Darwish · Tafsir · in Arabic
الشعراء
Ash-Shu'ara
The Poets · Meccan · 227 ayahs
26:1–9Page 367
طسٓمٓ ١
Ṭā, Seen, Meem.1
تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱلۡكِتَٰبِ ٱلۡمُبِينِ ٢
These are the verses of the clear Book.
لَعَلَّكَ بَٰخِعٞ نَّفۡسَكَ أَلَّا يَكُونُواْ مُؤۡمِنِينَ ٣
Perhaps, [O Muḥammad], you would kill yourself with grief that they will not be believers.
إِن نَّشَأۡ نُنَزِّلۡ عَلَيۡهِم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ ءَايَةٗ فَظَلَّتۡ أَعۡنَٰقُهُمۡ لَهَا خَٰضِعِينَ ٤
If We willed, We could send down to them from the sky a sign for which their necks would remain humbled.1
وَمَا يَأۡتِيهِم مِّن ذِكۡرٖ مِّنَ ٱلرَّحۡمَٰنِ مُحۡدَثٍ إِلَّا كَانُواْ عَنۡهُ مُعۡرِضِينَ ٥
And no mention [i.e., revelation] comes to them anew from the Most Merciful except that they turn away from it.
فَقَدۡ كَذَّبُواْ فَسَيَأۡتِيهِمۡ أَنۢبَٰٓؤُاْ مَا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ ٦
For they have already denied, but there will come to them the news of that which they used to ridicule.
أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ إِلَى ٱلۡأَرۡضِ كَمۡ أَنۢبَتۡنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوۡجٖ كَرِيمٍ ٧
Did they not look at the earth - how much We have produced therein from every noble kind?
إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗۖ وَمَا كَانَ أَكۡثَرُهُم مُّؤۡمِنِينَ ٨
Indeed in that is a sign, but most of them were not to be believers.
وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ٩
And indeed, your Lord - He is the Exalted in Might, the Merciful.
اللغة:
(باخِعٌ) : تقدم تفسير هذه الكلمة، والبخع أن يبلغ بالذبح البخاع بالباء وهو عرق مستبطن الفقار وذلك أقصى حد للذابح، وفي المصباح: «وبخع نفسه بخعا من باب نفع قتلها من وجد أو غيظ وبخع لي بالحق بخوعا انقاد وبذله» .
الإعراب:
(طسم، تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ) طسم تقدم إعرابها والحديث عن فواتح السور، وتلك مبتدأ وآيات الكتاب خبر والمبين صفة لكتاب.
(لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) لعل للاشفاق أي فالترجي هنا بمعنى الأمر أي ارحم نفسك وارفق بها، والكاف اسمها وباخع خبرها ونفسك مفعول به لباخع وأن وما في حيزها مفعول لأجله أي خيفة أن لا يؤمنوا أو لامتناع إيمانهم، ومؤمنين خبر يكونوا.
(إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ) كلام مستأنف مسوق لتعليل الأمر بإشفاقه على نفسه من الاسترسال في التحسّر والغم على عدم إيمانهم، وان شرطية ونشأ فعل الشرط وفاعله مستتر تقديره نحن ومفعول المشيئة محذوف لأنه مضمون الجواب أي إيمانهم وننزل جواب الشرط وعليهم متعلقان بننزل ومن السماء حال لأنه كان في الأصل صفة لآية والفاء حرف عطف وظلت فعل ماض ناقص معطوف على ننزل فهو مجزوم محلا ويجوز أن تكون الفاء استئنافية وظلت بمعنى المضارع أي تظل تدوم، وإليه جنح الجلال فيكون قد فسره بالمرفوع، وأعناقهم اسم ظلت ولها متعلقين بخاضعين وخاضعين خبر ظلت، وسيأتي سر المخالفة في العطف وسر مجيء خاضعين خبرا عن الأعناق في باب البلاغة. (وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ) الواو عاطفة وما نافية ويأتيهم فعل مضارع ومفعول به ومن حرف جر زائد وذكر مجرور لفظا مرفوع محلا لأنه فاعل يأتيهم ومن الرحمن صفة لذكر ومحدث صفة ثانية أي تجدد انزاله وفق مقتضيات الأحوال وإلا أداة حصر وجملة كانوا استثناء من أعم الأحوال فهي حالية وكان واسمها وعنه متعلقان بمعرضين ومعرضين خبر كانوا. (فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبؤُا ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ) الفاء الفصيحة كأنه قيل إذا شئت أن تعرف ماذا كان موقفهم من الذكر حين أعرضوا عنه وصدفوا عن التأمل فيه فقد كذبوا.
وقد حرف تحقيق وكذبوا فعل ماض وفاعل فسيأتيهم عطف على ما تقدم للوعيد والتهديد ويأتيهم فعل مضارع ومفعول به وأنباء فاعل وما مضاف إليه وجملة كانوا صلة والواو اسم كان وبه متعلقان بيستهزئون وجملة يستهزئون خبر كانوا. (أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ) الهمزة للاستفهام الانكاري والواو عاطفة على مقدر وقد تقدم مثل هذا التعبير كثيرا ولم حرف نفي وقلب وجزم ويروا فعل مضارع مجزوم بلم والواو فاعل والرؤية هنا بصرية ولذلك تعدت بإلى والى الأرض متعلقان بيروا وكم خبرية في محل نصب مفعول أنبتنا وأنبتنا فعل ماض وفاعل ومن كل زوج تمييز كم الخبرية ويجوز أن يكون حالا كما ذكر أبو البقاء وكريم صفة لزوج، وأراد بالزوج الصنف من النبات والنوع وسيأتي مزيد بحث عنه في باب البلاغة.
(إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ) إن حرف مشبه بالفعل وفي ذلك خبرها المقدم واللام المزحلقة وآية اسم إن وما الواو حالية وما نافية وكان أكثرهم مؤمنين كان واسمها وخبرها أي سبق ذلك في علم الله، وقال سيبويه كان زائدة وسيأتي مزيد من هذا البحث في باب الفوائد. (وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ) الواو استئنافية وان واسمها واللام المزحلقة وهو ضمير فصل أو مبتدأ والعزيز خبر إن أو خبر هو والجملة خبر إن والرحيم خبر ثان.
البلاغة:
انطوت هذه الآيات على الكثير من فنون البلاغة ندرجها فيما يلي:
1- المخالفة في العطف:
فقد خالف في العطف، فعطف «فظلت» على «ننزل» ولو قيل أنزلنا لكان صحيحا ولعله كان مما يقتضيه السياق ولكنه خولف لأن في عطف الماضي على المستقبل إشعارا بتحقيقه وأنه كائن لا محالة، لأن الفعل الماضي يدل على وجود الفعل وكونه مقطوعا، وله في القرآن نظائر سترد في مواضعها.
2- المجاز العقلي:
المجاز العقلي في إسناد الخضوع للأعناق، فقد يقال كيف صح مجيء خاضعين خبرا عن الأعناق والخضوع من خصائص العقلاء، وقد كان أصل الكلام «فظلوا لها خاضعين» والسر في ذلك انه لما وصفت بالخضوع الذي هو للعقلاء قيل خاضعين كما تقدم في قوله «لي ساجدين» وهناك أقوال أخرى أوصلها علماء البيان إلى سبعة نلخصها فيما يلي:
آ- المراد الرؤساء كما قيل لهم وجوه وصدور.
ب- انه على حذف مضاف أي فظل أصحاب الأعناق، ثم حذف وبقي الخبر على ما كان عليه قبل الحذف مراعاة للمحذوف.
ج- انه لما أضيف إلى العقلاء اكتسب منهم هذا الحكم كما يكتسب التأنيث بالاضافة.
د- ان الأعناق جمع عنق من الناس وهم الجماعة يقال جاءنا عنق من الناس أي فوج وليس المراد الجارحة المعلومة.
هـ- إقحام الأعناق لبيان موضع الخضوع وترك الكلام على أصله.
وما ذكره من أنها عوملت معاملة العقلاء لما أسند إليها ما يكون عادة من أفعال العقلاء على طريق المجاز العقلي.
ز- انه لما أضاف الأعناق إلى المذكر وكانت الأعناق متصلة بهم في الخلقة والتكوين أجري عليها حكمهم.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما: نزلت هذه الآية فينا وفي بني أمية، قال: ستكون لنا عليهم الدولة فتذل لنا أعناقهم بعد صعوبة ويلحقهم هو ان بعد عزة.
3- التتميم:
بقوله «أولم يروا إلى الأرض كم أنبتنا فيها من كل زوج كريم» فقد كان يكفي أن يقال كم أنبتنا فيها من زوج كريم وما معنى الجمع بين كم وكل والجواب أن كلّا إنما دخلت للإحاطة بأزواج النبات وكم دلت على أن هذا المحاط مفرط بالكثرة، وبذلك تنبيه على تمام القدرة وكمالها، وهذا هو مقتضى التتميم الذي تقدمت الاشارة إليه، وتعريفه:
أن تأتي في الكلام كلمة إذا طرحت من الكلام نقص معناه في ذاته أو في صفاته ولفظه تام كما أن المقصود هنا في الآية آحاد الأزواج ويدل عليه أنه لو أسقطت «كل» فقلت: انظروا إلى الأرض كم أنبت الله فيها من الصنف الفلاني لكنت مكنيا عن آحاد ذلك الصنف المشار اليه، فإذا أدخلت كلّا فقد أديت بتكريره آحاد كل صنف لا آحاد صنف معين.
4- التتميم أيضا:
وتمم كذلك بوصفه الزوج بالكريم وذلك لأمرين:
آ- ان النبات- كما هو معلوم- نوعان نافع وضار فدل بكلمة كريم أنه يقصد النوع النافع فذكر كثرة من أنبت في الأرض من جميع أصناف النبات النافع وخلى ذكر الضار.
ب- أنه يقصد كلا النوعين النافع والضار ويصفهما جميعا بالكرم تنبيها على أنه ما خلق شيئا إلا لفائدة وربما خفيت عليكم أسرارها وصعب عليكم اكتناهها ولكنه تعالى عالم بما تجهلون.
26:10–17Page 367
وَإِذۡ نَادَىٰ رَبُّكَ مُوسَىٰٓ أَنِ ٱئۡتِ ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٠
And [mention] when your Lord called Moses, [saying], "Go to the wrongdoing people -
قَوۡمَ فِرۡعَوۡنَۚ أَلَا يَتَّقُونَ ١١
The people of Pharaoh. Will they not fear Allāh?"
قَالَ رَبِّ إِنِّيٓ أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ ١٢
He said, "My Lord, indeed I fear that they will deny me
وَيَضِيقُ صَدۡرِي وَلَا يَنطَلِقُ لِسَانِي فَأَرۡسِلۡ إِلَىٰ هَٰرُونَ ١٣
And that my breast will tighten and my tongue will not be fluent, so send for Aaron.
وَلَهُمۡ عَلَيَّ ذَنۢبٞ فَأَخَافُ أَن يَقۡتُلُونِ ١٤
And they have upon me a [claim due to] sin, so I fear that they will kill me."
قَالَ كـَلَّاۖ فَٱذۡهَبَا بِـَٔايَٰتِنَآۖ إِنَّا مَعَكُم مُّسۡتَمِعُونَ ١٥
[Allāh] said, "No. Go both of you with Our signs; indeed, We are with you, listening.
فَأۡتِيَا فِرۡعَوۡنَ فَقُولَآ إِنَّا رَسُولُ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٦
Go to Pharaoh and say, 'We are the messengers1 of the Lord of the worlds,
أَنۡ أَرۡسِلۡ مَعَنَا بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ١٧
[Commanded to say], "Send with us the Children of Israel."'"
الإعراب:
(وَإِذْ نادى رَبُّكَ مُوسى: أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) كلام مستأنف مسوق للشروع في سرد سبع قصص هي على التوالي: قصة موسى وقصة ابراهيم وقصة نوح وقصة هود وقصة صالح وقصة لوط وقصة شعيب. والظرف متعلق بمحذوف تقديره اذكر يا محمد لقومك عساهم يتعظون بها ويعتبرون بما آل اليه مصير أولئك الأقوام الذين جنحوا إلى المكابرة والتعنت ولجئوا إلى اللجاج والسفسطة التي لا طائل تحتها، وجملة نادى في محل جر بإضافة الظرف إليها وربك فاعل نادى وموسى مفعول به وأن ائت يجوز في «أن» أن تكون مفسرة وأن تكون مصدرية وهي مع مدخولها في موضع نصب بنزع الخافض وائت فعل أمر مبني على حذف حرف العلة والفاعل مستتر تقديره أنت والقوم مفعول به والظالمين صفة. (قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلا يَتَّقُونَ) قوم فرعون بدل من القوم الظالمين أو عطف بيان ولعله أولى لأنهما عبارتان تعتقبان على مدلول واحد، ولما كان القوم الظالمين يوهم الاشتراك أتى عطف البيان بإزالته، والهمزة للاستفهام الانكاري ولا نافية ويتقون فعل مضارع مرفوع والواو فاعل والجملة استئنافية والمقصود منها التعجب أي تعجب من عدم تقواهم، ولا بد من تقدير معنى التعجب لأن الاستفهام الإنكاري معناه النفي ولا نافية ودخول النفي على النفي اثبات فيئول المعنى إلى أنهم اتقوا الله وذلك فاسد، ويحتمل أن تكون الجملة حالية من الضمير الذي تحمله اسم الفاعل وهو الظالمون أي يظلمون غير متقين، واختار بعض المعربين أن تكون ألا للعرض وآخرون اختاروا أنها للتنبيه. (قالَ رَبِّ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ) رب منادى مضاف حذف منه حرف النداء وإني إن واسمها وجملة أخاف خبرها وأن وما في حيزها مفعول أخاف وحذفت ياء المتكلم من يكذبوني لمراعاة الفواصل (وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلا يَنْطَلِقُ لِسانِي فَأَرْسِلْ إِلى هارُونَ) الواو عاطفة ويضيق معطوف على خبر إن أي على أخاف فهو مرفوع مثله ويجوز عطفه على يكذبون فهو منصوب مثله وقد قرئ به والفرق بين المعنيين أن الرفع يفيد فيه ثلاث علل أو معاذير وهي: خوف التكذيب، وضيق الصدر، وامتناع انطلاق اللسان، وأما الرفع فيفيد أن خوفه متعلق بهذه الثلاثة، وصدري فاعل ولا ينطلق لساني عطف على ما قبله لحبسة في لسانه، فأرسل الفاء الفصيحة وأرسل فعل أمر معناه الالتماس والى هارون متعلقان بأرسل وليس مراد موسى الامتناع من أداء الرسالة أو التلكؤ فيها بل أراد أن يظهر عجزه عن الاضطلاع بهذا العبء الخطير وطلب المعونة من ربه بأن يعضده بأخيه حتى يتساندا ويتضافرا على تنفيذ الأمر وتبليغ الرسالة. (وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ) عطف على ما تقدم ولهم خبر مقدم وعلي حال وذنب مبتدأ مؤخر وهو قتله القبطي الذي قيل إنه كان خباز فرعون، والمعنى لهم علي تبعة ذنب وهي قود ذلك القتيل فأخاف أن يقتلوني به فحذف المضاف أو سمى تبعة الذنب ذنبا كما سمى جزاء السيئة سيئة. (قالَ: كَلَّا فَاذْهَبا بِآياتِنا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ) كلا حرف ردع نابت عن الفعل وهو ارتدع يا موسى ولذلك عطف عليها بالفاء من قوله فاذهبا، واذهبا فعل أمر وألف الاثنين فاعل وبآياتنا متعلقان باذهبا وجملة إنا معكم مستمعون تعليلية للأمر وإن واسمها ومستمعون خبرها والظرف متعلق بمحذوف حال أو خبر ثان أو بمستمعون نفسها ومفعول مستمعون محذوف أي ما يدور بينكما وبين فرعون وقومه، وفي هذا الكلام مجاز سيأتي ذكره في باب البلاغة. َأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ)
الفاء عاطفة وأتيا فرعون فعل أمر وفاعل ومفعول به فقولا عطف، وإنا ان واسمها أي إن كلا منا، ليطابق اسم ان خبرها ورسول خبرها ورب العالمين مضاف إليه وسيأتي في باب الفوائد مزيد من هذا التطابق.
(أَنْ أَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ) الأرجح أن تكون أن هنا مصدرية لأنها مسبوقة بجملة فيها معنى القول وحروفه والمصدر المؤول في محل نصب بنزع الخافض، وأصر الزمخشري على أنها تفسيرية بمعنى أي وجعلها غير مسبوقة بقوله فقولا بل بما تضمنه لفظ الرسول من معنى الإرسال، تقول أرسلت إليك أن أفعل كذا لما في الإرسال من معنى القول كما في المناداة والكتابة ونحوهما، والظرف متعلق بأرسل وبني إسرائيل مفعول به.
البلاغة:
في قوله تعالى «إنا معكم مستمعون» مجاز معناه: إنا معكم نستمع ما يجري بينكم وبينه وأنا الناصر لكما عليه، فالاستماع قرينة للكلام المجازي لأن من سمع محاورة خصمين كان مستطيعا الحكم بينهما ومشايعة أيهما رآه أقرب إلى الحق وأدنى من الصواب، فإذا اعترض معترض بأن الله تعالى مستمع حقيقة وسامع ولا يجوز اجراء المجاز عليه تعالى قلنا إن الاستماع يقتضي الإصغاء بالأذن كما الإبصار يتطلب تقليب الحدقتين من العين، وكل ذلك من خواص المحدثين.
الفوائد:
يجوز أن يكون الرسول بمعنى الرسالة فجازت التسوية فيه إذ وصف به بين الواحد والتثنية والجمع، كما يفعل بالصفة بالمصادر نحو صوم وزور قال أبو ذؤيب: ألكني إليها وخير الرسو ... ل أعلمهم بنواحي الخبر
فجعله للجماعة لأن الرسول في الأصل مصدر فجاز افراده مع تعدد معناه ولذلك عاد إليه ضمير الجمع في أعلمهم، وشبه الخبر بمكان ذي جهات على طريق الاستعارة المكنية، والنواحي تخييل، أو شبه توابع الخبر التي يسأل عنها تبعا له بالنواحي على طريق الاستعارة التصريحية، يعني أنه أعلم من غيره بذلك، وألكني: أرسلني مصحوبا بالرسالة. ومن مجيء الرسول بمعنى الرسالة قول كثير عزة:
حلفت برب الراقصات إلى منى ... خلال الملا يمددن كلّ جديل
لقد كذب الواشون ما فهت عندهم ... بسر ولا أرسلتهم برسول
فلا تعجلي يا عزّ أن تتفهمي ... بنصح أتى الواشون أم بحبول
والراقصات: المطايا السائرات إلى منى في الحج، وخلال الملا أي في أثناء الناس فيكون مخففا من الملأ أو في الصحراء لأن الملا الصحراء والمتسع من الأرض، والجديل الرسن في عنقها، والواشي الذي يحسن الكلام ويموهه ويخلط الصدق بالكذب ويحرف الكلم عن مواضعه، وما نافية أي ما تفوهت عندهم بسر، ولا أرسلتهم إلى أحد برسول أي برسالة فهو في الأصل مصدر وقد يطلق على المرسل، والأصل يا عزة فرخم بحذف التاء، وأن تتفهمي أي في أن تتفهمي أو لأجل أن تتفهمي، وبنصح أي أبنصح أتى الواشون إليك أم بحبول؟ وهي جمع حبل بالكسر وهي الداهية العظيمة ولا أدهى من الكذب.
26:18–22Page 367
قَالَ أَلَمۡ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدٗا وَلَبِثۡتَ فِينَا مِنۡ عُمُرِكَ سِنِينَ ١٨
[Pharaoh] said, "Did we not raise you among us as a child, and you remained among us for years of your life?
وَفَعَلۡتَ فَعۡلَتَكَ ٱلَّتِي فَعَلۡتَ وَأَنتَ مِنَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ١٩
And [then] you did your deed which you did,1 and you were of the ungrateful."
قَالَ فَعَلۡتُهَآ إِذٗا وَأَنَا۠ مِنَ ٱلضَّآلِّينَ ٢٠
[Moses] said, "I did it, then, while I was of those astray [i.e., ignorant].
فَفَرَرۡتُ مِنكُمۡ لَمَّا خِفۡتُكُمۡ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكۡمٗا وَجَعَلَنِي مِنَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ٢١
So I fled from you when I feared you. Then my Lord granted me judgement [i.e., wisdom and prophethood] and appointed me [as one] of the messengers.
وَتِلۡكَ نِعۡمَةٞ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنۡ عَبَّدتَّ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٢٢
And is this a favor of which you remind me - that you have enslaved the Children of Israel?"
الإعراب:
(قالَ: أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ) لا بد من تقدير مقدر محذوف أي فانطلقا إلى باب فرعون فلم يؤذن لهما سنة حتى قال البواب إن هاهنا إنسانا يزعم أنه رسول رب العالمين فقال:
ائذن له لعلنا نضحك منه، فأديا إليه الرسالة فعرف موسى لأنه نشأ في بيته فقال له: ألم نربك. والهمزة للاستفهام التقريري ولم حرف نفي وقلب وجزم ونربك فعل مضارع مجزوم بلم وعلامة جزمه حذف حرف العلة والفاعل ضمير مستتر تقديره نحن والكاف مفعول به وفينا متعلقان بنربك ووليدا حال ولبثت فعل وفاعل وفينا متعلقان بلبثت ومن عمرك حال لأنه كان صفة لسنين وسنين ظرف متعلق بلبثت أيضا.
(وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ) الواو عاطفة وفعلت فعل وفاعل وفعلتك مفعول به أو مفعول مطلق والتي نعت وجملة فعلت صلة والواو حالية وأنت مبتدأ ومن الكافرين خبر أي الجاحدين لنعمتي والفعلة التي فعلها موسى هي قتل خبازه القبطي. (قالَ فَعَلْتُها إِذاً وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ) قال فعل ماض أي موسى وفعلتها فعل وفاعل ومفعول به أو مفعول مطلق أي فعلت الفعلة وإذن حرف جزاء بمثابة الجواب والواو واو الحال وأنا مبتدأ ومن الضالين خبر أي عما آتاني الله بعدها من العلم والرسالة وربأ بمحل النبوة عن تلك الصفة التي أطلقها عليه فروعون وهي قوله له وأنت من الكافرين فقال من الضالين أي المخطئين كمن يقتل خطأ من غير تعمد للقتل. (فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ) الفاء عاطفة وفررت فعل وفاعل ومنكم متعلقان بفررت ولما حينية كما يقول الفارسي ورابطة كما يقول سيبويه، وجملة خفتكم مضاف إليها الظرف، فوهب عطف على ففررت ولي متعلقان بوهب وربي فاعل وحكما مفعول به وجعلني من المرسلين عطف على ما تقدم، دفع قدحه في نبوته بهذا القول أي ان موهبة الحكم والنبوة كانت بعد تلك الحادثة، ثم كرّ على امتنانه عليه بالتربية فدحضه وأبطله من أصله واجتثه من أساسه بقوله: (وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ) كلام مستأنف مسوق لنسف الاتهام الذي وجهه إليه فرعون، وتلك مبتدأ ونعمة خبر وجملة تمنها صفة لنعمة وعلي متعلقان بتمنها وأن وما في حيزها عطف بيان لتلك لأن الإشارة إلى خطة شنعاء وخصلة شوهاء لا تكتنه حقيقتها إلا بتفسيرها فجاء عطف البيان مفسرا ما أبهم فاتحا ما أغلق، ويجوز أن يعرب المصدر المؤول بدلا من نعمة أو يكون في محل نصب على أنه مفعول لأجله، ونمنها فعل مضارع وفاعله ضمير مستتر تقديره أنت والهاء منصوب بنزع الخافض لأن منّ فعل لازم يتعدى بالباء أي تمن بها.
وأشار الجلال في تفسيره المختصر إلى أن بعضهم قدر أول الكلام همزة أي قبل وتلك وأصل الكلام أو تلك؟ أي ليست هذه نعمة حتى تمن بها علي، والمقدر هو الأخفش، وهذه الهمزة للاستفهام الانكاري المتضمن معنى النفي كما شرحنا.
البلاغة:
الإبهام:
في قوله «وفعلت فعلتك التي فعلت» إبهام من غير تفسير وهو قسمان: إبهام مفسر وإبهام من غير تفسير فإن قوله «التي فعلت» يذهب فيها الوهم كل مذهب وتحمل الكثير من المعاني وهو كثير شائع في القرآن الكريم.
26:23–31Page 368
قَالَ فِرۡعَوۡنُ وَمَا رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٢٣
Said Pharaoh, "And what is the Lord of the worlds?"
قَالَ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَآۖ إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ ٢٤
[Moses] said, "The Lord of the heavens and earth and that between them, if you should be convinced."
قَالَ لِمَنۡ حَوۡلَهُۥٓ أَلَا تَسۡتَمِعُونَ ٢٥
[Pharaoh] said to those around him, "Do you not hear?"
قَالَ رَبُّكُمۡ وَرَبُّ ءَابَآئِكُمُ ٱلۡأَوَّلِينَ ٢٦
[Moses] said, "Your Lord and the Lord of your first forefathers."
قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ ٱلَّذِيٓ أُرۡسِلَ إِلَيۡكُمۡ لَمَجۡنُونٞ ٢٧
[Pharaoh] said,1 "Indeed, your 'messenger' who has been sent to you is mad."
قَالَ رَبُّ ٱلۡمَشۡرِقِ وَٱلۡمَغۡرِبِ وَمَا بَيۡنَهُمَآۖ إِن كُنتُمۡ تَعۡقِلُونَ ٢٨
[Moses] said, "Lord of the east and the west and that between them, if you were to reason."
قَالَ لَئِنِ ٱتَّخَذۡتَ إِلَٰهًا غَيۡرِي لَأَجۡعَلَنَّكَ مِنَ ٱلۡمَسۡجُونِينَ ٢٩
[Pharaoh] said, "If you take a god other than me, I will surely place you among those imprisoned."
قَالَ أَوَلَوۡ جِئۡتُكَ بِشَيۡءٖ مُّبِينٖ ٣٠
[Moses] said, "Even if I brought you something [i.e., proof] manifest?"
قَالَ فَأۡتِ بِهِۦٓ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ٣١
[Pharaoh] said, "Then bring it, if you should be of the truthful."
الإعراب:
(قالَ فِرْعَوْنُ: وَما رَبُّ الْعالَمِينَ) قال فرعون فعل وفاعل والواو عاطفة لتعطف القول على قول موسى «إنا رسول رب العالمين» وما اسم استفهام مبتدأ ورب العالمين خبره وانما أجاب بما لأنه سأل عن صفاته وأفعاله ولو أراد عينه لقال من؟ (قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ) قال موسى هو رب فرب خبر لمبتدأ محذوف وما عطف على الجنسين فلا يرد اعتراض على التثنية وهي راجعة على الجمع وبينهما ظرف متعلق بمحذوف صلة وإن شرطية وكنتم فعل ماض ناقص في محل جزم فعل الشرط وكان واسمها وخبرها وجواب إن محذوف أي إن كنتم ممن يرجى منهم النظر الصحيح والاعتبار السليم نفعكم هذا الجواب، أو تقدره إن كنتم توقنون بشيء فهذا أولى ما توقنون به لسطوعه وإنارة دليله. (قالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ) قال فرعون، ولمن متعلقان بقال وحوله ظرف متعلق بمحذوف هو الصلة وهم أشراف قومه والهمزة للاستفهام ولا نافية وتستمعون فعل مضارع وفاعله ومفعوله محذوف أي جوابه الذي لم يطابق السؤال. (قالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ) قال موسى، وربكم خبر لمبتدأ محذوف أي هو كان داخلا ومنتظما في قوله رب السموات والأرض وما بينهما لإغاظته وتحديه، وسيأتي سر ذكر الخاص بعد العام في باب البلاغة.
(قالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ) قال فرعون، وجملة إن رسولكم مقول القول وان واسمها والذي صفة وجملة أرسل إليكم صلة للموصول واللام المزحلقة ومجنون خبر إن. وهذا شأن المبطلين المتحكمين عند ما يسقط في أيديهم يلجئون إلى نعت صاحب الحق بالجنون أو غيره لأنهم لا يملكون الدليل على معارضته. (قالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ) قال موسى زيادة في إغاظته والتدليل على إسفافه: هو رب المشرق والمغرب وما بينهما، وسيأتي سر هذا الطباق في باب البلاغة، وإن كنتم تعقلون شرط وجوابه محذوفه أي إن كان لكم مسكة من عقل علمتم أن لا جواب لكم غير المكابرة والسفه والشطط في القول، قال أولا إن كنتم موقنين لأن المقام مقام تدليل واقناع ثم لما يئس واشتد اللجاج غالظهم وقابل لجاجتهم ونسبتهم إياه إلى الجنون بمثلها فنفى عنهم العقل الذي يمكنهم من التمييز بين الأمور. (قالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ) قال فرعون، لئن اللام موطئة للقسم وإن شرطية واتخذت فعل ماض وفاعل وهو في محل جزم فعل الشرط وإلها مفعول به وغيري صفة واللام جواب القسم وجواب الشرط محذوف دل عليه جواب القسم بناء على القاعدة المشهورة وأجعلنك فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة والفاعل ضمير مستتر تقديره أنا ومن المسجونين في موضع نصب على أنه المفعول الثاني. (قالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ) قال موسى، والهمزة للاستفهام والواو للحال وكل ما كان على هذا التركيب يكون قد سبقه فعل محذوف أي أتفعل ذلك ولو ... ،
ولو شرطية وجئتك فعل ماض وفاعل ومفعول به وبشيء متعلقان بجئتك ومبين صفة لشيء أي ببرهان ساطع على نبوتي. (قالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) قال فرعون، فأت الفاء الفصيحة أي إن كنت صادقا في دعواك فأت، وبه متعلقان بقوله فأت وإن شرطية وكنت فعل الشرط وكان واسمها ومن الصادقين خبر كنت وجواب الشرط محذوف دلّ عليه ما قبله.
البلاغة:
العموم والخصوص:
بعد أن ذكر العموم بقوله «رب السموات والأرض وما بينهما» إذ استوعب به الخلائق كلها عاد إلى التخصيص بذكرهم وذكر آبائهم والمطابقة بين المشرق والمغرب ليتأملوا في أنفسهم لأن أقرب المنظور فيه من العاقل نفسه ومن ولد منه وما شاهد وعاين من الدلائل على الصانع والناقل من هيئة إلى هيئة ومن حال إلى حال من وقت ميلاده إلى وقت وفاته، وطابق بين المشرق والمغرب لأن طلوع الشمس من أحد الخافقين وغروبها في الآخر على تقدير مستقيم ونظام ثابت لا خلل فيه في فصول السنة وحساب مستقيم أيضا، من أظهر ما يمكن الاستدلال به.
وعمم ثانيا بجعله من المسجونين ولم يقل لأسجننك للاشارة إلى أن ذلك ديدنه فقد كان يأخذ من يريد سجنه فيطرحه في وهذة عميقة الغور وحيدا لا يرى الضوء فيها ولا يسمع الصوت من داخلها فكان ذلك أنكى من القتل، وهو ديدن المعاند المكابر المحجوج حين تواتيه الأيام ويبتسم له الزمان يعتقد حين يملك قطرا في غفلة من الدهر أن على أهله أن يعبدوه، فاللام في قوله من المسجونين للعهد أي ممن عرفت شأنهم وعهدت حالهم في سجوني، فالتعميم هنا أبلغ كما أن التخصيص فيما سبق أبلغ، ولله أسلوب القرآن إنه يتعالى على الأذهان السطحية البدائية ويدق على البداءة الأولى.
26:32–37Page 368
فَأَلۡقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعۡبَانٞ مُّبِينٞ ٣٢
So [Moses] threw his staff, and suddenly it was a serpent manifest.1
وَنَزَعَ يَدَهُۥ فَإِذَا هِيَ بَيۡضَآءُ لِلنَّٰظِرِينَ ٣٣
And he drew out his hand; thereupon it was white for the observers.
قَالَ لِلۡمَلَإِ حَوۡلَهُۥٓ إِنَّ هَٰذَا لَسَٰحِرٌ عَلِيمٞ ٣٤
[Pharaoh] said to the eminent ones around him, "Indeed, this is a learned magician.
يُرِيدُ أَن يُخۡرِجَكُم مِّنۡ أَرۡضِكُم بِسِحۡرِهِۦ فَمَاذَا تَأۡمُرُونَ ٣٥
He wants to drive you out of your land by his magic, so what do you advise?"
قَالُوٓاْ أَرۡجِهۡ وَأَخَاهُ وَٱبۡعَثۡ فِي ٱلۡمَدَآئِنِ حَٰشِرِينَ ٣٦
They said, "Postpone [the matter of] him and his brother and send among the cities gatherers
يَأۡتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٖ ٣٧
Who will bring you every learned, skilled magician."
اللغة:
(ثُعْبانٌ) : الثعبان الحية يطلق على الذكر والأنثى ويجمع على ثعابين، واشتقاق الثعبان من ثعب الماء فجره فانثعب، وقد ظهرت هذه الثعبانية على العصا حين ألقاها. وللثاء مع العين خاصة التلون والتحيل والارهان، يقال ثعّ يثع من باب ضرب ثعا قاء ما أكله، وانثعّ الأكل من فمه والدم من أنفه أو جرحه أي انصب، ومن أقوالهم: سالت الثّعبان كما انساب الثعبان جمع ثعب وهو المسيل، قال:
وما ثعب باتت تطرّده الصبا ... بسرّاء واد منجد غير اتهما
ومن المجاز: صاح به فانثعب اليه إذا وثب يجري إليه، وشدّ أثعوب قال:
لها إذا حرّ الحرار واللوب ... قوائم «عوج» وشدّ أثعوب
وقال أبو دؤاد:
وكل قائمة تهوي لوجهتها ... لها أتي كفرغ الدلو أثعوب
وكلاهما من باب الاستعارة إلا أن الطريق مختلف، وثعب عليهم الغارة: شنّها، وثعب البعير شقشقته: أخرجها. وثعلت أسنانه تثعل من باب فتح ثعلا تراكبت احداها على الأخرى فهو أثعل وفيه معنى التلوّن والتحيل، وأثعل الأمر عظم وتفاقم، والثّعل بضم الثاء المشددة دويبة تظهر في السقاء إذا خبثت ريحه، وثعالة علم على أنثى الثعلب لا ينصرف، وثعلب وتثعلب: راغ أو تشبه بالثعلب في روغانه، والثعلب حيوان مشهور بالتحيل والرّوغان يتساقط شعره كل سنة، ومنه داء الثعلب وهو عملية تساقط الشعر ويقال للأنثى ثعلبة وللذكر ثعلبان وكلمة ثعلب تقع على المذكر والمؤنث ويجمع على ثعالب وثعال، والثعلب أيضا طرف الرمح الداخل في جبة السنان، قال بشار:
وجيش كجنح الليل يزحف بالحصى ... وبالشوك والخطي حصر ثعالبه
والثعلبة أيضا العصعص والاست. وبالجملة فهذه المادة ظاهرة الثعلبة والثعبانية.
(أَرْجِهْ) : وأرجئه كما قرئ أيضا بالهمز وبالتخفيف وهما لغتان يقال: أرجأته وأرجيته إذا أخرته ومنه المرجئة.
الإعراب:
(فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ) الفاء عاطفة وألقى فعل ماض وفاعله مستتر تقديره هو وعصاه مفعول به فإذا الفاء عاطفة وإذا فجائية وهي ظرف أو حرف وقد تقدم بحثها مفصلا وهي مبتدأ وثعبان خبر ومبين صفة. وقد تقدم بحث المسألة الزنبورية وخلاف سيبويه مع الكسائي في حضرة يحيى البرمكي حولها. (وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ) الجملة معطوفة على سابقتها وهي مماثلة لها في اعرابها.
(قالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ) قال فرعون، وللملأ متعلقان بقال وحوله ظرف متعلق بمحذوف حال وللزمخشري تفنن في اعرابها نورده لروعته:
«فإن قلت: ما العامل في حوله؟ قلت: هو منصوب نصبين نصب في اللفظ ونصب في المحل فالعامل في النصب اللفظي ما يقدر في الظرف والعامل في النصب المحلي هو النصب على الحال» .
وإن حرف مشبه بالفعل وهذا اسمها واللام المزحلقة وساحر خبر وعليم خبر ثان. (يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ) الجملة صفة لساحر، وهي بيت كامل من مجزوء الرجز وليس شعرا لانتفاء القصد وقد تقدم بحث ذلك مفصلا. وأن وما في حيزها مفعول يريد ومن أرضكم متعلقان بيخرجكم وبسحره متعلقان بيخرجكم أيضا.
(فَماذا تَأْمُرُونَ) الفاء عاطفة وماذا اسم استفهام مفعول به لقوله تأمرون أو مفعول مطلق لكونه في معنى المصدر أو ما اسم استفهام وذا اسم موصول خبر وجملة تأمرون صلة، قال ذلك بعد أن بهره ما شاهد واستولى عليه الدهش والبهر. (قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ) قالوا فعل وفاعل وأرجه فعل أمر والهاء مفعول به وأخاه مفعول معه أو عطف على الهاء وابعث عطف على أرجه وفي المدائن متعلق بابعث وحاشرين صفة لمفعول به محذوف أي شرطا يحشرون السحرة ويجمعونهم. (يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ) يأتوك فعل مضارع مجزوم لأنه جواب الأمر وبكل سحار متعلقان بيأتوك وعليم صفة لسحار.
الفوائد:
الشّرط: واحده شرطي وهم الطائفة من خيار أعوان الولاة، وفي أيامنا هم رؤساء الضابطة ورجالها سموا بذلك لأنهم جعلوا لأنفسهم علامة يعرفون بها، وفي الصحاح: «الشرط محركة الحرس سموا بذلك لأنهم جعلوا لأنفسهم علامة يعرفون بها» والشرط أيضا أول كتيبة تشهد الحرب وتتهيأ للموت.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences