Ibn 'AdilHud · 11:110–115

Ibn 'Adil · Tafsir · in Arabic

Hud 11:110–115

11:110–115Page 234

وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ فَٱخۡتُلِفَ فِيهِۚ وَلَوۡلَا كَلِمَةٞ سَبَقَتۡ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيۡنَهُمۡۚ وَإِنَّهُمۡ لَفِي شَكّٖ مِّنۡهُ مُرِيبٖ ١١٠

And We had certainly given Moses the Scripture, but it came under disagreement. And if not for a word1 that preceded from your Lord, it would have been judged between them. And indeed they are, concerning it [i.e., the Qur’ān], in disquieting doubt.

وَإِنَّ كُلّٗا لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمۡ رَبُّكَ أَعۡمَٰلَهُمۡۚ إِنَّهُۥ بِمَا يَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ ١١١

And indeed, each [of the believers and disbelievers] - your Lord will fully compensate them for their deeds. Indeed, He is Aware of what they do.

فَٱسۡتَقِمۡ كَمَآ أُمِرۡتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطۡغَوۡاْۚ إِنَّهُۥ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ ١١٢

So remain on a right course as you have been commanded, [you] and those who have turned back with you [to Allāh], and do not transgress. Indeed, He is Seeing of what you do.

وَلَا تَرۡكَنُوٓاْ إِلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِنۡ أَوۡلِيَآءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ ١١٣

And do not incline toward those who do wrong, lest you be touched by the Fire, and you would not have other than Allāh any protectors; then you would not be helped.

وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ طَرَفَيِ ٱلنَّهَارِ وَزُلَفٗا مِّنَ ٱلَّيۡلِۚ إِنَّ ٱلۡحَسَنَٰتِ يُذۡهِبۡنَ ٱلسَّيِّـَٔاتِۚ ذَٰلِكَ ذِكۡرَىٰ لِلذَّٰكِرِينَ ١١٤

And establish prayer at the two ends of the day and at the approach of the night. Indeed, good deeds do away with misdeeds. That is a reminder for those who remember.

وَٱصۡبِرۡ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجۡرَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ١١٥

And be patient, for indeed, Allāh does not allow to be lost the reward of those who do good.

قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا موسى الكتاب فاختلف فِيهِ﴾ الآية.

لمَّا بيَّن إصرار كُفَّار مكَّة على إنكارِ التَّوحيدِ، وبيَّن إصرارهم على إنكار نُبُوَّةِ محمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وتكذبيهم بكتابة، بيَّن أنَّ هؤلاء الكُفَّار كانوا على هذه السيرة الفاجرةِ، مع كل الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام -، وضرب لذلك مثلاً، وهي إنزالُ التوراة على موسى فاختلفوا فيه فقبله بعضهم وأنكره بعضهم، وذلك يدلُّ على أنَّ عادة الخلق هكذا.

قوله: ﴿فاختلف فِيهِ﴾ أي: في الكتابِ، و «في» على بابها من الظَّرفية، وهو هنا مجاز، أي: في شأنه. وقيل: هي سببية، أي: هو سببُ اختلافهم، كقوله تعالى: ﴿يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾ [الشورى: 11] أي: يُكثِّرهم بسببه. ومعنى اختلافهم فيه: أي: فمن مصدق به ومكذب كما فعل قومك بالقرآن، يُغَزِّي نبيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.

وقيل: «فِي» بمعنى «عَلَى» ويكون الضًَّمير لموسى - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - أي: فاختلف عليه «ولْولاَ كملةٌ سبقتْ من ربِّكَ» في تأخير العذاب عنهم: «لقُضِيَ بينَهُم» أي: لعذَّبُوا في الحالِ، لكن قضاؤه أخَّر ذلك عنهم في دنياهم.

وقيل: معناه أنَّ الله إنَّما يحكم بين المختلفين يوم القيامة، وإلاَََّ لكان الواجب تمييز المُحقِّ من المبطل في دار الدنيا.

وقيل: المعنى ولولا أنَّ رحمته سبقت غضبه، وإلاَّ لقضي بينهم. ثم قال: ﴿وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ﴾ يعني أنَّ كفَّار مكَّة لفي شكِّ من هذا القرآن «مُريبٍ» من أراب إذا حصل الرِّيب لغيره، أو صار هو في نفسه ذا رَيْب، وقد تقدَّم.

قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ كُلاًّ لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُم﴾ الآية.

هذه الآية الكريمة ممَّا تكلم النَّاس فيها وحديثاً، وعسر على أكثرهم تلفيقها وتخريجاً فقرأ نافع وابن كثير وأبو بكر عن عاصم «وإنْ» بالتخفيف، والباقون بالتشديد. وأمَّا «لمّا» فقرأها مشدَّدةً هنا وفي «يس» وفي سورة الزخرف، وفي سورة الطارق، ابن عامر وعاصمٌ وحمزة، إلاَّ أنَّهُ عن ابن عامر في الزخرف خلافاً، فروى عنه هشامٌ وجهين، وروى عنه ابن ذكوان التخفيف فقط، والباقون قرءوا جميع ذلك بالتخفيف، وتلخَّص من هذا أنَّ نافعاً وابن كثير قرأ «وإنْ» و «لمَا» مخففتين، وأنَّ أبا بكر عن عاصم خفَّف «إنْ» وثقَّل «لمَّا» وأنَّ ابن عامر وحمزة حفصاً عن عاصم شدَّدُوا «إنَّ» و «لمَّا» معاً، وأن أبا عمرو والكسائي شدَّدَا «إنَّ» وخففا «لما» فهذه أربعُ مرات للقراءة في هذين الحرفين، هذا في المتواتر.

وأمَّا في الشَّاذ فقد قرئ أربعُ قراءاتٍ أخر:

إحداهما: قراءة أبي والحسن وأبان بن تغلب «وإنْ كلٌّ» بتخفيفها، ورفع «كل» ، و «لمَّا» بالتشديد.

الثانية: قراءة اليزيدي وسليمان بن أرقم «لمَّا» مشددة منونة، لمْ يتعرَّضُوا لتخفيف «إنَّ» ولا تشديدها.

الثالثة: قراءة الأعمش وهي في حرف ابن مسعود كذلك: «وإنْ كلٌّ» بتخفيف «إن» ورفع «كل» .

الرابعة: قال أبو حاتم: الذي في مصحف أبي «وإنْ من كلّ إلاَّ ليُوفِّينهُمْ» وقد اضطرب الناسُ فيه اضطراباً كثيراً، حتى قال أبو شامة وأمّا هذه الآية فمعناها على هذه القراءات من أشكل الآيات؛ قال شهاب الدين فأمَّا قراءةُ الحرميين ففيها إعمال «إن» المخففة، وهي لغةٌ ثانيةٌ عن العرب. قال سيبويه: «حدَّثنا من نثقُ به أنَّه سمع من العرب من يقول: «إنْ عمراً لمُنْطلقٌ» ؛ كما قالوا: [الهزج] .

3020 - ... ... ... ... ... ... ... كَانْ ثَدْيَيْهِ حُقَّان

قال: وَوَجْهُه من القياس: أنَّ» إنْ «مُشبهةٌ في نصبها بالفعل، والفعلُ يعمل محذُوفاً كما يعمل غير محذوفٍ، نحو:» لَمْ يكُ زيداً مُنطلقاً «» فلا تكُ في مريةٍ «وكذلك: لا أدْر.

قال شهابُ الدٍّين: وهذا مذهبُ البصريين، أعني: أنَّ هذه الأحرف إذا خُفِّف بعضها جاز أن تعمل، وأن تهمل ك:» إنْ «والأكثرُ الإهمالُ، وقد أجمع عليه في قوله: ﴿وَإِن كُلٌّ لَّمَّا جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ [يس: 32] وبعضها يجبُ إعماله ك» أنْ «بالفتح، و» كأنْ» ولكنَّهُما لا يعملان في مظهر ولا ضمي بارز إلا ضرورة، وبعضها يجب إهماله عند الجمهور ك «لكن» .

وأمَّا الكوفيون فيُوجبون الإهمال في «إن» المخففةِ، والسَّماعُ حُجَّةٌ عليهم؛ بدليل هذه القراءة المتواترة؛ وقد أنشد سيبويه على إعمال هذه الحروف مخففة قول الشَّاعر: [الطويل]

3021 - ... ... ... ... ..... كَأنْ طبيةٌ تَعْطُو إلى وِارقِ السَّلم

وقال الفراء: لم نسمع العربَ تُخفِّفُ وتعملُ إلا مع المكنيِّ؛ كقوله: [الطويل]

3022 - فلو أنْكِ في يومِ الرَّخاءِ سألتني ... طلاقكِ لمء أبْخَلْ وأنتِ صديقُ

قال: «لأنَّ المكني لا يظهرُ فيه إعرابٌ، وأمَّا مع الظاهر فالرفع» وقد تقدَّم ما أنشدهُ سيبويه، وقول الآخر: [الرجز]

3023 - كأنْ وريديهِ رشاءُ خُلْبِ ... الرَّشاء: الحَبْلُ. والخُلْبُ: اللِّيفُ هذا ما يتعلق ب «إنْ» .

وأمَّا» لما «في هذه القراءة فاللاَّمُ فيها هي لامُ» إنْ «الدَّاخلةُ في الخبر،» ومَا «يجوز أن تكون موصولة بمعنى» الذي «واقعةً على ما يعقلُ، كقوله تعالى: ﴿فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النسآء﴾ [النساء: 3] ، فأوقع» ما «على العاقل، واللاَّمُ في» ليُوفِّينَّهُمْ «جوابُ قسم مضمر، والجملةُ من القسم وجوابه صلةٌ للموصولِ، والتقديرُ: وإن كلاًّ للذين والله ليُوفِّينَّهُمْ، ويجوز أن تكون» ما «نكرةً موصوفة، والجملة القسمية وجوابها صفةٌ ل» ما «والتقدير وإنْ كلاًّ لخلقٌ أو لفريقٌ والله ليوفينَّهم.

والموصولُ وصلته أو الموصوفُ وصفته خبرٌ ل» إنْ» .

وقال بعضهم: اللاَّمُ الأولى هي الموِّطئة للقسم، ولمَّا اجتمع اللاَّمان واتفقا في اللفظ فصل بينهما ب «ما» ، كما فصل بالألف بين النُّونين في «يَضْربانِّ» وبين الهمزتين؛ نحو: آأنْت، فظاهرُ هذه العبارة أنَّ «ما» هنا زائدٌ جيء بها للفصل، إصلاحاً للفظ، وعبارةُ الفارسي مؤذنةٌ بهذا، إلاَّ أنَّهُ جعل اللاَّم الأولى لام «إنْ» فقال: العُرْفُ أن تدخل لام الابتداء على الخبرِ، والخبرُ هنا هو القسمُ، وفيه لامٌ تدخل على جوابه، فلمَّا اجتمع اللاَّمان، والقسمُ محدوفٌ واتفقا في اللفظ وفي تلقي القسم، فصلوا بينهما ب «مَا» كما فصلُوا بين «إنَّ» واللاَّم وقد صرَّح الزمخشريُّ بذلك فقال: واللاَّم في «لما» موطئةٌ للقسم، و «ما» مزيدةٌ.

وقال أبُو شامة: واللاَّمُ في «لما» هي الفارقةُ بين المخفَّفةِ من الثقيلة والنَّافية. وفي هذا نطرٌ؛ لأنَّ الفارقة إنَّما يؤتى بها عند التباسها بالنَّافية، والالتباسُ إنَّما يجيءُ عند إهمالها؛ نحو: إن زيدٌ لقائمٌ وهي في الآية الكريمة معملةٌ، فلا التباسَ بالنَّافية، فلا يقال: إنَّها فارقةٌ.

فتلخص في كلِّ من «اللاَّم» ، و «ما» ثلاثة أوجه:

أحدهما: في اللام أنها للابتداء الدَّاخلةِعلى خبر «أن» .

الثاني: لام موطئة للقسم.

الثالث: أنها جواب القسم كررت تأكيداً. وأحدهما في «ما» : أنها موصولة. الثاني: أنها نكرة الثالث: أنها مزيدة للفصل بين اللاَّمين. وأمَّا قراءة أبي بكر ففيها أوجه:

أحدهما: قولُ الفرَّاءِ وجماعة من نحاة البصرة، والكوفة، وهو أنَّ الأصل «لمِنْ مَا» بكسر الميم على أنَّها «مِنْ» الجارة، دخلت على «ما» الموصولة، أو الموصوفة، كما تقرَّر، أي: لمن الذين الله ليوفِّينَّهُم، أو لمنْ خلقٍ والله ليوفِّينَّهُمْ، فلمَّا اجتمعت النونُ ساكنة قبل ميم: «ما» وجب إدغامها؛ فقُلبتُ ميماً وأدغمت، فصار اللفظ اللفظ ثلاثة أمثال، فخففت الكلمة بحذف إحداها، فصار اللفظ كما ترى «لمَّا» قال نصر بن علي الشيرازي: «وصل» مِنْ «الجارَّة ب» مَا «فانقلبت النُّونُ أيضاً ميماً للإدغام، فاجتمعت ثلاثُ ميمات، فحذفت إحداهُنَّ فبقى» لمَّا «بالتشديد» . قال: و «ما» هنا بمعنى «مَنْ» وهو اسمٌ لجماعة النَّاسِ، كما قال تعالى: ﴿فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النسآء﴾ [النساء: 3] أي: من طاب، والمعنى: وإنْ كلاًّ من الذين ليوفينَّهم ربُّك أعمالهم، أو جماعة ليوفِّينَّهُم ربُّك أعمالهم.

وقد عيَّن المهدويُّ الميم المحذوفة فقال: «حذفت الميم المكسورة، والتقدير: لمنْ خلق ليوفينَّهم» .

الثاني: قول المهدويّ ومكي: أن يكون الأصل: «لمَنْ مَا» بفتح ميم: «مَنْ» على أنَّها موصولة، أو موصوفة، و «ما» بعدها مزيدةٌ، قال: فقلبت النون ميماً، وأدغمت في الميم التي بعدها، فاجتمع ثلاثُ ميماتن فحذفت الوسطى منهنَّ، وهي المبدلةُ من النون، فقيل: «لمَّا» قال مكي والتقديرُ: وإن كلاًّ لخلقٌ لوفينَّهُم ربك أعمالهم، فترجعُ إلى معنى القراءة الأولى بالتخفيف، وهذا الذي حكاه الزجاج عن بعضهم فقال: زعم بعضُ النَّحويين أن اصلهُ «لمَنْ مَا» ثُم قلبت النُّونُ ميماً، فاجتمعت ثلاثُ ميمات فحذفت الوسطى قال: وهذا القولُ ليس بشيءٍ؛ لأنَّ «مَنْ» لايجوزُ بعضها؛ لأنَّها اسمٌ على حرفين.

وقال النحاسُ: قال أبو إسحاق: هذا خطأ؛ لأنَّهُ تحذف النونُ من «مَنْ» فيبقى حرفٌ واحد وقد ردَّه الفارسيُّ أيضاً فقال: إذ لم يقو الإدغام على تحريك السَّاكن قبل الحرفِ المدغم في نحو: «قدم مالك» فأن لا يجوز الحذفُ أجدرُ قال: على أنَّ في هذه السورة ميماتٍ اجتمعتْ في الإدغام أكثر ممَّا كانت تجتمع في «لمنْ مَا» ولمْ يحذف منها شيءٌ، وذلك في قوله تعالى: ﴿وعلى أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ﴾ [هود: 48] فإذا لم يحذف شيءٌ من هذا فأنْ لا يحذف ثم أجدرُ.

قال شهابُ الدين: اجتمع في «أمم ممَّن معك» ثمانيةُ ميماتٍ، وذلك أنَّ «أمماً» فيها ميمان وتنوين، والتنوين يقلب يميماً لإدغامه في ميم «مِنْ» ومعنا نونان: نونُ «مِنْ» الجارة، ونون «مَنْ» الموصولة فيقلبان أيضاً ميماً لإدغامها في الميم بعدهما، ومعنا ميم «طمعك» فتحصَّل معنا خمسُ ميماتٍ ملفوظِ بها، وثلاثٌ منقلبةٌ إحداهما عن تنوين، واثنتان نون، واستدلَّ الفراءُ على أنَّ أصل «لمَّا» «لِمنْ ما» بقول الشَّاعر: [الطويل]

3024 - وإنَّا لمِمَّا نَضْرِبُ الكَبْشَ ضرْبة ... عَلى رأسِهِ تُلْقِي اللِّسانَ مِنَ الفَمِ

وقول الآخر: [الطويل]

3052 - وإنِّي لمِمَّا أصْدِرُ الأمْرَ وجْهَهُ ... إذَا هُوَ أعْيَا بالسَّبيلِ مَصادِرُهْ

وقد تقدَّم في آل عمران في قراءة من قرأ: ﴿وإذا أخذ الله ميثاق النبين لمَا آتيتكم﴾ [الآية: 81] بتشديد «لمَّا» أنَّ الأصل: «لمن ما» ففعل فيه ما تقدَّم، وهذا أحدُ الأوجه المذكورة في تخريج هذا الحرف هناك في سورته، فالتفت إليه. وقال أبو شامة: وما قاله الفرَّاء استنباطٌ حسنٌ، وهو قريبٌ من قولهم في قوله ﴿لَّكِنَّ هُوَ الله رَبِّي﴾ [الكهف: 38] إنَّ أصله: لكنم أنا ثُمَّ حذفت الهمزةُ، وأدغمت النون في النُّون، وكذا في قولهم: أمَّا أنت منطلقاً انطلقت، قالوا المعنى لأن كنت منطلقاً. وفيما قاله نظرٌ، لأنَّهُ ليس فيه حذفٌ ألبتَّة، وإنَّما كان يحسنُ التنظيرُ أن لو كان فيما جاء به إدغامٌ حذف، وأمَّا مجرَّدُ التَّنظير بالقلب والإدغام فغيرُ طائلِ، ثم قال أبو شامة: وما أحسن ما استخرج الشَّاهد من البيت يعني: الفرَّاء، ثَم الفراء أراد أن يجمع بين قراءتي التَّخفيف والتَّشديد من «لمَّا» في معنى واحد، فقالك «ثُمَّ تُخفَّفُ، كما قرأ بعضُ القرَّاءِ ﴿والَغْ يَعِظُكُم﴾ [النحل: 90] بحذف الياء عند الياء؛ أنشدني الكسائيُّ: [الوافر] .

3026 - وأشْمَتَّ العُداةَ بِنَا فأضْحَوْا ... لَدَيْ يَتباشَرُونَ بِمَا لَقِينَا

فحذفت ياؤه لاجتماع الياءات» . قال شهابُ الدِّين: الأولى أن يقال: حذفت ياءُ الإضافة من «لَدَيّ» فبقيت الياءُ السَّاكنةُ قبلها المنقلبةُ عن الألف في «لَدَى» وهو مثلُ قراءةِ من قرأ ﴿يا بُنَيْ﴾ [هود: 42] بالإسكان على ما سبق، وأمَّا الياءُ من «يَتَبَاشرُونَ» فثابتةٌ لدلالتها على المضارعة.

ثم قال الفرَّاءُ: [الرجز]

3027 - كأنَّ مِنْ آخِرِهَا إلقَادِمِ ... يريد: إلى القادمِ؛ فحذف اللاَّم وتوجيهُ قولهم من آخرها إلقادم أنَّ ألف» إلى «حذفت لالتقاءِ الساكنينِ، وذلك أنَّ ألف» إلى «ساكنةٌ، ولام التَّعريف من القادم ساكنة، وهمزة الوصل حذفت درجاً، فلما التقيا حذف أولهما فالتقى لامان: لام» إلى «ولام التعريف، فحذفت الثانية على رأيه، والأولى حذف الأولى؛ لأنَّ الثانية دالة على التعريف، فلم يبق من حرف» إلى «غير الهمزة فاتصلت بلام» القادمِ «فبقيت الهمزة على كسرها؛ فلهذا تلفظ بهذه الكلمة» مِنْ آخرِهَا إلقادِمِ «بهمزة مكسورة ثابتةً درجاً؛ لأنها همزة قطع. قال أبُو شامة: وهذا قريبٌ من قولهم:» مِلْكذبِ «و» عَلْماءِ بنُو فُلانٍ «و» بَلْعَنْبَرِ» يريدون: من الكذبِ، وعلى الماءِ بنُو فُلانٍ، وبنُو العَنْبرِ، قال شهابُ الدين - رَحِمَهُ اللَّهُ -: يريدُ قوله: [المنسرح]

3028 - أبْلِغْ أبَا دَخْتَنُوسَ مألُكَة ... غَيْرُ الذي قَد يُقَالُ مِلْكَذبِ

المأكلة: الرِّسالة، وقول الآخر: [الطويل]

3029 - أ - فَمَا سَبَقَ القَيْسِيُّ مِنْ سُوءِ فعلهِ ... ولكِنْ طَفَتْ عَلْمَاءِ غُرْلَةُ خَالدِ

الغُرْلة القُلفة، وقول الآخر: [الخفيف] 3029 - ب - نَحْنُ قَوْمٌ مِلْجِينِّ في زيِّ ناسٍ ... فَوْقَ طَيْرِ لَهَا شُخُوصُ الجِمالِ

يريد: مِن الجنِّ. قال التبريزي في شرح الحماسة: وهذا مقيسٌ، وهو أن لام التعريف، إذا ظهرت في الاسم حذف الساكنُ قبلها؛ لأن الساكن لا يدغم في الساكن؛ تقول: أكلتُ مالخُبْزِ، ورَكْبَتْ مِلخَيْلِ، وحَملتُ مِلْجَمَلِ.

وقد ردَّ بعضهم قول الفرَّاء بأنَّ نون» مِنْ «لا تحذف إلاَّ ضرورة، وأنشد: [المنسرح]

3030 - ... ... ... ... . ..... ... ... ... . . ملْكَذب

الثالث: أنَّ أصلها» لمَا «بالتَّخفيف، ثمَّ شددت، وإلى هذا ذهب أبو عثمان، قال الزَّجَّاج:» وهذا ليس بشيءٍ؛ لأنَّا لَسنَا نُثَقِّل ما كان على حرفين، وأيضاً فلغةُ العربِ العكس من ذلك يُخَفِّفُون ما كان مُثَقَّّلاً نحو: «رُبَ» في «رُبَّ» وقيل: في توجيه إنَّه لمَّا وقف عليها شدَّدها، كما قالوا: رأيتُ فرجًّا، وقصبًّا، ثم أجرى الوصل مجرى الوقف، وفي هذا نظرٌ؛ لأنَّ التَّضعيف إنَّما يكونُ في الحرف إذا كان آخراً، والميمُ هنا حشوٌ؛ لأنَّ الألف بعدها، إلاَّ أن يقال: إنَّه أجرى الحرف المتوسط مجرة المتأخِّر؛ كقوله: [الرجز]

3031 - مِثْلَ الحَريقِ وَافَقَ القَصَبَّا ... يريد: القَصَبَ، فلمَّا أشبع الفتحة تولَّدت منها ألفٌ، وضعَّف الحرف؛ وكذلك قوله: [الرجز]

3032 - بِبَازلٍ وجْنَاءَ أوْ عَيْهَلِّي ... كأنَّ مَهْواهَا عَلى الْكَلْكَلِّ

شدَّد اللام مع كونها حشْواً بياء الإطلاقِ، وقد يُفرَّق بأنَّ الألف والياء في هذين البيتين في حكم الطَّرح؛ لأنَّهما نَشَآ من حركةٍ بخلاف ألف: «لمَّا» فإنَّها أصليةٌ ثابتةٌ، وبالجملة فهُو وجهٌ ضعيفٌ جدًّا.

الرابع: أنَّ أصلها «لمًّا» بالتنوين ثم بين منهُ «فَعْلى» فإن جعلت ألفهُ للتَّأنيث، لم تصرفه، وإنْ جعلتها للإلحاق صرفتهُ، وذلك كما قالوا في «تَتْرى» بالتنوين وعدمه، وهو مأخوذ من قولك: لَمَمْتُهُ: أي جمعتُهُ، والتقدير: وإن كُلاًّ جميعاً لويفينَّهُمْ، ويكون «جَميعاً» فيه معنى التوكيد ك «كل» ، ولا شكَّ أنَّ «جميعاً» يفيدُ معنى زائداً على «كل» عند بعضهم قال: ويدلُّ على ذلك قراءة من قرأ: «لمَّا» بالتنوين.

الخامس: أنَّ الأصل «لمًَّا» بالتنوين أيضاَ، ثمَّ أبدل التنوين ألفاً وقفاً، ثم أجري الوصل مجرى الوقف، وقد منع من هذا الوجه أبو عبيدة قال: لأنَّ ذلك إنَّما يجوز في الشعر يعني إبدال التنوين ألفاً وصلاً إجراءً لهُ جرى الوقف، وسيأتي توجيه قراءة «لمَّا» بالتنوين.

وقال ابنُ الحاجبِ: «استعمالُ» لمَّا «في هذا المعنى بعيد، وحذفُ التنوين من المُنْصَرف في لاوصل أبعدُ، فإن قيل:» لمَّا «فعلى من اللَّمِّ، ومُنِعَ الصرف لأجل ألف التأنيث، والمعنى فيه مثل معنى» لمَّا «المُنْصَرف فهو أبعدُ، إذ لا يعرفُ» لمَّا «فعلى بهذا المعنى ولا بغيره، ثم كان يلزمُ هؤلاء أن يميلوا كمن أمال، وهو خلافُ الإجماع، وأن يكتبوها بالياء، وليس ذلك بستقيم» .

السادس: أنَّ «لمَّا» زائدة كما تزاد «إلا» قالهُ أبو الفتح وغيره، وهذا وجهٌ لا اعتبار به، فإنَّه مبنيُّ على وجهٍ ضيف أيضاً، وهو أنَّ «إلاَّ» تأتي زائدة. _ _ السابع: أنَّ «إنْ» نافيةٌ بمنزلة «ما» ، و «لمَّا» بمعنى «إلاّ» فهي كقوله: ﴿إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ [الطارق: 4] أي: ما كلُّ نفس إلاَّ عليها ﴿وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ﴾ [الزخرف: 35] أي: ما كل ذلك إلا متاع. واعترض على هذا الوجه بأنَّ «إنْ» النافية لا تنصبُ الاسم بعدها، وهذا اسمٌ منصوبٌ بعدها وأجابَ بعضهم عن ذلك بأنَّ «كلاًّ» منصوبٌ بإضمار فعلٍ، فقدَّرهُ قومٌ منهم أبو عمرو ابنُ الحاجبِ: وإن أرى كلاًّ، وإن أعلمُ ونحوه، قال: ومِن هنا كانتْ أقلَّ إشكالاً من قراءة ابن عامر لقبولها هذا الوجه غيرُ مُسْتبعدٍ ذلك الاستعباد وإنْ كان في نَصْبِ الاسم الواقعِ بعد حرف النًَّفِي استبعادٌ، ولذلك اختلف في مثل: [الوافر]

3033 - ألاَ رَجُلاً جزاهُ اللَّهُ خَيْراً ... يَدُلُّ عَلى مُحَصِّلةٍ تَبِيتُ

هل هو منصوب بفعل مقدَّر، أو نوِّن ضروةً؟ فاختار الخليلُ إضمار الفعلِ، واختار يونس التنوين للضَّرورة، وقدَّرهُ بعضهم بعد «لمَّا» من لفظ: «ليُوفِّينَّهُم» ، والتقدير: وإن كلاً إلاَّ ليوفِّينَّ ليُوفِّينَّهم. وفي هذا التقدير بعدٌ كبيرٌ أو امتناع؛ لأنَّ ما بعد «إلاَّ» لا يعمل فيما قبلها، واستدل على مجيء: «لمَّا» بمعنى: «إلاَّ» بنصِّ الخليل وسبويه على ذلك ونصره الزَّجَّاج. قال بعضهم: وهي لغةُ هذيل، يقلولون: سألتك بالله لمَّا فعلت أي: إلاَّ فعلت.

وأنكر الفرَّاء وأبو عبيدة وردود: «لمَّ» بمعنى: «إلاًّ» قال أبو عبيدٍ: «أمَّا من شدَّد» لمَّا «بتأويل» إلاَّ «فلمْ نجدْ هذا في كلام العربِ، ومن قال هذا لزمهُ أن يقول: قام القوم لمَّا أخاك، يريدُ: إلاَّ أخاكَ، وهذا غيرُ موجودٍ» وقال الفرَّاءُ: «وأمَّا من جعل» لمَّا «بمنزلة» إلاَّ «فهو وجهُ ضعيفٌ، وقد قالت العربُ في اليمين: بالله لمَّا قمت عنا، وإلاَّ قمت معنا، فأمَّا في الاستثناء فلم تقله في شعر، ولا غير غيره، ألا ترى أنَّ ذلك لو جاء لسمعت في الكلام: ذهب النَّاسُ لمَّا زيداً» فأبو عبيد أنكر مجيء «لمَّاط بمعنى» إلاَّ «مُطلقاً، والفراء جوَّز ذلك في القسم خاصةً، وتبعه الفرسي في ذلك، فقال - في تشديد» لمَّا «ههنا -:» لا يصلحُ أن تكونَ بمعنى «إلاَّ» ، لأنَّ «لمَّا» هذه لا تفارق القسم «وردَّ النَّاس قوله بما حكاه الخليل وسيبويه، وبأنَّها لغة هُذيْل مطلقاً، وفيه نظرٌ، فإنَّهُمْ لمَّا حكوا لغة هذيل حكوها في القسم كما تقدّضم من نحو: نشدتك بالله لمَّا فعلت، وأسألك بالله لمَّا فعلت. وقال أبو علي أيضاً مستشكلاً لتشديد:» لمَّا «في هذه الآية على تقدير أنَّ» لمَّا «بمعنى» إلاَّ «لا تختص بالقسم ما معناه: أنَّ لتشديد:» لمَّا «في هذه الآية على تقدير أنَّ» لمَّا «بمعنى» إلاَّ «لا تختص بالقسم ما معناه: أنَّ تشديد» لمَّا «ضعيفٌ سواء شدَّدت» إن «أم خفَّفت، قال:» لأنَّه قد نُصِبَ بها «كلاً» ، وإذا نصب بالمُخَفَّفةِ كانت بمنزلة المثقلة، وكا لا يَحْسُن: إنَّ زيداً إلاَّ منطلق؛ لنَّ الإيجابَ بعد نفي، ولم يتقدَّم هنا إلاَّ إيجاب مؤكدة، فكذا لا يحسن: إنَّ زيداً لمَّا منطلق، لأنَّهُ بمعناه، وإنَّما ساغ: نشدتُك الله إلاَّ فعلت، ولمَّا فعلت؛ لأنَّ معناه الطَّلب، فكأنَّهُ قال: ما أطلبُ منك إلاَّ فِعْلك، فحرفُ الن َّفي مرادٌ مثل

﴿تَالله تَفْتَأُ﴾ [يوسف: 85] ، ومثَّل ذلك أيضاً بقولهم: «شرُّ أهرُّ ذا ناب» أي: ما أهرَّه إلاَّ شرُّ، قال: «وليس في الآية معنى النَّفي ولا الطَّلب» .

وقال الكسائي: لا أعرف وجه التَّثقيل في «لمَّا» قال الفرسيُّ: ولم يبعد فيما قال وروي عن الكسائي أيضاً أنَّه قال: اللَّهُ عزَّ وجلَّ أعلمُ بهذه القراءة، لا أعرفُ لها وجهاً. _ _ الثامن: قال الزَّجَّاجُ: قال بعضهم قَوْلاً، ولا يجوز غيره: أنَّ «لمَّا» في معنى «إلاَ» مثل ﴿إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ [الطارق: 4] ثمَّ أتبع ذلك بكلام طويل مشكل حاصلهُ يرجع إلى أنَّ معنى «إنْ زيدٌ لمنطلق: ما زيدٌ إلاَّ منطلق» ، فأجريتَ المشددة كذلك في المعنى إذا كانت اللام في خبرها، وعملها النَّصيب في اسمها باقٍ بحالة مشددة ومخففة، والمعنى نفيٌ ب «إنْ» وإثباتٌ باللاَّم التي بمعنى «إلاَّ» و «لمَّا» بمعنى «إلاَّ» ، وقد تقدَّم إنكارُ أبي عليّ على جواز «إلاَّ» في مثل هذا التركيب، فكيف يجُوزُ «لمَّا» التي بمعناها؟ . وأمَّا قراءةُ ابن عامر وحمزة وحفصل ففيها وجوه:

أحدهما: أنَّها «إنَّ» المشددة على حالها، فلذلك نصب ما بعدها على أنَّه اسمها، وأمَّا «لمَّا» فالكلامُ فيها كما تقدَّم من أنَّ الأصل «لَمِنْ مَا» بالكسر، أو لَمَنْ مَا «بالفتح، وجميع تلك الأوجه المذكورة تعودُ هنا، والقولُ بكونها بمعنى» إلاَّ «مشكلٌ كما تقدَّم تحريره عن أب علي وغيره.

الثاني: قال المازنيُّ: إنَّ» هيا لمخففة ثقلت: وهي نافيةٌ معنى «مَا» كما خففت «إنَّ» ومعناها المثقلة، «ولمَّا» بمعنى «إلاَّ» وهذا قولٌ ساقطٌ جدًّا لا اعتبار به، لأنَّهُ لم يُعْهَدْ تثقيلُ «إنْ» النافية، وأيضاً ف «كلاًّ» بعدها منصوبٌ، والنافيةُ لا تنصبُ.

قال أبُو عمرو بنُ الحاجب - في أماليه -: «لمَّا» هذه هي الجازمة فحذف فعلها للدَّلالةِ عليها، لما ثبت من جوازِ حذف فعلها في قلوهم: «خرجتُ ولمَّا، وسافرتُ ولمَّا» وهو سائغٌ فصيح، ويكونُ المعنى: وإنَّ كُلاً لمَّا يهملوا أو يتركُوا لما تقدَّم من الدَّلالةِ عليه من تفصيل المجموعين بقوله: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ [هود: 105] ، ثمَّ فصَّل الأشقياءَ والسُّعداء، ومجازاتهم ثُمَّ بيَّن ذلك بقوله: ﴿لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ﴾ قال: «وما أعرفُ وجهاً أشبهَ من هذا، وإن كانت النفوسُ تَسْتبعدُهُ من جهة أنَّ مثلهُ لمْ يردْ في القرآن» ، قال: «والتَّحْقِيقُ يَأبَى استعادهُ» .

قال شهابُ الديِّن: وقد نصَّ النَّحويون على أنَّ «لمَّا» يحذفُ مجزومها باطِّرادٍ، قالوا: لأنَّها لنفي قَدْ فعل، وقد يحذف بعدها الفعل؛ كقوله: [الكامل]

3034 - أفِدَ التَّرْحُّلْ غَيْرَ أنذَ رِكَابنَا ... لمَّا تزلْ بِرحَالِنَا وكأنْ قَدِ

أي: وكأن قد زالت، فكذلك منْفيهُ، وممَّن نصَّ عليه الزمخشريُّ، على حذف مجزومها، وأنشد يعقوب على ذلك في كتاب «معانِي الشِّعر» قول الشَّاعِر: [الوافر]

3035 - فَجِئْتُ قُبُورَهُمْ بَدْءاً ولمَّا ... فَنادَيْتُ القُبورَ فَلَمْ يُجِبْنَهْ

قال: «قوله:» بَدْءاً «أي: سيّداً وبدءُ القوم سيِّدهم، وبدءُ الجزُور خيرُ أنْصِبَائِهَا» .

قال: وقوله: «ولمَّا» أي: ولمّا أكُنْ سيِّداً إلاَّ حين ماتُوا، فإنِّي سدتُ بعدهم؛ كقول الآخر: [الكامل]

3036 - خَلَتِ الدِّيَارُ فَسُدْتُ غَيْرَ مُسَوَّد ... ومن العناءِ تفرُّدِى بالسُّؤدُدِ

ما نِلْتُ ما قَدْ نِلْلتُ إلاَّ بَعْدَمَا ... ذَهَبَ الكِرامُ وسَادَ عَيْرُ السَّيِّد

قال ونظير السُّكُوتِ على «لمَّا» دون فعلها السكُّوتُ على «قَدْ» دون فعلها في قول النابغة: [الكامل]

3037 - أفِدَ التًّرَحُّلُ ... ... ... ..... ... ... ... ... ... ... . .

قال شهابُ الدِّين: وهذا الوجهُ لا خصوصية لهُ بهذا القراءة، بل يَجِيءُ في قراءة من شدَّد «لمَّا» سواءً شدَّد «إن» أو خففها.

وأمَّا قراءةُ أبي عمرو، والكسائي فواضحةٌ جدًّا، فإنَّها «إنَّ» المشدَّدة عملت عملها، واللاَّم الأولى لام الابتداء الدَّاخلة على خبر «إنَّ» ، والثانية جواب قسم محذوف، أي: وإنَّ كلاًّ للذين والله ليوفِّينَّهُم، وقد تقدَّم وقوعُ «ما» على العُقلاء؟ ِ مُقرَّرا، ونظيرُ هذه الآية: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ﴾ [النساء: 72] غير أنَّ اللاَّم في «لمنْ» داخلةٌ على الاسم، وفي «لمَّا» داخلة على الخبر. وقال بعضهم: «مَا» هذه زئادةٌ زيدت للفصل بين اللامين، لام التَّوكيد، ولام القسم، وقيل: اللاَّم ُ في «لمَّا» موطئة للقسم مثل اللاَّم في قوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: 65] والمعنى: وإنَّ جميعهم واللَّه ليُوفِّينَّهُم ربُّك أعمالهُم من حُسْنٍ وقُبْحٍ وإيمانٍ وجحودٍ.

وقال الفرَّاء عند ذكر هذه الآية -: جَعَلَ «مَا» اسماً للنَّاس كما جاز ﴿فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النسآء﴾ [النساء: 3] ثم جعل اللاَّم التيفيها جواباً ل «إنَّ» وجعل اللاَّم التي في «ليُوفِّينَّهُمْ» لاماً دخلت على نيَّةِ يمينٍ فيما بين «مَا» وصلتها، كما تقول: هذا من ليَذْهبنَّ، وعندي ما لغيرهُ خيرُ منه، ومثله: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ﴾ [النساء: 72] .

ثم قال بعد ذلك ما يدلُّ على أنَّ اللاَّم مكررةٌ فقال: إذا عجَّلت العربُ باللاَّم في غير موضعها أعادوها إليه، نحو: إنَّ زيداً لإليك لمُحْسِنٌ؛ ومثله: [الطويل]

3038 - ولَوْ أنَّ قَوْمِي لمْ يكُونُوا أعِزَّة ... لبَعْدُ لقَدْ لا قَيْتُ لا بُدَّ مَصْرَعَا

قال: أدخلها في «بَعْد» وليس بموضعها، وسمعت أبا الجرَّاحِ يقولُ: «إنِّي ليحمد الله لصالحٌ» .

وقال الفارسيُّ - في توجيه القراءة -: «وجهُهَا بيِّن وهو أنَّه نصب» كُلاًّ «ب» إنَّ «وأدخل لام الابتداء في الخبر، وقد دخلت في الخبرِ لامٌ أخرى، وهي التي يُتلقَّى بها القسم، وتختصُّ بالدُّخُول على الفعل، فلمَّا اجتمعت اللاَّمان فُصِل بينهما كما فُصِل بين» إنَّ «واللاَّم فدخلتها وإن كانت زائدة للفصل، ومثله في الكلام: إن زيداً لينطلقنَّ» .

فهذا ما تلخَّص من توجيهات هذه القراءات الأربع، وقد طعن بعضُ النَّاس في بعضها بِمَا لا تحقق له، فلا ينبغي أن يلتفت إلى كلامه.

قال المبردُ - وهي جرأةٌ منه - «هذا لحنٌ» يعين تشديد «لمَّا» قال: «لأنَّ العرب لا تقول: إنَّ زيداً لمَّا خارجٌ» وهو مردودٌ عليه.

قال أبو حيان: وليس تركيبُ الآية كتركيب المثال الذي قال وهو: إنَّ زيداً لمَّا خارج، هذا المثالُ لحنٌ. قال شهابُ الدِّين: إن عنى أنَّهُ ليس مثله في التركيب من كل وجه فمُسلَّم، ولكن ذلك لا يفيدُ فيما نحن تصدده، وإن عنى أنه ليس مثله في كونه دخلت «لمَّا» المشددة على خبر «إنَّ» فليس كذلك، بل هو مثلُه في ذلك، فتسليمُهُ اللَّحْنَ في المثال المذكور ليس بصوابٍ؛ لأنه يستلزم ما لا يجوز أن يقال.

وقال أبو جعفرٍ: القراءةُ بتشديدهما عند أكثر النَّحويين لحنٌ، حكي عن محمد بن يزيد أنه قال: إنَّ هذا لا يجوز، ولا يقال: إنَّ زيداً إلا لأضربنَّه، ولا «لمَّا لأضربنَّه» قال: وقال الكسائي: «اللَّه أعلم لا أعرف لهذه القراءة وجهاً» وقد تقدم ذلك، وقتدم أيضاً أنَّ الفرسي قال: كما لا يحسن: إنَّ زيداً إلاَّ لمنطلق؛ لأنَّ «إلاَّ» إيجاب بعد نفي، ولم يتقدَّم هنا إلاَّ إيجابٌ مؤكَّد، فكذا لا يحسن: إنَّ زيداً لما منطلق، لأنه بمعناه، وإنَّما ساغ نشدتك بالله لمَّا فعلت ... إلى آخر كلامه. وهذه أقوالٌ مرغوبٌ عنها؛ لأنَّها معارضة للمتواتر القطعي.

وأمَّا القراءات الشَّاذة فأوَّلها قراءةُ أبي ومن تبعه «وإنْ كلٌّ لمَّا» بتخفيف «إنْ» ورفع «كل» على أنَّها «إن» النافية «وكل» مبتدأ، و «لمَّا» مشددة بمعنى «إلاَّ» ، و «ليُوفِّينَّهُم» جوابُ قسمٍ حذوف، وذلك القسم وجوابه خبر المبتدأ وهي قراءةٌ جليَّة واضحةٌ كما قرؤوا كلُّهّم ﴿وَإِن كُلٌّ لَّمَّا جَمِيعٌ﴾ [يس: 32] ومثله ﴿وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ﴾ [الزخرف: 35] ، ولا التفاتَ إلى قول من نفى أنَّ «لمَّا» بمنزلةِ «إلاَّ» فقد تقدَّمت أدلته.

وأما قراءةُ اليزيدي وابن أرقم «لمَّا» بالتشديد منونة ف «لمَّا» فيها مصدرٌ من قولهم: «لمَمْتُه - أي: جمعته - لمَّا» ومنه قوله تعالى: ﴿وَتَأْكُلُونَ التراث أَكْلاً لَّمّاً﴾ [الفجر: 19] ثم في تخريجه وجهان:

أحدهما: ما قاله أبو الفتح، وهو أن يكون منصوباً بقوله: «ليُوفِّينَّهُمْ» على حدِّ قولهم: قياماً لأقومنَّ؛ وقعوداً لأقَعدنَّ، والتقديرُ: توفيةً جامعةً لأعمالهم ليوفينهم، يعني أنه منصوبٌ على المصدر الملاقي لعامله في المعنى دون الاشتقاق.

والثاني: ما قالهُ أبو علي الفارسي وهو: أن يكون وصفاً ل «كُلّ» وصفاً بالمصدر مبالغة، وعلى هذا فيجبُ أن يقدَّر المضافُ إليه «كل» نكرةً، ليصحَّ وصفُ «كل» بالنَّكرةِ، إذْ لو قُدِّر المضافُ معرفة لتعرَّفتْ «كل» ، ولو تعرَّفت لامتنع وصفُها بالنَّكرةِ، فلذلك قُدِّر المضافُ إليه نكرة، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَتَأْكُلُونَ التراث أَكْلاً لَّمّاً﴾ [الفجر: 19] فوقع «لمَّا» نعتاً ل «أكْلاً» وهو نكرةٌ.

قال أبو علي: ولا يجوز أن يكون حالاً؛ لأنه لا شيء في الكلام عاملٌ في الحالِ. وظاهرُ عبارة الزمخشري أنَّهُ تأكيدٌ تابعٌ ل «كلاًّ» كما يتبعها أجمعون، أو أنَّهُ منصوبٌ على النَّعت ل «كُلاًّ» فإنه قال: «وإنْ كلاًّ لمًّا ليُوفِينَّهُمْ» كقوله: «أكْلاً لمًّا» والمعنى: وإن كلاًّ ملمومين بمعنى: مجموعين، كأنه قيل: وإن كلاًّ جميعاً كقوله تعالى: {فَسَجَدَ الملاائكة كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ} [الحجر: 30] انتهى لا يريدُ بذلك أنَّهُ تأ: يدٌ صناعيُّ، بل فسَّر معنى ذلك وأراد: أنَّهُ صفةٌ ل «كُلاًّ» ولذلك قدَّرهُ: بمجموعين، وقد تقدَّم في بعض توجيهات «لمَّا» بالتَّشديد من غير تنوين، أنَّ المنون أصلا، وإنَّما أُجري الوصلُ مجرى الوقف، وقد عُرف ما فيه وخبر «إنْ» على هذه القراءة هي جلمة القسمِ المقدَّرِ وجوابه سواءَ في ذلت تخريجُ أبي الفتح وتخريجُ شيخه.

وأمَّا قراءةُ الأعمشِ فواضحةٌ جداًّ، وهي مفسَّرةٌ لقراءة الحسنِ المتقدَّمة، لولا ما فيها من مخالفة سوادِ الخط.

وأمَّا قراءةُ ما في مصحفِ أبي كما نقلها أبُو حاتم ف «إنْ» فيها نافية، و «مِنْ» زائدةٌ في النَّفي، و «كل» مبتدأ، و «ليُوفِّينَّهُم» مع قسمة المقدَّر خبرها، فتؤول إلى قراءة الأعمش التي قبلها، إذ يصيرُ التقديرُ بدون «مِنْ» : «وإنْ كلٌّ إلاَّ ليُوفِّينَهُم» والتنوين في «كلاً» عوضٌ من المضافِ إليه قال الزمخشري: يعني: وإنَّ كُلُّهُم، وإنَّ جميع المختلفين فه. وقد تقدَّم أنَّهُ على قراءةِ «لمًّا» بالتنوين في تخريج أبي عليّ لهُ، لا يقدَّر المضافُ إليه «كل» إلاّ نكرةً لأجْلِ نعتها بالنَّكرةِ.

التوكيد ب «إنَّط وب» كُلّ «وبلام الابتداءِ الدَّاخلة على خبر» إنَّ «وبزيداة» ما «عل رأي، وبالقسم المقدَّر وباللاَّم الواقعة جواباً له، وبنون التوكيد، وبكونها مشددة، وإردافها بالجملة لاتي بعدها من قوله ﴿إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ فإنَّه يتضمَّنُ وعيداً شديداً للعاصي، ووعداً صالحاً للطَّائع.

وقرأ العامَّةُ:» يَعْمَلُون» بياء الغيبة، جرياً على ما تقدَّم من المختلفين، وقرأ ابنُ هرمز «بِمَا تعملُونَ» بالخطابِ، فيجُوزُ أن يكون التفاتاً من غيبة إلى خطابِ، ويكونُ المخاطبون الغيب المتقدِّمين، ويجوز أن يكون التفاتاً إلى خطاب غيرهم.

فصل

معنى الآية: أنَّ من عجلت عقوبته، ومن أخرت ومن صدَّق الرُّسل، ومن كذَّب فحالهم سواء في أنَّهُ تعالى يوفيهم أجر أعمالهم في الآخرة، فجمعت الآية الوعد، والوعيد فإنَّ توفية جزاء الطاعات وعدٌ عظيمٌ، وتوفية جزاءِ المعاصي وعيدٌ عظيمٌ، وقوله: ﴿إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ توكيد للوعْدِ والوعيد، فإنَّه لمَّا كان عالماً بجميع المعلومات كان عالماً بمقادير الطَّاعات والمعاصي، فكان عالماً بالقدر اللاَّئق بكل عمل من الجزاءِ، فحينئذٍ لا يضيع شيء من الحقوق وذلك نهاية البيان.

قوله تعالى: ﴿فاستقم كَمَآ أُمِرْتَ﴾ الآية.

لمَّا شرح الوعد الوعيد قال لرسوله «فاسْتقِمْ كما أمِرْتَ» وهذه كلمةٌ جامعةٌ لكلِّ ما يتعلَّق بالعقائدِ والأعمال، سواء كان مختصَّا به، أو متعلقاً بتبليغ الوحي وبيان الشَّرائع، ولا شكَّ أنَّ البقاء على الاستقامة الحقيقيَّة مشكلٌ جدًّا.

قال ابنُ الخطيب: وأنا أضربُ لذلك مثلاً يقربُ صعوبة هذا المعنى إلى العقل السَّليم، وهو انَّ الخطَّ المستقيم الفاصل بين الظِّلِّ وبين الضَّوء جزء واحد لايقبلُ القسمة في العرض، وذلك الخط ممَّا لا يدركه الحس، فإنَه إذا قرب طرف الظل من طرف الضَّوءِ اشتبه البعضُ بالبعض في الحسّ، فلم يقع الحس على إدراك الخط بعينه بحيثُ يتميز عن كلِّ ما سواهُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском