Ibn 'AdilYunus · 10:53–60

Ibn 'Adil · Tafsir · in Arabic

Yunus 10:53–60

10:53–56Page 214

۞ وَيَسۡتَنۢبِـُٔونَكَ أَحَقٌّ هُوَۖ قُلۡ إِي وَرَبِّيٓ إِنَّهُۥ لَحَقّٞۖ وَمَآ أَنتُم بِمُعۡجِزِينَ ٥٣

And they ask information of you, [O Muḥammad], "Is it true?" Say, "Yes, by my Lord. Indeed, it is truth; and you will not cause failure [to Allāh]."

وَلَوۡ أَنَّ لِكُلِّ نَفۡسٖ ظَلَمَتۡ مَا فِي ٱلۡأَرۡضِ لَٱفۡتَدَتۡ بِهِۦۗ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُاْ ٱلۡعَذَابَۖ وَقُضِيَ بَيۡنَهُم بِٱلۡقِسۡطِ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ ٥٤

And if each soul that wronged had everything on earth, it would offer it in ransom. And they will confide regret when they see the punishment; and they will be judged in justice, and they will not be wronged.

أَلَآ إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۗ أَلَآ إِنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٞ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ٥٥

Unquestionably, to Allāh belongs whatever is in the heavens and the earth. Unquestionably, the promise of Allāh is truth, but most of them do not know.

هُوَ يُحۡيِۦ وَيُمِيتُ وَإِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ ٥٦

He gives life and causes death, and to Him you will be returned.

قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ﴾ الآية.

لمَّا أخبر - تعالى - عن الكفَّار، بأنهم يقولون: ﴿متى هذا الوعد إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ وأجاب عنه بما تقدَّم، حكى عنهم: أنهم رجعُوا إلى الرَّسُول مرَّة أخرى في هذه الواقعة، وسألوه عن ذلك السُّؤال مرَّة أخرى، وقالوا: أحقٌّ هو؟ واعلم: أنهم سالوا أولاً عن زمانِ وقوعه، وههنا سألوا عن تحقُّقه في نفسه، ولهذا اختلف جوابهما.

فأجاب عن الأول، وهو السؤال عن الزمان، بقوله ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ﴾ [يونس: 49] .

وأجاب عن الثاني: بتحققه بالقسم، بقوله ﴿إِي وربي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ وفائدته أن يستميلهم ويتكلم معهم بالكلام المعتاد؛ لأنَّ الظاهر أنَّ من أخبر عن شيء، وأكَّده بالقسم، فقد أخرجه عن الهَزل إلى الجدِّ، وأيضاً: فإنَّ النَّاس طبقات: فمنهم من لا يُقِرّ بشيءٍ إلاَّ بالبرهان الحقيقيِّ، ومنهم من ينتفع بالأشياء الإقناعيَّة، نحو القسم.

قوله: «أحَقٌّ هُوَ» يجوز أن يكون «حَقٌّ» مبتدأ، و «هو» مرفوعاً بالفاعليَّة سدَّ مسدَّ الخبر، و «حَقَّ» وإن كان في الأصل مصدراً ليس بمعنى اسم فاعل ولا مفعول؛ لكنَّه في قوَّة «ثابت» فلذلك رفع الظَّاهر، ويجوز أن يكون «حقٌّ» خبراً مقدَّماً، و «هو» مبتدأ مؤخراً، واختلف في «يَسْتَنبئُونَك» هذه: هل هي متعدِّيةٌ إلى واحدٍ، أو إلى اثنين، أو إلى ثلاثة؟ .

فقال الزمخشري: «ويَسْتنْبِئُونك» ، فيقولون: أحقٌّ هو فظاهرُ هذه العبارة أنَّها متعدية لواحدٍ، وأن الجملة الاستفهايمة في محلِّ نصب بذلك القول المضمر المعطوف على «يَسْتنبئُونَك» وكذلك فهم عنه أبو حيَّان، أعني: تعدِّيها لواحدٍ.

وقال مكِّي: «أحقٌّ هو ابتداءٌ وخبرٌ في موضع المفعُولِ الثاني، إذا جعلْتَ» يستنبئونك «بمعنى: يَسْتخْبِرُونكَ، فإذا جعلتَ» يَسْتَنْبِئُونَ «بمعنى: يَسْتعْلِمُونك، كان» أحقٌّ هُوَ «ابتداء وخبراً في موضع المفعولين؛ لأنَّ» أنْبَأ «إذا كان بمعنى: أعلم، وكان متعدِّياً إلى ثلاثةِ مفاعيل، يجوزُ الاكتفاءُ بواحدٍ، ولا يجوز الاكتفاء باثنين دون الثالث، وإذا كانت» أنبأ «بمعنى: أخْبَر، تعدَّت إلى مفعولين، ولا يجوزُ الاكتفاءُ بواحد دون الثاني، وأنبأ ونبَّأ في التعدِّي سواءٌ» .

وقال ابن عطيَّة: «معناه: يَسْتخبرونك، وهو على هذا يتعدَّى إلى مفعولين أحدهما الكافُ، والآخرُ في الابتداء والخبر» فعلى ما قال، تكون «يَسْتَنْبِئُونكَ» معلَّقة بالاستفهام، وأصل استنبأ: أن يتعدَّى إلى مقعولين أحدهما ب «عَنْ» تقول: اسْتَنْبَأتُ زيداً عن عمور، أي: طلبت منه أن يُنِْئَني عن عمرو، ثمَّ قال: «والظَّاهر أنَّها تحتاج إلى ثلاثة مفاعيل أحدها الكاف، والابتداء والخبر سدَّ مسدَّ المفعولين» .

قال أبو حيَّان: «وليس كما ذكر؛ لأنَّ استعلم لا يحفظ كونها متعدِّيةٌ إلى مفاعيل ثلاثةٍ، لا يحفظ» استعملتُ زيداص عمراً قائماً «فتكون جملةُ الاستفهام سدَّت مسدَّ المفعولين، ولا يلزمُ من كونها بمعنى» يَسْتعْلمونك «أن تتعدَّى إلى ثلاثة؛ لأنَّ» استعْلَم «لا يتعدَّى إلى ثلاثةٍ، كما ذكرنا» .

وقد سبق ابن عطية إلى هذا مكِّيٌّ، كما تقدَّم عنه والظاهرُ جوازُ ذلك، ويكون التَّعدِّي إلى ثالثٍ قد حصل بالسِّين؛ لأنَّهم نصُّوا على أنَّ السِّين تعدي، فيكون الأصل: «عَلِمَ زيدٌ عمراً قائماً» ثم تقول: «اسْتعلمْتُ زيداً عمراً قائماً» إلاَّ أنَّ النحويِّين نصُّوا على أنَّه لا يتعدَّى إلى ثلاثةٍ إلاَّ «عَلِمَ» و «رأى» المنقولين بخصوصية همزةِ التعدِّي إلى ثالثٍ، وأنْبَأ، ونَبَّأ، وأخبر، وخبَّر وحدَّث، وقرأ الأعمش: «آلحقُّ» بلام التعريف، قال الزمخشري: «وهو أدخَلُ في الاستهزاء، لتضمُّنه معنى التعريض، فإنه باطلٌ؛ وذلك لأنَّ اللاًَّم للجنس، فكأنه قال: أهُو الحق لا الباطلُ، أو: أو الذي سمَّيتُمُوه الحق» والضمير، أعني: «هو» عائدٌ إمَّا على العذاب، أو على الشَّرع، أو على القرآن، أو على الوعيد، أو على أمر السَّاعة.

قوله: «إي وربِّي» «إي» حرف جوابٍ بمعنى «نعم» ولكنَّها تختصُّ بالقسم، أي: لا تُستعمل إلاَّ في القسم بخلافِ «نعم» .

قال الزمخشري: «وإي: بمعنى نعم في القسم خاصةً؛ كما كان» هَلْ «بمعنى» قَدْ «في الاستفهام خاصَّة، وسمِعْتُهُم يقولون في التَّصديق» إيْوَ «فيَصِلُونَه بواو القسم، ولا ينْطِقُون به وحده» .

قال أبو حيَّان: «لا حُجَّة فيما سمعه لعدمِ الحُجَّة في كلام من سمعهُ؛ لفسادِ كلامه وكلام من قبله بأزمانٍ كثيرة» .

وقال ابن عطيَّة: «هي لفظةٌ تتقدَّم القسم بمعنى: نعم، ويجيءُ بعدها حرفُ القسم وقد لا يجيءُ، تقول: إي وربِّي وإي رَبِّي» .

قوله: ﴿وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ يجوزُ أن تكون الحجازيَّة وأن تكون التميميَّة؛ لخفاء النَّصْبِ، أو الرفع في الخبر.

وهذا عند غير الفارسي، وأتباعه، أعني: جواز زيادة الباء في خبر التميمية، وهذه الجملة تحتمل وجهين:

أحدهما: أن تكون معطوفة على جواب القسم؛ فيكون قد أجاب القسم بجملتين؛ إحداهما: مثبتةٌ مؤكَّدةٌ ب «إنَّ واللاَّم، والأخرى: منفيةٌ مؤكَّدةٌ بزيادة الباءِ.

والثاني: أنَّها مستأنفةٌ، سيقت للإخبار بعجزهم عن التَّعجيز، و» مُعْجَِز» من أعجز، فهو متعدِّ لواحدٍ، كقوله - تعالى -: ﴿وَلَن نُّعْجِزَهُ هَرَباً﴾ [الجن: 12] فالمعفول هنا محذوفٌ، أي: بمعجزين الله، وقال الزجاج: «أي: أنتم ممَّن يُعْجِزُ من يُعذِّبُكم» ، ويجوز أن يكون استعمل استعمال اللازم؛ لأنَّه قد كثر فيه حذفُ المفعول، حتَّى قالت العرب: «أعْجَزَ فلانٌ» إذا ذهب في الأرض فلمْ يُقدر عليه، قال بعض المُفَسِّرين: المعنى: ما أنتم بمُعْجزين، أي: بفَائتينَ من العذاب؛ لأنَّ من عجز عن شيءٍ، فقد فاتهُ.

قوله - تعالى -: ﴿وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الأرض﴾ الآية.

أي: أشركت ما في الأرض، ﴿لاَفْتَدَتْ بِهِ﴾ إلاَّ أنَّ ذلك يتعذر؛ لأنه في القيامةِ لا يملك شيئاً؛ لقوله - تعالى -: ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ القيامة فَرْداً﴾ [مريم: 95] وبتقدير: أن يملك خزائن الأرض لا يقبل منه الفداء؛ لقوله - تعالى -: ﴿وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ [البقرة: 48] وقوله: «ظَلَمَتْ» في محل جرِّ صفةٍ ل «نَفْسٍ» أي: لكلِّ نفس ظالمة، و «ما فِي الأرض» اسمُ «أنَّ» و «لكلِّ» هو الخبر.

قوله: ﴿لاَفْتَدَتْ بِهِ﴾ : «افتدى» يجوز أن يكون متعدياً، وأن يكون قاصراً، فإذا كان مطاوعاً ل «فَدَى» كان قاصراً، تقول: فَدَيتُهُ فافْتَدَى، ويكُون بمعنى: فَدَى «فيتعدَّى لواحدٍ، والفعلُ هنا يحتملُ الوجهين: فإن جعلناه مُتعدِّياً، فمفعوله محذوفٌ تقديره: لافتدت به نفسها، وهو في المجاز، كقوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا﴾ [النحل: 111] .

قوله:» وَأَسَرُّواْ» قيل: «أسرَّ» من الأضداد، يستعمل بمعنى: أظهر؛ كقول الفرزدق: [الطويل]

2905 - وَلَمَّا رَأَى الحَجَّاجَ جَرَّدَ سَيْفَهُ ... أَسَرَّ الحَرُورِيُّ الَّذِي كَانَ أَضْمَرَا

وقول الآخر: [الوافر]

2906 - فأسْررتُ النَّدامَةَ يَوْمَ نَادَى ... بِرَدِّ جمالِ غاضِرَةَ المُنَادِي

ويستعمل بمعنى: «أخْفَى» وهو المشهورُ في اللُّغةِ، كقوله - تعالى -: ﴿يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [البقرة: 77] . وهو في الآية يحتمل الوجهين، وقيل إنَّه ماض على بابه قد وقع، وقيل: بمعنى: المستقبل؛ لأنَّها لمَّا كانت واجبة الوقوع جعل مستقبلها كالماضي، وقد أبعد بعضهم، فقال: ﴿وَأَسَرُّواْ الندامة﴾ أي: بدتْ بالنَّدامة أسِرَّةُ وجوههم، أي: تكاسيرُ جباههم. قوله: «لَمَّا رَأَوُاْ» يجوزُ أن تكون حرفاً، وجوابها محذوفٌ لدلالة ما تقدَّم عليه، أو هو المتقدِّم عند من يرى تقديم جواب الشَّرطِ جائزاً، ويجوز أن تكون بمعنى: «حين» والنَّاصبُ لها: «أسَرُّوا» .

فصل

إذا فسرنا الإسْرار بالإخفاء ففيه وجوهٌ:

الأول: أنهم لمَّا رَأوا العذابَ الشَّديد، صارُوا مبهُوتين، لم يطيقُوا بكاء ولا صراخاً سوى إسرار النَّدامة، كمن يذهبُ به ليُصلب، فإنَّه يبقى مبهُوتاً لا ينطق بكلمة.

الثاني: أنَّهم أسرُّوا النَّدامة من سفلتهم، وأتباعهم، حياء منهم، وخوفاً من توبيخهم.

فإن قيل: إنَّ مهابة ذلك الوقت تمنع الإنسان من هذا التَّدبير، فكيف أقدمُوا عليه؟ .

فالجواب: أنَّ هذا الكتمان قبل الاحتراق، فإذا احترقوا، تركوا هذا الإخفاء وأظهروه؛ لقوله - تعالى -: ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾ [المؤمنون: 106] .

الثالث: أنَّهم أسرُّوا النَّدامة؛ لأنَّهم أخلصُوا لله في تلك الندامة، ومن أخلص في الدعاء أسرَّهُ، وفيه تهكُّمٌ بهم وبإخلاصهم، أي: أنَّهم إنَّما أتوا بهذا الإخلاص في غير وقته.

ومن فسَّر الإسرار بالإظهار، فإنَّهم إنَّما أخفُوا النَّدامة على الكفر والفسق في الدُّنيا؛ لأجْلِ حفظ الرِّياسة، وفي القيامة يبطل هذا الغرض؛ فوجب الإظهار.

قوله «وَقُضِيَ» يجوزُ أن يكون مستأنفاً، وهو الظاهر، ويجوز أن يكون معطوفاً على «رَأوْا» فيكون داخلاً في حيَّز «لمَّا» والضَّميرُ في «بينهُم» يعودُ على «كُلِّ نفسٍ» في المعنى، وقال الزمخشري: «بين الظَّالمين والمظلومين، دلَّ على ذلك ذكرُ الظُّلْمِ» .

وقيل: يعود على الرؤساء والأتباع، و «بِالقِسْطِ» يجوز أن تكون الباءُ للمصاحبةِ، وأن تكون للآلة، وقوله: «وإليه تُرْجعُون» قدَّم الجارَّ للاختصاص، أي: إليه لا إلى غيره ترجعُون؛ ولأجْل الفواصل، وقرأ العامَّةُ: «تُرجعُون» بالخطاب، وقرأ الحسن، وعيسى بن عمر: «يُرْجعُون» بياء الغيبة.

قوله تعالى: ﴿ألاا إِنَّ للَّهِ مَن فِي السماوات وَمَنْ فِي الأرض﴾ [يونس: 66] .

قيل: تعلُّق هذه الآية بما قبلها، هو أنَّه - تعالى - لمَّا قال: ﴿وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الأرض لاَفْتَدَتْ بِهِ﴾ قال ههنا: ليس للظَّالم شيء يفتدى به؛ فإنَّ الأشياء كلَّها ملكُ الله.

وقيل: إنَّه - تعالى - لمَّا قال: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ﴾ ثم قال لهُ: ﴿قُلْ إِي وربي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ أتبعهُ بهذا البرهان القاطع على إثبات الإله القادر الحكيم، وهو قوله: ﴿ألاا إِنَّ للَّهِ مَن فِي السماوات وَمَنْ فِي الأرض﴾ [يونس: 66] فدلَّ على أنَّ ما سواه فهو مِلْكُه ومُلْكُه، ولم يذكر الدَّليل على ذلك؛ لأنَّه قد استقصى تقريرهُ في أول السورة، في قوله: ﴿إِنَّ فِي اختلاف الليل والنهار﴾ [يونس: 6] الآية، وقوله: ﴿هُوَ الذي جَعَلَ الشمس ضِيَآءً والقمر نُوراً﴾ [يونس: 5] فاكتفى بذكره هناك، وإذا كان الأمر كذلك، كان قادراً على كلِّ المُمْكناتِ، عالماً بكلِّ المعلومات، غنيّاً عن جميع الحاجات، فيكون قادراً على صحَّة الميعاد، وعلى إنزال العذاب على الكُفَّار في الدُّنيا والآخرة، وعلى إيصال الرَّحْمَة للأولياء في الدُّنيا والآخرة، ويكُون قادراً على تأييدِ رسوله بالدَّلائل القاطعة، والمعجزات الباهرة، وكان كل ما وعد به، فهو حقٌّ لا بُدَّ وأن يقع، وأنَّه منزَّهٌ عن الخلف في وعده، فلمَّا أخبر عن نُزول العذاب بهؤلاء الكُفَّار، وبحصول الحشر والنشر، وجب القطع بوقوعه، فثبت بهذا البيان أن قوله: ﴿ألاا إِنَّ للَّهِ مَا فِي السماوات والأرض﴾ يوجب الجزم بصحَّة قوله: ﴿أَلاَ إِنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ﴾ ثم قال: ﴿ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ أي: غافلُون عن هذه الدَّلائل، ثُمَّ أكد هذا الدليل بقوله: ﴿هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ أي: إنه لمَّا قدر على الإحياء في المرَّة الأولى، فإذا أماته، وجب أن يبقى قادراً على إحيائه ثانياً؛ فظهر أمرهُ لنبيه بأن يقول: ﴿إِي وربي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ .

قوله

10:57–58Page 215

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدۡ جَآءَتۡكُم مَّوۡعِظَةٞ مِّن رَّبِّكُمۡ وَشِفَآءٞ لِّمَا فِي ٱلصُّدُورِ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٞ لِّلۡمُؤۡمِنِينَ ٥٧

O mankind, there has come to you instruction from your Lord and healing for what is in the breasts and guidance and mercy for the believers.

قُلۡ بِفَضۡلِ ٱللَّهِ وَبِرَحۡمَتِهِۦ فَبِذَٰلِكَ فَلۡيَفۡرَحُواْ هُوَ خَيۡرٞ مِّمَّا يَجۡمَعُونَ ٥٨

Say, "In the bounty of Allāh and in His mercy - in that let them rejoice; it is better than what they accumulate."

- تعالى

-: ﴿يا أيها الناس قَدْ جَآءَتْكُمْ مَّوْعِظَةٌ﴾ الآية.

اعلم: أنَّه - تعالى - لمَّا بيَّن أنَّ الرسول حقٌّ وصدقٌ بظهور المعجزات على يديه، في قوله: ﴿وَمَا كَانَ هذا القرآن أَن يفترى مِن دُونِ الله﴾ [يونس: 37] إلى قوله ﴿إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [يونس: 38] وصف القرآن هنا بصفاتٍ أربع:

أولها: كونه موعظة.

وثانيها: كوه شفاءً لما في الصُّدُور.

وثالثها: كونه هُدًى.

ورابعها: كونه رحمة للعالمين.

قوله: «مِّن رَّبِّكُمْ» يجوز أن تكون «مِنْ» لابتداء الغاية، فتتعلَّق حينئذٍ ب «جَآءَتْكُمْ» ، وابتداءُ الغايةِ مجازٌ، ويجوز أن تكون للتَّبعيض، فتتعلق بمحذوف على أنَّها صفةٌ ل «موعظة» أي: موعظةٌ كائنةٌ من مواعظ ربِّكُم.

وقوله: ﴿مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَآءٌ لِّمَا فِي الصدور وَهُدًى وَرَحْمَةٌ﴾ من باب ما عطف فيه الصِّفات بعضها على بعضٍ، أي: قد جاءتكم موعظةٌ جامعةٌ لهذه الأشياء كلِّها، و «شِفَاءٌ» في الأصل مصدرٌ جعل وصفاً مبالغة، أو هو اسمٌ لما يُشْفَى به، أي: يُداوى، فهو كالدَّواءِ لما يُدَاوى، و «لِمَا في الصُّدورِ» يجوز أن يكون صفةً ل «شِفَاء» فيتعلق بمحذوفٍ، وأن تكون اللامُ زائدةً في المفعول؛ لأنَّ العامل فرعٌ إذا قلنا بأنَّه مصدرٌ.

وقوله: «لِلْمؤمنينَ» محتملٌ لهذين الوجهين، وهو من التَّنازُع؛ لأنَّ كلاًّ من الهُدَى والرحمة يطلبُه.

فصل

أمَّا كون القرآن موعظةً؛ فلاشتماله على المواعظِ والقصص، وكونه شفاءً، أي: دواءً، لجهل ما في الصُّدورِ، أي: شفاء لعمى القُلُوب، والصُّدُور موضعُ القلب، وهو أعز موضع في الإنسان لجواز القلب، قال - تعالى -: ﴿فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي فِي الصدور﴾ [الحج: 46] وكونه هُدًى، أي: من الضَّلالة، ﴿وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ ، والرَّحْمَة: هي النعمة على المحتاج؛ فإنَّه لو أهدى ملكٌ إلى ملك شيئاً، فإنَّه لا يقال رحمة وإن كان ذلك نعمة؛ فإنَّه لم يصنعها إلى المحتاج.

قوله: ﴿قُلْ بِفَضْلِ الله وَبِرَحْمَتِهِ﴾ : في تعلٌُّ هذا الجارِّ أوجهٌ:

أحدها: أنَّ «بِفَضْلِ» و «بِرَحْمتهِ» متعلقٌ بمحذوفٍ، تقديره: بفضل الله وبرحمته ليفرحُوا، فبذلك فليَفْرَحُوا، فحذف الفعل الأول؛ لدلالة الثاني عليه، فهما جملتان.

ويدلُّ على ذلك قول الزمخشري: «أصلُ الكلام: بفَضْلِ الله وبرحمته، فليفرحوا، فبذلك فليفرحوا، والتَّكرير للتَّأكيد، والتَّقرير، وإيجاب اختصاص الفضل والرحمة بالفرح دون ما عداهما من فوائد الدنيا، فحذف أحدُ الفعلين؛ لدلالةِ المذكور عليه، والفاءُ داخلةٌ لمعنى الشَّرطِ، كأنَّه قيل: إن فرحُوا بشيءٍ، فليَخُصُّوهُمَا بالفرح، فإنَّه لا مفروح به أحق منهما» .

الثاني: أنَّ الجارَّ الأول متعلِّقٌ أيضاً بمحذوفٍ دلَّ عليه السِّياقُ والمعنى، لا نفس الفعل الملفوظ به، والتقديرُ: بفضل الله وبرحمته، فليعتنُوا، فبذلك فليَفْرَحُوا، قاله الزمخشري.

الثالث: أن يتعلَّق الجارُّ الأوَّل ب «جَاءَتكُم» قال الزمخشري: «ويجوز أن يراد: قد جاءتكم موعظةٌ بفضلِ الله وبرحمتهِ، فبذلك فليفرحوا، أي: فَبِمجِيئهما فليَفْرَحُوا» .

قال أبو حيَّان: «أمَّا إضمار» فليَعْتنُوا «فلا دليل عليه» . قال شهاب الدِّين: «الدَّلالةُ عليه من السِّياق واضحةٌ، وليس شرطُ الدَّلالةِ أن تكون لفظيَّة» .

وقال أبو حيَّان: وأمَّا تعلُّقُه بقوله: «قَدْ جَاءتُكم» فينبغي أن يُقدَّرَ محذوفاً بعد «قُلْ» ، ولا يكونهُ متعلِّقاً ب «جَاءَتْكُم» الأولى؛ للفَصْل بينهما ب «قُلْ» ، وهذا إيراد واضحٌ، ويجُوزُ أن يكون «بِفَضْلِ اللهِ» صفةً ل «مَوْعِظَة» أي: موعظةٌ مصاحبةٌ، أو ملتبسةٌ بفضل اللهِ.

الرابع: قال الحوفيُّ: «الباءُ متعلِّقةٌ بما دلَّ عليه المعنى، أي: قد جاءتكم الموعظة بفضل الله» .

الخامس: أنَّ الفاء الأولى زائدةٌ، وأنَّ قوله: «بذلك» بدلٌ ممَّا قبله، وهو «بِفَضْلِ الله وبرحمتهِ» وأُشير بذلك إلى اثنين؛ كقوله: ﴿لاَّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذلك﴾ [البقرة: 68] .

وقوله: [الرمل]

2907 - إنَّ للخَيْرِ وللشَّرِّ مدًى ... وكِلاَ ذلكَ وجْهٌ وقَبَلْ

وفي هاتين الفاءين أوجهٌ:

أحدها: أنَّ الأولى زائدةٌ، وقد تقدَّم في الوجه الخامس.

الثاني: أنَّ الفاء الثانية مكررةٌ للتَّوكيد، فعلى هذا لا تكونُ الأولى زائدةً، ويكون أصل التَّركيب: فبذلك ليفرحوا، وعلى القول الأول قبلهُ يكون أصلُ التَّركيب: بذلك فليَفْرَحُوا.

الثالث: قال أبو البقاء: الفاءُ الأولى مرتبطةٌ بما قبلها، والثانيةُ بفعلٍ محذوفٍ، تقديره: فليَعْجَبُوا بذلك فليَفْرَحُوا؛ كقولهم: زيداً فاضربه، أي: تعمَّد زيداً فاضربه والجمهورُ على «فَلْيَفْرَحُوا» بياء الغيبة.

وقرأ عثمان بن عفان، وأبيُّ، وأنس، والحسن، وأبو جراء، وابن هرمز، وابن سيرين: بتاء الخطاب، وهي قراءةُ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، قال الزمخشري: «وهو الأصلُ والقياسُ» .

قال أبو حيَّان: «إنَّها لغةٌ قليلة» .

يعنى أنَّ القياسَ أن يُؤمَرَ المخاطب بصيغةِ «افعل» ، وبهذا الأصل قرأ أبيُّ: «فَافْرَحُوا» وهي في مصحفه كذلك، وهذه قاعدةٌ كُلِّيَّةٌ: وهي أنَّ الأمر باللاَّم يكثر في الغائب، والمخاطب المبنيِّ للمفعول، مثال الأول: «لِيقم زيدٌ» وكالآية الكريمة في قراءة الجمهور، ومثال الثاني: لِتُعْنَ بحاجتي، ولتضرب يا زيد، فإن كان مبنياً للفاعل، كان قليلاً؛ كقراءة عثمان، ومن معه، وفي الحديث: «لتأخُذُوا مصافَّكُم» بل الكثير في هذا النَّوْع الأمرُ بصيغة «افْعَلْ» نحو: قُمْ يا زيد، وقوموا، وكذلك يضعف الأمر باللاَّم للمتكلم وحدهُ، أو معه غيره، فالأول نحو: «لأقُمْ» تأمر نفسك بالقيام، ومنه قوله - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - «قُومُوا فلأصَلَّ لكُم» ومثال الثاني: لِنَقُمْ، أي: نحن، وكذلك النَّهْي؛ ومنه قول الشَّاعر: [الكامل]

2908 - إذَا ما خَرَجْنَا مِنْ «دِمشْقَ» فلا نَعُدْ ... لهَا أبَداً ما دَامَ فِيهَا الجُرَاضِمُ

ونقل ابنُ عطيَّة، عن ابن عامر: أنَّه قرأ: «فَلتَفْرَحُوا» خطاباً، وهذه ليست مشهورة عنه. وقرأ الحسن، وأبو التياح: «فَليَفْرَحُوا» بكسر اللام، وهو الأصل.

قوله: ﴿هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ «هو» عائدٌ على الفضل والرَّحْمَةِ، وإن كانا شيئين؛ لأنَّهُمَا بمعنى شيء واحد، عُبِّر عنه بلفظتين على سبيل التأكيد؛ ولذلك أشير إليهما بإشارة واحدةٍ.

وقرأ ابن عامر: «تَجْمَعُون» بتاء الخطاب، وهو يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون من باب الالتفات، فيكون في المعنى كقراءة الجماعة، فإنَّ الضَّمير يُراد من يُرادُ بالضَّمير في قوله: «فَلْيَفْرَحُوا» .

والثاني: أنَّه خطاب لقوله: ﴿يا أيها الناس قَدْ جَآءَتْكُمْ﴾ وهذه القراءةُ تناسبُ قراءة الخطاب في قوله «فَلْيَفْرَحُوا» كما نقلها ابنُ عطيَّة عنه أيضاً.

فصل

قال مجاهد وقتادةُ: فضل الله: الإيمان، ورحمته: القرآن. وقال أبو سعيدٍ الخُدريُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: فضل الله: القرآن، ورحمته أن جعلنا من أهله.

وقال ابن عمر: فضلُ الله: الإسلام، ورحمته: تزيينهُ في القلب، وقال خالدُ بن معدان: فضلُ الله: الإسلام، ورحمته: السُّنَن.

وقيل: فضل الله: الإيمان، ورحمته: الجنَّة، ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ﴾ أي: لِيَفْرَحِ المؤمنون أن جعلهم من أهله، ﴿هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ أي: خير ممَّا يجمعه الكُفَّار من الأموالِ؛ لأنَّ الآخرة خيرٌ وأبْقَى، وما كان عند الله، فهو أولى بالطَّلب.

10:59–60Page 215

قُلۡ أَرَءَيۡتُم مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ لَكُم مِّن رِّزۡقٖ فَجَعَلۡتُم مِّنۡهُ حَرَامٗا وَحَلَٰلٗا قُلۡ ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمۡۖ أَمۡ عَلَى ٱللَّهِ تَفۡتَرُونَ ٥٩

Say, "Have you seen what Allāh has sent down to you of provision of which you have made [some] lawful and [some] unlawful?" Say, "Has Allāh permitted you [to do so], or do you invent [something] about Allāh?"

وَمَا ظَنُّ ٱلَّذِينَ يَفۡتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضۡلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَشۡكُرُونَ ٦٠

And what will be the supposition of those who invent falsehood about Allāh on the Day of Resurrection?1 Indeed, Allāh is the possessor of bounty for the people, but most of them are not grateful.

قوله - تعالى - ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّآ أَنزَلَ الله لَكُمْ مِّن رِّزْقٍ﴾ الآية.

قال ابن الخطيب: ذكر النَّاسُ في تعلُّقِ هذه الآية بما قبلها وجوهاً، ولا أستحسن واحداً منها. والذي يخطر بالبال وجهان:

الأول: أنَّ المقصود من هذا الكلام ذكر طريق ثالث في إثبات النبوة، وذلك أنَّه - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - قال للقوم: «إنَّكُم تحكُمُون بحلِّ بعض الأشياء، وحرمة بعضها، فهذا الحكم تقولونه افتراءً على الله، أم تعلمُون أنَّهُ حكمٌ حَكَمَ اللهُ به» ؛ والأول باطلٌ بالاتِّفاق، فلم يبقَ إلاَّ الثَّاني، ومن المعلُوم أنَّه - تعالى - ما خاطبكم به من غير واسطةٍ، ولمَّا بطل هذا، ثبتَ أنَّ هذه الأحكام إنَّما وصلتْ إليكم بقول رسولٍ أرسله الله إليكم، ونبيِّ بعثهُ الله إليكم، وذلك يدلُّ على اعترافكم بصحَّةِ النبوة والرِّسالة، فكيف تُبالغُوا هذه المبالغاتِ العظيمةِ في إنكار النبوة؟ .

الوجه الثاني: أنه - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - لمَّا ذكر الدَّلائل الكثيرة على صحَّة نبوَّة نفسه، وبيَّن فساد سؤالاتهم، وشبهاتهم في إنكارها، أتبع ذلك ببيان فساد طريقتهم في شرائعهم وأحكامهم، وبيَّن أنَّ التمييز بين هذه الأشياء بالحلِّ والحرمةِ، مع أنَّه لم يشهد بذلك لا عقلٌ ولا نقلٌ، فدل على أنَّه طريق باطلٌ، وأنَّهم ليسُوا على شيءٍ.

قوله: «أَرَأَيْتُمْ» : هذه بمعنى: «أخْبرُوني» . وقوله: «ما أنزلَ» يجُوز أن تكُون «مَا» موصولةً بمعنى: «الَّذي» ، والعائد محذوفٌ، أي: ما أنزله، وهي في محلِّ نصبٍ مفعولاً أولاً، والثاني هو الجملة من قوله: ﴿ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ﴾ ؟ والعائدُ من هذه الجملة على المفعول الأولِ محذوفٌ، تقديره: آلله أذن لكم فيه؛ واعترض على هذا: بأنَّ قولهُ «قُلْ» يمنع من وقوع الجملة بعده مفعولاً ثانياً.

وأجيب عنه: بأنَّه كُرِّرَ توكيداً، ويجوز أن تكون «مَا» استفهاميَّة منصوبة المحلِّ ب «أنزل» وهي حينئذٍ معلَّقةٌ ل «أرأيْتُم» وإلى هذا ذهب الحوفيُّ، والزمخشريُّ، ويجوز أن تكون «ما» الاستفهاميَّةُ في محلِّ رفع بالابتداء، والجملةُ من قوله: ﴿ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ﴾ خبره، والعائدُ محذوفٌ كما تقدَّم، أي: أذن لكم فيه، وهذه الجملة الاستفهاميةُ معلِّقةٌ ل «أرَأيْتُم» ، والظاهرُ من هذه الأوجه هو الأول؛ لأنَّ فيه إبقاءاً ل «أرَأيْتَ» على بابها من تعدِّيها إلى اثنين، وأنَّها مؤثِّرةٌ في أولهما بخلاف جعل «ما» استفهامية، فإنَّها مُعلِّقةٌ ل «أرأيت» وسادَّةٌ مسدَّ المفعولين.

قوله: «مِنْ رزقٍ» : يجوز أن يكون حالاً من الموصولٍ، وأن تكون «مِنْ» : لبيان الجنس، و «أنْزَلَ» على بابها، وهو على حذف مضافٍ، أي: أنزله من سبب رزقٍ وهو المطرُ، وقيل: تُجوِّز بالإنزال علن الخلق، كقوله:

﴿وَأَنزْلْنَا الحديد﴾ [الحديد: 25] ﴿وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ الأنعام﴾ [الزمر: 6] .

قوله: ﴿أَمْ عَلَى الله تَفْتَرُونَ﴾ في «أم» هذه وجهان:

أحدهما: أنها متصلةٌ عاطفةٌ، تقديره: أخبروني: آللهُ أذِنَ لكم في التحليل والتحريم، فإنكم تفعلون ذلك بإذنه، أم تكذبُون على الله في نسبة ذلك إليه.

والثاني: أن تكون منقطعةً.

قال الزمخشري: «ويجوز أن تكون الهمزةُ للإنكارِ، و» أمْ «منقطعةٌ بمعنى: بل أتَفْتَرُونَ على الله، تقريراً للافتراء» والظَّاهرُ هو الأولُ؛ إذ المعادلةُ بين الجملتين اللتين بمعنى المفرد واضحةٌ، إذ التقدير: أيُّ الأمرين وقع إذن الله لكم في ذلك، أم افتراؤكم عليه؟ .

فصل

المراد بالشَّيء الذي جعلوه حراماً: ما ذكروه من تحريم السائبة، والوصيلة، والحام، وقولهم ﴿هذه أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ﴾ [الأنعام: 138] ﴿وَجَعَلُواْ للَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الحرث والأنعام نَصِيباً﴾ [الأنعام: 36] ، وقولهم: ﴿مَا فِي بُطُونِ هذه الأنعام خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ على أَزْوَاجِنَا﴾ [الأنعام: 139] وقولهم: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مَّنَ الضأن اثنين﴾ [الأنعام: 143] ويدلُّ على ذلك: أنَّ قوله: ﴿فَجَعَلْتُمْ مِّنْهُ حَرَاماً وَحَلاَلاً﴾ إشارة إلى أمر تقدَّم منهم، ولمْ يحكِ الله - تعالى - عنهم إلاَّ هذا؛ فوجب توجيه الكلام إليه، ثم لمَّا حكى تعالى ذلك عنهم، قال لرسوله: ﴿قُلْءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى الله تَفْتَرُونَ﴾ وهذه قسمةٌ صحيحةٌ؛ لأنَّ هذه الأحكام: إمَّا أن تكون من الله - تعالى -، أو لم تكن، فإن كانت من الله فهو المراد بقوله: ﴿ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ﴾ وإنْ كانت ليست من الله، فهو المراد بقوله: ﴿أَمْ عَلَى الله تَفْتَرُونَ﴾ .

فصل

استدلَّ نفاةُ القياس بهذه الآية على بُطلان القياس.

قال القرطبيُّ: «وهو بعيدٌ؛ لأنَّ القياس دليلُ قول الله - تعالى -؛ فيكون التَّحْليل والتَّحريم من الله - تعالى -، عند وجود دلالة نصبها الله تعالى على الحكم، فإن خالف في كون القياس دليلاً لله - تعالى -، فهو خروجٌ عن هذا الغرض، ورجوعٌ إلى غيره» .

قوله: ﴿وَمَا ظَنُّ الذين يَفْتَرُونَ﴾ : «ما» مبتدأة استفهامية، و «ظَنَّ» خبرها، و «يَوْمَط منصوبٌ بنفس الظنِّ، والمصدر مضافٌ لفاعله، ومفعولا الظن محذوفان، والمعنى: وأيُّ شيءٍ يظُنُّ الذين يفترون يوم القيامة أنِّي فاعلٌ بهم: أأنجيهم من العذاب، أم أنتقمُ منهم؟ وقيل: أيحْسَبُون أنَّ الله لا يؤاخذهم به، ولا يعاقبهم عليه، والمراد منه: تعظيم وعيد من يفتري، وقرأ عيسى بن عمر:» وما طَنَّ الذين» جعله فعلاً ماضياً، والموصولُ فاعله، و «ما» على هذه القراءة استفهاميَّة أيضاً في محلِّ نصب على المصدر، وقُدِّمتْ لأنَّ الاستفهام لهُ صدرُ الكلام، والتقدير: أيَّ ظنَّ المفترون، و «مَا» الاستفهاميَّةُ قد تنُوبُ عن المصدرِ؛ ومنه قول الشاعر: [البسيط]

2909 - مَاذَا يَغِيرُ ابْنَتَيْ رَبْعٍ عوِيلُهُمَا ... لا تَرْقُدان ولا بُؤسى لِمَنْ رَقَدَا وتقول: «ما تَضْرب زَيْداً» ، تريد: أيَّ ضربٍ تضربه، قال الزمخشريُّ: «أتى به فعلاً ماضياً؛ لأنَّه واقعٌ لا محالة، فكأنَّهُ قد وقع وانقضى» . وهذا لا يستقيم هنا؛ لأنَّه صار نصّاً في الاستقبال لعمله في الظرف المستقبل، وهو يومُ القيامة، وإن كان بلفظ الماضي، ثم قال: ﴿إِنَّ الله لَذُو فَضْلٍ عَلَى الناس﴾ بإعطاء العقل، وإرسال الرُّسُل، ﴿ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ﴾ لا يستعملُون العقل في تأمل دلائل الله، ولا يقبلون دعوة أنبياءِ الله، ولا ينتفعُون باستماع كلام الله.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском