الكلام مجرى القسم في التأكيد به وفي أنه يجاب بما يجاب به القسم. وفي هذه الآية ائتلاف الفاصلة مع ما يدل عليه سائر الكلام فإن ذكر الرسالة مهد لذكر البلاغ والبيان.
الفوائد:
ذكرنا في باب اللغة أن القرية انطاكية بفتح الهمزة وكسرها وسكون النون وكسر الكاف وفتح الياء المخففة، روى التاريخ ما ملخصه: بعث عيسى عليه السلام رسولين من الحواريين إلى أهل انطاكية وهما يحيى وبولس بفتح الباء الموحدة، فلما قربا من المدينة رأيا شيخا يرعى غنيمات له وهو حبيب النجار فسلما عليه فقال لهما الشيخ من أنتما؟ فقالا رسولا عيسى فقال أمعكما آية فقالا نشفي المرضى ونبرىء الأكمه والأبرص وكان له ولد مريض فمسحاه فقام على الفور فآمن حبيب وفشا الخبر في المدينة فشفي على أيديهما خلق كثير ورقى حديثهما إلى الملك وقال لهما ألنا إله سوى آلهتنا قالا نعم من أوجدك وآلهتك. فتبعهما الناس وضربوهما وقيل حبسا، ثم بعث عيسى عليه السلام رأس الحواريين شمعون الصفي على أثرهما فدخل شمعون البلد متنكرا فجعل يعاشر حاشية الملك حتى أنسوا به فرفعوا خبره إلى الملك فدعاه وأنس به فقال له شمعون ذات يوم بلغني أنك حبست رجلين فهل سمعت ما يقولانه؟ فقال: لا، حال الغضب بيني وبين ذلك فدعاهما فقال شمعون من أرسلكما؟ قالا الله الذي خلق كل شيء وليس له شريك فقال: صفاه وأوجزا. قالا: يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. قال وما آيتكما؟ قالا ما يتمنى الملك.
فدعا بغلام مطموس العينين فدعوا الله حتى انشق له بصره وأخذا بندقتين فوضعاهما في حدقتيه فكانتا مغلقتين ينظر بهما، فقال له شمعون: أرأيت لو سألت إلهك حتى يصنع مثل هذا فيكون لك وله الشرف. قال: ليس لي عنك سر، إن إلهنا لا يبصر ولا يسمع ولا يضر ولا ينفع. وكان شمعون يدخل معهم على الصنم فيصلي ويتضرع ويحسبونه أنه منهم، ثم قال: إن قدر إلهكما على إحياء ميت آمنا به، فدعوا بغلام مات من سبعة أيام فقام وقال: إني أدخلت في سبعة أودية من النار وأنا أحذركم ما أنتم فيه فآمنوا، وقال: فتحت أبواب السماء فرأيت شابا حسن الوجه يشفع لهؤلاء الثلاثة. قال الملك: ومن هم؟
قال: شمعون وهذان. فتعجب الملك، فلما رأى شمعون أن قوله قد أثر فيه نصحه أخبره بالحال أنه رسول عيسى ودعاه فآمن الملك وآمن معه قوم وكفر آخرون وقيل بل كفر الملك وأجمع على قتل الرسل هو وقومه فبلغ ذلك حبيبا وهو على باب المدينة فجاء يسعى إليهم يذكرهم ويدعوهم إلى طاعة المرسلين.
قال وهب: اسمهما يوحنا وبولس وقيل صادق ومصدوق والثالث شمعون.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences