Ibn 'AdilYusuf · 12:30–34

Ibn 'Adil · Tafsir · in Arabic

Yusuf 12:30–34, continued

أحدهما: أنها ليست على بابها من الطلب، بل «اسْتَفْعَل» هنا مبعنى «افْتَعَل» فاستعصم و «اعْتصَمَ» واحدٌ وقال الزمخشريُّ: «الاستعصام بناءُ للمبالغة يدلُّ على الامتناع البليغ، والتحفُّظ الشَّديد، كأنه في عصمةِ، وهو مجتهدٌ في الزيادة فيها، والاستزادة منها، ونحوه: اسْتمْسَكَ، واسْتوْسَعَ الفتقُ، واسْتجْمَعَ الرَّأيُ، واستفحل الخَطْبُ» فردّ السين إلى بابها من الطلبِ، وهو معنّى حسنٌ، ولذلك قال ابن عطية: «معناه طَلبَ العِصْمَةَ، واسْتمْسَكَ بها وعصاني» قال أبو حيان: ذكره التَّصريفيَّون في «اسْتَعْصَم» : أنه موافقٌ ل «اعتصم» ، و «اسْتَفْعَلَ» فيه: موافق ل «افتعل» وهذا أجودُ من جعل «استعفل» فيه للطلبِ؛ لأن «اعْتَصَمَ» يدلُّ على اعتصامه، وطلبُ المعصمةِ لا يدلُّ على حصولها، وأما أنه بناءُ مبالغةٍ يدلُّ على الاجتهادِ في الاستزادة من العصمة، فلم يذكر التصريفيون هذا المعنى ل «اسْتَفْعَلَ» ، وأما «اسْتَمْسكَ، واسْتَجْمَعَ الرأي، واسْتوْسَعَ الفَتْقُ، ف» اسْتَفْعَل «فيه لموافقةِ» افْتَعَلَ «، والمعنى: امتسك، واتسع، واجتمع، وأما» اسْتَفْحَلَ الخَطْبُ «ف» فاستَفْعَلَ «فيه موافقة ل» تَفعَّل «أي: تفَحَّل الخطب نحو» استْتَكْبرَ وتَكبَّرَ» .

قوله: «مَا آمُرُهُ» في» مَا «وجهان:

أحدهما: مصدريةٌ.

والثاني: أنها موصولةٌ، وهي مفعولٌ بها بقوله:» يَفْعَل» ، والهاءُ في «آمرُرُهُ» تحتمل وجهين:

أحدهما: العودُ على» مَا «الموصولة، وإذا جعلناها بمعنى الذي.

الثاني: العودُ على يوسف.

ولم يجوِّز الزمخشريُّ عودها على يوسف إلا إذا جعلت» ما «مصدرية، فإنه قال: فإنْ قلت: الضميرُ في:» مَا آمُرُهُ «راجعٌ إلى الموصول أم إلى يوسف؟ قلتُ: بل إلى الموصول، والمعنى: ما آمرُ به، فحذف الجار؛ كما في قوله: [البسيط]

3102 - أمَرْتُكَ الخَيْرَ ... ... ... ....... ... ... ... ... ... ... ... . .

ويجوز أن تجعل» ما «مصدرية، فيعود على يوسف، ومعناه: ولئنْ لم يفعل أمري إيَّاه، أي: موجبُ أمري، ومُقْتَضَاهُ» .

وعلى هذا، فالمفعولُ الأول محذوفٌ، تقديره: ما آمره به، وهو ضمير يوسف عليه السلام.

قوله: ﴿وَلَيَكُوناً﴾ قرأ العامة يتخفيف نون «وليَكُوناً» ، ويقفون عليها بالألف؛ إجراءً لها مجرى التنوين، ولذلك يحذفونها بعد ضمةٍ، أو كسرةٍ، نحو: هل تقومون؛ وهل تقومين؟ في: هل تقومن؟ والنونُ الموجودة في الوقف، نونُ الرفع، رجعوا بها عند عدم ما يقتضي حذفها، وقد تقرر فيما تقدَّم أنَّ نون التوكيدِ تثقَّلن وتخفف، والوقفُ على قوله: «ليُسْجَنَنَّ» بالنُّونِ؛ لأنَّها مشددةٌ، على قوله: «وليَكُوناً» بالألف؛ لأنها مخففةٌ، وهي شبيهةٌ بنون الإعراب في الأسماءْ؛ كقولك: رأيتُ رجلاً، وإذا وقفت قلت: رجلا، بالألف، ومثله:

﴿لَنَسْفَعاً بالناصية ﴾ [العلق: 15] .

و «مِنَ الصَّاغرينَ» من الأذلاَّءِ، وقرأت فرقة بتشديدها وفيها مخالفةٌ لسوادِ المصحف؛ لكتبها فيه ألفاً؛ لأ، الوقف عليها كذلك؛ كقوله: [الطويل]

3103 - وإيَّاكَ والمَيْتَاتِ لا تَقْربنَّهَا ... ولا تَعْبُدِ الشَّيطانَ واللهَ فاعْبُدَا أي: فاعْبُدونْ، فأبدلها ألفاً، وهو أحدُ الأقوالِ في قول امرىء القيس: [الطويل]

4104 - قِفَا نَبْكِ ... ... ....... ... ... ... ... ... . .

وأجرى الوصل مجرى الوقف.

12:33–34Page 239

قَالَ رَبِّ ٱلسِّجۡنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدۡعُونَنِيٓ إِلَيۡهِۖ وَإِلَّا تَصۡرِفۡ عَنِّي كَيۡدَهُنَّ أَصۡبُ إِلَيۡهِنَّ وَأَكُن مِّنَ ٱلۡجَٰهِلِينَ ٣٣

He said, "My Lord, prison is more to my liking than that to which they invite me. And if You do not avert from me their plan, I might incline toward them and [thus] be of the ignorant."

فَٱسۡتَجَابَ لَهُۥ رَبُّهُۥ فَصَرَفَ عَنۡهُ كَيۡدَهُنَّۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ٣٤

So his Lord responded to him and averted from him their plan. Indeed, He is the Hearing, the Knowing.

قوله: ﴿رَبِّ السجن﴾ العامة على كسر الباء؛ لأنه مضافٌ لياء المتكلم، اجتزىء عنها باكسرة، وهي الفصحى، و «السِّجنُ» : بكسر السين، ورفع النُّون، على أنَّه مبتدأ، والخبر: «أحَبُّ» و «السِّجنُ» الحبسُن والمعنى: دخول السِّجنِ.

وقرأ بعضهم: «ربُّ السِّجنُ» بضمِّ الباءِ، وجرِّ النون، على أنَّ «ربُّ» مبتدأ و «السِّجن» خفض بالإضافة، وأَحبُّ» : خبره، والمعنى: ملاقاةُ صاحب السجن، ومقاساته أحبُّ إليَّ.

وقرأ عثمان، ومولاه طارق، وزيد بن علي، والمرهريُّ، وابن أبي إسحاق، وابن هرمز، ويعقوب: بفتح السِّين، وفي الباقي كالعامَّة.

والسِّجنُ: مصدرٌ، أي: الحبسُ أحبُّ [إليَّ] ، و «إليَّ» متعلقٌ ب «أحَبُّ» ، وقد تقدم [يوسف: 8] : وإنَّما هذان شرَّان، فآثر أحد الشَّرينِ على الآخر.

فصل

الظَّاهر أنَّ النسوة لما سمعن هذا التهديد، قلن له: لا مصحلة لك في مخالفة أمرها، وإلاَّ وقعت في السِّجنِ وفي الصَّغار، فعند ذلك اجتمع في حقِّ يوسف، أنواع الترغيب في الموافقة:

أحدهما: أنَّ» زُلَيْخَا «كانت في غاية الحسن.

والثاني: أنها كانت على عزم أن تبذُل الكُّلَّ ليوسف، إن طاوعها.

الثالث: أن النسوة اجتمعن عليه، وكلُّ واحدةٍ منهم كانت ترغبه، وتخوفه بطريقٍ غير طريقِ الأخرى، ومكرُ النساءِ في هذا الكتاب شديدٌ.

الرابع: أنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ كان خائفاً من شرِّها، ومن إقدامها على قتله، وإهلاكه.

فاجتمع في حقِّه جميع جهات الترغيب؛ على موافقتها، وجميع جهات التَّخويف؛ على مخالفتها، فخاف صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أن تؤثر هذه الأسباب الكثيرة فيه، والوقوة البشريَّة لا تفي بحصول هذه القضية القوية؛ فعند ذلك التجأ إلى الله تعالى وقال: ﴿رَبِّ السجن أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يدعونني إِلَيْهِ﴾ وقدَّم محبته السِّجن وإن كانت معصية؛ لأنها أخفُّ، وذلك أنه متى لزم ارتكابُ أحد قسمين، كلِّ واحدٍ منهما يضرُّ، فارتكابُ اقلِّ الضررين أولى؛ والأولى بالمرءِ أن يسأل الله العافية.

فإن قيل: كيف قال: «يَدْعُوننِي إليْهِ» وإنما دعتْه زُلَيْخَا خاصَّة؟ .

فالجواب: أضافهُ إليهنَّ؛ خُروجاً من التصريح إلى التعريض، وأراد الجنس، وقيل إنهن جميعاً دعونه إلى أنفُسهِنَّ، وقيل أراد ترغيبهنّ له في مُطَاوعِتهَا.

فصل

﴿وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ﴾ قرأ العامة بتخفيف الباء، من: صَبَا يَصْبُو، أي: رقَّ شوقُه، والصَّبْوة: الميلُ إلى الهوى، ومنه «الصَّبَا» ؛ لأن النُّفوسَ تصبُّو إليها، أي: تميِلُ إلى نسيمها ورَوْحِهَا، يقال: صَبَا يَصْبُو صَبَاءً وصُبُوًّا، وصَبِيَ يُصبْي صَباً، والصِّبَا بالكسرة: اللَّهو، واللَّعب.

وقرأت فرقةٌ» أصُبَّ «بتشديدهخا من صَبَيْتُ صَبَابَةً، فأنا صبٌّ، والصَّبابَةُ: رقَّةُ الشْوقِ، وإفراطه؛ كأنه لفَرْطِ حُبِّه يَنْصَبُّ فِيمَا يَهْوَاه كما يَنصَبُّ المَاءُ.

فصل

احتجُّوا بهذه الآيةِ على أنَّ الإنسان لا ينصرفُ عن المعصية، إلاَّ إذا صرفه الله عنها.

قالوا: لأن هذه الآية تدلُّ على أنه إنْ لم يصرفه عن ذلك القبيح، وقع فيه. وتقريره: أنَّ الداعي إلى الفعل، والترْكِ، إن استويا، امتنع الفعل؛ لأن الفعل أحدْ رجحان الطرفين، ومَرْجُوحيَّة الطرفِ الآخرن وحصولهما حال استواء الطرفين جمع بين النقيضين؛ وهو محالٌ، فإن حص الرجحانُ في أحد الطرفين، فذلك الرجحانُ ليس من العبدِ، وإلا لذهبت المراتب إلى غير نهايةٍ، بل نقول: من الله تعالى، فالصَّرفُ عبارةٌ عن جعله مَرْجُوحاً؛ لأنه متى صار مَرْجُوحاً، صار ممتنع الوقوع؛ لأن الوقوع رجحانٌ، فلو وقع في حالِ المرجوحةِ، لحصل الرجحان حال حصولِ المرجوحيَّة، وهو مقتضى حصول الجمع بين النقيضين؛ وهو محالٌ.

فثبت بهذا أنَّ انصراف العبد عن القبيح ليس إلا الله من الله.

وأيضاً: فإنَّه كان قد حصل في «يُوسفَ» جميعُ الأسباب المرغِّبةِ في المعصية، وهو الانتفاعُ بالمالِ والجاه، والتَّمتُّع بالمطعومِ، فقد فويتْ دواعي الفعل، وضعفت الدَّواعي المعارضة لدواعي المعصيةِ؛ إذْ لو لم يحصل هذا التعارضُ، لحصل الترجيحُ للوقوع في المعصية خالياً عما يعارضه؛ وذلك يوجبُ وقوع الفعل، وهو المراد من قوله ﴿أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الجاهلين﴾ وفيه دليلٌ على أنَّ المؤمن إذا ارتكب ذنباً، يرتكبه عن جهالةٍ.

قوله: ﴿فاستجاب لَهُ رَبُّهُ﴾ ، أجاب له ربُّهُ، ﴿فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ﴾ ؛ وذلك يدلُّ على أنَّ الصارف عنه، هو الله تعالى ﴿إِنَّهُ هُوَ السميع﴾ لدعائه، ﴿العليم﴾ بمكرهن.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском