Ibn 'AdilAl‑Isra · 17:64–70

Ibn 'Adil · Tafsir · in Arabic

Al-Isra 17:64–70

17:64–65Page 288

وَٱسۡتَفۡزِزۡ مَنِ ٱسۡتَطَعۡتَ مِنۡهُم بِصَوۡتِكَ وَأَجۡلِبۡ عَلَيۡهِم بِخَيۡلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكۡهُمۡ فِي ٱلۡأَمۡوَٰلِ وَٱلۡأَوۡلَٰدِ وَعِدۡهُمۡۚ وَمَا يَعِدُهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ إِلَّا غُرُورًا ٦٤

And incite [to senselessness] whoever you can among them with your voice and assault them with your horses and foot soldiers and become a partner in their wealth and their children and promise them." But Satan does not promise them except delusion.

إِنَّ عِبَادِي لَيۡسَ لَكَ عَلَيۡهِمۡ سُلۡطَٰنٞۚ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ وَكِيلٗا ٦٥

Indeed, over My [believing] servants there is for you no authority. And sufficient is your Lord as Disposer of affairs.1

الثاني: أنه منصوب على المصدر ايضاً، لكن بمضمرٍ، أي: يجازون جزاء.

الثالث: أنه حالٌ موطئة ك «جَاءَ زيدٌ رجُلاً صَالحاً» .

الرابع: أنه تمييزٌ، وهو غير متعقَّل.

و «مَوفُوراً» اسم مفعولٍ، من وفرته، ووفر يستعمل متعدِّياً، ومنه قول زهير: [الطويل]

3435 - ومَنْ يَجْعَلِ المعرُوفَ من دُونِ عِرْضهِ ... يَفِرهُ ومَنْ لا يتَّقِ الشَّتمَ يُشتمِ

والآية الكريمة من هذا، ويستعمل لازماً، يقال: وفرَ المالُ يَفِرُ وفُوراً، فهو وَافِرٌ، فعلى الأول: يكون المعنى جزاء موفَّراً، وعلى الثاني: يكون المعنى جزاء وافراً مكمَّلاً يقال: وفرتهُ أفرهُ وفْراً.

قوله تعالى: ﴿واستفزز ﴾ : جملة أمرية عطفت على مثلها من قوله «اذهَبْ» . و «من اسْتطَعْتَ» يجوز فيه وجهان:

أحدهما: أنها موصولة في محلِّ نصب مفعولاً للاستفزاز، أي: استفزز الذي استطعت استفزازه منهم.

والثاني: أنها استفهامية منصوبة المحلِّ ب «استطعت» قاله أبو البقاء، وليس بظاهرٍ؛ لأن «اسْتفْزِزْ» يطلبه مفعولاً به، فلا يقطع عنه، ولو جعلناه استفهاماً، لكان معلقاً له، وليس هو بفعلٍ قلبيٍّ [فيعلقُ] .

والاسْتِفْزازُ: الاستخفاف، واستفزَّني فلانٌ: استخفَّني حتى خدعني لما يريده. قال: [الطويل]

3436 - يُطِيعُ سَفيهَ القَومِ إذ يَسْتفِزُّهُ ... ويَعْصِي حَليماً شَيَّبتهُ الهَزاهِزُ

ومنه سمِّي ولد البقرة «فزًّا» . قال الشاعر: [البسيط]

3437 - كَمَا اسْتغَاثَ بسَيْءٍ فَزُّ غَيْطلةٍ ... خَافَ العُيونَ ولمْ يُنْظرْ بِهِ الحَشَكُ وأصل الفزِّ: القطعُ، يقال: تفزَّز الثَّوب، أي: تقطَّع.

ويقال: أفزَّه الخوف، واستفزَّه، أي: أزعجه، واستخفَّه.

واعلم أنَّ إبليس، لمَّا طلب من الله تعالى الإمهال إلى يوم القيامة؛ لأجل أن يحتنك ذريَّة آدم - صلوات الله وسلامه عليه - ذكر الله تعالى أشياء:

أولها: قوله عزَّ وجلَّ: ﴿اذْهَبْ﴾ أي: أمهلتك هذه المدَّة.

وثانيها: قوله تعالى: ﴿واستفزز مَنِ استطعت مِنْهُمْ﴾ .

وتقدَّم أن الاستفزاز: الاستخفاف، وقيل: اسْتَنْزَلَ واستجهد.

وقوله: «بِصَوْتِكَ» .

قال ابن عبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - وقتادة: بدعائك غلى معصية الله.

وقال الأزهريُّ: ادعهم دعاء تستخفُّهم به إلى إجابتك.

وقال مجاهدٌ: بصوتك، أي: بالغناءِ واللَّهو.

وهذا أمرُ تهديد، كما يقال: اجتهد جهدك؛ فسترى ما ينزل به:

وثالثها: قوله: ﴿وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم﴾ أي: اجمع عليهم الجموع من جندك، يقال أجلب عليه وجلب، أي: جمع عليه الجموع.

قال الفرَّاء: هو من الجَلبةِ، وهو الصِّياح.

وقال أبو عبيدة: أجْلبُوا وجَلبُوا: من الصِّياح.

وقال الزجاج في «فَعَل، وأفْعَلَ» : أجلب على العدوِّ وجلب، إذا جمع عليه الخيل.

وقال ابن السِّكيت: يقال: هم يجلبون عليه؛ لمعنى أنهم يعينون عليه.

وروى ثعلبٌ عن ابن الأعرابيِّ: أجلب الرجل على الرجل، إذا توعَّده بالشرِّ، وجمع عليه الجمع، فعلى قول الفرَّاء معنى الآية: صح عليهم بخيلك ورجلك، وعلى قول الزجاج: اجمع عليهم كلَّ ما تقدر عليه من مكائدك، وعلى هذا تكون الباء في قوله: «بخيلك» زائدة.

وعلى قول ابن السِّكيت: معناه: أعن عليهم بخيلك ورجلك ومفعول الإجلاب على هذا القول محذوف، تقديره: استعن على إغوائهم بخيلك ورجلك، وهو يقرب من قول ابن الأعرابيِّ.

والمراد بالخيل والرجل: قال ابن عباس: كلُّ راكبٍ أو راجلٍ في معصية الله، فهو من خيل إبليس وجنوده.

وقال مجاهدٌ وقتادة: إن لإبليس جنداً من الشياطين بعضهم راكبٌ، وبعضهم راجلٌ.

وقيل: المراد ضرب المثل؛ كما يقال للرجل المجدِّ في الأمر: جئت بالخيل والرجل، وهذا الوجه أقرب، والخيل يقع على الفرسان، قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ:

«يا خَيْلَ الله، اركبي» .

وقد يقع على الأفراس خاصة.

قوله: «ورجلك» قرأ حفص بكسر الجيم والباقون بسكونها، فقراءة حفص «رَجِل» فيها بمعنى «رَجُل» بالضم بمعنى: راجل، يقال: رَجِل يَرْجِل: إذا صار راجلاً، مثل: حَذِر وحَذْر، ونَدِس ونَدْس، وهو مفرد أريد به الجمع.

وقال ابن عطية: هي صفة، يقال: فلان يمشي راجلاً، إذا كان غير راكب، ومنه قول الشاعر:

3438 - ... ... ... ... ....... ... ... ... ... . رجلاً إلا بأصحاب

يشير إلى البيت المشهور، وهو: [البسيط]

أما أقاتل عن ديني على فرس ... ولا كذا رجلاً إلا بأصحابِ

اراد فارساً ولا راجلاً.

وقال الزمخشري: إن «فَعِلاً» بمعنى «فاعل» ، نحو: تَعِب وتاعب، ومعناه: جمعك الرجل، وبضم جيمه أيضاص فيكون مثل: حَذِرَ وحَذُرَ ونَدِسَ ونَدُسَ، وأخوات لهما.

وأما قراءة الباقين، فتحتمل أن تكون تخفيفاً من «رَجُل» بكسر الجيم أو ضمها، والمشهور: أنه اسم جمع لراجلٍ، كرَكْبٍ وصَحْبٍ في راكبٍ وصاحبٍ، والأخفش يجعل هذا النحو جمعاً صريحاً.

وقرأ عكرمة «ورِجَالِكَ» جمع رجلٍ بمعنى راجل، أو جمع راجل كقائم وقيام. وقرئ «ورُجَّالِكَ» بضم الراء وتشديد الجيم، وهو جمع راجل، كضاربٍ وضُرَّاب.

وقال ابن الأنباري - رَحِمَهُ اللَّهُ -: أخبرنا ثعلبٌ عن الفراء، قال: يقال: راجلٌ ورَجِلٌ ورَجْلٌ ورَجْلان بمعنى واحد.

والباء في «بخَيْلِكَ» يجوز أن تكون الحالية، أي: مصاحباص بخيلك، وأن تكون مزيدة كما تقدم، قال:

3439 - ... ... ... ... ... ... . ..... ... . . لا يَقْرَأنَ بالسُّورِ

ورابعها: قوله تعالى: ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الأموال والأولاد﴾ والمشاركة في الأنوال، قال مجاهدٌ، والحسن، وسعيد بن جبيرٍ: كل ما أصيب من حرامٍ، أو أنفق في حرامٍ.

وقال قتادة: هو جعلهم البحيرة والسَّائبة والوَصِيلةَ والحَامَ.

وقال الضحاك: هو ما يذبحونه لآلهتهم.

وقال عكرمة: هو تبكيتهم آذان الأنعام.

وقيل: هو جعلهم من أموالهم شيئاً لغير الله، كقولهم: ﴿هذا للَّهِ بِزَعْمِهِمْ وهذا لِشُرَكَآئِنَا﴾ [الأنعام: 136] والأوَّل أظهر، قاله القاضي. وأما المشاركة في الأولاد، فقال عطاء عن ابن عباسٍ: هو تسمية الأولاد ب «عَبدِ شمسٍ، وعَبْدِ العُزَّى، وعَبْدِ الحَارثِ، وعَبْد الدَّار ونحوها» .

وقال الحسن وقتادة: هو أنَّهم هوَّدُوا أولادهم، ونصَّروهم ومجّسُوهم.

وقيل: هو إقدامهم على قتل الأولاد.

وروي عن جعفر بن محمدٍ، أن الشَّيطان يقعد على ذكر الرَّجل فإذا لم يقل: بسم الله، أصاب معه امرأته، وأنزل في فرجها كما ينزل الرَّجل وروي في بعض الأخبار «إنَّ فيكم مُغربِينَ، قيل: وما المُغرِبُونَ؟ قال: الذين يشارك فيهم الجنّ» . وروي أنَّ رجلاً قال لابن عبَّاس: إنَّ امراتِي استيقظت وفي فرجها شعلةُ نَارٍ، اقل: ذلِكَ من وطْءِ الجِنِّ.

وفي الآثار: إنَّ إبليس، لمَّا أخرج إلى الأرض، قال: يا ربِّ، أخْرَجتَنِي من الجنَّة؛ لأجل آدم فسلِّطنِي عليه، وعلى ذُرِّيته، قال: أنت مسلَّطٌ، قال: لا أستطيعه إلا بكا فزدني، قال: استفزز من استطعت منهم بصوتك.

قال آجم: يا ربِّ، اسلَّطت إبليس عليَّ، وعلى ذُريَّتي، وإنَّني لا أستطيعهُ إلاَّ بك، قال: لا يُولَدُ لك ولدٌ إلاَّ وكَّلتُ بِهِ مَنْ يَحْفظونهُ.

قال: زِدْنِي! قال: الحسنةُ بعشرِ أمثالها، والسَّيئةُ بمثلها، قال: زدْنِي، قال: التَّوبةُ معروضةٌ ما دَامَ الرُّوحُ في الجسدِ، قال: زدْنِي، فقال: ﴿قُلْ ياعبادي الَّذِينَ أَسْرَفُواْ﴾ [الزمر: 53] .

وخامسها: قوله تعالى ﴿وَعِدْهُمْ﴾ .

قيل: معناه: قل لهم: لا جنَّة، ولا نار، ولا بعث.

وقيل: [خذ] منهم الجميل في طاعتك، أي بالأمانِي الباطلة؛ كقوله لآدم - صلوات الله عليه -: ﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هذه الشجرة إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الخالدين﴾ [الأعراف: 20] .

وقيل: عدهم بشفاعةِ الأصنامِ عند الله، والأنساب الشريفة، وإيثار العاجل على الآجل.

واعلم أنَّ مقصود الشيطان الترغيب في اعتقاد الباطل، وعمله، والتَّنفير عن اعتقاد الحقِّ، ومعلومٌ أنَّ الترغيب في الشيء لا يمكن إلاَّ بأن يقرر عنده ألاَّ بأن يقرَّر عنده أنه لا فائدة في فعله، ومع ذلك يفيد المضارَّ العظيمة، وإذا ثبت هذا، فالشيطان إذا دعا إلى معصيةٍ، فلا بدَّ وأن يتقرَّر أولاً: أنَّه لا مضرَّة في فعله ألبتَّة، وذلك لا يمكن إلا إذا قال: لا معاد، ولا جنَّة ولا نار، ولا حياة غير هذه الحياة الدنيا، فإذا فرغ من هذا المقام، قرَّر عنده أنَّ هذا الفعل يفيد أنواعاً من اللَّذة والسُّرور، ولا حياة للإنسان في هذه الحياة الدنيا إلاَّ به، فتفويتها غبنٌ وخسران؛ كقوله: [الطويل]

3440 - خُذُوا بِنَصِيبٍ مِنْ نَعيمٍ ولَذَّةٍ ... فَكُلٌّ وإنْ طَالَ المَدَى يَتَصَرَّمُ

فهذا هو طريقُ الدَّعوة إلى المعصية، وأمَّا طريقُ التنفير من الطاعات، فهو أن يقرِّر عنده أوَّلاً أنه لا فائدة فيها للعبادِ والمعبود، فكانت عبثاً، وأنَّها توجبُ التَّعب والمحنة، وذلك أعظم المضارِّ.

فقوله: ﴿وَعِدْهُمْ﴾ يتناول جميع هذه الأقسام.

قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعِدُهُمُ الشيطان﴾ من باب الالتفات، وإقامة الظاهر مقام المضمر؛ إذ لو جرى على سننِ الكلامِ الأوَّل، لقال: وما تعدهم، بالتاء من فوق.

قوله تعالى: ﴿إِلاَّ غُرُوراً﴾ فيه أوجهٌ:

أحدها: أنه نعت مصدر محذوف وهو نفسه [مصدر] ، الأصل: إلا وعداً غروراً، فيجيء فيه ما في «رجلٌ عدلٌ» [أي] : إلاَّ وعداً ذا غرورٍ، أو على المبالغةِ، أو على: وعداً غارًّا، ونسب الغرور إليه مجازاً.

الثاني: أنه مفعول من أجله، أي: ما يعدهم ممَّا يعدهم من الأماني الكاذبة إلاَّ لأجل الغرور.

الثالث: أنه مفعولٌ به على الاتِّساعِ، أي: ما يعدهم إلا الغرور نفسه.

والغرورُ: تزيينُ الباطل مما يظنُّ أنه حقٌّ.

فإن قيل: كيف ذكر الله هذه الأشياء، وهو يقول: إنَّ الله لا يأمر بالفحشاء.

قيل: هذا على طريق التهديد؛ كقوله: ﴿اعملوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: 40] وكقول القائل: اعمل ما شئت؛ فسترى.

ولما قال تعالى له: افعل ما تقدر عليه، قال سبحانه: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ .

قال الجبائي - رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى -: المراد كلُّ عباد الله تعالى من المكلَّفين؛ [لأن الله] تعالى استثنى منه في آياتٍ كثيرةٍ من تبعه بقوله: ﴿إِلاَّ مَنِ اتبعك﴾ [الحجر: 42] ثم استدلَّ بهذا على أنه لا سبيل لإبليس وجنوده على تصريع النَّاس، وتخبيط عقولهم، وأنه لا قدرة له إلاَّ على الوسوسة، وأكَّد ذلك بقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فاستجبتم لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُمْ﴾ [إبراهيم: 22] .

وأيضاً: لو قدر على هذه الأفعال، لكان يجب أن يخبط أهل الفضل والعلم، دون سائر النَّاس؛ ليكون ضرره أتمَّ، ثم قال: وإنَّما يزولُ عقله؛ لأنَّ الشيطان يقدم عليه، فيغلب الخوف عليه، فيحدثُ ذلك المرض.

وقيل: المراد بقوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي﴾ أهل الفضل والإيمان؛ لما تقدَّم من أنَّ لفظة العباد في القرآن مخصوصةٌ بالمؤمنين؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ على الذين يَتَوَلَّوْنَهُ﴾ [النحل: 100] .

ثم قال: ﴿وكفى بِرَبِّكَ وَكِيلاً﴾ أي: حافظاً، ومن توكل الأمور إليه، وذلك أنَّه تعالى، لمَّا وكل إبليس بأن يأتي بأقصى ما يقدر عليه من الوسوسةِ، وكان ذلك سبباً لحصول الخوف الشديد في قلب الإنسان، قال: ﴿وكفى بِرَبِّكَ وَكِيلاً﴾ ، أي أنَّ الشيطان، وإن كان قادراً؛ فإنَّ الله تعالى أقدر منه، وأرحم بعباده، فهو يدفع عنهم كيد الشيطان.

وهذه الآية تدلُّ على أنَّ المعصوم من عصمه الله تعالى، وأنَّ الإنسان لا يمكنه أن يحترز بنفسه عن مواقع الإضلال لأنَّه لو كان الإقدامُ على الحقِّ، والإحجام عن الباطلا إنما يحصل للإنسان من نفسه، لوجب أن يقال: وكفى للإنسان بنفسه في الاحتراز عن الشَّيطان، فلمَّا لم يقل ذلك، بل قال: ﴿وكفى بِرَبِّكَ﴾ علمنا أنَّ الكل من الله تعالى، ولهذا قال المحققون: لا حول عن معصية الله إلاَّ بعصمته، ولا قوة على طاعة الله إلا بتوفيقه.

فصل

قال ابن الخطيب: في الآية سؤالان: الأول: أن إبليس، هل كان عالماً بأن الذي تكلم معه بقوله: ﴿واستفزز مَنِ استطعت مِنْهُمْ﴾ هو إله العالم، أو لم يعلم ذلك؟ فإن علم ذلك، ثم إنه تعالى قال: ﴿فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَآؤُكُمْ جَزَاءً مَّوْفُوراً﴾ [الإسراء: 63] فكيف لم يصر هذا الوعيد الشديد مانعاً له من المعصية، مع أنَّه سمعه من الله تعالى من غير واسطة؟ وإن لم يعلم أنَّ هذا القائل هو إله العالم، فكيف قال: «أرأيتك هذا الذي كرمت علي» ؟! .

والجواب: لعلَّه كان شاكًّا في الكلِّ أو كان يقول في كلِّ قسم ما يخطر بباله على سبيل الظنِّ.

والسؤال الثاني: ما الحكمة في كونه أنظره إلى يوم القيامة، ومكَّنه من الوسوسة، والحكيمُ إذا أراد أمراً، وعلم أنَّ شيئاً من الأشياء يمنع من حصوله، فإنَّه لا يسعى في تحصيل ذلك المانع؟ .

والجوابُ: أمَّا مذهبنا، فظاهر في هذا الباب، وأمَّا المعتزلة، فقال الجبائيُّ: علم الله أن الذين كفروا عند وسوسته يكفرون، بتقدير ألا يوجد إبليس، وإذا كان كذلك، لم يكن في وجوده مزيد مفسدة.

وقال أبو هاشم: لا يبعد أن يحصل من وجوده مزيد مفسدة، إلاَّ أنه تعالى أبقاه تشديداً للتَّكليف على الخلق؛ ليستحقُّوا بسبب ذلك التشديد مزيد الثَّواب، وقد تقدَّم الكلام على ذلك في الأعراف والحجر.

17:66–68Page 288

رَّبُّكُمُ ٱلَّذِي يُزۡجِي لَكُمُ ٱلۡفُلۡكَ فِي ٱلۡبَحۡرِ لِتَبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِهِۦٓۚ إِنَّهُۥ كَانَ بِكُمۡ رَحِيمٗا ٦٦

It is your Lord who drives the ship for you through the sea that you may seek of His bounty. Indeed, He is ever, to you, Merciful.

وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ فِي ٱلۡبَحۡرِ ضَلَّ مَن تَدۡعُونَ إِلَّآ إِيَّاهُۖ فَلَمَّا نَجَّىٰكُمۡ إِلَى ٱلۡبَرِّ أَعۡرَضۡتُمۡۚ وَكَانَ ٱلۡإِنسَٰنُ كَفُورًا ٦٧

And when adversity touches you at sea, lost are [all] those you invoke except for Him. But when He delivers you to the land, you turn away [from Him]. And ever is man ungrateful.

أَفَأَمِنتُمۡ أَن يَخۡسِفَ بِكُمۡ جَانِبَ ٱلۡبَرِّ أَوۡ يُرۡسِلَ عَلَيۡكُمۡ حَاصِبٗا ثُمَّ لَا تَجِدُواْ لَكُمۡ وَكِيلًا ٦٨

Then do you feel secure that [instead] He will not cause a part of the land to swallow you or send against you a storm of stones? Then you would not find for yourselves an advocate.

قوله: تعالى: ﴿رَّبُّكُمُ الذي يُزْجِي لَكُمُ الفلك فِي البحر﴾ الآية.

اعلم أنه تعالى عاد إلى ذكر الدلائل الدالة على قدرته وحكمته ورحمته، وقد تقدم أن المقصود في هذا الكتاب الكريم تقرير دلائل التوحيد، فإذا امتدَّ الكلام في فصل من الفصول عاد الكلام بعده إلى ذكر دلائل التوحيد، فذكر ها هنا وجوه الإنعامات في أحوال ركوب البحر، فأوَّل كيفية حركة الفلك على وجه البحر، فقال جلَّ ذكره: ﴿رَّبُّكُمُ الذي يُزْجِي لَكُمُ الفلك فِي البحر﴾ والإزجاء سوق الشيء حالاً بعد حالٍ، وقد تقدَّم في تفسير قوله تعالى: ﴿بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ﴾ [يوسف: 88] أي: ربكم الذي يسير لكم الفلك على وجه البحر؛ ﴿لِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ﴾ في طلب التجارة ﴿إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً﴾ ، والخطاب في قوله: «ربُّكُمْ» وفي قوله «بِكُمْ» للكلِّ، والمراد من الرحمة: منافع الدنيا ومصالحها.

والثاني: قوله: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضر فِي البحر﴾ أي: خوف الغرق «ضَلَّ» ، بطل {مَن تَدْعُونَ} من الآلهة ﴿إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ إلا الله، فلم تجدوا مغيثاً سواه، ﴿فَلَمَّا نَجَّاكُمْ﴾ من الغرق، والشدة، وأهوال البحر، وأخرجكم ﴿إِلَى البر أَعْرَضْتُمْ﴾ عن الإيمان، والإخلاص، والطاعة؛ كفراً منكم لنعمه، ﴿وَكَانَ الإنسان كَفُوراً﴾ .

قوله تعالى: ﴿إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ : فيه وجهان:

أحدهما: أنه استثناءٌ منقطعٌ؛ لأنه لم يندرج فيما ذكر، إذ المراد به آلهتهم من دون الله.

والثاني: متصلٌ؛ لأنهم كانوا يلْجَئُونَ إلى آلهتهم، وإلى الله تعالى.

والثالث: ﴿أَفَأَمِنْتُمْ﴾ بعد ذلك ﴿أَن يَخْسِفَ بِكُم﴾ ربُّكم يغوِّر بكم [جانب] البرِّ.

قال الليث - رَحِمَهُ اللَّهُ -: الخسفُ والخسوف دخُولُ الشيءِ في الشَّيء، يقال عينٌ خاسفةٌ التي غابت حدقتها في الرَّأس، وعينٌ من الماس خاسفةٌ، أي: غائرة الماءِ، وخسفتِ الشَّمس أي: احتجبت، وكأنَّها وقعت تحت حجابٍ، أو دخلت في جحر، فقوله: ﴿يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ البر﴾ أي: يغيبكم في جانب البرِّ، وهو الأرض، وإنما قال: جانب البرِّ؛ لأنَّه ذكر البحر أولاً، فهو جانب، والبر جانبٌ، فأخبر الله سبحانه وتعالى؛ أنه كما كان قادراً على أن يغيبهم في الماءِ، فهو قادر على أن يغيبهم في الأرض، فالغرق تغييبٌ تحت الماء، كما أنَّ الخسف تغييبٌ تحت التُّراب.

وتقرير الكلام أنَّه تعالى ذكر أولاً أنَّهم كانوا خائفين من هول البحر، فلمَّا نجَّاهم منه آمنوا، فقال: هَبْ أنَّكم نجوتم من هول البحر، فكيف أمنتم من هو البرِّ؛ فإنَّه قادرٌ على أن يسلِّط عليكم آفاتِ البرِّ من جانب التَّحتِ، أو من جانب الفوق، فأما من جانب التَّحت، فالخسف، وأما من جانب الفوق، فإمطاركم الحجارة، وهو المراد من قوله ﴿أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً﴾ فكما يتضرعون إلى الله تعالى عند ركوب البحر فكذا يتضرَّعون إليه في كل الأحوال، والحَصَبُ في اللغة: المرمى، يقال: خصبته أحصبه، إذا رميته والحَصْبُ: الرَّميُ ومنه قوله تعالى:

﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: 98] ، أي: يُلقَوْنَ فيها، ومعنى قوله «حَاصِباً» أي عذاباً يحصبهم، أي: يرميهم بحجارةٍ.

قال أبو عبيدة والقتيبيُّ: الحاصبُ: الرِّيحُ التي ترمي بالحصباء، وهي الحصى الصِّغار؛ قال الفرزدق:

3441 - مُسْتَقْبِلينَ شَمالَ الشَّامِ تَضْرِبُهمْ ... حَصْبَاءُ مِيْلُ نَدِيفِ القُطْنِ مَنْثُورِ

ويسمَّى السَّحاب الذي يرمي بالبرد والثَّلج حاصباً، لأنه يرمي بهما رمياً، ولم يؤنثه: إمَّا لأنه مجازيٌّ، أو على النسب، أي: ذات حصبٍ.

وقال الزجاج: الحاصب التُّراب الذي فيه الحصباء، فالحاصب على هذا هو ذُو الحصباء، مثل اللاَّبن والتَّامر.

﴿ثُمَّ لاَ تَجِدُواْ لَكُمْ وَكِيلاً﴾ قال قتادة: مَانِعاً.

قوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنْتُمْ﴾ : استفهام توبيخ وتقريع، وقدَّر الزمخشريُّ على قاعدته معطوفاً عليه، أي: أنجوتم، فأمنتم.

وقوله تعالى جلَّ ذكره ولا إله إلا هو: ﴿جَانِبَ البر﴾ فيه وجهان:

أظهرهما: أنه منصوبٌ على الظرف. و «بِكُمْ» [يجوز] أن [تكون] حالية، أي مصحوباً بكم، وأن تكون للسببية.

قيل: ولا يلزم من خسفه بسببهم أن يهلكوا.

وأجيب بأنَّ المعنى: جانب البرِّ الذي أنتم فيه، فيلزم بخسفه هلاكهم، ولولا هذا التقدير، لم يكن في التوعُّد به فائدة.

قوله: «أن نخسف» «أو نُرسِلَ» «أو نُعِيدكم» «فَنُرْسِلَ» [ «فنُغْرِقكم» ] قرأها بنون العظمة ابن كثير، وأبو عمرو، والباقون بالياء فيها على الغيبة، فالقراءة الأولى على سبيل الالتفات من الغائب في قوله «ربُّكم» إلى آخره، والقراءة الثانية على سننِ ما تقدَّم من الغيبة.

17:69Page 289

أَمۡ أَمِنتُمۡ أَن يُعِيدَكُمۡ فِيهِ تَارَةً أُخۡرَىٰ فَيُرۡسِلَ عَلَيۡكُمۡ قَاصِفٗا مِّنَ ٱلرِّيحِ فَيُغۡرِقَكُم بِمَا كَفَرۡتُمۡ ثُمَّ لَا تَجِدُواْ لَكُمۡ عَلَيۡنَا بِهِۦ تَبِيعٗا ٦٩

Or do you feel secure that He will not send you back into it [i.e., the sea] another time and send upon you a hurricane of wind and drown you for what you denied?1 Then you would not find for yourselves against Us an avenger.2

قوله تعالى: ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ﴾ : يجوز أن تكون المتصلة، أي: أيُّ الأمرين كائن؟ ويجوز أن تكون المنقطعة، و «أن يعيدكم» مفعول به.

قوله «تَارةً» بمعنى مرَّة، وكرَّة، فهي مصدرٌ، ويجمع على تيرٍ وتاراتٍ، قال الشاعر: [الطويل]

3442 - وإنْسَانُ عَيْنِي يَحْسِرُ المَاءُ تَارةً فَيَبْدُو، وتَاراتٍ يَجُمُّ فيَغْرَقُ وألفها تحتمل أن تكون عن واوٍ أو ياءٍ، وقال الراغب: «وهو فيما قيل: [مِنْ] تار الجرحُ: التأمَ» .

قوله تعالى: «قَاصِفاً» القاصِفُ يحتمل أن يكون من «قَصَفَ» متعدِّياً، يقال: قصفت الرِّيحُ الشجر تقصفها قصفاً؛ قال أبو تمَّام: [البسيط]

3443 - إنَّ الرِّياحَ إذَا مَا أعْصفَتْ قَصفَتْ ... عَيْدانَ نَجْدٍ ولمْ يَعْبَأنَ بالرَّتمِ

فالمعنى: أناه لا تلفي شيئاً إلا قصفته، وكسرته.

والثاني: أن يكون من «قَصِفَ» قاصراً، أي: صار له قصيفٌ، ياقل: قَصِفتِ الرِّيحُ، تقصفُ، أي: صوَّتتْ، و «مِنَ الرِّيحِ» نعتٌ.

قوله تعالى: «قَاصِفاً» القاصِفُ يحتمل أن يكون من «قَصَفَ» متعدِّياً، ياقل: قصفت الرِّيحُ الشجر تقصفها قصفاً؛ قال أبو تمَّام: [البسيط]

3443 - إنَّ الرِّيَاحَ إذَا مَا أعْصفَتْ قَصفَتْ ... عَيْدانَ نَجْدٍ ولمْ يَعْبَأنَ بالرَّتمِ

فالمعنى: أنها لا تلفي شيئاً إلا قصفته، وكسرته.

والثاني: أن يكون من «قَصِفَ» قاصراً، أي: صار له قصيفٌ، يقال: قَصِفتِ الرِّيحُ، تقصفُ، أي: صوَّتتْ، و «مِنَ الرِّيحِ» نعتٌ.

قوله تعالى: ﴿بِمَا كَفَرْتُمْ﴾ يجوز أن تكون مصدرية، وأن تكون بمعنى «الذي» والباء للسببية، أي: بسبب كفركم، أو بسبب الذي كفرتم به، ثم اتُّسعَ فيه، فحذفت الباءُ، فوصل الفعل إلى الضمير، وإنَّما احتيج إلى ذلك؛ لاختلافِ المتعلق.

وقرأ أبو جعفرٍ، ومجاهدٌ: «فتُغْرِقَكُم» بالتاء من فوق أسند الفعل لضمير الرِّيح، وفي كتاب أبي حيَّان: «فتُغْرِقَكُمْ» بتاء الخطاب مسنداً إلى «الرِّيح» والحسن وأبو رجاء بياء الغيبة، وفتح الغين، وتشديد الراء، عدَّاه بالتضعيف، والمقرئ لأبي جعفر كذلك إلاَّ أنه بتاء الخطاب. قال شهاب الدين: هو إمَّا سهوٌ، وإمَّا تصحيفٌ من النساخ عليه؛ كيف يستقيم أن يقول بتاءِ الخطاب، وهو مسندٌ إلى ضمير الرِّيحِ، وكأنه أراد بتاء التأنيث، فسبقه قلمه أو صحَّف عليه غيره.

وقرأ العامة «الرِّيحِ» بالإفراد، وأبو جعفرٍ: «الرِّياح» بالجمع.

قوله: «به تَبِيعاً» يجوز في «بِهِ» أن يتعلَّق ب «تَجِدُوا» وأن يتعلق ب «تَبِيعاً» ، وأن يتعلق بمحذوفٍ؛ لنه حالٌ من «تبيعًا» والتَّبِيعُ: المطالب بحقِّ الملازمُ، قال الشَّماخ: [الوافر]

3444 - ... ... ... ... ... . كمَا لاذَ ... الغَريمُ مِنَ التَّبيعِ

وقال آخر: [الطويل] 3445 - غَدَوْا وغَدتْ غِزلانُهمْ فَكأنَّهَا ... ضَوَامِنُ مِنْ غُرْمٍ لهُنَّ تَبِيعُ

فصل

ومعنى الآية ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ أَن يُعِيدَكُمْ فِيهِ﴾ ، يعني في البحر ﴿تَارَةً أخرى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفاً﴾ .

قال ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: أي عاصفاً، وهي الرِّيح الشديدة وقال أبو عبيدة: هي الرِّيح التي تقصف كلَّ شيءٍ، أي: تدقٌّه وتحطمه ﴿فَيُغْرِقَكُم بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لاَ تَجِدُواْ لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعاً﴾ ناصراً ولا ثائراً، وتبيع بمعنى تابعٍ، أن تابعاً مطالباً بالثَّأر.

وقال الزجاج - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: من يتبعنا بإنكارِ ما نزل بكم، ولا من يتتبّعنا بأن نصرفه عنكم.

17:70Page 289

۞ وَلَقَدۡ كَرَّمۡنَا بَنِيٓ ءَادَمَ وَحَمَلۡنَٰهُمۡ فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ وَرَزَقۡنَٰهُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَفَضَّلۡنَٰهُمۡ عَلَىٰ كَثِيرٖ مِّمَّنۡ خَلَقۡنَا تَفۡضِيلٗا ٧٠

And We have certainly honored the children of Adam and carried them on the land and sea and provided for them of the good things and preferred them over much of what We have created, with [definite] preference.

وهذه نعمة أخرى عظيمة من نعم الله - تعالى - على الإنسان، وهي تفضيل الإنسان على غيره.

واعلم أنه ليس المراد من الكرمِ في المالِ. وعدَّاه بالتضعيف، وهو من كرم بالضَّم ك «شَرُفَ» ، قال ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما -: كلُّ شيءٍ يأكل بفيه إلاَّ ابن آدم يأكل بيديه.

وروي عنه أنه قال: بالعقل.

وقال الضحاك: بالنُّطق والتَّمييز.

وقال عطاء: بتعديل القامة، وامتدادخا.

وينبغي أن يشترط مع هذا شرطٌ، وهو طول العمر، مع استكمال القوَّة العقليَّة والحسيَّة والحركيَّة، وإلاَّ فالأشجار أطول قامة من الإنسانِ، والدَّوابُّ منكبَّة على وجوهها.

وقيل: بحسنِ الصورة؛ كقوله تعالى: ﴿فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ [غافر: 64] ولما ذكر خلقه للإنسان، قال: ﴿فَتَبَارَكَ الله أَحْسَنُ الخالقين﴾ [المؤمنون: 14] وقال جلَّ ذكره ﴿صِبْغَةَ الله وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ الله صِبْغَةً﴾ [البقرة: 138] .

وتأمَّل عضواً واحداً من أعضاء الإنسان، وهو العين، فخلق الحدقة سوداء، ثم أحاط بذلك السَّواد بياض العين، ثم أحاط بذلك البياض سواد الأشفار، ثم أحاط بذلك السواد بياض الأجفان، ثم خلق فوق بياض الجفن سواد الحاجبين، ثم خلق فوق سواد الحاجببين بياض الجبهة، ثمَّ خلق فوق بياض الجبهة سواد الشَّعر.

وقيل: الرِّجال باللحى، والنِّساء بالذَّوائب.

وقيل: بأن سخَّر لهم سائر الأشياء.

وقال بعضهم: من كرامات الآدميِّ أن آتاه الله الخطَّ.

وتحقيق الكلام: أن العلم الذي يقدر الإنسانُ على استنباطه يكون قليلاً، فإذا أودعه في كتابٍ، جاء الإنسان الثاني، واستعان بذلك الكتاب، ضمَّ إليه من عند نفسه آخر، ثم لا يزالون يتعاقبون، ويضمُّ كلُّ متأخرٍ مباحث كثيرة إلى علم المتقدِّمين، فكثرت العلومُ، وانتهتِ المباحثُ العقليَّة، والمطالب الشرعيَّة إلى أقصى الغايات، وأكمل النهايات، وهذا لا يتأتَّى إلا بواسطةِ الخطِّ، ولهذه الفضيلة؛ قال تعالى: ﴿اقرأ وَرَبُّكَ الأكرم الذى عَلَّمَ بالقلم عَلَّمَ الإنسان مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: 3 - 5] .

وقال بعضهم: إنَّ المخلوقاتِ أربعة أقسامٍ:

قسم حصلت له القوَّة العقليَّة الحكميَّة، ولم تحصل له القوَّة الشهواتيَّة، وهم الملائكة - صلوات الله عليهم - وقسمٌ بالعكس، وهم البهائم، وقسم خلا عن القسمين، وهم النباتُ والجمادات، وقسم حصل النوعان فيه، وهو الإنسان، ولا شكَّ أنَّ الإنسان؛ لكونه مستجمعاً للقوَّة العقلية، والقوى الشهوانيَّة، والبهيميَّة والنفسيَّة والسبعيَّة يكون أفضل من البهيمة والسَّبع، وهو أيضاً أفضل من الخالي عن القوتين؛ كالنبات والجمادات، وإذا ثبت ذلك، ظهر أنَّ الله تعالى فضَّل الإنسان على أكثر أقسام المخلوقات.

وأيضاً: الموجود: إمَّا أن يكون أزليًّا وأبدياً معاً، وهو الله تبارك وتعالى.

وإمَّا ألاَّ يكون أزليًّا ولا أبديًّا، وهم عالم الدنيا مع ما فيه من المعادن، والنبات، والحيوان، وهذا أخسُّ الأقسام، وإمَّا أن يكون أزليًّا، ولا يكون أبديًّا، وهو الممتنعُ الوجود؛ لأنَّ ما ثبت قدمه، امتنع عدمهُ، وإمَّا ألاَّ يكون أزليًّا، ولكنَّه يكون أبديًّا، وهو الإنسان، والملك، وهذا القسمُ أشرف من الثاني والثالث، وذلك يقتضي كون الإنسان أشرف من أكثر المخلوقات.

ثمَّ قال تعالى: ﴿وَحَمَلْنَاهُمْ فِي البر والبحر﴾ .

قال ابن عبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: في البرِّ على الخيل والبغالِ والحميرِ والإبلِ، وفي البحر على السُّفُن.

﴿وَرَزَقْنَاهُمْ مِّنَ الطيبات﴾ يعني لذيذ الطَّعام والمشارب، ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ على كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾ .

واعلم أنَّه قال في أوَّل الآية ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ .

وقال في آخرها: ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ﴾ ولا بدَّ من الفرق بين التكريم والتفضيل، وإلا لزم التَّكرار، والأقرب أن يقال: إنه تعالى فضَّل الإنسان على سائرِ الحيوانات بأمور خلقيَّة طبعيَّة ذاتيَّة؛ كالعقل، والنطق، والخطِّ، والصورة الحسنة، والقامة المديدة، ثم إنه تعالى عرضه بواسطة العقل والفهم لاكتساب العقائد الحقَّة، والأخلاق الفاضلة، فالأول: هو التكريم، والثاني: هو التفضيل.

فصل

ظاهرُ الآية يدلُّ على أنَّه فضَّلهم على كثيرٍ من خلقه، لا على الكلِّ، فقال قومٌ: فضِّلوا على جميع الخلق، لا على الملائكة، وهذا قول ابن عباس، واختيارُ الزجاج على ما رواهُ الواحديُّ في «البسيط» .

وقال الكلبيُّ: فضِّلوا على جميع الخلائف كلِّهم، إلاَّ على طائفةٍ من الملائكة: جبريل، ميكائيل، وإسرافيل، وملك الموت - صلوات الله عليهم أجمعين - وأشباههم.

وقال قوم: فضِّلوا على جميع الخلق، وعلى الملائكةِ كلِّهم، وقد يوضع الأكثر موضع الكلِّ؛ كقوله سبحانه ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ على مَن تَنَزَّلُ الشياطين﴾ [الشعراء: 221] إلى قوله: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾ [الشعراء: 223] أي: كلُّهم.

وروى جابرٌ يرفعه: قال «لمَّا خلق الله - عزَّ وجلَّ - آدم، وذريَّته، قالت الملائكة: يا ربُّ، خلقتهم يَأكلُونَ، ويَشْرَبُونَ، ويَنكِحُونَ، فاجعلْ لهمُ الدُّنْيَا، ولنَا الآخِرةَ، فقال تعالى: لا أجعل من خلقته بيدي، ونفخت فيه من روحي، كمن قلت له: كن فكان» .

والأولى أن يقال: عوامُّ الملائكة أفضل من عوامِّ المؤمنين، وخواصُّ المؤمنين أفضل من خواصِّ الملائكة، قال تعالى: ﴿إِنَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات أولئك هُمْ خَيْرُ البرية﴾ [البينة: 7] .

ورُوِيَ عن أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: «المُؤمِنُ أكْرَمُ على الله مِنَ المَلائِكَةِ الَّذينَ عِندَهُ» رواه البغويُّ وأورده الواحدي في «البسيط» .

واحتجَّ القائلون بتفضيل الملائكة على البشر على الإطلاق بهذه الآية.

قال ابن الخطيب: وهو في الحقيقة تمسُّكٌ بدليل الخطاب، وتقريره أن يقال: تخصيص الكثير بالذكر يدلُّ على أنَّ الحال في القليل بالضدِّ، وذلك تمسُّك بدليل الخطاب.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском