Ibn 'Adil · Tafsir · in Arabic
Al-Isra 17:49–58
17:49–52Page 286
وَقَالُوٓاْ أَءِذَا كُنَّا عِظَٰمٗا وَرُفَٰتًا أَءِنَّا لَمَبۡعُوثُونَ خَلۡقٗا جَدِيدٗا ٤٩
And they say, "When we are bones and crumbled particles, will we [truly] be resurrected as a new creation?"
۞ قُلۡ كُونُواْ حِجَارَةً أَوۡ حَدِيدًا ٥٠
Say, "Be you stones or iron1
أَوۡ خَلۡقٗا مِّمَّا يَكۡبُرُ فِي صُدُورِكُمۡۚ فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَاۖ قُلِ ٱلَّذِي فَطَرَكُمۡ أَوَّلَ مَرَّةٖۚ فَسَيُنۡغِضُونَ إِلَيۡكَ رُءُوسَهُمۡ وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هُوَۖ قُلۡ عَسَىٰٓ أَن يَكُونَ قَرِيبٗا ٥١
Or [any] creation of that which is great1 within your breasts." And they will say, "Who will restore us?" Say, "He who brought you forth the first time." Then they will nod their heads toward you2 and say, "When is that?" Say, "Perhaps it will be soon -
يَوۡمَ يَدۡعُوكُمۡ فَتَسۡتَجِيبُونَ بِحَمۡدِهِۦ وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثۡتُمۡ إِلَّا قَلِيلٗا ٥٢
On the Day He will call you and you will respond with praise of Him and think that you had not remained [in the world] except for a little."
قوله تعالى: ﴿أَإِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً﴾ الآيات.
لما تكلَّم أوَّلاً في الإلهيَّاتِ، ثمًَّ أتبعه بذكر شبهاتهم في النبوَّات، ذكر في هذه الآيات شبهاتهم في إنكار المعاد، والبعث، والقيامة، وقد تقدَّم أنَّ مدار القرآن على هذه الأربعة، وهي الإلهيَّات، والنبوّات، والمعاد، والقضاء والقدر، وأيضاً فالقوم وصفوا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بكونه مسحوراً فاسد العقل، فذكروا أن من جملة ما يدلُّ على فساد عقله: أن يدعي أنَّ الإنسان بعدما يصير عظاماً ورفاتاً يعود حيًّا، كما كان.
قوله تعالى: ﴿أَإِذَا كُنَّا﴾ : قد تقدم خلاف القرَّاء في مثل هذين الاستفهامين في سورة الرعد، والعامل في «إذَا» محذوفٌ [تقديره:] أنبعثُ أو أنحشر، إذا كُنَّا، دلَّ عليه «المَبْعُوثُونَ» ولا يعمل فيها «مَبعُوثُونَ» هذا؛ لأنَّ ما بعد «إنَّ» لا يعمل فيما قبلها، وكذا ما بعد الاستفهام، لا يعمل فيما قبله، وقد اجتمعا هنا، وعلى هذا التقدير: تكون «إذَا» متمحِّضة للظرفية، ويجوز أن تكون شرطية، فيقدَّر العامل فيها جوابها، تقديره: أإذا كنَّا عظاماً ورفاتاً نبعث أو نعاد، ونحو ذلك، فهذا المحذوف جواب الشَّرط عند سيبويه، والذي انصبَّ عليه الاستفهام عند يونس.
والرُّفات: ما بولغَ في دقِّه، وتفْتِيتِه، وهو اسمٌ لأجزاءِ ذلك الشيء المفتت، وقال الفراء: «هو التُّرَابُ» وهو قول مجاهدٍ ويؤيِّده أنه قد تكرَّر في القرآن «تراباً وعظاماً» . يقال: رَفَتَهُ يَرْفِتُهُ بالكسرِ [أي: كسره] .
وقيل: حطاماً قال الواحدي: الرفت: كسر الشيء بيدك؛ كما يرفت المدر والعظم البالي، يقال: رفت عظام الجَزُورِ رفتاً، إذا كسرها، ويقال للتبن: الرفت؛ لأنَّه دقاق الزَّرْع.
قال الأخفش: رفت رفتاً، فهو مَرفُوتٌ، نحو حطم حَطْماً، فهو مَحْطُوم.
والفعال يغلب في التفريق كالرُّفات والحطامِ والعظام والدقاق والفتات، والجذاذَ والرضاض.
قوله تعالى: «خَلْقاً» يجوز فيه وجهان:
أحدهما: أنه مصدرٌ من معنى الفعل، لا من لفظه، أي: نبعثُ بعثاً جديداً.
والثاني: أنه في موضع الحال، أي: مخلوقين.
فصل
تقرير شبهة القوم: هو أنَّ الإنسان، إذا جفَّت أعضاؤه، وتناثرت وتفرَّقت في جوانب العالم، واختلطت تلك الأجزاء بسائر أجزاء العالم، فالأجزاء المائيَّة تختلط بمياه العالم، والأجزاء الترابيَّة تختلط بالتُّراب، والأجزاء الهوائيَّة تختلط بالهواء، وإذا كان كذلك، فكيف يعقل اجتماعها بأعيانها مرَّة أخرى، وكيف يعقل عود الحياة إليها بأعيانها مرة أخرى؟! هذا تقرير شبهتهم.
والجواب عنها: أن هذا الإشكال لا يتمُّ إلاَّ بالقدح في كمال علم الله تعالى، وفي كمال قدرته.
أمَّا إذا سلَّمنا كونه تعالى عالماً بجميع الجزئيات، فحينئذٍ، هذه الأجزاء، وإن اختلطت بأجزاء العالم، إلاَّ أنها متميِّزة في علم الله تعالى، ولما سلَّم كونه - تعالى - قادراً على كلِّ الممكنات، كان قادراً على إعادة التأليف والتركيب، والحياة، والعقل، إلى تلك الأجزاء بأعيانها، فمتى سلم كمال علم الله تعالى، وكمال قدرته، زالت هذه الشبهة بالكليَّة.
ثم قال تعالى: ﴿قُلْ كُونُواْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً﴾ وذلك أنَّهم استبعدوا أن يردَّهم أحياءً بعد أن صاروا عظاماً ورفاتاً، فإنَّها صفة منافية لقبول الحياة بحسب الظاهر، فقال: ولقد قدرتم أنَّ هذه الأجسام بعد الموت تصير إلى صفة أخرى أشدَّ منافاة لقبول الحياة من كونها عظاماً ورفاتاً؛ مثل أن تصير حجارة أو حديداً؛ فإنَّ المنافاة بين الحجرية والحديدية وبين قبول الحياة اشدُّ من المنافاة بين العظميَّة وبين قبول الحياة؛ لأنَّ العظم كان جزءاً من بدن الحيِّ، وأمَّا الحجارة والحديد، فما كانا ألبتَّة موصوفين بالحياة، فبتقدير أن تصير أبدان الناس حجارة أو حديداً بعد الموت، فإن الله تعالى يعيد الحياة إليها، ويجعلها حية عاقلة، كما كان، والجليل على صحَّة ذلك أن تلك الأجسام قابلة للحياة والعقل؛ إذ لو لم يكن القبول حاصلاً، لما حصل العقل والحياة لها في أوَّل الأمر، وإله العالم عالمٌ بجميع الجزئيَّات، فلا يشتبه عليه أجزاء بدنِ زيد المطيع بأجزاء بدن عمرو العاصي، وقادرٌ على كل الممكنات.
وإذا ثبت أنَّ عود الحياة إلى تلك الأجزاء ممكنٌ في نفسه، وثبت أنَّ إله العالم عالمٌ بجميع المعلومات، قادرٌ على كلِّ الممكنات، كان عود الحياة إلى تلك الأجزاء ممكناً قطعاً سواءٌ صارت عظاماً ورفاتاً أو أشياء أبعد من العظم في قبول الحياة، مثل أن تصير حجارة أو حديداً، وهذا ليس المراد منه الأمر، بل المراد أنَّكم لو كنتم كذلك، لما أعجزتم الله تعالى عن الإعادة؛ كقول القائل للرجل: أتطمع فيَّ، وأنا ابنُ فلانٍ؟!! فيقول: كُنْ من شئت كن ابن الخليفة فسأطلب منك حقِّي. ثم قال تعالى: {أَوْ خَلْقاً مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ} أي: لو فرضتم شيئاً آخر أبعد من قبولِ الحجر والحديد للحياة، بحيث يستبعد عقلكم قبوله للحياة، ولا حاجة إلى تعيين ذلك الشيء؛ لأنَّ المراد أنَّ أبدان النَّاس، وإن انتهت بعد موتها إلى أيِّ صفة فرضت، وإن كانت في غاية البعد عن قبول الحياة، فإنَّ الله قادرٌ على إعادة الحياة إليها.
قال ابن عبَّاس، ومجاهد، وعكرمة، وأكثر المفسِّرين - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم -: إنَّه الموت؛ فإنَّه ليس في نفس ابن آدم شيء أكبر من الموت، أي: لو كنتم الموت بعينه، لأميتنَّكم، ولأبعثنكم، وهذا إنَّما يحسنُ ذكره على سبيل المبالغة، أما نفس الأمر بهذا، فهو محالٌ؛ لأن أبدان النَّاس أجسامٌ، والموت عرضٌ، والجسم لا ينقلب عرضا، وبتقدير أن ينقلب عرضاً، فالموت لا يقبل الحياة؛ لأن أحد الضِّدين يمتنع اتصافه بالضدِّ الآخر.
وقال بعضهم: يعني السَّماء والأرض.
ثم قال تعالى: ﴿فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا﴾ ، أي: من الذي يقدر على إعادة الحياة، فقال تعالى: ﴿قُلْ﴾ يا محمد: ﴿الذي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ أي: خلقكم أوَّل مرة، ومن قدر على الإنشاء قدر على الإعادة.
قوله تعالى: ﴿الذي فَطَرَكُمْ﴾ : فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه مبتدأ، وخبره محذوف، أي: الذي فطركم يعيدكم، وهذا التقدير فيه مطابقة بين السؤال والجواب.
والثاني: أنه خير مبتدأ محذوف، أي: معيدكم الذي فطركم.
الثالث: أنه فاعل بفعل مقدَّر، أي: يعيدكم الذي فطركم، ولهذا صرِّح بالفعل في نظيره عند قوله: ﴿لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العزيز العليم﴾ [الزخرف: 9] .
و «أوَّل مرَّةٍ» ظرف زمانٍ ناصبه «فَطرَكُمْ» .
قوله تعالى: ﴿فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُوسَهُمْ﴾ ، أي: يحرِّكونها استهزاء، يقال: أنغض رأسه ينغضها، أي: يحركها إلى فوق، وإلى أسفل إنغاضاً، فهو منغضٌ، قال: [الرجز]
3428 - أنْغضَ نَحْوي رَاسهُ وأقْنَعا ... كَأنَّهُ يَطلبُ شيئاً أطْمعَا
وقال آخر: [الرجز]
3429 - لمَّا رَأتْنِي أنغضَتْ لِي الرَّأسَا ... وسمي الظليم نغضاً لأنه يحرك رأسه وقال أبو الهيثم: «إذا أخبر الرجلُ بشيءٍ، فحرَّك رأسه؛ إنكاراً له، فقد أنغضَ» .
قال ذو الرُّمَّة:
3430 - ظَعائِنُ لمْ يَسْكُنَّ أكْنافَ قَرْيةٍ ... بِسيفٍ ولَمْ تَنْغُضْ بهنَّ القَناطِرُ
أي: لم تحرَّك، وأمَّا نغض ثلاثيًّا، ينغَض وينغُض بالفتح والضمِّ، فبمعنى تحرَّك، لا يتعدَّى يقال: نغضتْ سنُّه، أي: تحرَّكتْ، تَنغِضُ نغضاً، ونغوضاً. قال: [الرجز]
3431 - ونَغَضتْ مِنْ هَرمٍ أسْنانُهَا ... ثم قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ متى هُوَ﴾ ، أي: البعث والقيامة، وهذا سؤالٌ فاسدٌ؛ لأنَّهم منعوا الحشر والنشر كما تقدَّم؛ ثمَّ بين تعالى بالبرهان القاطع كونه ممكناً في نفسه، فقولهم «مَتَى هُوَ» كلام لا يتعلق بالبعث؛ فإنَّه لما ثبت بالدليل العقليِّ كونه ممكن الوجود في نفسه، وجب الاعتراف بإمكانه، فإنه متى يوجد، فذاك لا يمكن إثباته بالعقل، بل إنما يمكن إثباته بالدَّليل السمعي، فإن أخبر الله تعالى عن ذلك الوقت المعيَّن، عرف، وإلا فلا سبيل إلى معرفته.
وقد بين الله تبارك وتعالى في القرآن؛ أنَّه لا يطلع أحداً من الخلق على وقته المعيَّن، فقال جلَّ ذكره: ﴿إِنَّ الله عِندَهُ عِلْمُ الساعة﴾ [لقمان: 34] وقال: ﴿إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي﴾ [الأعراف: 187] وقال تعالى: ﴿إِنَّ الساعة آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ [طه: 15] فلا جرم قال تعالى: ﴿عسى أَن يَكُونَ قَرِيباً﴾ .
قال المفسِّرون: «عَسَى» من الله واجبٌ، معناه: أنه قريبٌ، فإن قيل: كيف يكون قريباً، وقد انقرض سبعمائة سنة، ولم يظهر.
فالجواب: قال ابن الخطيب: إن كان معنى: «أكثر مَّا بَقِيَ» كان الباقي قليلاً، ويحتمل أن يريد بالقرب أن إتيان السَّاعة متناهٍ، وكل ما كان متناهياً من الزَّمان فهو قليلٌ، بل أقلُّ من القليل بالنسبة إلى الزَّمان الذي بعده؛ لأنَّه غير متناهٍ؛ كنسبة العدد المتناهي إلى العدد المطلقِ؛ فإنَّه لا ينسب إليه بجزءٍ من الأجزاء، ولو قلَّ.
ويقال في المثل «كل آت قريب» .
قوله تعالى: ﴿عسى أَن يَكُونَ﴾ يجوز أن تكون الناقصة، واسمها مستتر فيها يعود على البعث والحشر المدلول عليهما بقوَّة الكلام، أو لتضمُّنه في قوله «مَبُْعُوثُونَ» و «أنْ يَكُونَ» خبرها، ويجوز أن تكون التامة مسندة إلى «أنّ» وما في حيزها، واسم «يكون» ضمير البعث؛ كما تقدَّم.
وفي «قريباً» وجهان:
أحدهما: أنه خبر «كَانَ» وهو وصفٌ على بابه.
والثاني: أنه ظرف، أي: زماناً قريباً، و «أنْ يَكُونَ» على هذا تامة، أي: عسى أن يقع العود في زمانٍ قريبٍ.
قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ﴾ : فيه أوجه:
أحدها: أنه بدل من «قريباً» ، إذا أعربنا «قريباً» ظرف زمان، كما تقدَّم.
والمعنى: عَسَى أن يكون يوم البعث يوم يدعوكم، أي بالنداء الذي يسمعكم وهو النفخة الأخيرة، كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُنَادِ المناد مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ﴾ [ق: 41] .
الثاني: أنه منصوب ب «يكُونَ» قاله أبو البقاء. وهذا عند من يجيز إعمال الناقصة في الظرف، وإذا جعلناها تامة، فهو معمولٌ لها عند الجميع.
الثالث: أنه منصوب بضمير المصدر الذي هو اسم «يكُون» أي: عسى أن يكون العود يوم يدعوكم، وقد منعه أبو البقاء قال: «لأنَّ الضمير لا يعملُ» يعني عند البصريِّين، وأمَّا الكوفيون، فيعملون ضمير المصدر، كمظهره، فيقولون: «مُرُوري بزيدٍ حسنٌ، وهو بعمرٍو قبيحٌ» ف «بِعَمْرٍو» عندهم متعلق ب «هُوَ» لأنه ضمير المرور، وأنشدوا قول زهير على ذلك: [الطويل]
3432 - ومَا الحَرْبُ إلاَّ ما عَلِمْتُمْ وذُقْتُم ... ومَا هُو عَنْهَا بالحدِيثِ المُرجَّمِ
ف «هُوَ» ضمير المصدرِ، وقد تعلق به الجار بعده، والبصريُّون يؤوِّلونه.
الرابع: أنه منصوب بفعل مقدَّر، أي: اذكر يوم يدعوكم.
الخامس: أنه منصوبٌ بالبعث المقدر، قالهما أبو البقاء.
قوله تعالى: «بِحَمدِه» فيه قولان:
أحدهما: أنها حالٌ، أي: تستجيبون حامدين، أي: منقادين طائعين.
وهذا مبالغة في انقيادهم للبعث؛ كقولك لمن تأمرهُ بعمل يشقُّ عليه: ستأتي به، وأنت حامدٌ شاكرٌ، أي: ستأتي إلى حالة تحمدُ الله وتشكر على أن اكتفى منك بذلك العمل، وهذا يذكر في معرض التهديد.
والثاني: أنها متعلقة ب «يَدْعُوكُم» قاله أبو البقاء، وفيه قلقٌ.
قوله تعالى: ﴿إِن لَّبِثْتُمْ﴾ «إنْ» نافية، وهي معلقة للظنِّ عن العمل، وقلَّ من يذكر « إن» النافية، في أدواتِ تعليق هذا الباب، و «قليلاً» يجوز أن يكون نعت زمانٍ أو مصدرٍ محذوفٍ، أي: إلا زماناً قليلاً، أو لبثاً قليلاً.
فصل في معنى النداء والإجابة
المعنى: «يَوْمَ يَدْعوكم» بالنِّداء من قبوركم إلى موقف القيامة، «فتَسْتَجِيبُونَ» أي: تجيبون، والاستجابة موافقة الداعي فيما دعا إليه، وهي الإجابة، إلاَّ أنَّ الاستجابة تقتضي طلب الموافقةِ، فهي أوكد من الإجابة.
وقوله «بِحَمْدهِ» قال ابن عباس: بأمره.
وقال قتادة: بطاعته؛ لأنَّهم لما أجابوه بالتَّسبيح والتَّحميد، كان ذلك معرفة منهم وطاعة، ولكنَّهم لا ينفعنم ذلك في ذلك اليوم.
وقيل: يُقِرُّون بأنَّه خالقهم وباعثهم، ويحمدونه حين لا ينفعهم الحمد، وهذا خطاب للكفّار.
وقيل: هذا خطابٌ للمؤمنين.
قال سعيد بن جبير: يخرجون من قبورهم، وينفضون التُّرابَ عن رءوسهم، ويقولون: سبحانك وبحمدك، وهو قوله: ﴿فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾ .
وقال أهل المعاني: أي تستجيبون حامدين؛ كما تقول: جاء بغضبه، أي: جاء غضبان، وركب الأمير بسيفه، أي: وسيفه معه، ثم قال: ﴿وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ أي: إن لبثتم في الدنيا، أو في القبور ﴿إِلاَّ قَلِيلاً﴾ لأنَّ الإنسان لو مكث ألوفاً من السِّنين في الدنيا أو في القبور، عُدَّ ذلك قليلاً في مدَّة القيامة والخلود.
وقال ابن عباسٍ: يريد بين النفختين الأولى والثانية، فإنه يزال عنهم العذاب في هذا الوقت، ويدلُّ عليه قوله تعالى في سورة يس ﴿مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا﴾ [يس: 52] وذلك ظنُّهم بأنَّ هذا اللبث قليل، أي: لبثهم فيما بين النَّفختين.
وقيل: المراد استقلال لبثهم في عرصة القيامة؛ لأنَّه لما كان عاقبة أمرهم الدُّخول في النَّار، استقصروا مدة لبثهم في برزخ القيامة.
17:53Page 287
وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ ٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُۚ إِنَّ ٱلشَّيۡطَٰنَ يَنزَغُ بَيۡنَهُمۡۚ إِنَّ ٱلشَّيۡطَٰنَ كَانَ لِلۡإِنسَٰنِ عَدُوّٗا مُّبِينٗا ٥٣
And tell My servants to say that which is best. Indeed, Satan induces [dissension] among them. Indeed Satan is ever, to mankind, a clear enemy.
تقدم إعراب قوله تعالى ﴿وَقُل لِّعِبَادِي﴾ في سورة إبراهيم [31] . وفي العباد ها هنا قولان:
الأول: المراد به المؤمنون؛ لأنَّ لفظ العباد في أكثر آيات القرآن مختصٌّ بالمؤمنين. قال تعالى: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ الذين يَسْتَمِعُونَ القول﴾ [الزمر: 17، 18] ﴿فادخلي فِي عِبَادِي﴾ [الفجر: 29] ﴿عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ الله﴾ [الإنسان: 6] .
وإذا عرف هذا، فإنه تعالى لمَّا ذكر الحجج القطعيَّة في صحَّة المعاد، وهو قوله تعالى: ﴿قُلِ الذي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الإسراء: 51] قال ها هنا: قل، يا محمد لعبادي: إذا أردتم الاستدلال على المخالفين، فاذكروا تلك الدلائل بطريق الأحسن من غير شتم، ولا سبٍّ، ونظيره قوله تعالى: ﴿ادع إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بالحكمة والموعظة الحسنة وَجَادِلْهُم بالتي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: 125] وقوله تعالى: ﴿وَلاَ تجادلوا أَهْلَ الكتاب إِلاَّ بالتي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت: 46] وذلك لأنَّ ذكر الحجَّة، إذا اختلط به سبٌّ أو شتمٌ، لقابلوكم بمثله، كما قال تعالى: ﴿وَلاَ تَسُبُّواْ الذين يَدْعُونَ مِن دُونِ الله فَيَسُبُّواْ الله عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: 108] ويزداد الغضب، وتكمل النُّفرة، ويمتنع المقصود، وإذا ذكرت الحجة بالطَّريق الأحسن، أثَّر في القلب تأثيراً شديداً، ثم نبَّه تعالى على وجه المنفعة، فقال تعالى: ﴿إِنَّ الشيطان يَنزَغُ بَيْنَهُمْ﴾ أي: يفسد بينهم، ويغري بينهم.
قال الكلبي: كان المشركون يؤذون المسلمين، فشكوا إلى النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فأنزل الله تعالى: ﴿وَقُل لِّعِبَادِي﴾ المؤمنين يقولوا للمشركين التي هي أحسنُ، ولا يكافئوهم بسفههم.
قال الحسن: يقول له: يهديك الله، وكان هذا قبل الإذن في الجهاد.
وقيل: نزلت في عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - شتمة بعض الكفَّار، فأمره الله تعالى بالعفو.
وقيل: أمر المؤمنين بأن يقولوا، ويفعلوا الخلَّة التي هي أحسن.
وقيل: الأحسن قول: لا إله إلا الله.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الشيطان يَنزَغُ بَيْنَهُمْ﴾ يجوز أن تكون هذه الجملة اعتراضاً بين المفسَّر والمفسِّر؛ وذلك أن قوله تعالى: ﴿رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِن يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ﴾ [الإسراء: 54] وقع تفسيراً لقوله ﴿بالتي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الإسراء: 34] وبياناً لها، ويجوز ألاَّ تكون معترضة، بل مستأنفة.
وقرأ طلحة «ينْزغُ» بكسر الزاي، وهما لغتان، كيَعْرِشُون ويَعرُشُونَ، قاله الزمخشري. قال أبو حيان: ولو مثَّل ب «يَنطَحُ» و «يَنْطِحُ» كأنَّه يعني من حيث إنَّ لامَ كلِّ منهما حرف حلقٍ، وليس بطائلٍ.
والمعنى: أنَّ الشيطان يلقي العداوة بينهم ﴿إِنَّ الشيطان كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوّاً مُّبِيناً﴾ ظاهر العداوة.
17:54Page 287
رَّبُّكُمۡ أَعۡلَمُ بِكُمۡۖ إِن يَشَأۡ يَرۡحَمۡكُمۡ أَوۡ إِن يَشَأۡ يُعَذِّبۡكُمۡۚ وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ عَلَيۡهِمۡ وَكِيلٗا ٥٤
Your Lord is most knowing of you. If He wills, He will have mercy upon you; or if He wills, He will punish you. And We have not sent you, [O Muḥammad], over them as a manager.
قوله تعالى: ﴿رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِن يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ﴾ يوفِّقكُمْ، فتؤمنوا ﴿أَوْ إِن يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ﴾ يميتكم على الكفر، فيعذِّبكم، قاله ابن جريح.
وقال الكلبيُّ: إن يشأ يرحمكم، فينجيكم من أهل مكَّة، وإن يشأ يعذبكم بتسليطهم عليكم.
﴿وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً﴾ حفيظاً، وكفيلاً، والمقصود إظهار اللِّين والرِّفقِ لهم عند الدَّعوة؛ فإنَّ ذلك هو المؤثِّرُ في القلبِ قيل: نسختها آية القتالِ.
17:55–57Page 287
وَرَبُّكَ أَعۡلَمُ بِمَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۗ وَلَقَدۡ فَضَّلۡنَا بَعۡضَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ عَلَىٰ بَعۡضٖۖ وَءَاتَيۡنَا دَاوُۥدَ زَبُورٗا ٥٥
And your Lord is most knowing of whoever is in the heavens and the earth. And We have made some of the prophets exceed others [in various ways], and to David We gave the book [of Psalms].
قُلِ ٱدۡعُواْ ٱلَّذِينَ زَعَمۡتُم مِّن دُونِهِۦ فَلَا يَمۡلِكُونَ كَشۡفَ ٱلضُّرِّ عَنكُمۡ وَلَا تَحۡوِيلًا ٥٦
Say, "Invoke those you have claimed [as gods] besides Him, for they do not possess the [ability for] removal of adversity from you or [for its] transfer [to someone else]."
أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ يَبۡتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ ٱلۡوَسِيلَةَ أَيُّهُمۡ أَقۡرَبُ وَيَرۡجُونَ رَحۡمَتَهُۥ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُۥٓۚ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحۡذُورٗا ٥٧
Those whom they invoke1 seek means of access to their Lord, [striving as to] which of them would be nearest, and they hope for His mercy and fear His punishment. Indeed, the punishment of your Lord is ever feared.
قوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السماوات والأرض﴾ : في هذه الباءِ قولان:
أشهرهما: أنها تتعلق ب «أعْلَمُ» كما تعلَّقت الباء ب «أعْلَمُ» قبلها، ولا يلزمُ من ذلك تخصيص علمه بمن في السماوات والأرض فقط.
والثاني: أنها متعلقة ب «يَعْلَمُ» مقدَّراً، قاله الفارسيُّ، محتجًّا بأنَّه يلزمُ من ذلك تخصيصُ علمه بمن في السماوات والأرض، وهو وهمٌ؛ لأنَّه لا يلزمُ من ذكر الشيء نفيُ الحكم عمَّا عداه، وهذا هو الذي يقول الأصوليُّون: إنه مفهوم اللَّقبِ، ولم يقل به إلاَّ أبو بكرٍ الدَّقَّاق في طائفة قليلة.
فصل
معنى الآية أنَّ علمه غير مقصورٍ عليكم، ولا على أحوالكم، بل علمه متعلِّق بجميع الموجودات والمعدودات، وبجميع ذرَّات الأرضين، والسَّموات، فيعلم حال كلِّ أحد، ويعلم ما يليقُ به من المصالح والمفاسد، ولهذا جعلهم مختلفين في صورهم، وأحوالهم، وأخلاقهم، وفضَّل بعض النبيين على بعضٍ، وآتى موسى التوراة، وداود الزَّبُور، وعيسى الإنجيل، ولم يبعد أيضاً أن يؤتي محمَّداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ القرآن مع تفضيله على الخلق.
فإن قيل: ما السَّبب في تخصيص داود بالذكر هاهنا؟ .
فالجواب من وجوهٍ:
الأول: أنَّه تعالى ذكر أنَّه فضَّل بعض النَّبيِّينَ على بعض، ثم قال: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً﴾ يعني أنَّ داود آتاه ملكاً عظيماً، ثم إنَّه تعالى لم يذكر ما آتاه من الملك، وذكر ما آتاه من الكتب؛ تنبيهاً على أنَّ التفضيل الذي ذكره قبل ذلك المراد منه التفضيل بالعلم والدِّين، لا بالمال.
والثاني: أنَّ تخصيصه بالذِّكر أنَّه تعالى كتب في الزَّبور أن محمَّداً خاتم الأنبياء، وأنَّ امَّة محمد خيرُ الأمم - صلوات الله وسلامه عليه -.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزبور مِن بَعْدِ الذكر أَنَّ الأرض يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصالحون﴾ [الأنبياء: 105] وهم محمد وأمته.
فإن قيل: هلا عرفه كقوله: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزبور﴾ .
فالجواب أن التنكير ها هنا يدل على تعظيم حاله؛ لأن الزبور عبارة عن المزبور، فكان معناه الكتاب، وكان معنى التنكير أنه كامل في كونه كتاباً.
ويجوز أن يكون «زبور» علماً، فإذا دخلت عليه «أل» كقوله: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزبور﴾ كانت للمْحِ الأصل كعبَّاس والعباس، وفضل والفضل.
وقيل: نكَّره هنا دلالة على التبعيض، أي: زبُوراً من الزُّبر، أو زبوراً فيه ذكر رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فأطلق على القطعة منه زبورٌ، كما يطلق على بعض القرآن، قرآن.
الثالث: أنَّ السَّبب في تخصيص داود - صلوات الله عليه - أنَّ كفار قريش ما كانوا أهل نظرٍ وجدلٍ، بل كانوا يرجعون إلى اليهود في استخراج الشُّبهات، واليهود كانوا يقولون: لا نبيَّ بعد موسى، ولا كتاب بعد التَّوراة، فنقض الله عليهم كلامهم بإنزالِ الزَّبور على داود، وتقدَّم خلافُ القراء في الزبور في آخر سورة النساء.
قوله تعالى: ﴿الذين زَعَمْتُم﴾ : مفعولا الزَّعم محذوفان؛ لفهم المعنى، أي: زعمتموهم آلهة، وحذفهما اختصاراً جائزاٌ، واقتصاراً فيه خلاف.
فصل في سبب نزول الآية
قال المفسرون: إن المشركين أصابهم قحطٌ شديدٌ؛ حتَّى أكلوا الكلاب والجيفَ واستغاثوا بالنبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ليدعو لهم، قال الله تعالى ﴿قُلِ﴾ للمشركين ﴿ادعوا الذين زَعَمْتُم﴾ أنها آلهة من دونه.
واعلم أنه ليس المراد الأصنام؛ لأنَّه تعالى قال في صفتهم:
﴿أولئك الذين يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوسيلة أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً﴾ [الإسراء: 57]
وابتغاءُ الوسيلة إلى الله تعالى لا يليق بالأصنام البتَّة، وإذا ثبت هذا، فنقول: إنَّ قوماً عبدوا الملائكة، فنزلت هذه الآية فيهم.
وقال ابن عبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ومجاهدٌ: إنَّها نزلت في الذين عبدوا المسيح، وعزيراً، والملائكة، والشمس، والقمر، والنجوم.
وقيل: إنَّ قوماً عبدوا نفراً من الجنِّ، فأسلم النَّفر، وبقي أولئك الناس متمسِّكين بعبادتهم، فنزلت فيهم الآية.
قال ابن عباس: كل موضعٍ في كتاب الله ورد فيه لفظ الزعم، فهو كذبٌ. ثم إنَّه تعالى احتجَّ على فساد مذهب هؤلاء بأنَّ الإله المعبود هو القادر على إزالةِ الضرر، وإيصال النفع وهذه الأشياء التي يعبدونها، وهي الملائكة، والجنُّ، والمسيحُ، وعزيرٌ لا يقدرون على كشف الضرِّ، ولا على تحصيل النَّفع، فما الدليل على أنَّ الأمر كذلك؟ فإن قلتم: لأنَّا نرى أولئك الكفَّار يتضرَّعون إليها، ولا تحصل الإجابة. قلنا: ونرى أيضاً المسلمين يتضرَّعون إلى الله تعالى، ولا تحصل الإجابة والمسلمون يقولون بأجمعهم: إنَّ القدرة على كشف الضرِّ، وتحصيل النفع ليست إلاَّ لله تعالى، وعلى هذا التقدير، فالدليل غير تامٍّ.
فالجواب: أنَّ الدليل تامٌّ كاملٌ؛ لأنَّ الكفار كانوا مقرِّين بأنَّ الملائكة عباد الله تعالى، وخالق الملائكة، وخالق العالم لا بدَّ وأن يكون أقدر من الملائكة، وأقوى منهم، وأكمل حالاً منهم.
وإذا ثبت هذا، فنقول: كمال قدرة الله معلوم متفقٌ عليه، وكمال قدرة غير الله غير معلوم، ولا متفقٍ عليه، بل المتَّفق عليه أنَّ قدرتهم بالنِّسبة إلى قدرة الله تعالى قليلة حقيرةٌ، وإذا كان كذلك، وجب أن يكون الاشتغال بعبادة الله أولى من الاشتغال بعبادة الملائكة؛ لأنَّ استحقاق الله العبادة معلومٌ، وكون الملك كذلك مجهولٌ؛ والأخذ بالمعلوم أولى، وسلك المتكلِّمون من أهل السنَّة طريقة أخرى، وهو أنَّهم أقاموا الحجة العقليَّة على أنَّه لا موجد إلاَّ الله تعالى، ولا يخرج الشيء من العدم إلى الوجود إلا الله، وإذا ثبت ذلك ثبت أنه لا ضارّ ولا نافع إلا الله تعالى، فوجب القطع بأنه لا معبود إلا الله تعالى، وهذه الطريقة لا تتم للمعتزلة، لأنهم لما جوزوا كون العبد موجداً لأفعاله امتنع عليهم الاستدلال على أن الملائكة - عليهم السلام - لا قدرة لها على الإحياء والإماتة، وخلق الجسم، وإذا عجزوا عن ذلك، لا يتمُّ لهم هذا الدليلُ، فهذا هو الدليل القاطع على صحَّة قوله: ﴿فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضر عَنْكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً﴾ ، والتحويلُ عبارة عن النَّقل من حالٍ إلى حالٍ، ومن مكانٍ إلى مكانٍ، يقال: حوَّله، فتحوَّل.
قوله تعالى: ﴿أولئك الذين يَدْعُونَ﴾ : «أولئك» مبتدأ، وفي خبره وجهان:
أظهرهما: أنّه الجملة من «يَبْتَغُونَ» ويكون الموصولُ نعتاً، أو بياناً أو بدلاً، والمراد باسم الإشارة الأنبياء أو الملائكة الذين عبدوا من دون الله، والمراد بالواو العبَّاد لهم، ويكون العائدُ على «الَّذينَ» محذوفاً، والمعنى: أولئك الأنبياء الذين يدعونهم المشركون، لكشف ضرِّهم - أو يدعونهم آلهة، فمفعولها أو مفعولاها محذوفان - يبتغون.
ويجوز أن يكون المراد بالواو ما أريد بأولئك، أي: أولئك الأنبياء الذين يدعون ربَّهم أو النَّاس إلى الهدى يبتغون، فمفعول «يَدْعُونَ» محذوف.
والثاني: أن الخبر نفسُ الموصول، و «يَبْتَغُون» على هذا حالٌ من فاعل «يَدْعُون» أو بدلٌ منه. وقرأ العامة «يَدعُونَ» بالغيب، وقد تقدَّم الخلاف في الواو؛ هل تعود على الأنبياء أو على عابديهم، وزيد بن عليٍّ بالغيبة أيضاً، إلا أنه بناه للمفعول، وقتادة، وابن مسعود بتاء الخطاب، وهاتان القراءتان تقوِّيان أنَّ الواو للمشركين، لا للأنبياء في قراءة العامة.
فسل
إذا أعدنا «يَدْعُونَ» للعابدين، و «يَبْتَغُونَ» للمعبودين، فالمعنى: أولئك المعبودون يبتغون إلى ربِّهم الوسيلة؛ لأنَّ الملائكة يرجعون غلى الله في طلب المنافع، ودفع المضارِّ، يرجون رحمته، ويخافون عذابه، وإذا كانوا كذلك، كانوا عاجزين محتاجين، والله - تعالى أغنى الأغنياء، فكان الاشتغال [بعبادته] أولى.
فإن قيل: لا نسلِّم أنَّ الملائكة محتاجون إلى رحمة الله تعالى، وخائفون من عذابه.
فالجواب: أنَّ الملائكة: إمَّا أن يقال: إنَّها واجبة الوجود لذواتها، أو يقال: إنَّها ممكنة الوجود لذواتها، والأول باطلٌ؛ لأن جميع الكفَّار كانوا معترفين بأن الملائكة عبادُ الله، ومحتاجون إليه.
وأما الثاني: فهو يوجب القول بأنَّ الملائكة محتاجون في ذواتها، وفي كمالاتها إلى الله تعالى، فكان الاشتغالُ بعبادة الله تعالى أولى من الاشتغال بعبادةِ الملائكة.
وإن أعدنا «يَدْعُونَ» إلى الأنبياء - عليهم السلام - المذكورين في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النبيين على بَعْضٍ﴾ فالمعنى هو أنَّ الذي عظمت منزلتهم - وهم الأنبياء - لا يعبدون إلا الله تعالى، ولا يبتغون الوسيلة إلاَّ إليه، فأنتم بالاقتداءِ بهم أحق، فلا تعبدوا غير الله - عزَّ وجلَّ - والمراد بالوسيلةِ: الدَّرجة العليا.
وقيل: كل ما يتقرَّب إلى الله تعالى.
واحتجُّوا على صحَّة هذا القول بأنَّ الملائكة لا يعصون الله ما أمرهم، فلا يخافون عذابه، فثبت أنَّ هذا غير لائقٍ بالملائكةِ، وإنما هو لائقٌ بالأنبياء - صلوات الله عليهم -.
وأجيب بأنَّ الملائكة يخافون من عذاب الله، لو اقدموا على الذنب، قال تعالى: ﴿وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إني إله مِّن دُونِهِ فذلك نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: 29] وقال تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: 50] ثم قال عزَّ وجلَّ: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً﴾ أي من حقِّه أن يحذر، فإن لم يحذره بعض الناس لجهله، فإنَّه لا يخرج عن كونه يجب الحذر عنه.
قوله تعالى: ﴿أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ في «أيُّ» هذه وجها:
أحدهما: أنها التفهامية.
والثاني: أنها موصولة بمعنى «الَّذي» وإنما كثر كلام المعربين فيها من حيث التقدير، فقال الزمخشريُّ: «وأيُّهم بدلٌ من واو» يَبْتَغُونَ «و» أيُّ «موصولة، أي: يبتغي من هو أقربُ منهم وأزلفُ، أو ضمِّن» يَبْتغُونَ الوسيلة «معنى يحرصون، فكأنه قيل: يحرصون أيهم يكون أقرب» . فجعلها في الوجه الأول موصولة، وصلتها جملة من مبتدأ وخبر، حذف المبتدأ، وهو عائدها، و «أقْرَبُ» خبرٌ. واحتملت «أيُّ» حينئذٍ أن تكون مبنية، وهو الأكثر فيها، وأن تكون معربة، وسيأتي موضعه في مريم: [69] إن شاء الله تعالى وفي الثاني جعلها استفهامية؛ بدليل أنه ضمَّن الابتغاء معنى شيء تعلق، وهو يحرصون، فيكون «أيُّهُمْ» مبتدأ و «أقربُ» خبره، والجملة في محلِّ نصب على إسقاط الخافض؛ لأنَّ «تحْرِصُ» يتعدَّى ب «على» قال تعالى: ﴿إِن تَحْرِصْ على هُدَاهُمْ﴾ [النحل: 37] ، ﴿أَحْرَصَ الناس على حَيَاةٍ﴾ [البقرة: 96] .
وقال أبو البقاء: «أيُّهُمْ» مبتدأ، و «أقْرَبُ» خبره، وهو استفهامُ في موضع نصبٍ ب «يَدْعُونَ» ، ويجوز أن يكون «أيُّهُمْ» بمعنى الذي، وهو بدلٌ من الضمير في «يَدعُونَ» .
قال أبو حيان: «علَّق» يَدْعُونَ «وهو ليس فعلاً قلبيًّا، وفي الثاني فصل بين الصلة ومعمولها بالجملة الحاليَّة، ولا يضرُّ ذلك، لأنَّها معمولة للصِّلة» . قال شهاب الدين: أمَّا كون «يَدْعُونَ» لا يعلق، هو مذهب الجمهور، وقال يونس: يجوز تعليق الأفعال مطلقاً، القلبية وغيرها، وأمَّا قوله «فصل بالجملة الحالية» يعني بها «يَبْتَغُونَ» فصل بها بين «يَدْعُونَ» الذي هو صلة «الَّذينَ» وبين معموله، وهو «أيُّهم أقْرَبُ» لأنه معلَّقٌ عنه، كما عرفته، إلا أنَّ الشيخ لم يتقدَّم في كلامه إعرابُ «يَبْتغُونَ» حالاً، بل لم يعربها إلاَّ خبراً للموصول، وهذا قريبٌ.
وجعل أبو البقاء أيًّا الموصولة بدلاً من واو «يَدْعُونَ» ، ولم أرَ أحداً وافقه على ذلك، بل كلُّهم يجعلونها من واو «يَبْتَغُونَ» وهو الظاهر.
وقال الحوفي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: «أيُّهم أقربُ» ابتداء وخبر، والمعنى: ينظرون أيُّهم أقرب، فيتوسَّلون به، ويجوز أن يكون «أيهم أقرب» بدلاً من واو «يَبْتَغُون» .
قال شهاب الدين: فقد أضمر فعلاً معلقاً، وهو ينظرون فإن كان من نظر البصرِ، تعدَّى ب «إلى» وإن كان من نظر الفكر، تعدَّى ب «في» فعلى التقديرين: الجملة الاستفهامية في موضع نصبٍ بإسقاطِ الخافض، وهذا إضمارُ ما لا حاجة إليه.
وقال ابن عطية: «وأيُّهُمْ ابتداء، و» أقْرَبُ» خبره، والتقدير: نظرهم ووكدهم أيهم أقرب، ومنه قول عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: «فبات النَّاس يدُوكُونَ أيُّهمْ يُعطَاهَا» ، أي: يتبارون في القرب» . قال أبو حيان: «فَجَعلَ المحذوف» نظرُهمْ ووكْدهُمْ «وهذا مبتدأ، فإن جعلت» أيُّهمْ أقربُ «في موضع نصب ب» نَظرُهُمْ «بقي المبتدأ بلا خبر، فيحتاج إلى إضمار خبر، وإن جعلت» أيُّهم أقربُ «الخبر، لم يصحَّ؛ لأنَّ نظرهم ليس هو» أيُّهم أقربُ «وإن جعلت التقدير:» نَظرهُمْ في أيهم أقربُ «أي: كائنٌ أو حاصلٌ، لم يصحَّ ذلك؛ لأنَّ كائناً وحاصلاً ليس ممَّا يعلَّق» .
فقد تحصَّل في الآية الكريمة ستَّة أوجه:
أربعة حال جعل «أيّ» استفهاماً:
الأول: أنها معلِّقة للوسيلة، كما قرَّره الزمخشريُّ.
الثاني: أنها معلّقة ل «يَدعُونَ» كما قاله أبو البقاء.
الثالث: أنها معلقة ل «يَنْظُرونَ» مقدراً، كما قاله الحوفيُّ.
الرابع: أنها معلقة ل «نَظرُهمْ» كما قدَّره ابن عطيَّة.
واثنان حال جعلها موصولة:
الأول: البدل من واو «يَدعُونَ» كما قاله أبو البقاء.
الثاني: أنها بدلٌ من واو «يَبْتغُونَ» كما قاله الجمهور.
17:58Page 287
وَإِن مِّن قَرۡيَةٍ إِلَّا نَحۡنُ مُهۡلِكُوهَا قَبۡلَ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ أَوۡ مُعَذِّبُوهَا عَذَابٗا شَدِيدٗاۚ كَانَ ذَٰلِكَ فِي ٱلۡكِتَٰبِ مَسۡطُورٗا ٥٨
And there is no city but that We will destroy it1 before the Day of Resurrection or punish it with a severe punishment. That has ever been in the Register2 inscribed.
قوله تعالى: ﴿وَإِن مِّن قَرْيَةٍ﴾ الآية.
فلمَّا قال: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً﴾ [الإسراء: 57] بيَّن أنَّ كلَّ قرية مع أهلها، فلا بدَّ وأن يرجع حالها إلى أحد أمرين: إمَّا الإهلاك، وإمَّا التَّعذيب.
قال مقاتلٌ: أما الصالحة فبالموت، وأما الطالحة، فبالعذاب.
وقيل: المعنى: وإن من قريةٍ من قرى الكفَّار، فلا بدَّ وأن يكون عاقبتها إمَّا بالاستئصال بالكلِّيَّة، وهو الهلاك، أو بعذاب شديدٍ من قتل كبرائهم، وتسليط المسلمين عليهم بالسَّبي، واغتنام الأموالِ، وأخذ الجزية ﴿كَانَ ذلك فِي الكتاب مَسْطُوراً﴾ في اللَّوح المحفوظ.
قال صلوات الله وسلامه عليه: «أوَّل ما خلق الله تعالى القلم قال: أكتُبْ، قال: ما أكْتبُ؟ قال: القَدَر، وما هُو كَائِنٌ إلى الأبدِ» .
و «إنْ» نافية و «مِنْ» مزيدة في المبتدأ، لاستغراق الجنس. وقال ابن عطيَّة: هي لبيان الجنس، وفيه نظر من وجهين:
أحدهما: قال أبو حيَّان: «لأنَّ التي للبيان، لا بدَّ أن يتقدَّمها مبهم ما، تفسِّره؛ كقوله تعالى: ﴿مَّا يَفْتَحِ الله لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ﴾ [فاطر: 2] ، وهنا لم يتقدم شيء مبهم» ثم قال «ولعلَّ قوله» لبيان الجنس «من الناسخ، ويكون هو قد قال: لاستغراقِ الجنس؛ ألا ترى أنه قال بعد ذلك:» وقيل: المراد الخصوص «.
وخبر المبتدأ الجملة المحصورة من قوله: ﴿إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوهَا﴾ .
والثاني: أنَّ شرط ذلك أن يسبقها محلَّى بأل الجنسيَّة، وأن يقع موقعها» الذي «كقوله: ﴿فاجتنبوا الرجس مِنَ الأوثان﴾ [الحج: 30] .
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences