Ibn 'AdilHud · 11:36–44

Ibn 'Adil · Tafsir · in Arabic

Hud 11:36–44

11:36–44Page 225

وَأُوحِيَ إِلَىٰ نُوحٍ أَنَّهُۥ لَن يُؤۡمِنَ مِن قَوۡمِكَ إِلَّا مَن قَدۡ ءَامَنَ فَلَا تَبۡتَئِسۡ بِمَا كَانُواْ يَفۡعَلُونَ ٣٦

And it was revealed to Noah that, "No one will believe from your people except those who have already believed, so do not be distressed by what they have been doing.

وَٱصۡنَعِ ٱلۡفُلۡكَ بِأَعۡيُنِنَا وَوَحۡيِنَا وَلَا تُخَٰطِبۡنِي فِي ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ إِنَّهُم مُّغۡرَقُونَ ٣٧

And construct the ship under Our observation and Our inspiration and do not address Me concerning those who have wronged; indeed, they are [to be] drowned."

وَيَصۡنَعُ ٱلۡفُلۡكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيۡهِ مَلَأٞ مِّن قَوۡمِهِۦ سَخِرُواْ مِنۡهُۚ قَالَ إِن تَسۡخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسۡخَرُ مِنكُمۡ كَمَا تَسۡخَرُونَ ٣٨

And he constructed the ship, and whenever an assembly of the eminent of his people passed by him, they ridiculed him. He said, "If you ridicule us, then we will ridicule you just as you ridicule.

فَسَوۡفَ تَعۡلَمُونَ مَن يَأۡتِيهِ عَذَابٞ يُخۡزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيۡهِ عَذَابٞ مُّقِيمٌ ٣٩

And you are going to know who will get a punishment that will disgrace him [on earth] and upon whom will descend an enduring punishment [in the Hereafter]."

حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَمۡرُنَا وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ قُلۡنَا ٱحۡمِلۡ فِيهَا مِن كُلّٖ زَوۡجَيۡنِ ٱثۡنَيۡنِ وَأَهۡلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيۡهِ ٱلۡقَوۡلُ وَمَنۡ ءَامَنَۚ وَمَآ ءَامَنَ مَعَهُۥٓ إِلَّا قَلِيلٞ ٤٠

[So it was], until when Our command came and the oven overflowed,1 We said, "Load upon it [i.e., the ship] of each [creature] two mates and your family, except those about whom the word [i.e., decree] has preceded, and [include] whoever has believed." But none had believed with him, except a few.

۞ وَقَالَ ٱرۡكَبُواْ فِيهَا بِسۡمِ ٱللَّهِ مَجۡر۪ىٰهَا وَمُرۡسَىٰهَآۚ إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٞ رَّحِيمٞ ٤١

And [Noah] said, "Embark therein; in the name of Allāh [are] its course and its anchorage. Indeed, my Lord is Forgiving and Merciful."

وَهِيَ تَجۡرِي بِهِمۡ فِي مَوۡجٖ كَٱلۡجِبَالِ وَنَادَىٰ نُوحٌ ٱبۡنَهُۥ وَكَانَ فِي مَعۡزِلٖ يَٰبُنَيَّ ٱرۡكَب مَّعَنَا وَلَا تَكُن مَّعَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٤٢

And it sailed with them through waves like mountains, and Noah called to his son who was apart [from them], "O my son, come aboard with us and be not with the disbelievers."

قَالَ سَـَٔاوِيٓ إِلَىٰ جَبَلٖ يَعۡصِمُنِي مِنَ ٱلۡمَآءِۚ قَالَ لَا عَاصِمَ ٱلۡيَوۡمَ مِنۡ أَمۡرِ ٱللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَۚ وَحَالَ بَيۡنَهُمَا ٱلۡمَوۡجُ فَكَانَ مِنَ ٱلۡمُغۡرَقِينَ ٤٣

[But] he said, "I will take refuge on a mountain to protect me from the water." [Noah] said, "There is no protector today from the decree of Allāh, except for whom He gives mercy." And the waves came between them, and he was among the drowned.

وَقِيلَ يَٰٓأَرۡضُ ٱبۡلَعِي مَآءَكِ وَيَٰسَمَآءُ أَقۡلِعِي وَغِيضَ ٱلۡمَآءُ وَقُضِيَ ٱلۡأَمۡرُ وَٱسۡتَوَتۡ عَلَى ٱلۡجُودِيِّۖ وَقِيلَ بُعۡدٗا لِّلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ٤٤

And it was said, "O earth, swallow your water, and O sky, withhold [your rain]." And the water subsided, and the matter was accomplished, and it [i.e., the ship] came to rest on the [mountain of] Jūdiyy. And it was said, "Away with the wrongdoing people."

قوله تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إلى نُوحٍ﴾ الجمهور على «أوحِيَ» مبنياً للمفعول، والقائمُ مقام الفاعل ﴿أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ﴾ أي: أوحِيَ إليه عدمُ غيمان بعض القوم.

وقرأ أبو البرهسم «أوْحَى» مبنياً للفاعل وهو الله - سبحانه وتعالى -، «إنَّهُ» بكسر الهمزة وفيها وجهان:

أحدهما: - وهو أصلٌ للبصريين - أنَّهُ على إضمار القول.

والثاني: - وهو أصلُ للكوفيين - أنَّهُ على إجراء الإيحاء مُجْرَى القول.

قوله «فَلاَ تَبْتَئِسْ» هو تفتعل من البُؤسِ، ومعناه الحزنُ في استكانة، ويقال: ابتأسَ فلانٌ، أي: بلغه ما يكرهه؛ قال: [البسيط]

2968 - مَا يَقْسِمِ اللهُ أقْبَلَ غَيْرَ مُبْتَئِسٍ ... مِنْهُ وأقْعُدْ كَرِيماً نَاعِمَ البَالِ وقال آخر: [البسيط]

2969 - وكَمْ مِنْ خَليلٍ أوْ حَميمٍ رُزِئْتُهُ ... فَلَمْ نَبْتَئِسْ والرُّزْءُ فِيهِ جَلِيلِ

فصل

دلَّت هذه الآية على صحة القول بالقضاءِ والقدرِ؛ لأنَّه تعالى أخبر بأنهم لا يؤمنون بعد ذلك، فلو حصل إيمانهم؛ لكان إمَّا مع بقاءِ هذا الخبر صدقاً، ومع بقاء هذا العلم علماً، أو مع انقلاب هذا الخبر كذباً ومع انقلابِ هذا العلم جهلاً.

والأولُ باطلٌ؛ لأنَّ وجود الإيمان مع أن يكون الإخبار عن عدمِ الإيمانِ صدقاً، ومع كون العلم بعد الإيمان حاصلاً حال وجود الإيمان جمعٌ بين النَّقيضين.

والثاني أيضاً باطلٌ؛ لأنَّ انقلاب علم الله - تعالى - جهلاً وخبره كذباً محال، ولما كان صدور الإيمان منهم لا بدَّ وأن يكون على أحد هذين القسمين، وثبت أنَّ كلَّ واحدٍ منهما محالٌ كان صدور الإيمان منهم محالاً، مع أنَّهم كانوا مأمورين به، وأيضاً: فالقومُ كانُوا مأمورين بالإيمان، ومن الإيمان تصديق الله تعالى - في كُلِّ ما أخبر عنه، وقد أخبر أنَّهُ ﴿ ... لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ﴾ فينبغي أن يقال: إنَّهم كانُوا مأمورين بأن يؤمنوا بأنَّهم لا يؤمنون ألبتة، وذلك تكليفٌ بالجمع بين النَّقيضين.

قوله تعالى: ﴿واصنع الفلك بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾ .

«بأعْينِنَا» حالٌ من فاعل «اصْنَع» أي: محفُوظاً بأعيننا، وهو مجازٌ عن كلاء الله له بالحفظ.

وقيل: المراد بهم الملائكة تشبيهاً لهم بعيون النَّاس، أي: الذين يتفقَّدُونَ الأخبارَ، والجمع حينئذٍ حقيقةٌ. وقرأ طلحةُ بنُ مصرف «بأعْيُنَّا» مدغمة.

فصل

قوله تعالى: ﴿واصنع الفلك﴾ الظَّاهر أنه أمر إيجاب؛ لأنَّه لا سبيل إلى صون روح نفسه، وأرواح غيره من الهلاكِ إلا بهذا الطريق، وصون النَّفْسِ من الهلاك واجب، وما لا يتم الواجب إلاَّ به فهو واجبٌ، ويحتملُ أن يكون أمر إباحةٍ، وهو بمنزلة أن يتخذ الإنسانُ لنفسه داراً يسكنها، أو يكون ذلك تعليماً له ولمن بعده كيفية عمل السفينة، ولا يكونُ ذلك من باب ما لا يتمُّ الواجب إلاَّ به، فإنَّ الله - تبارك وتعالى - خلَّص موسى وقومه من الطُّوفان من غير سفينةٍ، وكان ذلك معجزة له.

وأما قوله: «بأعْيُنِنَا» فلا يمكنُ إجراؤه على ظاهره لوجوهٍ: أحدها: أنه يقتضي أن يكون لله أعين كثيرة، وهذا يناقض قوله تعالى: ﴿وَلِتُصْنَعَ على عيني﴾ [طه: 39] .

وثانيها: أنَّهُ يقتضي أن يصنع الفلك بتلك الأعين، كقولك: قطعت بالسكين، وكتبت بالقلم، ومعلوم أن ذلك باطل.

وثالثها: أنَّه - تعالى - مُنَزَّه عن الأعضاء، والأبعاض؛ فوجب المصيرُ إلى التأويل، وهو من وجوه:

الأول: معنى «بِأعْيُنِنَا» أي: بنزول الملك؛ فيعرفه بخبر السفينة، يقال: فلان عين فلان أي: ناظر عليه.

والثاني: أنَّ من كان عظيمَ العنايةِ بالشيء فإنه يضع عينه عليه؛ فلمَّا كان وضع العين على الشَّيء سبباً لمبالغة الحفظ جعل العين كناية عن الاحتفاظ، فلهذا قال المفسِّرون: معناه: بحفظنا إيَّاك حفظ من يراك، ويملك دفع السُّوء عنك.

وحاصل الكلام أن عمل السَّفينة مشروط بأمرين:

أحدهما: أن لا يمنعه أعداؤه من ذلك العمل.

والثاني: أن يكون عالماً بكيفيَّة تأليف السَّفينة وتركيبها.

وقوله: «وَوَحْيِنَا» إشارة إلى أنَّه تعالى يوحي إليه كيفية عمل السَّفينة.

وقوله: ﴿وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي الذين ظلموا إِنَّهُمْ مُّغْرَقُونَ﴾ فقيل: لا تطلب منِّي تأخير العذاب عنهم، فإنِّي قد حكمتُ عليهم بهذا الحم، فلمَّا علمَ نوحٌ ذلك دعا عليهم بعد ذلك وقال: ﴿رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأرض مِنَ الكافرين دَيَّاراً﴾ [نوح: 26] . وقيل: «لا تُخَاطِبْنِي» في تعجيلِ العذابِ فإنِّي لمَّا قضيتُ عليهم إنزال العذاب في وقت معين كان تعجيله ممتنعاً.

وقيل: المرادُ ب «الذينَ ظلمُوا» بانه وامرأته.

قوله: ﴿وَيَصْنَعُ الفلك﴾ قيل: هذا حكايةُ حال ماضيه أي: في ذلك الوقت كان يصدق عليه أنه يصنع الفلك. وقيل: ألتقديرُ: وأقبل يصنع الفلك، فاقتصر على قوله: «يَصْنَع» . قيل: إن جبريل أتى نُوحاً عليه السَّلام فقال: إنَّ ربَّك يأمُركُ أن تَصْنَعَ الفلك، فقال: كيف أصنع ولست بنجَّارٍ؟ فقال: إنَّ ربَّك يقولُ: اصْنَعْ فإنَّكَ بعَيْنِي، فأخذ القدوم، وجعل يصنعُ ولا يخطئ. وقيل: أوحى الله إليه يجعلها مثل جُؤجُؤ الطَّائر.

روي أنَّ نوحاً - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - لمَّا دَعَا على قومهِ وقال: ﴿رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأرض مِنَ الكافرين دَيَّاراً﴾ [نوح: 26] استجاب الله دعاءه وأمره أن يَغْرِسَ شجرة ليعمل منها السفينة؛ فغرسها وانتظرها مائة سنة، ثم نجَّرها في مائة سنة أخرى.

وقيل: في أربعين سنة، وكانت من خشب الساج. وفي التوراة أنها من الصنوبر.

قال البغويُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أمره أن يجعل طولها ثمانين ذراعاً، وعرضها خمسين ذراعاً، وأن يطلي ظاهرها وباطنها بالقارِ وقال قتادة: كان طولها ثلثمائة ذراع [وعرضها خمسين ذراعاً.

وعن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - كان طولها ألفاً ومائتي ذراع في عرض ستمائة ذراع] .

وقيل: ألف ذراعٍ في عرض مائة ذراعٍ.

واتفقوا كلهم على أنَّ ارتفاعها ثلاثون ذراعاً، وكانت ثلاث طبقات كلُّ واحدة عشرة أذرع، فالسفلى للدَّواب والوحوش، والوسطى للنَّاس، والعليا للطيور، ولها غطاء من فوق يطبق عليها.

قال ابنُ الخطيب - رَحِمَهُ اللَّهُ - والذي نعلمه أنَّ السَّفينة كانت سعتها بحيث تسعُ المؤمنين من قومه، ولما يحتاجون إليه، ولحصول زوجين لكلّ حيوان؛ لأنَّ هذا القدر مذكور في القرآن، فأما تعيينُ ذلك القدر فغير معلوم.

قوله: «وَكُلَّمَا مَرَّ» العاملُ في «كُلَّمَا» «سَخِرَ» ، و «قَالَ» مستأنف، إذ هو جوابٌ لسؤال سائل. وقيل: بل العامل في «كُلَّما» «قال» ، و «سَخِرُوا» على هذا إمَّا صفة ل «مَلأ» ، وإمَّا بدلٌ مِنْ «مرَّ» ، وهو بعيدٌ جدّاً، إذ ليس «سَخِرَ» نوعاً من المرور، ولا هو هو فكيف يبدل منه؟ والجملةُ من قوله «كُلَّما» إلى آخره في محلِّ نصبٍ على الحالِ أي: يصنع الفلك والحالُ أنَّه كُلَّما مرَّ.

فصل

اختلفوا فيما كانوا لأجله يسخرون، فقيل: إنهم كاوا يقولون له: كنت تدَّعي الرسالة، فصرت نجَّاراً. وقيل: كانوا يقولون: لو كنت صادقاً في دعواك لكان إلهك يغنيك عن هذا العمل الشاق.

وقيل: إنَّهم كانُوا ما رَأوا السَّفينة قبل ذلك وما عرفوا كيفية الانتفاع بها، فكانوا يتعجَّبُون منه ويسخرُون - وقيل: إنَّ تلك السَّفينة كانت كبيرة، وكان يصنعها في موضع بعيد عن الماء جدّاً، وكانوا يقولون له: ليس ههنا ماء، ولا يمكنك نقلها لماءِ البحار، فكانوا يُعدُّون ذلك من باب السخرية.

وقيل: إنَّه لمَّا طال مكثه فيهم، وكان ينذرهم بالغرقِ، وما شاهدُوا من ذلك المعنى خبراً ولا أثراً غلب على ظنونهم كذبه في ذلك النقل، فلمَّا اشتغل بعمل السفينة، سخرُوا منه، وكل هذه الوجوه محتملة.

ثم إنَّه تعالى حكى عنه أنه كان يقول: ﴿إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ﴾ أي: مثل سخريتكُمْ إذا غرقتم في الدنيا ووقعتم في العذاب يوم القيامة. وقيل: إن حكمتم علينا بالجَهْلِ فيما نصنع فإنَّا نحكم عليكم بالجهلِ فيما أنتم عليه من الكفر، والتَّعرض لسخطِ الله وعذابه، فأنتم أولى بالسُّخرية مِنَّا.

فإن قيل: كيف تجُوزُ السخرية من النبي؟ .

فالجوابُ: هذا ازدواج للكلام يعنى: إن تَسْتجْهلوني فإنِّي أستجهلكم إذا نزل بكم العذاب.

وقيل: معناه: إن تَسْخَرُوا منَّا فسترون عاقبة سخريتكم.

وقيل: سمى المقابلة سخرية كقوله ﴿وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [الشورى: 40] .

قوله: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ﴾ .

في «مَنْ» وجهان:

أحدهما: أن تكون موصولة.

والثاني: أن تكون استفهاميَّة، وعلى كلا التقديرين ف «تَعْلَمُونَ» إمَّا من باب اليقينِ، فتتعدَّى لاثنين، وإمَّا من بابِ العرفان فتتعدَّى لواحد.

فإذا كانت هذه عرفانية و «مَنْ» استفهامية كانت «مَنْ» ، وما بعدها سادَّة مسدَّ مفعول واحد، وإن كانت متعديةً لاثنين كانت سادَّة مسدَّ المفعولين وإذا كانت «تَعْلَمُونَ» متعديةً لاثنين، و «مَنْ» موصولة كانت في موضع المفعول الأوَّلِ، والثاني محذوفٌ قال ابن عطيَّة: «وجائزٌ أن تكون المتعدية إلى مفعولين، واقتصر على الواحدِ» .

وهذه العبارةُ ليست جيِّدة؛ لأنَّ الاقتصار في هذا الباب على أحد المفعولين لا يجوز، لما تقرَّر من أنَّهما مبتدأ وخبر في الأصل، وأمَّا حذف الاختصار، فهو ممتنعٌ أيضاً، إذ لا دليل على ذلك. وإن كانت متعدِّية لواحدٍ و «مَنْ» موصولةٌ فأمرها واضحٌ.

قوله: «وَيَحِلُّ عليْهِ» أي: يجبُ عليه، وينزل به «عذابٌ مقيمٌ» دائم. وحكى الزهراويُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: «ويَحُلُّ» بضمِّ الحاءِ، بمعنى يجبُ أيضاً.

قوله: ﴿حتى إِذَا جَآءَ أَمْرُنَا﴾ عذابنا، أو وقته، أو قولنا «كن» .

﴿وَفَارَ التنور﴾ اختلفوا في التَّنور: قال عكرمةُ والزهري: هو وجه الأرض، أي نبعث الأرض من سائر أرجائها حتى نبعث التنانير التي هي محال النار وذلك أنَّه قيل لنوح: إذ رأيت الماء قدْ فَارَ على وجه الأرض، فاركب السَّفينة أنت وأصحابك.

وروي عن عليٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: التنور طلوع الفجر، ونور الصَّباح وقيل: التَّنُّور أشرف مكان في الأرض وأعلاه. وقيل: «فَارَ التَّنُّورُ» يحتمل أن يكون معناه: اشتدَّ الحر كما يقالُ: حمي الوطيسُ.

ومعنى الآية: إذا رأيتَ الأمر يشتد والماء يكثر فانْجُ بنفسك ومن معك إلى السفينة.

وقال الحسنُ ومجاهدٌ والشعبيُّ: إنه التنور الذي يخبز فيه. وهو قول أكثر المفسِّرين، ورواه عطيَّة عن ابن عبَّاس.

قال الحسنُ: كان تَنُّوراً من حجارةٍ، كانت حواء تخبزُ فيه، فصار إلى نُوح - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - واختلفوا في موضعه فقال مجاهدٌ والشعبيُّ: إنَّه بناحية الكوفة وعن علي أنَّهُ في مسجد الكوفة. وقال مقاتلٌ بموضع يقال له: عين وَرْدة بالشَّام وقيل: عين بالهند.

قال الزمخشريُّ: «حتَّى» هي التي يُبْتَدَأ بعدها الكلام، دخلت على الجملة من الشَّرطِ والجزاء، ووقعت غاية لقوله ﴿وَيَصْنَعُ الفلك﴾ أي: وكان يصنعها إلى أن جاء وقت الموعد والألف واللاَّم في «التَّنُّور» قيل: للعهدِ. وقيل: للجنس.

ووزن «تَنُّور» قيل: «تَفْعُول» من لفظ النور فقلبت الواوُ لأولى همزة لانضمامها. ثم حذفت تخفيفاً، ثم شدَّدُوا النون كالعوضِ عن المحذوف، ويعزى هذا لثعلب.

وقيل: وزنه «فَعُّول» ويعزى لأبي علي الفارسيِّ. وقيل: هو أعجميٌّ، وعلى هذا فلا اشتقاقَ له. والمشهورُ أنَّه ممَّا اتفق فيه لغة العرب والعجم كالصَّابون.

ومعنى «فَارَ» أي: غلا قوة وشدة تشبيهاً بغليان القدر عند قوة النّضار، ولا شبهة في أنَّ نفس التَّنور لا يفوزُ، فالمرادُ: فار الماءُ في التَّنور.

قال اللَّيْثُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: «التَّنُّور عمَّت بكل لسان وصاحبه تنَّار قال الأزهريُّ: وهذا يدلُّ على أن الاسم يكون أعْجَميّاً فتعربه العرب، فيصير عربيّاً، والدليلُ على ذلك أنَّ الأل» تَنَرَ «، ولا يعرفُ في كلام العرب» تنر «وهو نظير ما دخل في كلام العرب من كلام العجم الدِّيباج والدِّينار، والسُّندس، والإستبرق، فإنَّ العرب تكلَّمُوا بها؛ فصارت عربيةً» . قيل: إنَّ امرأته كانت تخبز في ذل التنور، فأخبرته بخروج الماءِ من ذلك التنور فاشتغل في الحالِ بوضع هذه الأشياء في السفينة.

قوله: ﴿قُلْنَا احمل فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثنين﴾ قرأ العامَّة بإضافة «كُل» ل «زَوْجَيْنِ» .

وقرأ حفص بتنوين «كُل» ، فأمَّا العامة فقيل: إنَّ مفعول «احْمِلْ» «اثْنَيْن» ، و «مِنْ» كُلِّ زَوْجَيْنِ «في محلِّ نصبٍ على الحالِ من المفعول؛ لأنه كان صفة للنَّكرة، فلمَّا قُدِّم عليها نُصب حالاً وقيل: بل» مِنْ «زائدة، و» كُل» مفعول به، و «اثْنَيْن» نعت ل» زَوْجَيْن «على التَّأكيدِ، وهذا إنَّما يتمُّ على قول من يرى زيادة» مِنْ «مطلقاً، أو في كلامٍ موجب.

وقيل: قوله:» زَوْجَيْن» بمعنى العُمومِ أي: من كُل ما له ازدواجٌ، هذا معنى قوله: ﴿مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ﴾ وهو قولُ الفارسيِّ وغيره.

قال ابنُ عطيَّة: ولو كان المعنى: احمل فيها من كل زوجين حاصلين اثنين، لوجب أن يحمل من كُلِّ نوع أربعة، والزوج في مشهور كلامهم للوحد ممَّا له ازدواجٌ.

قال - سبحانه وتعالى -: ﴿وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾ [الذاريات: 49] ، ويقال للمرأة زوجٌ، قال تعالى: ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [النساء: 1] يعني المرأة، وهو زوجها، وقال: ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزوجين الذكر والأنثى﴾ [النجم: 45] فالواحدُ يقال له: زوجٌ، قال تعالى: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مَّنَ الضأن اثنين وَمِنَ المعز اثنين﴾ [الأنعام: 143] ، ﴿وَمِنَ الإبل اثنين وَمِنَ البقر اثنين﴾ [الأنعام: 144] .

فالزَّوجان: عبارة عن كل اثنين لا يَسْتغني أحدهما عن الآخر، يقال لكُلِّ واحدٍ منهما زوج، يقال زوج خفٍّ، وزوج نَعْلِ، والمراد بالزَّوجين ههنا: الذَّكر والأنثى.

وأمَّا قراءة حفص فمعناها: من كلِّ حيوان أو من كلِّ صنف، و «زَوْجَيْن» مفعولٌ به، و «اثْنَيْنِ» نعتٌ على التأكيد، كقوله ﴿لاَ تَتَّخِذُواْ إلهين اثنين﴾ [النحل: 51] ، و «مِنْ كُلّ» على هذه القراءة يجوز أن يتعلق ب» احْمِلْ «وهو الظَّاهرُ، وأن يتعلق بمحذوفٍ على أنَّها حالٌ من» زَوْجَيْنِ» وهذا الخلاف والتخريج جاريان أيضاً في سورة «قَدْ أفْلَحَ» .

فصل

اختلفوا في أنه هل دخل في قوله: «زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ» غير الحيوانِ أم لا؟ فنقول فالحيوانُ مرادٌ ولا بد، وأما النَّباتُ فاللفظ لا يدل عليه، إلا أنه بقرينة الحال لا يبعد دخلوه لأنَّ الناس محتاجون إلى النبات بجميع أقسامه.

قال ابنُ الخطيب: «وروي عن ابن مسعودٍ أنه قال: لم يستطع نوحٌ أن يحمل الأسد حتَّى ألقيت عليه الحمى، وذلك أنَّ نُوحاً - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - قال: يا ربِّ فمن أين أطعم الأسد، إذا حملته؟ قال الله - تعالى -:» فسوف أشغله عن الطعام فسلَّط الله عليه الحمى «وأمثال هذه الكلمات الأولى تركها، فإنَّ حاجة الفيل إلى الطَّعام أكثر، وليست به حُمَّى» .

وروى زيد بن أسلم عن أبيه مرسلاً أنَّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: لمَّا حمل نوح في السفينة من كُلِّ زوجين اثنين، قال أصحابه: وكيف يطمئن، أو تطمئن المواشي، ومعنا الأسد، فسلَّط الله عليه الحمى، فكانت أوَّلُ حمى نزلت الأرض، ثم شكوا الفأرة فقالوا: الفويسقة تفسد علينا طعامنا ومتاعنا، فأوحى الله إلى الأسدِ، فعطس الأسد فخرجت الهرة؛ فتخبأت الفأرة منها.

قوله: «وأهْلَك» نسقٌ على «اثْنَيْنِ» في قراءة من أضاف «كُل» ل «زَوْجَيْنِ» ، وعلى «زَوْجَيْنِ» في قراءة من نوَّن «كُل» وقوله: «إلاَّ من سبقَ» استثناءٌ متصل في موجب، فهو واجب النَّصْبِ على المشهُور.

وقوله: «وَمَنْ آمَنَ» مفعول به نسقاً على مفعول «احْمِلْ» .

فصل

روي أنَّ نوحاً - عليه الصلاة السلام - قال يا رب: كيف أحملُ من كلِّ زوجين اثنين؟ فحشر الله - تعالى - إليه السباع والطير، فجعل يضربُ بيده في كل جنس فيقع الذَّكرُ في يده اليمنى والأنثى في يده اليسرى، فيجعلهما في السفينة.

والمراد بأهله: ولده وعياله ﴿إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القول﴾ بالهلاك يعني: امرأته واعلة وابنه كنعان.

«ومَنْ آمَنَ» يعنى: واحمل من آمن بك، قال تعالى: ﴿وَمَآ آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ﴾ . قال قتادةُ بنين سام وحام ويافث ونساؤهم.

وقال الأعمشُ: كانوا سبعة: نوحٌ وثلاثة بنين له وثلاثُ كنائن وقال ابن إسحاق: كانوا عشرة سوى نسائهم، نوح وبنوه: سام وحام ويافث، وستة أناس ممن كان به، وأزواجهم جميعاً.

وقال مقاتل: كانوا اثنين وسبعين رجلاً وامرأةً، وبنيه الثلاث ونساءهُم.

فجميعهم ثمانية وسبعون، نصفهم رجال، ونصف نساء.

وعن ابن عباسٍ: كان في سفينة نوح عليه السلام ثمانون رجلاً، أحدهم جرهم، يقال: إنَّ في ناحية «المَوْصِل» قريةً، يقال لها: قريةُ الثَّمانين، سمِّيت بذلك؛ لأنَّهم لما خرجوا من السَّفينة بنوها، فسُمِّيت بهم.

قال مقاتلٌ: حمل نوحٌ معه جسد آدم، فجعله معترضاً بني الرِّجال والنِّساء.

وقال الحسنُ: لم يحمل نوحٌ في السفينة إلاَّ ما يلد ويبيض فأما ما يتولَّد من الطين؛ فالحشرات، والبقِّ، والبعوض؛ فلم يحمل منه. ثم قال تعالى ﴿إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القول﴾ يعني: حكم الله عليه بالهلاك، وهو ابنه، وزوجته، وكانا كافرين، فأما ابنه فهو يام، وتسميه أهل الكتاب: كنعان، فهو الذي انعزل عنه، أما امرأةُ نوحٍ، فهي أمِّ أولاده كلهم: حام، وسام، ويافث، وهو أدرك؛ انعزل، وغرق، وعابر، وقد مات قبل الطوفان، فقيل مع من غرق وكانت خمس سبق عليها القول بكفرها، وعند أهل الكتاب أنها كانت في السفينة فيحتمل أنها ماتت بعد ذلك.

فإن قيل: الإنسان أشرف من سائر الحيواناتِ، فما الفائدة من ذكر الحيوانات؟

فالجوابُ: أنَّ الإنسانَ عاقلٌ وهو لعقله كالمضطر إلى دفع أسباب الهلاكِ عن نفسه، فلا حاجة إلى المبالغة في التَّرغيب فيه، بخلاف السَّعْي في تخليص سائر الحيوانات؛ فلهذا وقع الابتداء به.

فإن قيل: الذين دخلوا السَّفينة كانوا جماعة فلم لم يقل قليلون كما في قوله: ﴿إِنَّ هؤلاء لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ [الشعراء: 54] ؟ فالجواب: كلا اللفظين جائز، والتقدير - ههنا -: وما آمن معه إلا نفر قليل.

فصل

احتجوا بقوله ﴿إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القول﴾ في إثبات الفضاءِ السَّابق والقدر الوجب، لأنَّ قوله ﴿سَبَقَ عَلَيْهِ القول وَمَنْ آمَنَ﴾ يدلُّ على أنَّ من سبق عليه القول ومن آمَنَ لا يغيَّرُ عن حاله، فهو كقوله - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: «السعيد من سعد في بطن أمه والشقي من شقى في بطن أمه» .

قال تعالى: ﴿وَقَالَ اركبوا فِيهَا بِسْمِ الله مَجْرَاهَا﴾ .

يجُوزُ أن يكون فاعلُ «قَالَ» ضمير نوح - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -، ويجوزُ أن يكون ضمير الباري - تعالى جل ذكره - أي: وقال الله لنوح ومنه معهُ. و «فِيهَا» متعلقٌ ب «ارْكَبُوا» وعُدِّي ب «في» لتضَمُّنه معنى «ادخلوا فيها راكبين» أو سيروا فيها.

وقيل: تقديره: اركبوا الماء فيها. وقيل: «في» زائدة للتَّوكيد.

والركوب: العلو على ظهر الشيءِ، ومنه ركوب الدَّابة، وركوب السَّفينة، وركوب البحر، وكل شيء علا شيئاً، فقد ركبه، ويقال: ركبه الدَّين. قال الليثُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وتسمي العربُ من يركبُ السَّفينة: رُكَّابَ السَّفينة، وأمَّا الركبانُ، والأركُوبُ، والرَّكْبُ: فركَّابُ الدَّوابِّ.

قال الواحدي: ولفظة «فِي» في قوله «ارْكَبُوا فيهَا» لا يجوز أن تكون من صلة الركوب؛ لأنَّه يقال: ركبت السفينة ولا يقال: ركبت في السَّفينة، بل الوجهُ أن يقول مفعول «ارْكَبُوا» محذوف والتقدير: «اركبوا الماء في السَّفينة» .

وأيضاً يجوز أن تكون فائدة هذه الزيادة، أنَّه أمرهم أن يكونوا في جوف الفلك لا على ظهرها فلو قال: اركبوها، لتوهَّمُوا أنَّه أمرهم أن يكونوا على ظهر السَّفينة.

قال قتادةُ: ركبُوا السَّفينة يوم العاشر من شهر رجب؛ فسارُوا مائةً وخمسين يوماً، واستقرَّتْ على الجُودي شهراً، وكان خروجهم من السفينة يوم عاشوراء من المحرَّمِ.

قوله: ﴿بِسْمِ الله مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ .

يجوز أن يكون هذا الجار والمجرور حالاً من فاعل «اركبوا» أو من «ها» في «فيها» ويكونُ «مجراها» ، و «مرساها» فاعلين بالاستقرار الذي تضمَّنهُ الجارُّ لوقوعه حالاً. ويجوز أن يكون «بِسْمِ اللهِ» خبراً مقدَّماً، و «مَجْراها» مبتدأ مؤخراً، والجملة أيضاً حالٌ ممَّا تقدَّم، وهي على كلا التقديرين حالٌ مقدرةٌ كذا أعربه أبو البقاء، وغيره. إلاَّ أنَّ مكيّاً منع ذلك لخلو الجملة من ضمير يعود على ذي الحال إذا أعربنا الجملة أو الجارَّ حالاً من فاعل «ارْكَبُوا» قال: ولا يَحْسُنُ أن تكون هذه الجملة حالاً من فاعل «اركبُوا» ؛ لأنَّه لا عائد في الجملةِ يعودُ على الضمير في «اركبُوا» لأن المضمر في «بِسْمِ اللهِ» إنْ جعلته خبراً ل «مَجْراهَا» فإنَّما يعودُ على المبتدأ، وهو مجراها، وإن رفعت «مَجْرَاهَا» بالظَّرفِ لم يكن فيه ضمير الهاءِ في «مَجْراهَا» وإنما تعودُ على الضمير في «فِيهَا» .

وإذا نصبت «مَجْرَاهَا» على الظرف عمل فيه «بِسْمِ الله» وكانت الجملةُ حالاً من فعل «ارْكَبُوا» .

وقيل: بِسْمِ اللهِ «حال من فاعل» ارْكَبُوا «و» مَجْراهَا ومُرْسَاهَا «في موضع الظرف المكاني، أو الزماني. والتقدير: اركبوا فيها مُسَمِّين موضع جريانها، ورُسُوِّها، أو وقت جريانها ورسوِّها.

والعامل في هذين الظرفين حينئذٍ ما تضمَّنه» بِسْمِ اللهِ «من الاستقرار، والتقدير: اركبوا فيها مُتبرِّكين باسم الله في هذين المكانين، أو الوقتين.

قال مكي: ولا يجوز أن يكون العاملُ فيهما» ارْكَبُوا «؛ لأنه لم يُرِدْ: اركبُوا فيها في وقتِ الجَرْي، والرسُوِّ، إنَّما المعنى: سمُّوُا اسم الله في وقت الجَرْيِ والرُّسُوِّ.

ويجُوزُ أيضاً أن يكون» مَجْرَاهَا ومُرْسَاها «مصدرين، و» بِسْمِ الله» حالٌ كما تقدَّم، رافعاً لهذين المصدرين على الفاعليَّة أي: استقرَّ بسم الله إجراؤها، وإرساؤها، ولا يكونُ الجارُّ حينئذٍ إلاَّ حالاً من «هَا» في» فيها «لوجود الرابط، ولا يكونُ حالاً من فاعل» اركبُوا «لعدم الرَّابط. وعلى هذه الأعاريب يكونُ الكلامُ جملةً واحدةً.

ويجوز أن يكون ﴿بِسْمِ الله مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ جملة مستأنفة لا تعلُّق لها بالأولى من حيث الإعراب، ويكون قد أمرهم في الجملة الأولى بالرُّكُوب، وأخبر أنَّ مجراها ومرساها باسم الله.

فجرت، وإذا أراد أن ترسو قال: بسم الله.

قال بعضُ المفسِّرين: كان نوح عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ إذا أراد إجراء السفينة قال:» بِسْمِ اللهِ مجرَاها» فتجري، وإذا أراد أن ترسُو قال: «بِسْمِ الله مرْساهَا» فترسو، فالجملتان محكيتان ب «قَالَ» .

وقرأ الأخوان وحفص «مَجْرَاها» بفتح الميم، والباقون بضمها. واتَّفق السَّبعة على ضمِّ ميم «مُرْسَاها» . وقرأ ابن مسعود، وعيسى الثقفي وزيد بن علي، والأعمش «مَرْسَاها» بفتح الميم أيضاً.

فالضمُّ فيهما، لأنهما من «أجْرَى وأرْسَى» ، والفتح لأنَّهُما من «جَرَتْ ورَسَتْ» وهما: إمَّا ظرفا زمان أو مكان أو مصدران على ما سبق من التقادير.

وقرأ الضحاك، والنخعي، وابن وثابٍ، ومجاهدٌ، وأبو رجاء، والكلبي، والجحدري، وابن جندب مجريها ومرسيها بكسر الراء، والسين بعدهما ياء صريحة، وهما اسما فاعلين من «أجرى وأرسى» ، وتخريجهما على أنهما بدلان من اسم الله.

قال ابنُ عطيَّة وأبو البقاء، ومكي: إنَّهما نعتان للهِ - تعالى -، وهذا الذي ذكروه إنَّما يتمُّ على تقدير كونهما معرفتين بتمحض الإضافة، وقال الخليلُ: «إنْ كُلَّ إضافةٍ غيرُ محضةٍ قد تُجعل محضة إلاَّ إضافة الصفةِ المشبهة، فلا تتمحَّض» .

وقال مكي: «ولو جعلت» مَجْراهَا» ، و «مُرْسَاها» في موضع اسم الفاعل لكانت حالاً مقدرة، ولجاز ذلك وكانت في موضع نصبٍ على الحال من اسم الله تعالى» .

والرُّسوُّ: الثَّبات، والاستقرار، يقال: رَسَا يَرْسُو وأرْسَيْتُهُ أنَا؛ قال: [الكامل]

2970 - فَصَبرْتُ نفْساً عند ذلكَ حُرَّةً ... تَرْسُو إذَا نَفْسُ الجبانِ تَطَلَّع

أي: تَثْبُتُ وتَسْتَقِرُّ عندما تضطربُ وتتحرك نفسُ الجبان.

قوله: ﴿إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ فيه سؤال، وهو إن كان ذلك وقت إظهارِ الضر، فكيف يليق به هذا الذكر؟ .

والجوابُ: لعل القوم الذين ركبوا السَّفينة اعتقدُوا في أنفسهم أنَّا إنَّما نجونا ببركةِ علمنا فالله تعالى نبَّههم بهذا الكلام لإزالة ذلك العجب، فإنَّ الإنسان لا ينفكُّ من أنواع الزلاتِ وظلمات الشبهات، وفي جميع الأحوال، فهو محتاجٌ إلى إعانةِ الله، وفضله، وإحسانه، وأن يكون غفوراً لذنوبه رحيماً لعقوبته.

قوله: «وهِيَ تَجْرِي» في هذه الجملةِ، ثلاثة أوجه:

أحدها: أنَّها مستأنفةٌ، أخبر الله تعالى عن السفينة بذلك.

والثاني: أنَّها في محلِّ نصب على الحالِ من الضَّمير المستتر في «بِسْمِ اللهِ» أي: جريانها استقرَّ بسم الله حال كونها جارية.

الثالث: أنَّها حالٌ من شيءٍ محذوفٍ تضَمَّنته جملةٌ دلَّ عليها سياقُ الكلامِ.

قال الزمخشريُّ: فإن قلت: بم اتَّصل قوله: «وهِيَ تَجْرِي بهِمْ» ؟ قلت: بمحذُوفٍ دلَّ عليه قوله: «اركبُوا فيها بسْمِ الله» كأنَّهُ قيل: فركبوا فيها يقولون: «بسم الله وهي تجري بهم» .

وقوله «بِهِمْ» يجوزُ فيه وجهان:

أحدهما: أن يتعلَّق ب «تَجْرِي» .

والثاني: أنَّه متعلقٌ بمحذوفٍ أي: تجري ملتبسةً بهم، ولذلك فسَّرهُ الزمخشريُّ بقوله: «أي: تجْرِي وهُمْ فيها» .

وقوله: «كالْجِبَالِ» صفة ل «مَوْجٍ» .

فصل

قال ابن جرير، وغيره: إنَّ الطُّوفان كان في ثالث عشر شهر آب في عادة القبطِ، وإنَّ الماء ارتفع على أعلى جبل في الأرض خمسة عشر ذراعاً، وهو الذي عند أهل الكتاب، وقيل: ثمانين ذراعاً وعمَّ جميع الأرض طولاً وعرْضاً.

والمَوْجُ جمع «مَوْجة» والموج: ما ارتفع من الماءِ إذا اشتدَّ عليه الريح. وهذا يدلُّ على أنَّهُ حصل في ذلك الوقت رياح عاصفة.

فإن قيل: الجريانُ في الموج يوجب الغرقَ.

فالجوابُ: أنَّ الأمواجَ لمَّا أحاطت بالسَّفينة من جوانبها أشبهت تلك السَّفينة كأنَّها جرت في داخل الأمواج.

قوله تعالى: ﴿ونادى نُوحٌ ابنه﴾ الجمهور على كسْرِ تنوين «نوح» لالتقاء الساكنين.

وقرأ وكيع بضمِّه إتباعاً لحركةِ الإعراب، واسترذلَ أبو حاتمٍ هذه القراءة، وقال: «هي لغةُ سوءٍ لا تُعْرَفُ» .

وقرأ العامَّةُ: «ابنهُ» بوصل هاء الكناية بواو، وهي اللغةُ الفصيحةُ الفاشية.

وقرأ ابنُ عباس بسكون الهاء. قال بعضهم: هذا مخصُوصٌ بالضَّرُورة؛ وأنشد: [البسيط]

2971 - وأشْرَبُ الماء ما بِي نحوهُ عطشٌ ... إلاَّ لأنَّ عُيُونه سَيْلُ وَادِيهَا

وبعضهم لا يخُصُّه بها، وقال ابن عطية: إنَّا لغةٌ لأزْد السَّراة؛ ومنه قوله: [الطويل]

2972 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... . ... ومِطْوايَ مُشْتاقَانِ لَهْ أرِقَانِ

وقال بعضهم: «هي لغة عُقَيْل، وبني كلاب» .

وقرأ السدي: «ابْنَاهُ» بألف وهاء السكت، قال ابنُ جنِّي: «وهو على النّداء» .

وقال أبو البقاء: «ابناه» على الترثِّي وليس بندبة؛ لأنَّ النُّدبة لا تكونُ بالهمزة.

وهو كلامٌ مشكلٌ في نفسه، وأين الهمزةُ هنا؟ إن عنى همزة النِّداء، فلا نُسَلِّم أنَّ المقدَّر من حروفِ النِّداءِ هو الهمزةُ؛ لأنَّ النُّحاة نصُّوا على أنَّه لا يضمر من حروف النِّداءِ إلاَّ «يَا» لأنَّها أم الباب.

وقوله: «الترثِّي» هو قريبٌ في المعنى من الندبة.

وقد نصوا على أنَّه لا يجوزُ حذف [حرف] النداء من المندوب، وهذا شبيهٌ به.

وقرأ عليٌّ - كرم الله وجهه -: «ابنها» إضافة إلى امرأته كأنه اعتبر قوله: «ليْسَ من أهلكَ» ، وقوله: «ابْنِي» و ﴿مِنْ أَهْلِي﴾ [هود: 45] لا يدل له لاحتمالِ أن يكون ذلك لأجل الحنوّ، وهو قول الحسن، وجماعة.

وقرأ محمد بن عليّ، وعروة بن الزبير: «ابْنَهَ» بهاء مفتوحة دون ألف، وهي كالقراءةِ قبلها، إلاَّ أنه حذف ألف «ها» مجتزئاً عنها بالفتحةِ، كما تحذف الياءُ مُجْتَزأ عنها بالكسرة، قال ابن عطيَّة: «هي لغةٌ» ؛ وأنشد: [البسيط]

2973 - إمَّا تقُودُ بِهَا شَاةً فتأكُلُهَا ... أو أن تَبِيعَه في بَعْضِ الأرَاكِيبِ

يريد: تَبِيعهَا «فاجتزأ بالفتحةِ عن الألفِ، كما اجتزأ الآخر عنها في قوله: - وأنشده ابن الأعرابي على ذلك -: [الوافر]

2974 - فَلَسْتُ براجعٍ ما فَاتَ مِنِّي ... بِلَهْفَ، ولا بِلَيْتَ، ولا لَوَ انِّي

يريد:» يَا لَهْفَا» فحذف، وهذا يخصُّه بعضهم بالضرورة، ويمنع في السَّعة: «يا غُلامَ» في: يا غُلامَا.

وسيأتي في نحو ﴿ياأبت﴾ [يوسف: 4] بالفتح: هل ثمَّ الفٌ محذوفة أم لا؟ وتقدَّم خلاف في نحو: يا ابن أمَّ، ويا ابن عمَّ: هل ثمَّ ألفٌ محذوفة مجتزأٌ عنها بالفتحةِ أم لا؟ فهذا أيضاً كذلك، ولكن الظَّاهر عدم اقتياسه، وقد خطَّأ النَّحَّاسُ أبا حاتم في حذف هذه الألف، وفيه نظر.

قوله: ﴿وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ﴾ جملةٌ في موضع نصب على الحالِ، وصاحبها هو» ابْنَهُ «والحالُ تأتي من المنادى لأنَّه مفعولٌ به.

والمَعْزِل - بكسر الزاي - اسم مكن العزلة، وكذلك اسم الزمان أيضاً، وبالفتح هو المصدر. قال أبو البقاء: «ولمْ أعلم أحداً قرأ بالفتح» .

قال شهابُ الدِّ] ن: لأنَّ المصدر ليس حاوياً له ولا ظرفه؛ فكيف يقرأ به إلاَّ مجازٍ بعيد؟ .

وأصله: من العَزْل، وهو التَّنحية، والإبعاد تقول: كنت بمعزلٍ عن كذا، أي: بموضع قد عُزِل منه، قيل: كان بمعزلٍ عن السفينة، لأنه كان يظنُّ أنَّ الجبل يمنعه من الغرق.

وقيل: كان بمعزل عن أبيه وإخوته وقومه، وقيل: كان في معزل من الكفار كأنَّه انفرد عنهم فظنَّ نوحٌ أنَّ ذلك محبة لمفارقتهم.

فصل

اختلفوا في أنه هل كان ابناً له؟ فقيل: كان ابنه حقيقة لنصِّ القرآن، وصرفُ هذا اللفظ إلى أنَّهُ رباه، فأطلق عليه اسم الابن لهذا السَّبب، صرف للكلام عن حقيقته إلى مجازه من غير ضرورة، والمخالفُ لهذا الظَّاهر إنَّما خالفهُ استبعاداً لأن يكون ولد الرسول كافراً، وهذا ليس ببعيد؛ فإنَّه قد ثبت بنصِّ القرآن أنَّ والد الرسول - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - كان كافراً، فكذلك ههنا.

فإن قيل: لمَّا دَعَا وقال: ﴿رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأرض مِنَ الكافرين دَيَّاراً﴾ [نوح: 26] فكيف نادى ابنه مع كفره؟ .

فالجواب من وجوه:

الأول: أنَّهُ كان ينافقُ أباه؛ فظنَّ نوحٌ أنَّهُ مؤمنٌ؛ فلذلك ناداه، ولولا ذلك لما أحب نجاته.

الثاني: أنه - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - كان يعلمُ أنه كافرٌ لكن ظنَّ أنه لمَّا شاهد الغرق، والأهوال العظيمة فإنَّهُ يقبل الإيمان، فكان قوله: ﴿يابني اركب مَّعَنَا﴾ كالدَّلائلِ على أنَّهُ طالبٌ منه الإيمان، وتأكد هذا بقوله: ﴿وَلاَ تَكُن مَّعَ الكافرين﴾ أي: تابعهم في الكفر، واركب مع المؤمنين.

الثالث: أنَّ شفقة الأبوة لعلَّها حملته على ذلك النداء، والذي تقدَّم من قوله: ﴿إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القول﴾ [هود: 40] كان كالمجمل، فلعلَّه جوَّز ألاَّ يكون هو داخلاً فيه.

وقيل: كان ابن امرأته، ويدلُّ عليه ما تقدَّم من القراءة.

وقال قتادة: سألت الحسن عنه فقال: والله ما كان ابنه فقلت: إنَّ الله - تعالى - حكى عنه أنه قال: ﴿إِنَّ ابني مِنْ أَهْلِي﴾ [هود: 45] وأنت تقولُ: ما كان ابناً له، فقال: لَمْ يقل: إنَّ ابني منِّي، وإنَّما قال: من أهلي، وهذا يدلُّ على قولي.

وقيل: ولد على فراشه، قالوا: لقوله تعالى في امرأة نوح، وامرأة لوط ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾ [التحريم: 10] .

قال ابن الخطيب: وهذا قول خبيثٌ يجب صون منصب الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - عن هذه الفضيحةِ لا سيما هو على خلاف نصِّ القرآن.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском