Ibn 'Adil · Tafsir · in Arabic
Al-Hijr 15:51–86, continued
قال القشيريُّ: يحتمل أن يرجع ذلك إلى قوم لوطٍ؛ أي كانوا في سكرتهم يعمهون، أي لمَّا وعظ لوطٌ قومه وقال: هؤلاء بناتي، قالت الملائكة: يا لوط لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون، ولا يدرون ما يحلُّ بهم صباحاً.
فإن قيل: فقد أقسم الله تعالى بالتِّين، والزَّيتونِ، وطور سنين، وما في هذا من الفضل؟ قيل له: ما من شيء أقسم الله به، إلاّ وفي ذلك دلالة على فضل على ما يدخل في عداده، فكذلك محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
ثم قال: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصيحة﴾ ، ولم يذكر في الآية صيحة من هي فإن ثبت بدليل قوي أن تلك صيحة جبريل قيل به وإلا فليس في الآية دليلٌ على أنه جاءتهم صيحة مهلكة.
قوله «مُشْرقينَ» «حال من مفعول» أخَذتْهُمْ» ، أي داخلين في الشروق، أي: بزوغِ الشَّمسِ.
يقال: شَرَق الشارق يَشْرُق شُرُوقاً لكل ما طلع من جانب الشرع، ومنه قوله: ما ذرَّ شَارِقٌ، أي طلع طَالعٌ فكان ابتداء العذاب حين أصبحوا وتمامه حين أشرقوا.
والضمير في: «عَاليهَا وسَافِلهَا» للمدينة. وقال الزمخشريُّ: «لقرى لقوم لوط» .
ورجح الأول بأنه تقدَّم ذكر المدينة في قوله ﴿وَجَآءَ أَهْلُ المدينة﴾ فعاد الضمير إليها بخلاف الثاني، فإنه لم يتقدَّم لفظ القرى.
﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً﴾ تقدم الكلام على ذلك كله في هود: [82] .
قوله ﴿لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ متعلق بمحذوف على أنه صفة ل» آيَاتٌ «وأجود أن يتعلق بنفس» آيَاتٌ» ؛ لأنَّها بمعنى العلامات.
والتوسُّم: تفعل من الوسم، والوسمُ أصله: التَّثبت، والتَّفكر مأخوذ من الوسمِ، وهو التَّأثير بحديد في جلد البعير، أو غيره.
وقال ثعلب: الوَاسِمُ النَّاظر إليك من [قرنك] إلى قدمك، وفيه معنى التَّثبيت.
وقال الزجاج: حقيقة المتوسِّمين في اللغة: المثبتون في نظرهم حتَّى يعرفوا سمة الشيء، وصفته وعلامته وهو استقصاءُ وجوه التَّعرف قال: [الكامل]
3287 - أوَ كُلما وردَتْ عُكاظَ قَبيلَةٌ ... بَعَثَتْ إليَّ عَريفَهَا يَتوسَّم
وقيل: هو تفعُّل من الوسمِ، وهو العلامة، توسَّمتُ فيك خيراً، أي: ظهر لي مِيسَمُهُ عليك.
قال ابن رواحة يمدحُ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: [البسيط]
3288 - إنِّي تَوسَّمْتُ فِيكَ الخَيرَ أعْرفهُ ... واللهُ يَعْلمُ أنِّي ثَابتُ البَصرِ
وقال آخر: [الطويل]
3289 - تَوسَّمْتهُ لمَّا رَأيْتُ مَهَابَةٌ ... عَليْهِ، وقُلْتُ المَرْءُ مِنْ آلِ هَاشمِ
ويقال: اتَّسمَ الرَّجلُ، إذا اتَّخذَ لِنفْسِه عَلامةً يُعرف بِهَا، وتوسَّم: إذا طلبَ كلأ الوسمي، أي: العُشْبَ النَّابت في أوَّل المطر.
واختلف المفسِّرون: فقال ابن عبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما للنَّاظرين.
وقال مجاهدٌ للمتفرِّسين، وقال قتادة للمعتبرين، وقال مقاتلٌ للمتفكرين.
قوله: ﴿وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُّقِيمٍ﴾ الظاهر عود الضمير على المدينة، أو القرى وقيل على الحجارة وقيل: على الآيات، والمعنى: بطريقٍ قال مجاهد هذا طريق معلم، وليس بخفيّ، ولا زائلٍ.
ثم قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ، إي: كل من آمن بالله، ويصدق بالأنبياء، والرُّسلِ صلوات الله وسلامه عليهم؛ عرف أنَّما كان انتقامُ الله من الجُهَّال لأجل مخالفتهم، وأمَّا الذين لا يؤمنون؛ فيحملونه على حوادث [العالم] ، وحصول القرانات الكوكبية، والاتصالات الفلكية.
15:78–79Page 266
وَإِن كَانَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡأَيۡكَةِ لَظَٰلِمِينَ ٧٨
And the companions of the thicket [i.e., the people of Madyan] were [also] wrongdoers,
فَٱنتَقَمۡنَا مِنۡهُمۡ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٖ مُّبِينٖ ٧٩
So We took retribution from them, and indeed, both [cities] are on a clear highway.
قوله تعالى: ﴿وَإِن كَانَ أَصْحَابُ الأيكة لَظَالِمِينَ﴾ «إنْ» هي المخففة، واللم فارقة وهي للتأكيد، وقد تقدَّم حكم ذلك [البقرة: 143] .
و «الأيْكَة» : الشَّجرة الملتفَّّة، واحدة الإيْكِ. قال: [الكامل]
3290 - تَجْلُو بِقَادمتَي حَمامَةِ أيْكَةٍ ... بَرَاداً أسِفَّ لِثاتهُ بالإثْمِدِ
ويقال: لَيْكَة، وسيأتي بيانه عند اختلاف القرَّاء فيه الشعراء: [176] إن شاء الله تعالى.
وأصحاب الأيكة: قوم شعيب كانوا أصحاب غياضٍ، وشجرٍ متلفٍّ.
قال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: وكان عامة شجرهم الدوم، وهو المقل.
﴿فانتقمنا مِنْهُمْ﴾ بالعذاب.
روي أنَّ الله تعالى سلَّط عليهم الحر سبعة أيَّام، مفبعث الله سبحانه سحابة فالتجئوا إليها يلتمسون الرَّوْحَ؛ فبعث الله عليهم ناراً، فأحرقتهم، فهو عذابُ يوم الظُّلة.
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُّبِينٍ﴾ في ضمير التثنية أقوال:
أرجحها: عوده على [قريتي] قوم لوطٍ، وأصحاب الأيكةِ، وهم: قوم شعيبٍ؛ لتقدُّمها ذكراً.
وقيل: يعود على لوطٍ وشعيبٍ، [وشعيبٌ] لم يجر له ذكر، ولكن دلَّ عليه ذكر قومه.
وقيل: يعود على الخبرين: خبر هلاك قوم لوطٍ، وخبر إهلاك قوم شعيبٍ.
وقيل: يعود على أصحاب الأيكةِ، وأصحاب مدين؛ لأنه مرسلٌ إليهما، فذكر أحدهما يشعر بالأخرى.
وقوله جل ذكره ﴿لَبِإِمَامٍ مُّبِينٍ﴾ أي: بطريق واضح، والإمام [اسم لما] يؤتمُّ به.
قال الفراء، والزجاج: «إنَّما جعل الطَّريقُ إماماً؛ لأنه يؤمُّ، ويتبع» .
قال ابن قتيبة: لأنََّ المسافر يأتمُّ به حتى يصير إلى الموضع الذي يريده.
وقوله: «مُبينٍ» يحتمل أنه مبين في سنفسه، ويحتمل أنه مبين لغيره، لأن الطريق تهدي إلى المقصد.
15:80–86Page 266
وَلَقَدۡ كَذَّبَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡحِجۡرِ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ٨٠
And certainly did the companions of al-Ḥijr1 [i.e., the Thamūd] deny the messengers.
وَءَاتَيۡنَٰهُمۡ ءَايَٰتِنَا فَكَانُواْ عَنۡهَا مُعۡرِضِينَ ٨١
And We gave them Our signs, but from them they were turning away.
وَكَانُواْ يَنۡحِتُونَ مِنَ ٱلۡجِبَالِ بُيُوتًا ءَامِنِينَ ٨٢
And they used to carve from the mountains, houses, feeling secure.
فَأَخَذَتۡهُمُ ٱلصَّيۡحَةُ مُصۡبِحِينَ ٨٣
But the shriek seized them at early morning,
فَمَآ أَغۡنَىٰ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ ٨٤
So nothing availed them [from] what they used to earn.
وَمَا خَلَقۡنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَآ إِلَّا بِٱلۡحَقِّۗ وَإِنَّ ٱلسَّاعَةَ لَأٓتِيَةٞۖ فَٱصۡفَحِ ٱلصَّفۡحَ ٱلۡجَمِيلَ ٨٥
And We have not created the heavens and earth and that between them except in truth. And indeed, the Hour is coming; so forgive with gracious forgiveness.
إِنَّ رَبَّكَ هُوَ ٱلۡخَلَّٰقُ ٱلۡعَلِيمُ ٨٦
Indeed, your Lord - He is the Knowing Creator.
قوله: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الحجر المرسلين﴾ . قال صاحبُ «ديوان الأدبِ» الحِجْر: بكسر الحاء المهملة، وتسكين الجيم له ستَّة معانٍ:
فالحِجْر: منازل ثمود، وهو المذكور هاهنا، والحِجْرُ: الأنثى من الخيل. والحِجْرُ: الكعهبة. والحِجْرُ: لغة في الحجرِ، هو واحد الحجور في قوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللاتي فِي حُجُورِكُمْ﴾ [النساء: 23] والحِجْرِ: العَقْلُ، قال تعالى: ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِّذِى حِجْرٍ﴾ [الفجر: 5] ، والحِجْرُ: الحرامُ في قوله تعالى: ﴿وَحِجْراً مَّحْجُوراً﴾ [الفرقان: 53] أي: حراماً محرماً.
فصل
قال «المُرْسلينَ» ، وإنَّما كذبوا صالحاً وحده؛ لأنَّ من كذَّب نبيًّا؛ فقد كذَّب الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم ملأنهم على دين واحد ولا يجوز التَّفرييقُ بينهم.
وقيل: كذَّبُوا صالحاً، وقيل: كذَّبوا صالحاً ومن تقدمه من النَّبيين أيضاً، والله تعالى أعلم.
قال المفسرون: والحِجْرُ: اسم وادٍ كان يسكنه ثمود قوم صالحٍ، وهو بين المدينة، والشام، والمراد ب «المُرْسلينَ» صالحٌ وحده.
قال ابن الخطيب: «ولعلَّ القوم كانوا براهمة منكرين لكل الرسل» .
﴿وَآتَيْنَاهُمْ﴾ يعني النَّاقة، وولدها، والبئر، والآيات في النَّاقة: خروجها من الصَّخرة، وعظم خلقها، وظهور نتاجها عند خروجها، وقُرب ولادتها، وغزارة لبنها، وأضاف الإيتاء إليهم، وإن كانت النَّاقة آية صالحٍ؛ لأنَّها آيات رسولهم، فكانوا عنها معضرين؛ فذلك يدلُّ على أنَّ النَّظر، والاستدلال واجب، وأنَّ التقليد مذموم.
﴿وَكَانُواْ يَنْحِتُونَ مِنَ الجبال بُيُوتاً﴾ تقدَّم كيفيَّة النَّحت في الأعراف: [74] ، وقرأ الحسن، وأبو حيوة: بفتح الحاءِ.
«ءَامِنينَ» من عذاب الله.
وقيل: آمنين من الخرابِ، ووقوع السَّقف عليهم.
﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصيحة﴾ ، أي: صيحة العذاب «مُصْبِحينَ» ، أي وقت الصُّبح.
قوله: «فَمَا أغْنَى» يجوز أني تكون نافية، أو استفهامية فيها [معنى] التعجب، وقوله: «مَا كَانُوا» يجوز أن تكون «مَا» مصدرية، أي: كسبهم، أو موصوفة، أو بمعنى «الَّذي» ، وةالعائد محذوف، أي: شيء يكسبونه، أو الذي يكسبونه.
فصل
وروى البخاري عن ابن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه «أنَّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لمَّا نزل الحجر في غزوة تبوك، أمرهم ألاَّ يشربوا من بئرها، ولا يستقوا منها، فقال واحدٌ: عَجَنَّا، وأسْتقَيْنَا، فأمرهم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أن يهريقوا ذلك الماء، وا، يطرحوا ذلك العجين» ، وفي رواية: «وأ، ْ يَعْلِفُوا الإبل العجِين» .
وفي هذا دليل على كراهة دخول تلك المواضع، وعلى كراهةِ دخول مقابر الكفار، وعلى تحريم الانتفاع بالماء المسخوط عليه؛ لأنَّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أمرهم بإهراقه وطرح العجين، وهكذا حكم الماء النَّجسِ، ويدلُّ على أنَّ ما لا يجوز استعماله من الطعام، والشراب، يجز أن يعلفه البهائم.
قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بالحق﴾ الآية. لما ذكر أهلاك الكفَّار، فكأنه قيل: كيف يليق الإهلاك بالرحيم؟ .
فأجاب: بأني ما خلقت الخلق إلا ليشتغلوا بعبادي، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56] فإذا تركوها، وأعرضوا عنها؛ وجب في الحكمة إهلاكهم، وتظهير وجه الأرض منهم.
وهذا النَّظم حسنٌ، إلا أنَّه إنما يستقيمُ على قوله المعتزلة، وفي النظم وجه آخر: وهو أنه تعالى إنَّما هذه القصَّة تسلية لنبيِّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وأن يصبره على سفاهة قومه، فإنه إذا سمع [أنَّ] الأمم السَّالفة كانوا يعاملون بمثل هذه المعاملات؛ سهُل تحمُّل تلك السَّفاهات على محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ثم: إنَّه تعالى لما بيَّن أنه أنزل العذاب على الأمم السَّالفة، قال لمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «إنَّ السَّاعةَ لآتيِةٌ» ، وإنَّ الله لينتقم لك من أعدائك، ويجازيهم، وإيَّاك، فإنه ما خلق السماوات، والأرض، وما بينهما إلا بالحق، والعدل والإنصاف، فكيف يليق بحكمته إهمال أمرك؟ .
ثم إنَّه تعالى لما صبَّره على أذى قومه، رغَّبة بعد ذلك في الصَّفح عنهم، فقال: ﴿فاصفح الصفح الجميل﴾ .
قوله:: إلاَّ بالحقِّ «نعت لمصدر محذوف، أي: ملتسبة بالحقِّ.
قال المفسِّرون: هذه الآية منسوخة بآية القتال، وهو بعيد؛ لأنَّ المقصود من ذلك أن يظهر الخلق الحسن، والعفوا، والصفح، فكيف يصير منسوخاً؟ .
ثم قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الخلاق العليم﴾ ، أي خلق الخلق مع اختلاف طبائعهم، وتفاوت أحوالهم، مع علمه بكونهم كذلك وإذا كان كذلك، فإنَّما خلقهم مع هذا التَّفاوت، ومع العلم بذلك التَّفاوت، أمَّا على قول أهل السنة فلمخض مشيئته، وإرادته، وعلى قول المعتزلة: لأجل المصلحة، والحكمة.
وقرأ زيد بن علي، والجحدري:» إنَّ ربَّك هُو الخَالِقُ» ، وكذا هي في مصحف أبيّ وعثمان.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences