DarwishFatir · 35:1–14

Darwish · Tafsir · in Arabic

فاطر

Fatir

Originator · Meccan · 45 ayahs

35:1–3Page 434

ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ جَاعِلِ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ رُسُلًا أُوْلِيٓ أَجۡنِحَةٖ مَّثۡنَىٰ وَثُلَٰثَ وَرُبَٰعَۚ يَزِيدُ فِي ٱلۡخَلۡقِ مَا يَشَآءُۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ١

[All] praise is [due] to Allāh, Creator of the heavens and the earth, [who] made the angels messengers having wings, two or three or four. He increases in creation what He wills. Indeed, Allāh is over all things competent.

مَّا يَفۡتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحۡمَةٖ فَلَا مُمۡسِكَ لَهَاۖ وَمَا يُمۡسِكۡ فَلَا مُرۡسِلَ لَهُۥ مِنۢ بَعۡدِهِۦۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٢

Whatever Allāh grants to people of mercy - none can withhold it; and whatever He withholds - none can release it thereafter. And He is the Exalted in Might, the Wise.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡۚ هَلۡ مِنۡ خَٰلِقٍ غَيۡرُ ٱللَّهِ يَرۡزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِۚ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ فَأَنَّىٰ تُؤۡفَكُونَ ٣

O mankind, remember the favor of Allāh upon you. Is there any creator other than Allāh who provides for you from the heaven and earth? There is no deity except Him, so how are you deluded?

اللغة:

(فاطِرِ السَّماواتِ) خالقها على غير مثال وأصل الفطر الشقّ مطلقا وقيل الشق طولا وبابه نصر كما في المختار وعن مجاهد عن ابن عباس: ما كنت أدري ما فاطر السموات والأرض حتى اختصم إليّ أعرابيان في بئر فقال أحدهما أنا فطرتها أي ابتدأتها وابتدعتها، وقد جمع بعضهم معنى هذه المادة على اختلافه فقال:

الابتداء والابتداع فطر ... والصّدع والغمز وأما الفطر

فترك صوم بعض كمء فطر ... وما بدا من عنب في الشجر

(تُؤْفَكُونَ) : تصرفون من الأفك بالفتح وهو الصرف يقال:

ما أفكك عن كذا أي ما صرفك عنه وقيل هو من الإفك بالكسر وهو الكذب وفي المختار: «والأفك بالفتح مصدر أفكه أي قلبه وصرفه عن الشيء وبابه ضرب ومنه قوله تعالى: «قالوا أجئتنا لتأفكنا عما وجدنا عليه آباءنا» .

الإعراب:

(الْحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) الحمد مبتدأ ولله خبره وفاطر السموات صفة له والأرض عطف على السموات وأل في الحمد جنسية استغراقية أي جنس الحمد، والاضافة في فاطر السموات محضة لأنه للماضي. (جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ) جاعل الملائكة صفة ثانية والإضافة هنا محضة أيضا واعتبرها بعضهم غير محضة لأنها حكاية حال ولهذا ساغ اعمال اسم الفاعل لأنه لا يعمل إذا كان بمعنى الماضي، ولهذا جعل بعضهم رسلا منصوبة بفعل مضمر، وجوز الكسائي عمله على كل حال. ورسلا مفعول ثان لجاعل وإذا كانت جاعل بمعنى خالق كانت رسلا حالا مقدرة وأولي أجنحة نعت لرسلا ومثنى وثلاث ورباع صفات لأجنحة وقد منعت من الصرف للوصف والعدل عن المكرر أي اثنين اثنين وثلاثة ثلاثة وأربعة أربعة وقد تقدم الكلام في هذه الصفات في سورة النساء وأعربها الكازروني في حاشيته بدلا من أجنحة. (يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) كلام مستأنف مقرر لما قبله وفي الخلق متعلقان بيزيد وما مفعول به وجملة يشاء صلة وإن واسمها وعلى كل شيء متعلقان بقدير وقدير خبر إن والجملة تعليلية لا محل لها.

(ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها) ما اسم شرط جازم في محل نصب مفعول به مقدم ليفتح ويفتح فعل الشرط والله فاعل وللناس متعلقان بيفتح ومن رحمة حال والفاء رابطة لجواب الشرط ولا نافية للجنس وممسك اسمها ولها خبرها والجملة في محل جزم جواب الشرط. (وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) الواو عاطفة وما اسم شرط جازم في محل نصب أيضا مفعول مقدم ليمسك ويمسك فعل الشرط والفاء رابطة ولا نافية للجنس ومرسل اسمها وله خبرها وفي قوله أولا فلا ممسك لها حمل التأنيث على معنى ما لأن المراد الرحمة وفي الثاني حمل على اللفظ، ومن بعده حال أي بعد إمساكه وهو مبتدأ والعزيز خبر أول والحكيم خبر ثان.

(يا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ) يا حرف نداء وأي منادى نكرة مقصودة مبني على الضم في محل نصب والهاء للتنبيه والناس بدل واذكروا نعمة الله فعل أمر وفاعل ومفعول به ومضاف إليه وعليكم متعلقان بنعمة لأنها بمعنى الإنعام وإذا كانت بمعنى المنعم به تعلق الجار والمجرور بمحذوف على أنه حال.

(هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ) هل حرف استفهام ومن حرف جر زائد وخالق مبتدأ مجرور لفظا مرفوع محلا وغير الله صفة لخالق على المحل أو على اللفظ أو منصوب على الاستثناء وقرىء بها جميعا وخبر خالق محذوف أي لكم ويجوز أن تكون جملة يرزقكم نصبا على الحال أو رفعا صفة لخالق على المحل أو جرا صفة لخالق على اللفظ ويجوز أن تكون خبرا لخالق، ومن السماء متعلقان بيرزقكم والأرض عطف وسيأتي المزيد من إعراب هذه الآية وما قيل فيها في باب الفوائد ومعنى الاستفهام التقرير والتوبيخ.

(لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ) جملة مستأنفة مسوقة لتقرير النفي المستفاد من الاستفهام وقد تقدم إعراب لا إله إلا الله مفصلا، فأنى الفاء استئنافية وأنى اسم استفهام في محل نصب حال وتؤفكون فعل مضارع مبني للمجهول والواو نائب فاعل.

الفوائد:

1- معنى «نزيد في الخلق ما نشاء» :

اشتملت هذه الآيات على فوائد كثيرة أولها معنى الزيادة في الخلق، ونرى أن خير ما قيل فيها ما أورده الزمخشري في كشافه فبعد أن أورد ما قاله العلماء فيها قال: «والآية مطلقة تتناول كل زيادة في الخلق من طول قامة واعتدال صورة وتمام في الأعضاء وقوة في البطش وحصافة في العقل وجزالة في الرأي وجراءة في القلب وسماحة في النفس وذلاقة في اللسان ولباقة في التكلم وحسن تأنّ في مزاولة الأمور وما أشبه ذلك مما لا يحيط به الوصف» وهذا الكلام على وجازته وبلاغته جامع مانع وفيه تعليل مرض لما تراه من تفاوت في مخلوقات الله.

واستعار الفتح للإطلاق والإرسال كأنما هي أبواب موصدة لا يفتح مغالقها إلا الله من صنوف النعم وضروب الآلاء كالرزق والمطر والصحة والأمن في الأوطان وغير ذلك مما لا يحصى عدده.

وفي تنكير الرحمة ما يدل على الاشاعة والإبهام لتندرج في مطاويها ضروب النعم كما تقدم.

2- إعراب هل من خالق:

منع بعضهم أن تكون جملة يرزقكم خبرا لخالق لأن هل لا تدخل على مبتدأ مخبر عنه بفعل على الأصح.

3- مواضع زيادة «من» :

قلنا في مكان آخر أن «من» الجارة تزاد قبل النكرة إذا سبقت بنفي أو نهي أو استفهام ونضيف هنا أن ذلك يطرد في تسعة أوجه:

1- في الابتداء.

2- في الفاعل.

3- في اسم كان.

4- في مفعول ما يتعدى لواحد.

5- في أول مفعولي ظننت.

6- في أول مفاعيل علمت.

7- في أول مفعولي أعطيت.

8- في ثاني مفعولي أعطيت.

9- في مفعول ما لم يسم فاعله.

35:4–7Page 435

وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدۡ كُذِّبَتۡ رُسُلٞ مِّن قَبۡلِكَۚ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرۡجَعُ ٱلۡأُمُورُ ٤

And if they deny you, [O Muḥammad] - already were messengers denied before you. And to Allāh are returned [all] matters.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٞۖ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلۡغَرُورُ ٥

O mankind, indeed the promise of Allāh is truth, so let not the worldly life delude you and be not deceived about Allāh by the Deceiver [i.e., Satan].

إِنَّ ٱلشَّيۡطَٰنَ لَكُمۡ عَدُوّٞ فَٱتَّخِذُوهُ عَدُوًّاۚ إِنَّمَا يَدۡعُواْ حِزۡبَهُۥ لِيَكُونُواْ مِنۡ أَصۡحَٰبِ ٱلسَّعِيرِ ٦

Indeed, Satan is an enemy to you; so take him as an enemy. He only invites his party to be among the companions of the Blaze.

ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمۡ عَذَابٞ شَدِيدٞۖ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَهُم مَّغۡفِرَةٞ وَأَجۡرٞ كَبِيرٌ ٧

Those who disbelieve will have a severe punishment, and those who believe and do righteous deeds will have forgiveness and great reward.

الإعراب:

(وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ) كلام مستأنف مسوق لتسليته صلى الله عليه وسلم بأن له فيمن تقدمه من الأنبياء أسوة حسنة. وإن حرف شرط جازم ويكذبوك فعل الشرط وعلامة جزمه حذف النون والواو فاعل والكاف مفعول به والفاء رابطة لجواب الشرط وجملة قد كذبت في محل جزم جواب الشرط وهي من وضع السبب موضع المسبب وهو التأسي والتقدير فتأس بتكذيب الرسل من قبلك، ورسل نائب فاعل ومن قبلك صفة لرسل وبهذا التقدير يجاب عن الاعتراض بأن من حق الجزاء أن يتعقب الشرط وهذا سابق له.

(وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ) الواو عاطفة والى الله متعلقان بترجع والأمور نائب فاعل. (يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ) يا أيها الناس: تقدم إعرابها كثيرا وان واسمها وخبرها. (فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ) الفاء الفصيحة ولا ناهية وتغرنكم فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقلية وهو في محل جزم بلا الناهية والكاف مفعول به والحياة فاعل والدنيا صفة ولا يغرنكم بالله الغرور عطف على ما تقدم والغرور بفتح الغين صيغة مبالغة كالصبور والشكور والمراد بها الشيطان لأن ذلك ديدنه.

(إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا) إن واسمها ولكم متعلقان بعدو أو حال منه وعدو خبر إن والفاء الفصيحة واتخذوه فعل أمر وفاعل ومفعول به أول وعدوا مفعول به ثان.

(إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ) إنما كافة ومكفوفة ويدعو فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره هو وحزبه مفعول به واللام للتعليل ويكونوا فعل مضارع منصوب بأن مضمرة جوازا بعد لام التعليل ويجوز أن تكون اللام هي لام الصيرورة أو العاقبة، والواو اسم يكونوا ومن أصحاب السعير خبرها. (الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ) الذين مبتدأ وجملة كفروا صلة ولهم خبر مقدم وعذاب مبتدأ مؤخر والجملة الاسمية خبر الذين وشديد صفة ويجوز أن يكون اسم الموصول بدلا من الواو في ليكونوا أو صفة لحزبه فيكون موضعه النصب كما يجوز أن يكون محله الجر على أنه بدل من أصحاب أو انه نعت لأصحاب. (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ) الذين مبتدأ وجملة آمنوا صلة وعملوا الصالحات عطف على آمنوا ولهم خبر مقدم ومغفرة مبتدأ مؤخر والجملة خبر الذين وأجر عطف على مغفرة وكبير صفة.

35:8Page 435

أَفَمَن زُيِّنَ لَهُۥ سُوٓءُ عَمَلِهِۦ فَرَءَاهُ حَسَنٗاۖ فَإِنَّ ٱللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهۡدِي مَن يَشَآءُۖ فَلَا تَذۡهَبۡ نَفۡسُكَ عَلَيۡهِمۡ حَسَرَٰتٍۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمُۢ بِمَا يَصۡنَعُونَ ٨

Then is one to whom the evil of his deed has been made attractive so he considers it good [like one rightly guided]? For indeed, Allāh sends astray whom He wills and guides whom He wills. So do not let yourself perish over them in regret. Indeed, Allāh is Knowing of what they do.

الإعراب:

(أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ) كلام مستأنف مسوق لتقرير ما سبق من التباين بين عاقبتي الفريقين ببيان تباين حالهما المؤدي إلى تينك العاقبتين.

والهمزة للاستفهام الانكاري والفاء عاطفة على محذوف وقد تقدمت نظائرها ومن اسم موصول في محل رفع مبتدأ خبره محذوف دل عليه سياق الكلام والتقدير كمن هداه الله، وأعربه بدر الدين بن مالك اسم شرط وجواب الشرط محذوف تقديره: ذهبت نفسك عليهم حسرة، وجملة زين صلة من وله متعلقان بزين وسوء عمله نائب فاعل، فرآه الفاء عاطفة ورآه عطف على زين والهاء مفعول رأى الأول وحسنا مفعول رأى الثاني لأنها قلبية والفاء رابطة لما في الموصول من معنى الشرط وان واسمها وجملة يضل خبرها ومن يشاء مفعول يضل وجملة ويهدي من يشاء عطف على جملة يضل من يشاء. (فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ)

الفاء الفصيحة ولا ناهية وتذهب فعل مضارع مجزوم بلا ونفسك فاعل وعليهم متعلقان بتذهب كما تقول هلك عليه حبا ومات عليه حزنا، ولا يجوز أن يتعلق بحسرات لأن المصدر لا تتقدم عليه صلته، وحسرات مفعول لأجله والمعنى فلا تهلك نفسك للحسرات وقال المبرد انها تمييز وقال الزمخشري: «يجوز أن يكون حالا كأن كلها صارت حسرات لفرط التحسر كما قال جرير:

مشق الهواجر لحمهن مع السرى ... حتى ذهبن كلا كلا وصدورا

يصف نوقا بالهزال يقال فرس ممشوق أي طويل مهزول وجارية ممشوقة القوام والهاجرة شدة الحر والسرى بالضم سير الليل والكلكل والكلكال الصدر أي صرن من شدة الحر كأنهن عظام فقط لا لحم عليهن وعطف الصدور على الكلاكل للتفسير وسيأتي المزيد من هذا البحث في باب البلاغة.

وان واسمها وخبرها وبما يصنعون متعلقان بعليم.

البلاغة:

في قوله: «فلا تذهب نفسك عليهم حسرات» فن الإيغال وهو الإتيان بكلام يعتبر بمثابة التتمة لكلام سبقه احتياطا فقد أقسم الله تعالى بحياة الرسول أكثر من مرة ان الذين أعرضوا عنه وخالفوه قد تجاوزوا كل حدّ بإعراضهم ودللوا على أنهم مفرطون في الغباوة موغلون في الضلال كما قال تعالى في أكثر من موضع «لعمرك انهم لفي سكرتهم يعمهون» وقوله أيضا «ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر» وقوله «فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا» وذهاب النفس حسرة وأسفا تعبير مرموق رمقه الشعراء كثيرا فقال شاعر قديم:

فعلى إثرهم تساقط نفسي ... حسرات وذكرهم لي سقام

لما أصابه الحزن بعد ذهاب الأحباب وتمكن من نفسه وسيطر بدمه، تخيل أنها تتناثر وتنزل من جسمه حال كونها حسرات متتابعة، وجعل النفس حسرات لامتزاجها بها فكأنها هي، أو تتساقط بعدهم لأجل الحسرات والأحزان، وذكرهم أي تذكرهم سقام لي وهو بالفتح مصدر كالسقم. وقال ابن الرومي مقتبسا هذه اللفظة البديعة في رثاء ابنه محمد وهو أوسط أولاده:

وظل على الأيدي تساقط نفسه ... ويذوي كما يذوي القضيب من الزند

وإنما يحمل المريض على الأيدي إذا كان صغيرا وقد مات ابنه محمد منزوفا وهو فيما بين الرابعة والخامسة.

أقول روى التاريخ أن هذه الآية نزلت في أبي جهل بن هشام لما زين له سوء عمله فرآه صوابا أو جميلا فهام في الضلال، وأطلق آمر النهي واعتنق طاعة الهوى حتى رأى الحسن قبيحا والقبيح حسنا كأنما ران عليه وسلبه عقله ولبه وتمييزه وقد رمق أبو نواس سماء هذا المعنى فقال: اسقني حتى تراني ... حسنا عندي القبيح

يقول لساقي الخمر: اسقني حتى أسكر فيحسن عندي القبيح، وحسنا هو المفعول الثاني لتراني والقبيح فاعل حسنا لأنه صفة مشبهة.

35:9–10Page 435

وَٱللَّهُ ٱلَّذِيٓ أَرۡسَلَ ٱلرِّيَٰحَ فَتُثِيرُ سَحَابٗا فَسُقۡنَٰهُ إِلَىٰ بَلَدٖ مَّيِّتٖ فَأَحۡيَيۡنَا بِهِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَاۚ كَذَٰلِكَ ٱلنُّشُورُ ٩

And it is Allāh who sends the winds, and they stir the clouds, and We drive them to a dead land and give life thereby to the earth after its lifelessness. Thus is the resurrection.

مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلۡعِزَّةَ فَلِلَّهِ ٱلۡعِزَّةُ جَمِيعًاۚ إِلَيۡهِ يَصۡعَدُ ٱلۡكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ وَٱلۡعَمَلُ ٱلصَّٰلِحُ يَرۡفَعُهُۥۚ وَٱلَّذِينَ يَمۡكُرُونَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ لَهُمۡ عَذَابٞ شَدِيدٞۖ وَمَكۡرُ أُوْلَٰٓئِكَ هُوَ يَبُورُ ١٠

Whoever desires honor [through power] - then to Allāh belongs all honor.1 To Him ascends good speech, and righteous work raises it.2 But they who plot evil deeds will have a severe punishment, and the plotting of those - it will perish.

اللغة:

(بَلَدٍ) : في المصباح: «البلد يذكر ويؤنث» والبلدة البلد وتطلق البلد والبلدة على كل موضع من الأرض عامرا كان أو خلاء، وفي التنزيل: «إلى بلد ميت» أي إلى أرض ليس بها نبات ولا مرعى فيخرج ذلك بالمطر فترعاه أنعامهم فأطلق الموت على عدم النبات والمرعى وأطلق الحياة على وجودهما» .

(الْكَلِمُ) : اسم جنس لأنه يدل على الماهية من حيث هي هي وليس بجمع خلافا لصاحب القاموس ولغيره من النحاة لأنه يجوز تذكير ضميره والجمع يغلب عليه التأنيث ولا اسم جمع لأن له واحدا من لفظه والغالب على اسم الجمع خلاف ذلك وواحدة كلمة والكلمة فيها ثلاث لغات: كلمة بفتح الكاف وكسر اللام وكلمة بكسر الكاف وسكون اللام وكلمة بفتح الكاف وسكون اللام.

(يَبُورُ) : يهلك ويفسد يقال: بار يبور بورا وبوارا: هلك وبارت السوق أو السلعة كسدت وبار العمل: بطل وبارت الأرض:

لم تزرع وبوّر الأرض تركها أو صيرها بائرة وأباره: أهلكه وتبوّر نفسه رثاها وناح من البوار، والبائر: ما بار من الأرض والجمع بور يقال: حائر بائر أي لا يطيع مرشدا ولا يتجه لشيء والبور أيضا:

الفاسد الهالك الذي لا خير فيه يقال امرأة بور وقوم بور، والبور من الأرض: ما لم يزرع والبوار الهلاك والفساد ودار البوار: جهنم.

الإعراب:

(وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً) الله مبتدأ والذي خبره وجملة أرسل الرياح صلة الموصول والرياح مفعول به والفاء عاطفة وتثير فعل مضارع وسيأتي سر عطف المضارع على الماضي وكيف جاء مخالفا لما قبله وما بعده في باب البلاغة وسحابا مفعول به. (فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها كَذلِكَ النُّشُورُ) فسقناه عطف أيضا على طريق الالتفات وسقناه فعل وفاعل ومفعول به والى بلد متعلقان بسقناه وميت صفة، فأحيينا به الأرض عطف أيضا والظرف متعلق بمحذوف حال وكذلك خبر مقدم والنشور مبتدأ مؤخر وسيأتي سر هذا التشبيه في باب البلاغة. (مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً) من اسم شرط جازم في محل رفع مبتدأ وكان فعل ماض ناقص واسمها مستتر يعود على ما وجملة يريد خبرها والعزة مفعول به والفاء رابطة لجواب الشرط ولله خبر مقدم والعزة مبتدأ مؤخر والجملة في محل جزم جواب الشرط، وساغ قيام هذه الجملة مقام الجواب لدلالتها عليه لأن الشيء لا يطلب إلا عند صاحبه ومالكه ونظيره قولك من أراد النصيحة فهي عند الأبرار، تريد فليطلبها عندهم إلا أنك أقمت ما يدل عليه مقامه، ومعنى فلله العزة جميعا أن العزة كلها مختصة لله، وقال آخرون: «ومن شرطية مبتدأ وجواب الشرط محذوف تقديره فليعطه وقوله فلله العزة تعليل للجواب المحذوف» وقدر البيضاوي جواب الشرط المحذوف بقوله «فليطعه» ولله خبر مقدم والعزة مبتدأ مؤخر وجميعا حال وجملة الشرط وجوابه خبر من.

(إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ) الجملة نصب على الحال وإليه متعلقان بيصعد ويصعد الكلم فعل مضارع وفاعل والطيب صفة للكلم والعمل مبتدأ، ويجوز رفعه على العطف والصالح صفة وجملة يرفعه خبر العمل وفاعل يرفعه ضمير مستتر يعود على العمل أي العمل الصالح يرفع الكلم وقيل الفاعل ضمير الله فتعود الهاء على العمل، وعن ابن المقفع «قول بلا عمل كثريد بلا دسم وسحاب بلا مطر وقوس بلا وتر» (وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئاتِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولئِكَ هُوَ يَبُورُ) كلام مستأنف مسوق لبيان حال الكلم الخبيث والعمل السيّء بعد بيان حال الكلم الطيب والعمل الصالح وأهلهما. والذين مبتدأ وجملة يمكرون صلة الذين والسيئات صفة مفعول مطلق وتقديره المكرات السيئات ولا يجوز نصبه على أنه مفعول به لأن مكر فعل غير متعد والمكرات بفتحات جمع مكرة بسكون الكاف وهي المرة من المكر الذي هو الحيلة والخديعة وقال بعضهم يجوز تضمين يمكرون السيئات معنى يكسبون السيئات فيجوز نصبها على أنها مفعول به، ومكر مبتدأ وأولئك مضاف إليه ووضع اسم الاشارة موضع الضمير للإيذان بتميزهم بالشر والفساد عن سائر المفسدين أي هم لا غيرهم، وهو ضمير فصل لا محل له وجملة يبور خبر مكر ويجوز أن يكون هو مبتدأ وجملة يبور الخبر والجملة الاسمية خبر مكر وقد اختلف في وقوع ضمير الفصل قبل الخبر فمنعه قوم وأجازه آخرون ونحن أميل إلى الجواز.

البلاغة:

1- الالتفات:

في قوله «والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه إلخ» التفاتان: الأول في الإخبار بالفعل المستقبل عن الماضي فقد قال «فتثير» مستقبلا وما قبله وما بعده ماض لحكاية الحال الماضية واستحضار لتلك الصورة البديعة الدالة على كمال القدرة والحكمة وهكذا يفعل بكل فعل فيه نوع تمييز وخصوصية كحال تستغرب أو تهم المخاطب وغير ذلك كما قال تأبط شرا:

فمن ينكر وجود الغول إني ... أخبر عن يقين بل عيان

بأني قد لقيت الغول تهوي ... بسهب كالصحيفة صحصحان

فأضربها بلا دهش فخرت ... صريعا لليدين وللجران

والغول أنثى الشياطين والعيان المشاهدة بالعين والهوي الهبوط والمراد سرعة العدو والسهب بالفتح الفضاء المستوي البعيد الأطراف والصحيفة الكتاب والصحصحان بالفتح المستوي من الأرض والجران ككتاب مقدم عظم العنق من الحلق إلى اللبة وجمعه جرنه ككتبه وأجرنة كأفئدة يقول: من ينكر وجود الغول فقد كذب فإني أخبر عن يقين أو المعنى فيا من تنكر وجود الغول إني أخبر إخبارا ناشئا عن يقين وهو ما كان بدليل قاطع بله عيان ومشاهدة بالعين.

وعلى هذا الأسلوب ما ورد من حديث الزبير بن العوام في غزوة بدر فإنه قال: لقيت عبيدة بن سعيد بن العاص وهو على فرس وعليه لأمة كاملة لا يرى منه إلا عيناه وهو يقول: أنا أبو ذات الكئوس، وفي يدي عنزة فأطعن بها في عينه فوقع وأطأ برجلي على خده حتى خرجت العنزة متعقفة. فقوله فأطعن بها في عينه وأطأ برجلي معدول به عن لفظ الماضي إلى المستقبل ليمثل للسامع الصورة التي فعل فيها ما فعل من الإقدام والجراءة على قتل ذلك الفارس المستلئم، ألا ترى أنه قال أولا لقيت عبيدة بلفظ الماضي ثم قال بعد ذلك فأطعن بها في عينه ولو عطف كلامه على أوله لقال فطعنت بها في عينه.

والالتفات الثاني في قوله: «فسقناه إلى بلد ميت فأحيينا إلخ» ولو جرى على نمط الكلام لقال فسقى وأحيا ولكنه عدل بهما عن لفظ الغيبة إلى لفظ التكلم وهو أدخل في الاختصاص وأدلّ عليه وإنما عبر بالماضيين بعد المضارع للدلالة على التحقق.

2- التشبيه:

وفي قوله «كذلك النشور» تشبيه مرسل لوجود الأداة أي كمثل إحياء الموات نشور الأموات في صحة المقدورية أو في كيفية الاحياء.

3- المجاز الاسنادي:

وفي قوله «إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه» مجاز في المسند ومجاز في الاسناد فالصعود مجاز عن العلم لأن الصعود صفة من صفات الاجرام والكلم معلوم فأسند الفعل للمفعول به.

35:11–14Page 435

وَٱللَّهُ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٖ ثُمَّ مِن نُّطۡفَةٖ ثُمَّ جَعَلَكُمۡ أَزۡوَٰجٗاۚ وَمَا تَحۡمِلُ مِنۡ أُنثَىٰ وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلۡمِهِۦۚ وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٖ وَلَا يُنقَصُ مِنۡ عُمُرِهِۦٓ إِلَّا فِي كِتَٰبٍۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٞ ١١

And Allāh created you from dust, then from a sperm-drop; then He made you mates. And no female conceives nor does she give birth except with His knowledge. And no aged person is granted [additional] life nor is his lifespan lessened but that it is in a register. Indeed, that for Allāh is easy.

وَمَا يَسۡتَوِي ٱلۡبَحۡرَانِ هَٰذَا عَذۡبٞ فُرَاتٞ سَآئِغٞ شَرَابُهُۥ وَهَٰذَا مِلۡحٌ أُجَاجٞۖ وَمِن كُلّٖ تَأۡكُلُونَ لَحۡمٗا طَرِيّٗا وَتَسۡتَخۡرِجُونَ حِلۡيَةٗ تَلۡبَسُونَهَاۖ وَتَرَى ٱلۡفُلۡكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِهِۦ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ١٢

And not alike are the two seas [i.e., bodies of water]. One is fresh and sweet, palatable for drinking, and one is salty and bitter. And from each you eat tender meat and extract ornaments which you wear, and you see the ships plowing through [them] that you might seek of His bounty; and perhaps you will be grateful.

يُولِجُ ٱلَّيۡلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلَّيۡلِ وَسَخَّرَ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَۖ كُلّٞ يَجۡرِي لِأَجَلٖ مُّسَمّٗىۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمۡ لَهُ ٱلۡمُلۡكُۚ وَٱلَّذِينَ تَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦ مَا يَمۡلِكُونَ مِن قِطۡمِيرٍ ١٣

He causes the night to enter the day, and He causes the day to enter the night and has subjected the sun and the moon - each running [its course] for a specified term. That is Allāh, your Lord; to Him belongs sovereignty. And those whom you invoke other than Him do not possess [as much as] the membrane of a date seed.

إِن تَدۡعُوهُمۡ لَا يَسۡمَعُواْ دُعَآءَكُمۡ وَلَوۡ سَمِعُواْ مَا ٱسۡتَجَابُواْ لَكُمۡۖ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يَكۡفُرُونَ بِشِرۡكِكُمۡۚ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثۡلُ خَبِيرٖ ١٤

If you invoke them, they do not hear your supplication; and if they heard, they would not respond to you. And on the Day of Resurrection they will deny your association.1 And none can inform you like [one] Aware [of all matters].

اللغة:

(فُراتٌ) : شديد العذوبة وفي القاموس «وفرت الماء ككرم فروتة عذب» .

(أُجاجٌ) : شديد الملوحة وفي القاموس «وأجّ الماء أجوجا بالضم يأجج كيسمع ويضرب وينصر إذا اشتدت ملوحته» وتقول هجير أجاج للشمس فيه مجاج وهو لعاب الشمس وماء أجاج يحرق بملوحته.

(قِطْمِيرٍ) : القطمير لفافة النواة وهي القشرة الرقيقة الملتفة عليها وقيل هي النكتة في ظهرها، ومعلوم أن في النواة أربعة أشياء يضرب بها المثل في القلة: الفتيل وهو ما في شق النواة والقطمير وهو اللفافة والنقير وهو ما في ظهرها والثفروق وهو بين القمع والنواة وقال الجوهري: «ويقال هو النكتة البيضاء التي في ظهر النواة تنبت منها النخلة» .

الإعراب:

(وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْواجاً) كلام مستأنف مسوق لإيراد تقرير آخر أو دليل آخر على صحة البعث والنشور. والله مبتدأ وجملة خلقكم خبر ومن تراب متعلقان بخلقكم ثم حرف عطف للترتيب مع التراخي ومن نطفة عطف على من تراب، ثم جعلكم أزواجا عطف على خلقكم من تراب وأزواجا مفعول ثان لجعل أي أصنافا ذكورا وإناثا.

(وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ) الواو عاطفة وما نافية وتحمل فعل مضارع مرفوع ومن حرف جر زائد وانثى وأنثى مجرور بمن لفظاً مرفوع محلاً على أنه فاعل ولا تضع عطف على وما تحمل وإلا أداة حصر وبعمله في موضع نصب على الحال أي معلومة له ز (وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب) واو عاطفة وما نافية ويعمر فعل مضارع مبني للمجهول ومن حرف جر زائد ومعمر نائب فاعل ولا ينقص عطف على وما يعمر ومن - متعلقان بينقص وإلا أداة حصر وفي كتاب في محل نصب على الحال وسيأتي معني هذا الكلام المتسامح في باب البلاغة. (إن ذلك على الله يسير) إن واسمها وعلى الله متعلقان بيسير ويسير خبر إن وفي المصباح : «ويسر الشيء مثل قرب قلّ فهو يسير الأمر ييسر يسراً من باب تعب ويسر يسراً من باب قرب فهو يسير أي سهل ويسره الله فتسير واستيسؤ بمعنى».

(وما يستوى البحران هذا عذب فرات سائغ شرابه وهذا ملح أجاج) كلام مستأنف مسوق لضرب المثل للمؤمن والكافر وما نافية ويستوى فعل مضارع مرفوع والبحران فاعل مرفوع وعلامة رفعة الألف مثنى وهذا مبتدأ وعذب خبر وفرات خبر ثان أو صفة وسائغ شرابه يجوز أن يكون سائغ صفة ثالثة وشرابه فاعل لسائغ لأنه صفة مشبهة أي سهل انحداره ويجوز أن يكون سائغ خبر مقدم وشرابه مبتدأ مؤخر والجملة صفة ثانية وجلمة هذا عذب الخ في محل نصب حال من البحران وهذا ملح أجاج عطف على عذب فرات وسيأتي مزيد بسط عن هذا المثل في باب البلاغة.

(ومن كل تأكلون لحماً طرياً وتستخرجون حلية تلبسونها) الواو إما عاطفة والجملة بمثابة والتكميل للتمثيل وإما استئنافية فتكون الجملة مستأنقة استطرادية وسيأتي تفصيل كل من المعنين في باب البلاغة ، ومن كل متعلقان بتأكلون ومنهما صفة للمحذوف بعد كل أي كل واحد منهما وتأكلون فعل مضارع وفاعل ولحماًََ مفعول به ولحماً مفعول به وطرياً صفة وتستخرجون عطف على تأكلون وحلية مفعول به وجملة تلبسوننا نعت لحية وتلبسونها فعل مضارع وفاعل ومفعول به.

(وترى الفلك فيه مواخر لتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون) الواو عاطفة وترى الفلك فعل مضارع وفاعل مستتر تقديره أنت والفلك مفعول به وفيه متعلقان بمواخر حال لأن الرؤية بصرية ولتبتغوا اللام للتعزيل وتبتغوا فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل والجار والمجرور متعلقان بمواخر ومن فضله متعلقان بتبتغوا ولعل واسمها وجلمة تشكرون خبرها.

(يولج الليل في النهار في اليل) لك أن تجعلها مستأنفاً ولك أن تجلعها في محل نصب على الحال من فاعل خلقكم أي الله تعالى والليل مفعول به ليولج وفي النهار متعلقان بيولج النهار في الليل عطف على الجملة التي سبقته. (وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى) الواو عاطفة وسيأتي سر تغاير المتعاطفين في باب البلاغة ، وسخر الشمس فعل وفاعل مستتر يعود على الله ومفعول به والقمر عطف على الشمس وكل مبتدأ أي كل واحد منهما وجملة يجري خبر ولأجل متعلق بيجري ومسمى نعت لأجل. (ذلكم الله ربكم له الملك) ذلكم مبتدأ وأخبر عنه بأخبار ثلاثة وهي الله وربكم وجملة له الملك ، وله خبر مقدم والملك مبتدأ مؤخر. (والذين تدعون من دونه ما يملكون من قمطير) الواو حالية أو استئنافية مبتدأ وجملة تدعون صلة ومن دونه حال وما نافية ويملكون فعل مضارع وفاعل وجملة ما يملكون خبر الذين ومن حرف جر زائد وقمطير مجرور لفظاً منصوب محلاً على أنه مفعول به.

(إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم) كلام مستأنف مسوق لتقرير المضمون المتقدم وإن حرف شرط جازم وتدعوهم فعل ماض والواو فاعل وما نفية واستجابوا فعل وفاعل والجملة لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم. (ويوم القيامة يكفرون بشرككم) الظرف متعلق بيكفرون وبشر ككم متعلقان بيكفرون والكاف مضافة الى المصدر من اضافة المصدر الى فاعلة أي يتبرءون منكم ومن عبادتكم إياهم. (ولا ينبئك مثل خبير) الأحسن أن يكون الخطاب عاماً أي أيها السامع كائناً من كنت ، ولا نافية وينبئك فعل مضارع والكاف مفعوله ومثل خيبر فاعله أي عالم ببواطن الأمور.

البلاغة :

١ - الكلام المتسامح :

في قوله «وما يعمر من معمر الخ» فن الكلام المستامح الذي يثق فيه المتكلم بأفهام السامعين وأذواقهم ، لأنه لا يلتبس عليهم ، ولا يعزب عنهم إدراك منطوياته واكتناه مراميه ، فظاهر الكلام يوهم أن المتعاطفين مما يتعاوران كل إنسان وإن التعمير وخلافه يتعاقبان علهي وذلك محال في حد ذاته ، بيد أنه من البدائه التي تدرك لأول وهلة ، وعليه كلام الناس المستقيض يقولون : لا يثيب عبداً ولا يعاقبه إلا بحق وما تنعمت بلداً ولا اجتويته إلا قل فيه ثورايي ، وفيه - كما يقول الزمخشري - تأويل آخر وهو أنه لا يطول عمر إنسان ولا يقصر إلا في كتاب ، وصورته أن يكتب في اللوح : إن حج فلان فعمره أربعون سنة وإن حج وغزا فعمره ستون سنة فإذا جمع بينهما فبلغ الستين فقد عمر وإذا أفرد أحدهما فلم يتجاوز به الأربعين فقد نقص من عمره الذي هو الغاية وهي الستون.

٢ - التمثيل :

وفي قوله «وما يستوي البحران الخ» ويسميه بعضهم الاستعارة التمثيلة وهو تركيب استعمل في غير موضعه لعلاقة المشابهة وليس فيه ذكر للمشبه ولا لأداة التشبيه وهذا مثال يوضحه وهو قولهم : «أنت تضرب في حديد بارد» فقد شبهت حال من يلح في الحصول على شيء يتعذر تحقيقه بحال من يضرب حديداً بارداً بجامع أن كلا منهما يكون عملاً لا يرجى من ورائه أثر ، وليس في هذا التركيب ذكر للمشبه ولا لأداة التشبيه فهو إذن استعارة تمثيلية لأنه تركيب استعمل في غير ما وضع له ، والمشابهه ظاهرة بين المعنين المجازي والحقيقي وهذا النوع يكثر في الأمثال السائرة النثرية والشعرية كقولهم «إن كنت ريحاً فقد لاقيت إعصاراً» يضرب لمن يتطاول عليك أو للقوي يقع فيمن هو أقوى منه وأعنف والمخاطب لم يكن ريحاً ولم يلاق إعصاراً.

ولعبد القاهر الجرجاني فصل ممتع في التمثيل نلخصه فيما يلي قال : «وهل يشك في أنه يعمل عمل السحر حتى يختصر بعدما بين المشرق والمغرب» وقال : «وهو يريك للمعاني الممثلة في الأوهام شبهاً في الأشخاص الممالثلة وينطق لك الأخرس ويعطيك البيان من الأجم ، ويريك الحياة في الجماد ويريك التنام عين الأضداد ، ويجعل الشيء البعيد قريباً».

وأورد عبد القاهر في كتاب أسرار البلاغة مثالاً شعرياً رائعاً قال : «وتأمل كذلك بيت أبي تمام :

؎ وإذا أراد الله نشر فضيلة ∗∗∗ طويت أتاح لها لسان حسود

مقطوعاً عن البيت الذي يليه برغم أن البيت واضح المعنى ثم أتبعه بالبيت التالي وهو :

؎ لولا اشتعال النار فيما جاورت ∗∗∗ ما كان يعرف طيب عرف العود

وانظر هل نشر المعنى تمام حلته وأظهر المكنون من حسنه وزينته واستحقق التقديم كله إلا بالبيت الأخير ، وما فيه من التمثيل والتصوير».

هذا وليس كل تشبيه يحول الى استعارة كما يوهم الكلام المتقدم وإنما يجوز ذلك إذا كان الشبه بين الشيئين مما يقرب مأخذه ويسهل متناوله ويكون في الحاول دليل عليه حتى يمكن المخاطب إذا أطلقت له الاسم أن يعرف ما أردت فإذا لم يكن سبيل الى معرفة المقصود من الشبه فيه إلا بعد ذكر الجمل التي يعقد بها التمثيل فإن الاستعارة لا تدخلة لأن الشبه إذا كان غامضاً لم يجز أن تقتسرالاسم وتنقله إلى ما هو أهله من غير أن يكون معك شاهد ينبيء عن الشبه ومثل عبد القاهر لذلك ببيت للنابغة الذيباني قال : «فلو حاولت أن تحول قول الشاعر :

؎ فإنك كلليل الذي هو مدركي ∗∗∗ وإن خلت أن المنتأى عنك واسع

الى استعارة وان تعامل الليل معاملة الأسد في قولك : «رأيت أسداً» لم تجد له مذهباً في الكلام ، لأنك لا تخلو من أحد أمرين : إما أن تحذف الصفة وتقتصر على ذكر الليل مجرداً فتقول : إن فررت أظلني الليل ، وهذا محاول لأنه ليس في الليل دليل على النكتة التي قصدها الشاعر من أنه لا يفوته وإن أبعد في الهرب لسعة ملكه وطول يده ، وإن لم تحذف الصفة وجدت طريق الاستعارة فيه يؤدي الى تعسف اذ لو قلت : إن فررت منك وجدت ليلاً يدركني وإن ظننت أن المتنادي واسع والمهرب بعيد ، قلت مالا تقبله الطباع لأن العرف لم يجر الممدوح هكذا».

ونعود الى ذكر الآية التي نحن بصدد الكلام عليها فقد مثل الله للمؤمن والكافر بالبحرين ثم فضل البحر الأجاج على الكافر بأنه قد شارك العذب في منافع من السمك واللؤلؤ وجري الفلك بما ينفع الناس والكافر خلو من النفع فهو في طريقة قوله تعالى : «ثم قسمت قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشدّ قسوة» ثم قال : «وإن من الحجارة لما يتفجر من الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء وان لما يهبط من خشية الله» ويقال أيضاً إن المؤمن والكافر وإن اشتركا في بعض الصفات كالشجاعة والسخاوة لا يتساويان في الخاصية العظمى لبقاء أحدهما على فطرته الأصلية.

٣ - الاستطراد :

وعلى ذكر الاستطراد نقول لقد تقدمت الاشارة إليه في هذا الكتاب ونزيده هنا بسطاً فنقول انه أن يبني الشاعر أو الكاتب كلاماً كثيراً على كلام من غير ذلك النوع يقطع عليه الكلام وهو مراده دون جميع ما تقدم ويعود الى كلامه الاول ، وجلّ ما يأتي تشبيها فقد استطراد في الآية الى ذكر البحرين المالح والعذب وما علق بهما من نعمته وعطائه فمن كل منهما تأكلون لحماً طرياً وهو السمك وتستخرجون حلية تلبسونها فالخاتم يجعل في الإصبع والسوار في المعصم والقلادة في العنق والخلخال في الرجل وترى الفلك في كل منهما مواخر أي شواق للماء بجريها بها ، يقال مخرت السفينة الماء ويقال للسحاب بنات مخر لأنها تمخر الهواء والسفن الذي اشتقت منه السفينة قريب من المخر لأنها تسفن الماء كأنها تقشره كما تمخره.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском