Ibn 'AdilYusuf · 12:23–29

Ibn 'Adil · Tafsir · in Arabic

Yusuf 12:23–29, continued

وأيضاً: روي أن جبريل عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ امتنع من دخول حجرة النبي المختار صلوات الله وسلامه عليه بسبب وقع هناك بغير علمه؛ قالوا: فامتنع جبريل عليه السلام من الدخول [عليه] أربعين يوماً، وههنا زعموا أنَّ يوسف حين اشتغاله بالفاحشة ذهب إليه جبريل، والعجب أيضاً أنَّهم زعموا أنه لم يمتنع عن ذلك العمل بسبب حضور جبريل عليه السلام، ولو أنَّ أفسق الخلق، وأكفرهم كان مشتغلاً بفاحشة، فإذا دخل عليه رجلٌ في زِيّ الصَّالحين استحى منه؛ وترك [ذلك] العمل وهاهنا يعقوب عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ عضّ على أنامله، فلم يلتفت، ثمَّ إنَّ جبريل عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ على جلالة قدره دخل عليه، فلم يمتنع أيضاً عن ذلك القبيح بدخوله حتى احتاج جبريل إلى أن ركضه على ظهره» .

فنسأل الله أن يصوننا عن الغي في الدين، الخذلان في طلب اليقين.

فصل

والفرق بين السوء، والفحشاء من وجهين:

الأول: أنَّ السوء: جناية اليد، والفحشاء: الزِّنا.

الثاني: السُّوء: مقدمات الفاحشة من القُبلةِ، والنَّظر بالشَّهوة. والفحشاءُ: هو الزنا.

قوله: «وكَذلِكَ» في هذه الكاف أوجه:

أحدها: أنَّها في محل نصبٍ، وقدَّره الزمشخريُّ مثل ذلك التَّثبيتِ ثبَّتناه.

وقدَّرهُ الحرفيُّ أريناه البراهين بذلك، وقدَّره ابنُ عطيَّة: جرت أفعالنا، وأقدارنا كذلك، وقدره أبو البقاء: نراعيه كذلك.

الثاني: أن الكاف في محل رفع، فقدَّره الزمخشريًّ، وأبو البقاء: الأمر مثل ذلك، وقدَّره أبنُ عيطةك عصمته كذلك. وقال الحوفيُّ: أمر البراهين بذلك ثمَّ قال: والنصب أجودُ لمطالبة حروف الجرّ للأفعال أو معانيها.

الثالث: أنَّ في الكلام تقديماً، وتأخيراً، وتقديره: همَّت به، وهمَّ بها كذلك ثم قال: لولا أن رأى برهان ربه، كذلك لنصرف عنه ما هم بها هذا نص ابن عطيَّة.

وليس بشيءٍ؛ إذْ مع تسليم جوازِ التَّقديم، والتَّأخير لا معنى لما ذكره.

قال أبو حيَّان: وأقولُ: إنَّ التقديرك مثل تِلْك الرُّؤية، أو مثل ذلك الرَّأي نري براهيننا، لنصرف عنه، فتجعل الإشارة إلى الرَّأي، أو الرُّؤيةِ، والنَّاصب الكاف مما دل عليه قوله: ﴿لولاا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ ، و «لِنَْرفَ» متعلق بذلك الفعل النَّاصب للكاف، ومصدر «رَأى» » رُؤيةٌ ورأيٌ «؛ قال: [الرجز]

3067 - ورَأيُ عَيْنَيَّ الفَتَى أبَاكَا ... [يُعْطِي الجَزيلَ فعَليْكَ ذَاكَا]

وقرأ الاعمش» ليَصْرِفَ» بياء الغيبةِ، والفاعل هو الله سبحانه وتعالى، قوله تعالى: ﴿المخلصين﴾ قرأ هذه اللفظة [حيث وردت] إذا كانت معرفة بأل مكسورة اللام: ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر أي: الذين أخلصوا دينهم لله على اسم الفاعلِ، والمفعول محذوفٌ، والباقون بفتحها على أنَّه اسم مفعولٍ من أخصلهم الله، أي: اجتباهم، واختارهم، وأخلصهم من كلِّ سوءٍ، ويحتمل أن يكون لكونه من ذرية إبراهيم قال فيهم: ﴿إِنَّآ أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدار﴾ [ص: 46] .

وقرأ الكوفيُّون في مريم ﴿إِنَّهُ كَانَ مُخْلِصاً﴾ [مريم: 51] بفتحِ اللاَّم بالمعنى المقتدِمِ والباقون بكسرها بالمعنى المتقدم.

قوله تعالى: ﴿واستبقا الباب﴾ [الآية: 25] «البَابَ» منصوبٌ إمَّا على إسقاطِ الخافض اتّساعاً، إذ أصلُ «اسْتبَقَ» أن يتعدَّى ب «إلى» ، وإما على تضمين «اسْتَبقَ» معنى ابتدر، فينصب مفعولاً به. قوله تعالى: ﴿وَقَدَّتْ﴾ يحتمل أن تكون الجملة نسقاً على «اسْتبقَا» أي: استبق، وقدت، ويحتمل أن يكون في محل نصب على الحال، أي: وقد قدَّت. والقدّ: الشَّقُّ مطلقاً، قال بعضهم: القدُّ: فيما كان يشقُّ طولاً القطُّ: فيما كان يشقُّ عَرْضاً.

قال ابن عطية «وقرأت فرقة: وقَطّ» قال أبو الفضل بنُ حربٍ: رأيت في مصحب «وقطَّ مِنْ دبُرٍ» أي: شقَّ.

قال يعقوب: القطُّ في الجلدِ الصحيح، والثوب الصحيح؛ وقال الشاعر: [الطويل]

3077 - تَقُدُّ السَّلُوقيَّ المُضاعفَ نَسْجهُ ... وتُوقِدُ بالصفَّاحِ نَارَ الحُباحِبِ

فصل

قال العلماء رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم وهذا الكلامْ من اختصار القرآن المعجز الذي يجتمع فيه المعاني، وذلك أنَّ يوسف عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ لما رأى برهان ربِّه، خرج حينئذ هارباً، وتبعته المرأة فتعلقت بقميصه من خلفه، فجذبته إليها حتى لا يخرج «وقدَّتْ قَميصَهُ» [أي] : فشققته المرأة من دبر.

والاستباقُ: طلبُ السَّبْق، أي: يجتهدُ كلُّ واحدٍ منهما أن يسبق صاحبهُ فإن سبق يوسف فتح الباب، وخرج، وإن سبقت المرأةُ أمسكتِ الباب لئلا يخرج فسبقها يوسف عليه السلام إلى الباب، والمرأة تعدو خلفه، فلم تصلْ إلا إلى دبر القميص، فتعلقت به فقدته من خلفه، فلمَّا خرجا «ألْفَيَا» ، أي: وجدا «سيِّدهَا» ، وإنما لم يقل سيدهما؛ لأنَّ يوسف عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ لم يكن مملوكاً لذلك الرجل حقيقة «لَدى البابِ» أي: عند البابِ، والمرأة تقول لبعلها: سيِّدي.

فإن قيل: فالمرأةُ أيضاً ليست مملوكة لبعلها حقيقة.

فالجواب: أن الزَّوج لما ملك الانتفاع بالمرا’ من الوطء والخلوةِ، والمباشرةِ، والسفر بها من غير اختيارها أشبهت المملوكة، فلذلك حسن إطلاقُ السيِّد عليه.

قال القرطبيُّ: «والقبط يسمون الزوج سيداً، ويقال: ألفاه، وصادفهُ، وواله ووَالطَه، ولاطَهُ، وكلٌّ بمعنى واحدٍ» .

فعند ذلك، خافتِ المرأةُ من التُّهمِ، فبادرت إلى أن رمتْ يوسف عليه السلام بالعفلِ القبيح، ﴿وقالت ما جزاء من أراد بأهلك سوءاً﴾ يعنى الزِّنا، ثم خافت عليه أن يقتل فقالت: ﴿إلاَّ أن يُسجنَ﴾ ، أي: يحبس، ﴿أوْ عذابٌ أليمٌ﴾ أي: يُعَاقبُ بالضَّربِ.

قوله: «مَا جزاءُ» يجوز في «مَا» هذه أن تكون نافية، وأن تكون استفهاميَّة، و «مَنْ» يجوز أن تكون موصولة، أو نكرة موصوفة.

قوله: «إلاَّ أن يُسْجنَ» خبر المبتدأ، ولما كان «أن يُسْجنَ» في قوَّة المصدر عطف عليه المصدر، وهو قوله: «أو عذابٌ» . و «أوْ» تحتملُ معانيها، وأظهرها التنويع.

وقرأ زيد بن علي: (أو عذاباً أليماً] بالنصب، وخرَّجه الكسائي على إضمار فعل، أو أن يعذَّب عذباً أليماً.

قوله: «هِيَ» ولم يقل هذه، ولا تلك، لفرط استحايئه «وهو أدبٌ حسنٌ حيث أتى بلفظ الغيبة دون الحضور.

فصل

قال ابن اخلطيب: في الآية لطائف:

إحداها: أن حُبَّها الشَّديد ليوسف، حملها على رعايةِ دقيقتين في هذا الموضع، وذلك لأنهَّا بدأت بذكر السِّجن، وأخرت ذكر العذاب؛ لأنَّ المحبَّة لا تسعى في إيلام المحبوب، وأيضاً: لم تقل إنَّ يوسف يجب أن يقابل بهذين الأمرين، بل ذكرت ذلك ذكراً كليًّا صوناً للمحبوب عن الذِّكر بالشر وأيضاً قالت:» إلاَّ أنْ يُسْجنَ» والمرادُ أن يسجن يوماً، أو يومين، أو أقل على سبيل التخفيف، فأمَّا الحبسُ الدَّائمُ فإنَّه لا يعبِّر عنه بهذه العبارة، بل يقال: يجبُ أن يجعل من المسجونين، كما قال فرعون لموسى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ حين هدَّدُ ﴿لَئِنِ اتخذت إلها غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ المسجونين﴾ [الشعراء: 29] وأيضاً: لما شاهدت من يوسف أنه استعصم، مع أنه كان في عنفوان العمر، وكمال القوة، ونهاية الشهوة، وعظم اعتقادها في طهارته، ونزاهته، فاستحيتْ أن تقول: إنَّ يوسف قصدني بالسُّوءِ، ولم تجد من نفسها أن ترميهُ بالكذبِ، وهؤلاء نسبُوا إليه هذا الذَّنب القبيحَ.

وأيضاً: يوسف عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ أراد أن يضربها، ويدفعها عن نفسه [وكان] ذلك بالنسبة إليها جارياً مجرى السُّوء، فقولها ﴿ما جزاء من أراد بأهلك سوءاً﴾ له ظاهر وباطن، باطنه أنَّها التي أرادت السُّوء، وظاهره دفعه لها ومنعها، فأرادت بقولها: ﴿ما جزاء من أراد بأهلك سوءاً﴾ فعل نفسها بقلبها، أو في ظاهر الأمر، أو همت أنه قصدني بما لا ينبغي، ولما لطَّخت عرض يوصف بهذا الكلام؛ احتاج يوسف إلى إزالة هذه التهمة فقال: ﴿هي راودتني عن نفسي﴾ واعلم أنَّ العلاماتِ الكثيرة دالةٌ على صدق يوسف:

منها: أنَّ يوسف عليه السلام في ظاهر الأمر كان عبداً لهم، والعبد لا يمكنه أن يتسلط على مولاه إلى هذه الحدّ.

ومنها: أنَّهم شاهدوا يوسف هارباً ليخرج، والطالبُ للمرأة لا يخرج من الدَّار على هذا الوجه.

ومنها: أنهم رأوا المرأة زينت نفسها على أكمل الوجوه، ويوسف لم يكن عليه أثر من آثار تزيين النَّفس.

ومنها: أنَّهم كانوا شاهدوا أحوال يوسف في المُدَّة الطَّويلة، فما رأوا عليه حالة تناسب إقدامه على مثل هذا الفعل المنكر.

ومنها: أنَّ المرأة ما نسبته إلى طلب الفاحشة على سبيل التصريح، بل ذكرت كلاماً مجملاً، وأما يوسف فإنَّه صرَّح بالأمر، ولو كان مطاوعاً لها، ما قدر على التَّصريح، فإنَّ الخائنَ خائفٌ.

وكلُّ هذه الوجوه مما يقوِّي غلبة الظن ببراءة يوسف في هذه المسألة، ثم إنَّه تعالى أظهر ليوسف دليلاً يقوي تلك الدَّلائل على براءته من الذَّنب، وأن المرأة هي المذنبةن وهو قوله تعالى: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَآ﴾ فقوله: «مِنْ أهْلِهَا» صفة ل: «شَاهِدٌ» ، وهو المسوغ لمجيء الفاعل من لفظ الفعل، إذْ لا يجوزُ قام القائم، ولا: قعد القاعدُ، لعدم الفائدةِ.

واختلفوا في ذلك الشَّاهد على ثلاثةِ أقوالٍ: الأول: أنه كان ابن عمَّها، وكان رجلاً حكيماً، واتَّفق في ذلك الوقت أنَّهُ كان ممع زوجها، يريد أن يدخل عليها، وفقال الحكيمُ: ﴿إنْ كَانَ قَميصهُ قُدَّ مِنْ قُبلِ﴾ ، فأت صادقة، والرَّجلُ كاذبٌ، ﴿وإنْ كانَ قَمِيصهُ قُدَّ مِنْ دُبرٍ﴾ ، فالرَّجلُ صادقٌ، وأنت كاذبة فلما نظرُوا إلى القميصِ رأوا الشقَّ من خلفه، قال ابن عمِّها: ﴿إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ [اي: من عَملكن] ثم قال ليوسف: «أعْرِضْ عَنْ هَذَا» أي اكتمهُ، وقال لها: ﴿واستغفري لِذَنبِكِ﴾ ، وهذا قولُ السدي، وطائفة من المفسرين.

قال السُّهيلي: وهذا من باب الحكم بالأمارات، وله أصلٌ في الشَّرعِ، قال تعالى: ﴿وَجَآءُوا على قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ [يوسف: 18] حيثُ لا أثر لأنياب الذئب فيه، وقال تعالى: ﴿إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الكَاذِبِينَ﴾ وقال عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ في الحدّ: «انْظرُوا فإنْ جَاءَتْ بِهِ أبْيضَ خَالياً فَهُو للَّذي رُمِيَتْ بِهِ» .

قال السهيلي: كان عامر بن الظرف العدوانيُّ لا يكون بين العرب ثائر إلا تحاكموا إليه فيرضون بما يقضي به، فتحاكموا إليه في ميراث خنثى بات ليلة ساهراً يرى ماذا يحم به؟ فرأته جارية له ترعى، وكان اسمها سخيلة، فقالت له: ما لك، لا أبا لك اللَّيلة ساهِراً؛ فذكر لها ما هو مفكر فيه، وقال: لعلها يكون عندها في ذلك شيء، فقالت له: «اتْبَع القضاء المَبال» فقال: فرجتها والله يا سخيلة، وحكم بذلك القول.

القول الثاني: منقولٌ عن ابن عبَّاسٍ، وسعيد بن جبيرٍ، والضحاك رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم أن ذلك الشَّاهد كان صبيًّا في المهد، أنطقه اللهُ.

قال ابن عبًّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: تكلَّم في المهدِ ثلاثةُ صغارٍ: شاهدُ يوسف، وعيسى ابن مريم عليه السلام، وصاحبُ جريج الرَّاهب.

قال الجبائيُّ: القول الأول أولى لوجوه:

الأول: أنَّه سبحانه وتعالى لو أنطق الطفل بهذا الكلام، لكان مجرد قوله: «إنَّها كَاذبةٌ» كافياً، وبرهاناً قاطعاً؛ لأنَّه من المعجزات العجيبة الباهرة والاستدلال بتمزيق القميص من قُبُل ومن دُبُرٍ دليل ظنيّ ضعيف، والعدول عن الحجَّة الواضحة القاطعة حال حصولها إلى الدلالة الظَّنية لا يجوزُ.

الثاني: أنه تبارك وتعالى قال: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَآ﴾ يشيرُ بذلك إلى أنَّ شهادة الشَّاهد على قريبه، أولى بالقبولِ من شهادته له؛ لأن الظاهر من حال القريب أن يشهد لقريبه، لا أن يشهد عليه، وهذا التَّرجيحُ إنما يُصَارُ إليه إذا كانت دلالة الشَّهادة ظنية، وذلك إنَّما يكون في شهادة الرجل، ولو يكون هذا القول صادراً من الصَّبي الذي كان في المهد، لكان قوله حجَّة قاطعة، ولا يتفاوتُ الحال بين أن يكون من أهلها، وبين ألا يكون، وحينئذٍ لا يبقى لهذا القيد وجه.

الثالث: أن لفظ الشَّاهد لا يقعُ في العرف، إلا على من تقدَّمت معرفته بالواقعة، وإحاطته بها.

القول الثالث: أن هذا الشاهد هو القميص، قال مجاهد رَضِيَ اللَّهُ عَنْه الشاهد: «قُدَّ قيمصه من دُبُر» ، وهذا في غاية الضعف؛ لأن القميص لا يوصف بهذا ولا ينسب إلى الأهل.

واعلم أنَّ القول الأول عليه إشكال، وذلك أنَّ العلامة المذكورة لا تدلُّ قطعاً على براءة يوسف من المعصية؛ لأن من المحتملِ أنَّ الرجل قصد المرأة لطلب الزِّنا، والمرأة غضبت عليه، فهرب الرجل، فعدتِ المرأةُ خلف الرجل، وجذبته لقصد أن تضربه ضرباً وجيعاً، فعلى هذا الوجه يكون قدُّ القميص من دبرٍ، مع أنَّ المرأة تكون بريئة عن [الذنب] وأنَّ الرجل يكون مذنباً.

جوابه: أنَّا بيَّنا أنَّ علامات كذب المرأة كانت كثيرة بالغة مبلغ اليقين، فضمّ إليها هذه العلامة الأخرى، لا لأجل أن يُعوِّلُوا في الحكم عليها، بل لأجل أن يكون ذلك جارياً مجرى المقدمات، والمرجّحات.

قوله: «إنْ كَانَ ... » هذه الجملة الشرطية، إما معمولةٌ لقولٍ مضمر تقديره: «فقال» إن كان عند البصريين، وإمَّا معمولة «لِشَهدِ» ؛ لأنه بمعنى القول عند الكوفيين. قوله «مِنْ دُبرٍ. .» ، و «مِنْ قُبُلٍ ... » قرأ العامَّة جميع ذلك بضمتين، والجر والتنوين، بمعنى: من خلف، من قدام، أي: من خلف القميص، وقدامه وقرأ الحسن، وأبو عمرو في رواية بتسكين لعين تخفيفاً، وهي لغة الحجاز، وأسد، وقرأ ابن يعمر، وابن أبي إسحاق [والعطاردي والجارود بثلاث ضمات، وروي عن الجارود وابن أبي إسحاق وبن يعمر] أيضاً بسكون العين وبنائها على الضم ووجه ضمهما: أنَّهم جعلوهما ك «قَبلُ، وبعْدُ» في بنائهما على الضم عند قطعهما عن الإضافة، فجعلوهما غاية، ومعنى الغاية: أن يجعل المضاف غاية نفسه، بعد ما كان المضاف إليه غايته، والأصل إعرابهما؛ لأنَّهما اسمان متمكنان، وليسا بظرفين.

قال أبو حاتم: وهذا رديءٌ في العربية، وإنما هذا البناء في الظروف.

وقال الزمخشري: «والمعنى: من قبل القميص، ومن دُبرهِ، وأما التنكيرُ فمعناه: من جهةٍ يقال لها قبلٌ، ومن جهة يقال لها دبرٌ» وعن ابن أبي إسحاق: أنَّهُ قرأ «مِنْ قُبْلَ» ، و «مِنْ دُبْرَ» بالفتح كأنَّه جعلهما علمين للجهتين، فمنعهما الصرف للعملية، والتَّأنيث، وقد تقدم [البقرة: 235] الخلاف في «كان» الواقعة في حيز الشرط، هل تبقى على معناها من المضي، وإليه ذهب المبرِّدُ، أم تنقلب إلى الاستقبال كسائر الأفعالِ، وأنَّ المعنى على التَّبيينِ؟ .

قوله: «فَكذَبَتْ» ، و «صَدقَتْ» على إضمار «قَدْ» ، لأنها تقرب الماضي من الحالِ، هذا إذا كان الماضي متصرِّفاص، فأما إذا كان جامداً، فلا يحتاجُ إلى «قَدْ» لا لفظاً، ولا تقديراً.

قوله: ﴿فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ﴾ : أي: فلمَّا رأى زوجها قميصه قُدّ من دُبُرٍ؛ عرف خيانة امرأته، وبراءة يوسف صلوات الله وسلامه عليه قال لها: «إنَّهُ» ، هذا الصَّنِيعُ، أو قولك ﴿ما جزاء من أراد بأهلك سوءاً﴾ ﴿مِن كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ وقيل: هذا من قول الشاهد.

فإن قيل: إنه تعالى قال: ﴿وَخُلِقَ الإنسان ضَعِيفاً﴾ [الإنسان: 28] فكيف وصف كيد المرأة بالعظيم، وأيضاً: فيكدُ الرِّجال قد يزيدُ على كيد النِّساءِ؟ .

فالجواب عن الأوَّل: أن خلقة الإنسان بالنِّسبة إلى خلقة الملائكة، والسموات، والكواكب خلقة ضعيفة، وكيد النسوان بالنسبة إلى كيد البشر عظيمٌ؛ ولا منافاة بين القولين، وأيضاً: فالنِّساءُ لهُنَّ من هذا الباب من المكرِ، والحِيل، ما لا يكون للرجال؛ لأنَّ كيدهنَّ في هذا الباب، يورث من العار ما لا يورثه كيدُ الرَّجال.

ولما ظهر للقوم براءةٌ يوسف عن ذلك الفعل قال زوجها ليوسف: «أعْرِضٍ عَنْ هَذَا» الحديث، فلا تذكرة لأحدٍ حتى لا ينتشر، ولا يحصلُ العارُ العظيم وقيل: إنَّهُ من قول الشَّاهد. ثم قال للمرأة [ «واستغفري لِذنبكِ» إي: إلى الله ﴿إِنَّكِ كُنتِ مِنَ الخاطئين﴾ وقيل هذا من قول الشاهد] «واسْتَغفِري» ، أي: اطلبي من زوجك المغفرة، والصَّفح؛ حتَّى لا يعاقبك.

قال أبو بكرٍ الأصمُّ: إنَّ ذلك الزوج كان قليل الغيرةِ، فاكتفى منها بالاستغفار وقيل: إنَّ الله تعالى عزَّ وجلَّ سلبه الغيرة لطفاً بيوسف، حتى كفى بادرته وحلم عنها.

قال الزمخشري: «وإنما قال: ﴿مِنَ الخاطئين﴾ ؛ تغليباً للذكور على الإناث» ويحتملُ أن يقال: إنك من قبيل الخاطئين، فمن ذلك القبيل جرى ذلك العرفُ فيك.

قال البغوي رَحِمَهُ اللَّهُ: تقديره: إنَّك من القوم الخاطئين، ولم يقصد به الخبر عن النِّساء؛ بل قصد الخبر عن كُلِّ من يعفعلُ ذلك؛ كقوله تعالى: ﴿وَكَانَتْ مِنَ القانتين﴾ [التحريم: 12] ، وبيانه قوله: ﴿إِنَّهَا كَانَتْ مِن قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾ [النمل: 43] .

قوله تعالى: «يُوسُفُ» ، منادى محذوفٌ منه حرفُ النداءِ. قال الزمشخريُّ: «لأنه منادى قريب مقاطن للحديث، وفيه تقريبٌ له، وتلطيفٌ بمحله» انتهى.

وكُلُّ منادي يجوز حذف حرفُ النِّداء منه، إلا الجلالة المعظمة، واسم الجنس غالباً، والمستغاثَ، والمندوب، واسم الإشارة عند البصريين، وفي المضمر إذا نودِيَ.

والجمهورُ على ضمِّ فاءِ يوسف عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ؛ لكونه مفرداً معرفةً، وقرأ الأعمش بفتحها، وقيل لم تثبت هذه القراءة عنه، وعلى تقدير ثبوتها، فقال أبو البقاء: فيها وجهان:

أحدهما: أن يكون أخرجه على أصل المنادى؛ كما جاء في الشِّعر: [الخفيف]

3078 - ... ... ... ... ... ... ... يَا عَدِيًّا لقَدْ وقَتْكَ الأوَاقِي يريد بأصلِ المنادى: أنه مفعولٌ به، فحقه النصب؛ كالبيت الذي أنشده، واتفق أن يوسف لا ينصرف، ففتحته فتحةُ إعرابٍ.

والثاني، وجعله الأشبه: أن يكون وقف على الكلمة، ثم وصل، وأجرى الوصل مجرى الوقف؛ فألقى حركة الهمزة على الفاء، وحذفها؛ فصار اللفظ بها: «يُوسفَ أعْرض» ؛ وهذا كما حي: «اللهُ أكبرَ، أشْهَدَ ألاّ» ، بالوصلِ والفتح في الجلالةِ وفي «أكْبر» ، وفي أشْهد» ؛ وذلك أنه قدَّر الوقف على كل كلمة من هذا الكلم، وألقى حركة الهمزة [من] كل من الكلمِ الثَّلاث، على السَّاكن قبله، وأجرى الوصل مجرى الوقف في ذلك.

والذي حكوه الناسُ، إنَّما هو في «أكْبَر» خاصَّة؛ لأنَّها مظنة الوقف، وتقدم ذلك في سورة آل عمران [الآية: 1] .

ورىء» يُوسفُ أعْرضَ «بضمِّ الفاءِ، و» أعْرضَ «فعلاً ماضياً، وتخريجها أن يكون» يُوسفُ «مبتدأ، و» أعْرضَ» جلمة من فعلٍ وفاعلٍ خبره.

قال أبو البقاءِ: «وفيه ضعفٌ؛ لقوله:» واسْتَغْفرِي» ، وكان الأشبه أن يكون بالفاء: «فاسْتَغفِري» .

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском