Ibn 'Adil · Tafsir · in Arabic
Hud 11:15–24
11:15–16Page 223
مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيۡهِمۡ أَعۡمَٰلَهُمۡ فِيهَا وَهُمۡ فِيهَا لَا يُبۡخَسُونَ ١٥
Whoever desires the life of this world and its adornments - We fully repay them for their deeds therein,1 and they therein will not be deprived.
أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَيۡسَ لَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ إِلَّا ٱلنَّارُۖ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَٰطِلٞ مَّا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٦
Those are the ones for whom there is not in the Hereafter but the Fire. And lost is what they did therein,1 and worthless is what they used to do.
قوله تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الحياة الدنيا وَزِينَتَهَا﴾ الآية.
قيل: إنَّها مختصةٌ بالكُفَّار لقوله: ﴿أولئك الذين لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخرة إِلاَّ النار وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [هود: 16] وهذا ليس إلاَّ للكفار، فيكون التقدير: من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها فقط، أي: تكون إرادته مقصورةٌ على حُبِّ الدنيا وزينتها، ومن طلب السعادات الأخرويَّة كان حكمه كذا وكذا.
واختلف القائلون بهذا القول فقال الأصم: المرادُ مُنْكِرُو البعث فإنَّهم ينكرون الغنائم من غير أن يؤمنوا بالآخرة.
وقال أنس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: المرادُ اليهود والنَّصارى.
وقال القاضي: المراد من كان يريدُ بعمل الخير الحياة الدنيا وزينتها.
وعمل الخير قسمان:
العبادات وإيصال المنفعة إلى الحيوان كالبر، وصلة الرَّحمِ، والصَّدقة، وبناء القناطر، وتسوية الطرق، ودفع الشر، وإجراء الأنهار، فهذه الأشياء إذا أتى بها الكافرُ لأجل الثناء في الدُّنيا، فإنَّ بسببها تصل الخيرات والمنافع إلى المحتاجين، وهي من أعمال الخير، فقد تصدرُ من المسلم والكافر.
وأمَّا العباداتُ فإمَّا أن تكون طاعات بنيَّاتٍ مخصوصة، فإذا لمْ يؤتَ بتلك النِّية، وإنَّما أتى فاعلها بها طلباً لزينة الدنيا، وتحصيل الرِّياء والسمعةِ؛ فلا تكونُ طاعةً ووجودها كعدمها بل هو شر منها.
وعلى هذا فالمرادُ منه الطَّاعات التي يصحُّ صدورها من الكفار.
وقيل: الآية على ظاهرها في العموم؛ فيندرج فيه المؤمنُ الذي يأتِي بالطَّاعات رياءً وسمعةً ويندرج فيه الكافرُ الذي هذا صفته.
ويشكلُ على هذا قوله في آخر الآية ﴿أولئك الذين لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخرة إِلاَّ النار﴾ إلاَّ إذا قلنا: إنَّ المراد: أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار بسبب الأعمال الفاسدة، والأفعال الباطلة.
والقائلون بهذا القول أكَّدُوا قولهم بما روي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - «تعوَّذُوا بالله من جُبِّ الحُزْنِ» قيل: وما جُبُّ الحُزنِ؟ قال: «وادٍ في جَهَنَّمَ يُلْقَى فيه القُرَّاء المُراءُونَ» .
وقال - صلوات الله وسلامه عليه -: «أشدُّ النَّاسِ عذاباً يوْمَ القيامةِ مَنْ يَرَى النَّاسُ فيه خَيْراً ولا خَيْرَ فِيهِ» .
وعن أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «إذا كَانَ يَوْمَ القيامةِ يُؤتى برجُلٍ جَمَعَ القرآنَ فيقالُ: ما عَمِلْتَ فيه؟ فيقولُ: يا رب قُمْتُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ، والنَّهَارِ، فيقُول الله - تبارك وتعالى - كذبْتَ بَلْ أرَدْتَ أن يقالَ: فلانٌ قارىءٌ، وقدْ قِيل ذلِكَ، ويُؤتى بصاحبِ المَالِ فيقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ ألَمْ أوسِّعْ عليكَ؟ فماذا عَمِلْتَ فيما آتَيْتُكَ؟ فيقُولُ: وصَلْتُ الرَّحِمَ وتصدَّقْتُ، فيقُولُ: كذَبْتَ بَلْ أرَدْتَ أن يقال فلانٌ جوادٌ، وقد قِيلَ ذلك، ويُؤتى بمن قُتِلَ في سبيل الله فيقول: قاتَلْتُ في سَبِيل اللهِ حتَّى قُتِلْتُ، فيقُولُ اللهُ عزَّ وجلَّ كذبْتَ بَلْ أرَدْتَ أن يقال: فلانٌ فارسٌ» .
ثم ضربَ رسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ركبتي وقال: «يا أبا هريرة أولئك الثَّلاثةُ أوَّلُ خَلْقٍ تُسَعَّرُ بِهِمُ النَّارُ يَوْم القِيامَةِ» .
وقد روي أن أبا هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - ذكر هذا الحديث عند معاوية - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -. قال الراوي: فبكى حتَّى ظننا أنَّهُ هالك ثمَّ أفاق وقال: صدق الله ورسوله ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الحياة الدنيا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا﴾ [هود: 15] .
فصل
نقل القرطبيُّ عن بعض العلماء:
أنَّ معنى هذه الآية: هو قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «إنَّما الأعمالُ بالنِّياتِ» ، وهذا يدلُّ على من صام في رمضان لا عن رضمان لا يقعُ عن رمضان، وتدلُّ على أن من توضَّأ للتبرد والتنظف لا يقعُ عن جهة الصَّلاةِ، وكذلك كل من كان في معناه.
قوله: «نُوَفِّ» .
الجمهور على «نُوفِّ» بنون العظمة وتشديد الفاء من «وفَّى يُوفِّي» .
وطلحة وميمون بياءِ الغيبةِ، وزيد بن علي كذلك، إلاَّ أنَّه خفَّف الفاء من «أوْفَى يُوفِي» ، والفاعلُ في هاتين القراءتين ضميرُ الله تعالى.
وقرئ «تُوفَّ» بضم التاء، وفتح الفاء مشددة من «وُفِّيَ يُوَفَّى» مبنياً للمفعول.
«أعْمَالهم» بالرَّلإع قائماً مقام الفاعل. وانجزم «نُوَفِّ» على هذه القراءاتِ لكونه جواباً للشَّرطِ، كما في قوله تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخرة نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدنيا نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ [الشورى: 20] .
وزعم الفرَّاء أنَّ «كان» هذه زائدة، ولذلك جزم جوابه، ولعلَّ هذا لا يصحُّ، إذ لو كانت زائدة لكان «يُرِيدُ» هو الشَّرط، ولو كان الشَّرط، لانجزم، فكان يقال: «مَنْ كَان يُرِدْ» وزعم بعضهم أنه لا يؤتى بفعل الشَّرط ماضياً، والجزاء مضارعاً إلاَّ مع «كان» خاصة، ولهذا لم يجىء في القرآن إلا كذلك، وهذا ليس بصحيح لوروده في غير «كان» ؛ قال زهير: [الطويل]
2947 - ومَنْ هَابَ أسْبابَ المنَايَا يَنَلْنَهُ ... ولو رَامَ أسبابَ السَّمَاءِ بسُلَّمِ
وأمَّا القرآنُ فجاء من باب الاتفاق لذلك.
وقرأ الحسنُ «نُوفِي» بتخفيف الفاء وثبوتِ الياء من «أوْفَى» ، ثمَّ هذه القراءةُ محتملةٌ: لأن يكون الفعل مجزوماً، وقُدِّر جزمه بحذفِ الحركةِ المقدرة؛ كقوله: [الوافر]
2948 - ألَمْ يَأتِيكَ والأنْبَاءُ تَنْمِي ... بِمَا لاقَتْ لبُونُ بَنِي زِيادِ
على أنَّ ذلك يأتي في السَّعةِ نحو: ﴿إِنَّهُ مَن يَتَّقِ﴾ [يوسف: 90] وسيأتي مُحَرَّراً في سورته، ويحتمل أن يكون الفعل مرفوعاً لوقوع الشَّرط ماضياً؛ كقوله: [الطويل] .
2949 - وإنْ شُلَّ ريْعَانُ الجَميعِ مَخَافَةً ... نَقُولُ جِهَاراً: ويْلَكُمْ لا تُنَفِّرُوا وكقول زهير: [البسيط]
2950 - وإنْ أتَاهُ خَلِيلٌ يَوْمَ مَسْألةٍ ... يقُولُ لا غَائِبٌ مالِي ولا حَرِمُ
وهل يجوزُ الرفع؛ لأنه على نيَّة التقديم، وهو مذهب سيبويه، أو على نيَّة الفاءِ، كما هو مذهب المبرد؛ خلافٌ مشهورٌ.
ومعنى ﴿نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا﴾ أي: نُوفِّ إليهم أجور أعمالهم في الدنيا بسعةِ الرزق ودفع المكاره وما أشبهها.
﴿وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ﴾ أي: في الدنيا لا ينقص حظهم.
«روى أنس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أنَّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وشرف ومجد وكرم وبجل وعظم قال:» إنَّ الله لا يَظْلِمُ المؤمنَ حَسَنَةً يُثاب عليْهَا الرزقَ في الدُّنيا، ويُجْزَى عليها فِي الآخِرةِ، وأمَّا الكَافِرُ فيُطْعَمُ بِحسنَاتِهِ في الدُّنْيَا حتَّى إذا أفْضَى إلى الآخرةِ لمْ تَكُنْ لهُ حَسَنَةٌ يُعْطَى بها خَيْراً «.
قوله تعالى: ﴿أولئك الذين لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخرة إِلاَّ النار وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا﴾ في الدنيا ﴿وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ هذه الآية إشارة إلى التَّخليد في النَّار، والمؤمن لا يخلدُ، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ [النساء: 48] .
قوله: ﴿وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا﴾ يجوز أن يتعلَّق» فِيهَا «ب» حَبِطَ «والضميرُ على هذا يعودُ على الآخرة، أي وظهر حبوطُ ما صنعوا في الآخرة، ويجوزُ أن يتعلَّق ب» صَنَعُوا «فالضَّميرُ يعودُ على الحياةِ الدُّنيا كما عاد عليها في قوله: ﴿نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا﴾ [هود: 15] .
و» ما «في» مَا صَنَعُوا «يجوز أن تكون بمعنى الذي، فالعائدُ محذوفٌ، أي: الذي صنعوه، وأن تكون مصدرية، أي: وحبط صنعهم.
قوله: ﴿وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ قرأ الجمهورُ برفع الباطل، وفيه ثلاثةُ أوجه:
أحدها: أن يكون» بَاطِلٌ «خبراً مقدماص، و» مَا كانُوا يَعْمَلُون» مبتدأ مؤخَّر، و «ما» تحتملُ أن تكون مصدرية، أي: وباطلٌ كونهم عاملين، وأن تكون بمعنى» الذي «والعائدُ محذوفٌ، أي: يعملونه، وهذا على أنَّ الكلام من عطف الجملِ، عطف هذه الجملة على ما قبلها.
الثاني: أن يكون» باطل «مبتدأ، و» مَا كانُوا يَعْمَلُون» خبرهُ، قال مكي، ولم يذكر غيره، وفيه نظر.
الثالث: أن يكون» بَاطِلٌ «عطفاً على الأخبار قبله، أي: أولئك باطلٌ ما كانوا يعملون و» ما كانُوا يَعْمَلُونَ» فاعلٌ ب «بَاطِلٌ» ، ويرجح هذا ما قرأ به زيد بن علي» وبَطَلَ ما كانُوا يَعملُونَ «جعله فعلاً ماضياً معطوفاً على» حَبطَ» .
وقرأ أبيّ وابن مسعود: «وبَاطلاً» .
قال مكيّ: «وهي في مصحفهما كذلك» .
ونقلها الزمخشري عن عاصم» وبَاطِلاً «نصباً، وفيها ثلاثةُ أوجهٍ:
أحدها: أنَّه منصوبٌ ب» يَعْمَلُون «و» ما «مزيدة، وإلى هذا ذهب مكي، وأبو البقاءِ وصاحب اللوامح، وفيه تقديمُ معمولِ خبر» كان «على» كان «وهي مسألةُ خلافٍ، والصحيحُ جوازها، كقوله تعالى
﴿أهؤلاء إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ﴾ [سبأ: 40] ، فالظاهرُ أنَّ» إيَّاكُمْ» منصوب ب «يَعْبُدُون» .
والثاني: أن تكون «ما» إبهامية، وتنتصب ب «يَعْمَلُون» ومعناه: «باطلاً أي باطلٍ كانُوا يَعْمَلُون» .
والثالث: أن يكون «بَاطِلاً» بمعنى المصدر على بطل بُطلاناً ما كانوا يعملون، ذكر هذين الوجهين الزمخشري، ومعنى قوله «ما» إبهامية أنها هنا صفةٌ للنَّكرة قبلها، ولذلك قدَّرها ب «باطلاً أيَّ باطلٍ» فهو كقوله: [المديد]
2951 - ... ... ... ... ... ... ... ... . ... وحَديثٌ ما عَلَى قِصَرِهْ
و «لأمرٍ ما جدعَ قصيرٌ أنفهُ» ، وقد قدَّم هو ذلك في قوله تعالى: ﴿مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً﴾ [البقرة: 26] .
11:17–23Page 223
أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٖ مِّن رَّبِّهِۦ وَيَتۡلُوهُ شَاهِدٞ مِّنۡهُ وَمِن قَبۡلِهِۦ كِتَٰبُ مُوسَىٰٓ إِمَامٗا وَرَحۡمَةًۚ أُوْلَٰٓئِكَ يُؤۡمِنُونَ بِهِۦۚ وَمَن يَكۡفُرۡ بِهِۦ مِنَ ٱلۡأَحۡزَابِ فَٱلنَّارُ مَوۡعِدُهُۥۚ فَلَا تَكُ فِي مِرۡيَةٖ مِّنۡهُۚ إِنَّهُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يُؤۡمِنُونَ ١٧
So is one who [stands] upon a clear evidence from his Lord [like the aforementioned]? And a witness1 from Him follows it,2 and before it was the Scripture of Moses to lead and as mercy. Those [believers in the former revelations] believe in it [i.e., the Qur’ān]. But whoever disbelieves in it from the [various] factions - the Fire is his promised destination. So be not in doubt about it. Indeed, it is the truth from your Lord, but most of the people do not believe.
وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًاۚ أُوْلَٰٓئِكَ يُعۡرَضُونَ عَلَىٰ رَبِّهِمۡ وَيَقُولُ ٱلۡأَشۡهَٰدُ هَٰٓؤُلَآءِ ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَىٰ رَبِّهِمۡۚ أَلَا لَعۡنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّٰلِمِينَ ١٨
And who is more unjust than he who invents a lie about Allāh? Those will be presented before their Lord, and the witnesses will say, "These are the ones who lied against their Lord." Unquestionably, the curse of Allāh is upon the wrongdoers
ٱلَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَيَبۡغُونَهَا عِوَجٗا وَهُم بِٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ كَٰفِرُونَ ١٩
Who averted [people] from the way of Allāh and sought to make it [seem] deviant while they, concerning the Hereafter, were disbelievers.
أُوْلَٰٓئِكَ لَمۡ يَكُونُواْ مُعۡجِزِينَ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا كَانَ لَهُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِنۡ أَوۡلِيَآءَۘ يُضَٰعَفُ لَهُمُ ٱلۡعَذَابُۚ مَا كَانُواْ يَسۡتَطِيعُونَ ٱلسَّمۡعَ وَمَا كَانُواْ يُبۡصِرُونَ ٢٠
Those were not causing failure [to Allāh] on earth, nor did they have besides Allāh any protectors. For them the punishment will be multiplied. They were not able to hear, nor did they see.1
أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ وَضَلَّ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ ٢١
Those are the ones who will have lost themselves, and lost from them is what they used to invent.
لَا جَرَمَ أَنَّهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ هُمُ ٱلۡأَخۡسَرُونَ ٢٢
Assuredly, it is they in the Hereafter who will be the greatest losers.
إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَأَخۡبَتُوٓاْ إِلَىٰ رَبِّهِمۡ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٢٣
Indeed, they who have believed and done righteous deeds and humbled themselves to their Lord - those are the companions of Paradise; they will abide eternally therein.
قوله تعالى: ﴿أَفَمَن كَانَ على بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ﴾ الآية.
وتقدير تعلقهما بما قبلها: (أفمن كان على بينة من ربه كمن يريد الحياة الدنيا وزينتها) .
وقوله: ﴿أَفَمَن كَانَ على بَيِّنَةٍ﴾ فيه وجهان:
أحدهما: أنه مبتدأ والخبر محذوفٌ، تقديره: أفمن كان على هذه الأشياء كغيره، كذا قدَّرهُ أبو البقاءِ، وأحسن منه (أفمن كان كذا كمن يريد الحياة الدنيا وزينتها) وحذف المعادل الذي دخلت عليه الهمزة كثيرٌ نحو: ﴿أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سواء عَمَلِهِ﴾ [فاطر: 8] ، ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ﴾ [الزمر: 9] إلى غير ذلك، وهذا الاستفهام بمعنى التقرير.
الثاني: - وإليه نحا الزمخشري - أن هذا معطوفٌ على شيءٍ محذوفٍ قبله، تقديره: «أمن كان يريد الحياة الدنيا، وزينتها كمن كان على بينةٍ» ، أي: لا يعقبونهم في المنزلة ولا يقاربونهم.
يريد: أن بين الفريقين تفاوتاً، والمراد من آمن من اليهود كعبد الله بن سلام، وهذا على قاعدته من تقديره معطوفاً بين همزة الاستفهام، وحرفِ العطفِ، وهو مبتدأ أيضاً، والخبر محذوفٌ كما تقدم تقريره.
قوله: «ويَتْلُوهُ» اختلفوا في هذه الضمائر، أعني في «يَتْلوهُ» ، وفي «مِنْهُ» ، وفي «قَبْلِهِ» : فقيل: الهاء في «يَتْلُوهُ» تعودُ على «مَنْ» ، والمراد به النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، وكذلك الضميران في «مِنْهُ» ، و «قَبلهِ» ، والمراد بالشَّاهد لسانه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ والتقدير: ويتلو ذلك الذي على بيِّنةٍ، أي: ويتلو محمَّداً - أي: صِدْقَ محمدٍ - لسانه «ومِنْ قَبْلِهِ» أي: قبل محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
وقيل: الشَّاهدُ جبريلُ - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - والضميرُ في «مِنْهُ» لله - تعالى -، وفي قبله للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ. وقيل: الشَّاهدُ الإنجيلُ، و «كِتابُ مُوسَى» - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - عطف عى «شاهدٌ» ، والمعنى: أنَّ التوراة والإنجيل يتلُوان محمداً في التَّصديق، وقد فصل بين حرف العطف والمعطوف بقوله: «مِنْ قَبْلِهِ» ، والتقدير: شاهدٌ منهُ، وكتابُ موسى من قبله، وقد تقدَّم الكلامُ على الفصلِ بين حرفِ العطفِ، والمعطوفِ مُشْبَعاً في النِّساءِ [58] .
وقيل: الضميرُ في «يتْلوهُ» للقرآن، وفي «مِنْهُ» لمحمدٍ - صلوات الله وسلامه عليه -.
وقيل: لجبريل، والتقدير: ويتلو القرآن شاهدٌ من محمدٍ، وهو لسانهُ، أو من جبريل والهاء في «مِنْ قبلِهِ» أيضاً للقرآن.
وقيل الهاءُ في «يَتْلُوهُ» تعودُ على البيانِ المدلولِ عليه بالبيِّنة.
وقيل: المرادُ بالشَّاهدِ إعجازُ القرآنِ، فالضَّمائر الثلاثة للقرآن. وقيل غير ذلك.
وقرأ محمد بن السَّائب الكلبي «كِتابَ مُوسَى» بالنَّصْب وفيه وجهان:
أظهرهما: أنَّهُ معطوفٌ على الهاءِ في «يَتْلوهُ» ، أي: يتلوه، ويتلو كتابَ مُوسَى، وفصل بالجارِّ بين العاطفِ والمعطوف.
والثاني: أنَّهُ منصوبٌ بإضمار فعلٍ. قال أبُو البقاء: «وقد تمَّ الكلامُ عند قوله» منهُ «و» كتابُ مُوسَى» ، أي: «ويتلُو كتابَ مُوسَى» فقدَّر فعلاً مثل الملفُوظ به، وكأَنَّهُ لَمْ يَرَ الفصل بين العاطف والمعطوف، فلذلك قدَّر فعلاً» .
و «إماماً ورحمةً» منصوبان على الحالِ من «كِتابُ مُوسَى» سواءً أقرىء رفعاً أم نَصْباً.
و «أولئك» إشارةٌ إلى مَنْ كان على بيِّنة، جمع على معناها، وهذا إن أريد ب «مَنْ كَانَ» النبيُّ وصحابته - صلوات الله البر الرحيم وسلامه عليه، ورضي عن صحابته أجمعين - وإن أريد هو وحدهُ فيجوزُ أن يكون عظَّمَهُ بإشارة الجمع كقوله: [الطويل]
2952 - فإنْ شِئْتُ حَرَّمْتُ النِّساءَ سِواكُمُ..... ... ... ... ... ... ... ... ... ...
والهاءُ في «بِهِ» يجوزُ أن تعود على «كِتَابُ مُوسَى» وهو أقربُ مذكورِ. وقيل: بالقرآن، وقيل: بمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، وكذلك الهاء في «بِهِ» الثانية.
و «الأحْزَابُ» الجماعةُ التي فيها غلظةٌ، كأنَّهم لكثرتهم وصفوا بذلك، وفيه وصفُ حمار الوحش ب «حَزَابِيَة» لغلظه. والأحزابُ جمع حِزب وهو جماعة النَّاس.
فصل
قيل: في الآية حذف، والتقدير: «أفمن كان على بيَّنةٍ من ربِّهِ كمن يريدُ الحياة الدنيا وزينتها» ، أو من كان على بيِّنةٍ من ربه كمن هو في الضَّلالةِ.
والمرادُ بالذي هو عليه بيِّنةٍ: النبي - صلوات الله وسلامه عليه -. ﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ﴾ أي: يتبعه من يشهد له بصدقه.
واختلفوا في هذا الشَّاهد: فقال ابنُ عبَّاسٍ، وعلقمة، وإبراهيم، ومجاهد، وعكرمة، والضحاك وأكثرُ المفسِّرين - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم -: إنَّه جبريل - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - وقال الحسنُ وقتادةُ: هو لسانُ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
وروى ابنُ جريج عن مجاهدٍ قال: هو ملك يحفظه ويسدده.
وقال الحسينُ بن ُ الفضلِ: هو القرآن ونظمه.
وقيل: هو عليّ بن أبي طالب - كرَّم الله وجهه - قال علي: «مَا مِنْ رجُلٍ من قريش إلاَّ ونزلت فيه آية من القرآن» ، فقال له رجلٌ: «أي شيء نزل فيك» ؟ قال: «ويَتْلُوهُ شاهدٌ مِنْهُ» .
وقيل: هو الإنجيلُ. و «مِنْ قَبْلِهِ» أي: من قبل مجيء محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
وقيل: من قبل نزول القرآن. ﴿كِتَابُ موسى﴾ أي: كان كتاب موسى ﴿إَمَاماً وَرَحْمَةً﴾ لمن اتَّبعهُ، أي التَّوراة، وهي مصدقةٌ للقرآن، شاهدةٌ للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ﴿أولئك يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ يعني: أصحاب محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
وقيل: أراد الذين أسْلَمُوا من أهل الكتاب.
﴿وَمَن يَكْفُرْ بِهِ﴾ أي: بمحمَّد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
وقيل بالقرآن «مِنَ الأحزابِ» من الكفَّار وأهْلِ المللِ، ﴿فالنار مَوْعِدُهُ﴾ اسمُ مكانِ وعده؛ قال حسَّانُ: [البسيط]
2953 - أوْرَدْتُمُوهَا حِيَاضَ المَوْتِ ضَاحِيَةً ... فالنَّارُ مَوْعِدُهَا والمَوْتُ سَاقِيهَا
قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: والذي نفسُ محمدٍ بيدهِ لا يسمعُ بي أحدٌ من هَذِهِ الأمَّة، ولا يَهُودِيّ ولا نَصْرانيّ، ومات ولَمْ يؤمنْ بالَّذِي أرْسِلْتُ به إلاَّ كَانَ مِنْ أصْحابِ النَّارِ» .
﴿فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ﴾ أي: شكٍّ، و «المِرْيَة» بكسر الميم وضمِّها الشكُّ، لغتان:
أشهرهما الكسرُ، وهي لغة أهْلِ الحجازِ، وبها قرأ الجمهور. والضَّمُّ لغةُ وتميم، وبها قرأ السلمي وأبو رجاء وأبو الخطاب السَّدُوسي.
والمعنى: ﴿فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ﴾ أي: من صحَّة هذا الدِّين، ومن كون هذا القرآن نازِلاً من عند الله - تعالى -.
وقيل: ﴿فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ﴾ من أنَّ موعد الكفار النَّارُ.
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِباً أولئك يُعْرَضُونَ على رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الأشهاد هؤلاء الذين كَذَبُواْ على رَبِّهِمْ أَلاَ لَعْنَةُ الله عَلَى الظالمين﴾ الآية.
أورده في معرض المبالغة دليلاً على أنَّ الافتراء على الله - تعالى - أعظمُ أنواع الظُّلْمِ.
﴿أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ﴾ [الأنعام: 21] يعنى: القرآن،» أولَئِكَ «يعنى: الكاذبين والمكذبين.
﴿يُعْرَضُونَ على رَبِّهِمْ﴾ فيسألهم عن إيمانهم، وخصَّهم بهذا العرض، وإن كان العرضُ عاماً في كُلِّ العباد لقوله تعالى: ﴿وَعُرِضُواْ على رَبِّكَ صَفَّاً﴾ [الكهف: 48] ؛ لأنهم يعرضون، فيفتضحون بأن يقول الأشهاد عند عرضهم: ﴿هؤلاء الذين كَذَبُواْ على رَبِّهِمْ﴾ فليحقهم من الخزي والنَّكالِ ما لا مزيد عليه.
و» الأشهادُ «جمعُ شاهد، كصاحب وأصحاب، أو جَمْعُ شهيد كشريف وأشْراف.
والمرادُ ب» الأشهادِ «قال مجاهدٌ هم الملائكة الحفظة.
وقال قتادةُ، ومقاتلٌ:» الأشْهَادُ» النَّاس.
وقيل: الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام -.
فإن قيل: إذا لمْ يجز أن يكون الله - تعالى - في مكان؛ فكيف قال ﴿يُعْرَضُونَ على رَبِّهِمْ﴾ فالجوابُ: أنَّهُم يُعْرضُونَ على الأماكنِ المعدَّة للحساب، والسؤال، ويجُوزُ أن يعرضوا على من شاء الله من الخلقِ بأمر الله من الملائكة والأنبياء والمؤمنين.
ثُمَّ لمَّا أخبر عن حالهم في عقاب القيامة أخبر أنَّهُم في الحال ملعونون عند الله - عزَّ وجلَّ -.
روى عبد الله بن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «إنَّ الله - تعالى - يُدْنِي المُؤمنَ يَوْمَ القيامةِ فيسْتُرهُ مِنَ النَّاسِ، فيقُولُ: أي عَبْدِي أتعرفُ ذَنْبَ كذا وكذا؟ فيقول: نَعَمْ حتّى إذا قرَّرهُ بذُنُوبهِ، قال: فإنِّي سترتُها عليْكَ في الدنيا، وقد غفرتها لك اليوم ثُمَّ يُعْطَى كتابَ حسناتهِ، وأمَّا الكُفَّار والمُنافقُون، فيقُولُ الأشْهَادُ: هؤلاء الذين كذبُوا على ربِّهمْ ألا لَعْنَةُ الله على الظَّالمينَ» .
﴿الذين يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله﴾ يمنعون عن دين الله ﴿وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً﴾ أي: إنَّهم كما ظلموا أنفسهم بالتزام الكفر، والضَّلال، فقد أضافُوا إليه المنع من الدِّين الحق، وإلقاءِ الشُّبهِ وتعويج الدَّلائلِ المستقيمة؛ لأنه لا يقال في العاصي: يبغي عوجاً، وإنما يقالُ ذلك في العالم بكيفيه الاستقامة وكيفية العوج بسبب إلقاء الشُّبهاتِ.
ثم قال: ﴿وَهُمْ بالآخرة هُمْ كَافِرُونَ﴾ .
قال الزَّجَّاجُ: «كرر كلمة» هُمْ «توكيداً لشأنهم في الكُفْرِ» .
﴿أولئك لَمْ يَكُونُواْ مُعْجِزِينَ﴾ .
قال الواحديُّ: «معنى الإعجاز المنع من تحصيل المراد، يقال: أعجزني فلانٌ: أي: منعني من مرادي، ومعنى ﴿مُعْجِزِينَ فِي الأرض﴾ أي: لا يمكنهم أن يهربُوا من عذابنا، فإنَّ هربَ العبدِ من عذابِ الله - تعالى - محالٌ؛ لأنَّه - تعالى - قادرٌ على جميع الممكنات» .
وقال ابنُ عبَّاس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - «سَابقين» .
وقال مقاتلٌ: «فائتين» .
﴿فِي الأرض وَمَا كَانَ لَهُمْ مِّن دُونِ الله مِنْ أَوْلِيَآءَ﴾ يعني أنْصَاراً يحفظونهم من عذابنا.
﴿يُضَاعَفُ لَهُمُ العذاب﴾ أي: يُزادُ في عذابهم. وقيل: تضعيف العذاب عليهم لإضلالهم الغير.
وقيل سبب تضعيف عذابهم أنَّهُم كفروا بالبَعْثِ والنشور.
قوله: ﴿مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ السمع﴾ يجوز في «ما» هذه ثلاثة أوجهٍ:
أحدها: أن تكون نافيةً، نفى عنهم ذلك لمَّا لمْ يَنْتَفعُوا به، وإن كانُوا ذوي أسماع وأبصار، أو يكون متعلَّقُ السَّمْعِ والبصر شيئاً خاصاً.
والثاني: أن تكون مصدرية، وفيها حينئذٍ تأويلان:
أحدهما: أنَّها قائمةٌ مقام الظرف، أي: مُدة استطاعتهم، وتكونُ «مَا» منصوبة ب «يُضاعَفُ» ، أي: لا يضاعفُ لهم العذابُ مُدة استطاعتهم السَّمْعَ والأبصار.
والثاني: أنَّها منصوبة المحلِّ على إسقاطِ حرف الجر كما يحذف من «أنْ» و «أنّ» اختيها، وإليه ذهب الفرَّاءُ، وذلك الجَارُّ متعلقٌ أيضاً ب «يُضَاعَفُ» أي: يضاعفُ لهم بكونهم كانوا يسمعون، ويبصرون، ولا ينتفعون.
والثالث: أن تكون «ما» بمعنى «الَّذي» ، وتكون على حذف حرف الجر أيضاً، أي: بالذي كانوا، وفيه بعدٌ لأنَّ حذف الحرفِ لا يطَّرد.
والجملة من قوله: «يُضاعَفُ» مستأنفة.
وقيل: إنَّ الضمير في قوله «مَا كَانُوا» يعودُ على «أوْليَاء» وهم آلهتهم، أي: فما كان لهم في الحقيقةِ من أولياء، وإن كانُوا يعتقدون أنَّهم أولياء، فعلى هذا يكون ﴿يُضَاعَفُ لَهُمُ العذاب﴾ معترضاً.
فصل
احتجُّوا بهذه الآية على أنه سبحانه وتعالى قد يخلقُ في المكلف ما يمنعه من الإيمان.
روي عن ابن عبَّاس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - أنَّهُ قال: إنَّه تعالى منع الكافرين من الإيمان في الدنيا وفي الآخرة.
أمَّا في الدنيا ففي قوله ﴿مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ السمع وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ﴾ .
وأمَّا في الآخرة ففي قوله - عَزَّ وَجَلَّ - ﴿وَيُدْعَوْنَ إِلَى السجود فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم: 42] .
ثم قال تعالى: ﴿أولئك الذين خسروا أَنْفُسَهُمْ﴾ أي: أنهم اشتروا عبادة الآلهة بعبادة الله، فكان هذا الخسران أعظم وجوه الخسران.
﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ يزعمون من شفاعة الملائكة والأصنام.
قوله: «لا جَرَمَ» في هذه اللفظةِ خلافٌ بين النحويين، ويتلخصُ ذلك في خمسة أوجهٍ:
أحدها - وهو مذهبُ الخليل وسيبويه وجماهير النَّاس - أنََهُما رُكِّبتا من «لا» النَّافية و «جَرَم» وبُنيتَا على تركيبها تركيب خمسة عشر، وصار معناهما معنى فعل وهو «حقَّ» فعلى هذا يرتفعُ ما بعدهما بالفاعليَّة، فقوله - تعالى -: ﴿لاَ جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النار﴾ [النحل: 62] أي: حق وثبت كون النَّار لهم، أو استقرارها لهم.
الوجه الثاني: أنَّ «لا جَرَمَ» بمنزلة «لا رجُل» في كون «لا» نافية للجنس، و «جَرَمَ» اسمها مبنيٌّ معها على الفتح، وهي واسمها في محلِّ رفعٍ بالابتداء، وما بعدها خبر «لا» النافية، وصار معناها: لا محالة ولا بُدَّ، قاله الفرَّاءُ.
الثالث: - كالذي قبله - إلاَّ أنَّ «أنَّ» وما بعدها في محلِّ نصبٍ، أو جرٍّ بعد حذف الجار، إذ التقدير: لا محالةَ أنَّهُم في الآخرة، أي: في خسرانهم.
الرابع: أنَّ «لا» نافيةٌ لكلام متقدم تكلَّم به الكفرةُ، فردَّ الله ذلك عليهم بقوله: «لا» كما تُرَدُّ «لا» هذه قبل القسم في قوله - عزَّ وجلَّ - ﴿لاَ أُقْسِمُ بهذا البلد﴾ [البلد: 1] وقوله تعالى: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ [النساء: 65] وقد تقدَّم تحقيقه، ثم أتى بعدها بجملة فعلية، وهي «جرم أنَّ لهُم كَذَا» ، و «جرم» فعل ماضٍ معناه «كسب» ، وفاعله مستتر يعودُ على فعلهم المدلول عليه بسياق الكلام، و «أنَّ» وما في حيِّزها في موضع المفعول به، لأنَّ «جَرَمَ» يتعدَّى إذْ هو بمعنى «كَسَبَ» ؛ قال الشاعر: [الوافر] 2954 - نَصَبْنَا رَأْسَهُ فِي جِذْعِ نَخْلٍ ... بِمَا جَرَمَتْ يَدَاهُ ومَا اعْتَدَيْنَا
أي: بما كسبتْ يداهُ، وقد تقدَّم تحقيقُ ذلك في المائدة [6] وجريمةُ القوم كاسبهم؛ قال: [الوافر]
2955 - جَرِيمةُ نَاهِضٍ فِي رَأسِ نيقٍ ... تَرَى لِعظَامِ ما جَمَعَتْ صَلِيبا
فتقدير الآية: كَسَبَهُم - فعلهم أو قولهم - خسرانهم، وهذا قول أبي إسحاق الزجاج، وعلى هذا فالوقفُ على قوله «لا» ثم يبتدأ ب «جَرَمَ» بخلاف ما تقدَّم.
الوجه الخامس: أن معناها لا صدَّ ولا منع، وتكون «جَرَمَ» بمعنى «القطع» تقول: جرمتُ أي: قطعت، فيكون «جَرَمَ» اسمَ «لا» مبنياً معها على الفتح؛ كما تقدَّم، وخبرها «أنَّ وما في حيِّزها، أو على حذف حرف الجر، أي: لا منع من خسرانهم؛ فيعودُ الخلافُ المشهور وفي هذه اللفظةِ لغاتٌ: فيقال: لا جِرمَ بكسر الجمي، ولا جُرم بضمها، ولا جَرَ بحذف الميم، ولا ذا جرم، ولا إنَّ ذا جرم، ولا عن ذا جرم، ولا أنْ جرم، ولا ذُو جرم، ولا ذا جر والله لا أفعل ذلك.
وعن أبي عمروٍ: ﴿لاَ جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النار﴾ [النحل: 62] على وزن لا كرم، يعني بضمِّ الراءِ، ولا جرَ، قال:» حذفُوه لكثرةِ الاستعمالِ كما قالوا: «سَو ترى» أي: سوف ترى» .
وقوله: ﴿هُمُ الأخسرون﴾ يجوز أن يكون «هُمُ» فصلاً، وأن يكون توكيداً، وأن يكون مبتدأ وما بعده خبره، والجملةُ خبر «أنَّ» .
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات وأخبتوا إلى رَبِّهِمْ﴾ لمَّا ذكر عقوبة الكافرين وخسرانهم، أتبعهُ بذكر أحوالِ المؤمنين، والموصولُ اسم «إنَّ» ، والجملةُ من قوله ﴿أولئك أَصْحَابُ الجنة﴾ خبرها.
والإخْبَاتُ: الاطمئنان والتذلُّل، والتَّواضع، والخضوع، وأصله من الخَبْتِ وهو المكانُ المطمئنُّ، أي المنخفضُ من الأرض، وأخْبَتَ الرَّجلُ: دخل في مكانٍ خبت، كأنْجَدَ وأتهم إذا دخل في أحذ هذين المكانين، ثُمَّ تُوُسِّعَ فيه فقيل: خَبَتَ ذكرهُ، أي: خَمَدَ، ويقال للشَّيءِ الدَّنيء الخبيث؛ قال الشاعر: [الخفيف]
2956 - يَنْفَعُ الطَّيِّبُ القليلُ مِنَ الرِّزْ ... قِ ولا ينفعُ الكثيرُ الخَبِيتُ هكذا ينشدون هذا البيت في هذه المادة، الزمخشري وغيره.
والظَّاهرُ أن يكون بالثَّاءِ المثلثة ولا سيما لمقابلته بالطَّيِّب، ولكن الظَّاهر من عباراتهم أنَّه بالتاء المثناة لأنَّهُم يسوقونهُ في هذه المادةِ، ويدل على أنَّ معنى البيت إنما هو على الثَّاء المثلثة قول الزمخشري: «وقيل: التَّاءُ فيه بدل من الثَّاءِ» .
ومن مجيء «الخَبْت» بمعنى المكان المطمئن قوله: [الوافر]
2957 - أفَاطِمُ لَو شَهِدْتِ ببطْنِ خَبْتٍ ... وقَدْ قَتَلَ الهزَبْرُ أخَاكِ بِشْرَا
وفي تركيب البيت قلقٌ، وحلُّهُ: لو شهدتِ أخاك بشراً وقد قتل الهِزَبْرَ، ففاعل «قتل» ضمير يعودُ على «أخاك» .
و «أخْبَت» يتعدَّى ب «إلى» كهذه الآية، وباللاَّم كقوله تعالى: ﴿فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحج: 54] ومعنى الآية:
قال ابنُ عباسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - خافُوا.
وقال قتادةُ: تابُوا وقال مجاهدٌ: اطمأنُّوا.
وقيل: خشعُوا إلى ربِّهم. ﴿أولئك أَصْحَابُ الجنة هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ .
11:24Page 224
۞ مَثَلُ ٱلۡفَرِيقَيۡنِ كَٱلۡأَعۡمَىٰ وَٱلۡأَصَمِّ وَٱلۡبَصِيرِ وَٱلسَّمِيعِۚ هَلۡ يَسۡتَوِيَانِ مَثَلًاۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ٢٤
The example of the two parties is like the blind and deaf, and the seeing and hearing. Are they equal in comparison? Then, will you not remember?
لمَّا ذكر الفريقين ذكر لهما مثالاً مطابقاً.
﴿مَثَلُ الفريقين﴾ مبتدأ، و ﴿كالأعمى﴾ خبره، ثُمَّ هذه الكاف يحتمل أن تكون هي نفس الخبر، فتقدَّر ب «مثل» ، تقديره: مثلُ الفريقين مثل الأعمى.
ويجوزُ أن تكون «مَثَلُ» بمعنى «صفة» ، ومعنى الكافِ معنى «مِثْل» ، فيقدَّر مضافٌ محذوفٌ، أي: كمثل الأعمى.
وقوله: ﴿مَثَلُ الفريقين كالأعمى﴾ يجوزُ أن يكون من باب تشبيه شيئين بشيئين، فقابل العمى بالبصَرِ، والصَّمَم بالسَّمْع، وهو من الطِّباق، وأن يكون من تشبيه شيءٍ واحد بوصفيه بشيءٍ واحدٍ بوصفيه، وحينئذٍ يكون قوله: ﴿كالأعمى والأصم﴾ وقوله: ﴿والبصير والسميع﴾ من بابِ عطف الصفات؛ كقوله: [المتقارب]
2958 - إلى المَلكِ القَرْمِ وابْنِ الهُمَامِ ... وليْثِ الكتيبَةِ في المُزْدَحَمْ
وقد أحسن الزمخشريُّ في التَّعبير عن ذلك فقال: شبَّه فريق الكافرين بالأعمى والأصم وفريق المؤمنين بالبصيرِ والسَّميعِ، وهو من اللفِّ والطِّباق، وفيه معنيان: أن يُشَبِّه الفريقين تشبيهين اثنين، كما شبَّه امرؤُ القيس قلوبَ الطَّير بالحشفِ والعُنَّاب، وأن يُشَبِّه بالذي جمع بين العمى والصَّمم، والذي جمع بين البصرِ والسَّمعِ، على أن تكون الواو في «والأصَمِّ» وفي «والسَّمِيع» لعطف الصِّفةِ على الصفة كقوله: [السريع]
2959 - ... ... ... ... ... ... ... . . الصْ ... صَابحِ فالغَانِمِ فالآيِبِ
يريد بقوله: «اللَّف» أنه لفَّ المؤمنين، والكافرين اللَّذين هما مشبَّهان بقوله: «الفريقين» ولو فسَّرهما لقال: مثلُ الفريق المؤمن كالبصيرِ والسَّميع، ومثلُ الكافر كالأعمى والأصم، وهي عبارةٌ مشهورةٌ في علم البيان: لفظتان متقابلتان، اللَّفُّ والنشرُ، أشار لقول امرىء القيس: [الطويل]
2960 - كأنَّ قُلُوبَ الطَّيْر رَطْباً ويَابِساً ... لَدَى وكْرِهَا العُنَّابُ والحَشَفُ البَالِي
أصلُ الكلامِ: كأنَّ الرَّطْبَ من قلوب الطَّيرِ: العُنَّابُ، واليابس منها: الحَشَفُ، فلفَّ ونشر، وللّف والنشر في علم البيان تقسيمٌ كثير، ليس هذا موضعه.
وأشار بقوله: «الصَّابح فالغانم» إلى قوله: [السريع]
2961 - يَا وَيْحَ زيَّابةَ لِلْحَارثِ الصْ ... صَابِحِ فالغَانمِ فالآيِبِ
وقد تقدَّم ذلك في أول البقرة.
فإن قيل: لِمَ قدّضم تشبيه الكافر على المؤمن؟
فالجوابُ: لأنَّ المتقدِّمَ ذكر الكفَّار، فلذلك قدَّم تمثيلهم.
فإن قيل: ما الحكمةُ في العدول عن هذا التركيب لو قيل: كالأعمى والبصير، والأصم والسَّميع، لتتقابل كلُّ لفظةٍ مع ضدها، ويظهر بذلك التَّضادُّ؟ .
فالجوابُ: بأنَّه تعالى لمَّا ذكر انسدادَ العين أتبعهُ بانسدادِ الأذن، ولمَّا ذكر انفتاح العين أتبعهُ بانفتاح الأذن، وهذا التَّشبيهُ أحدُ الأقسام، وهو تشبيهُ أمْرٍ معقول بأمر محسوس، وذلك أنَّهُ شبَّه عمى البصيرة وصممها بعمى البصرِ وصمم السَّمع، ذاك متردِّدٌ في ظُلمِ الضَّلالات، كما أنَّ هذا مُتحير في الطُّرقاتِ.
قوله: مَثَلاً «تمييز، وهو منقولٌ من الفاعليَّة، والأصلُ: هل يستوي مثلهما، كقوله تعالى ﴿واشتعل الرأس شَيْباً﴾ [مريم: 4] وجوَّز ابنُ عطية أن يكون حالاً، وفيه بعدٌ صناعةً ومعنى؛ لأنَّه على معنى» مِنْ «لا على معنى» في» .
ثم قال: ﴿أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ مُنَبِّهاً على أنَّهُ يمكنه علاج هذا العمى وهذا الصَّمَم، وإذا كان العلاجُ مُمْكناً، وجب على العاقل أن يسعى في ذلك العلاج بقدر الإمكان.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences